النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
ومنكراتٍ وأوهام ومغالطات ، ويدل كتاب الإحياء على أنه - وإن كان نشأ
نشأة علمية وعاشَ بين الكتب والتلاميذ - كان مُتصلاً بالمجتمع اتصالاً وثيقاً ،
وقد درسه دراسة عميقة ، وكان واسعَ الاطلاع على المدنيَّة في عصره ،
وأساليب الحياة ، وأجواء الطبقات. وإنَّ ما ذكره من أخلاق مختلفِ الطبقات
وعِلَلها ليدُل دلالة واضحة على قوة ملاحظته ، ودقّة نظره. وقد عقد في كتابه
باباً مستقلاً في المنكرات المألوفة في العادات والتقاليد التي ألِفَها الناسُ ، فلا
يشعر كل واحد بأنها مُنكراتٌ دخيلةٌ على الحياة الدينية ، وقد دقَّق فيها
واستوعبها استيعاباً لا يقدر عليه إلا من عاشر الناس معاشرةً طويلة، وخَبر
الحياة ودرَسها دراسة واسعة عميقة ، ذكر فيها مُنكرات المساجد ومُنكراتٍ
الأسواق ، ومنكراتِ الشوارع ومُنكرات الحمامات ، ومنكرات الضيافة
والمُنكَرَات العامة (١).
وخصَّصَ الغزاليُ جزءاً من الكتاب بذَم الغُرور ، ذكر فيه أصناف المغتَزِين
وفِرَق كُلِّ صنف ، ذكر منهم المغترِّين من أهل العلم وفِرَقهم ، والمغترين من
المتصوَّفة ، والمغتَرِّين من أرباب الأموال وفِرَقهم ، وقد ذكر منافذ الشيطان
ومداخلَ النفس في هذه الطبقات وأصنافها ، وذكر من أفكارهم ومزالقهم
وعُقدهم النفسية مالا يطّلع عليها إلا عالمٌ كبيرٌ من علماء النفس ، ومُصلحٌ
اجتماعيّ ذكيٌّ له تجارب طويلةٌ ، ونظر نافذ.
وقد انتقَدَ العلماءَ والمشتغلين بالعلم في غُلوّهم في الإكثار من الجزئيات
الفقهية ، والخلافيات ، والكلام ، والجَدل ، والتعمُّق في العلوم الآلية:
كالنحو ، واللُّغة ، والشِّعر ، والغريب ، والانهماك به.
وانتقدَ الصوفية بالاكتفاء بحفظ أقوال المشائخ وأخبارهم.
ولاحظ أنَّ هذه العلوم لما كانت متعلقةً بعلوم الشرع اغترَّ بها أربابها .
فأما علمُ الطِّب والحساب والصناعات وما يُعلم أنه ليس من علوم الشرع،
(١) إحياء علوم الدين: ج ٢، ص ٢٩٤ - ٣٠٠.

٢٨٢
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
فلا يعتقِد أصحابها أنهم ينالونَ المغفرةَ بها من حيث إنها علوم؛ فكان الغرور
بها أقلّ من الغرور بعلوم الشرع (١).
وذكَرَ من التباسات الصُّوفية ومبالغاتهم شيئاً كثيراً يدلُّ على إنصافه
وتدقیقه (٢).
وقد ذَكَرَ عن المُعتَرين من أرباب الأموال طرائفَ وحقائقَ تدلُّ على النظر
العميق ، والفهم الديني الصحيح ، يقول:
((ربَّما يحرصون على إنفاق المال في الحج، فيحُجُّون مرة بعد أخرى ،
وربما تركوا جيرانهم جياعاً؛ ولذلك قال ابن مسعود: في آخر الزمان يكثر
الحُجاج بلا سبب! يَهون السفر عليهم ، ويُبسط لهم في الرزق ، ويَرجعون
محرومين مسلوبين ، يهوي بأحدهم بعيرُه بين الرِّمال والقفار ، وجارُه مأسور
بجنبه لا يُواسِیه)) (٣).
ويقول :
((وفرقةٌ أخرى من أرباب الأموال اشتغلوا بها ، يحفظون الأموال
ويُمسكونها بحكم البُخل ، ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا يُحتاج فيها إلى
نفقة ، كصيام النهار وقيام الليل ، وختم القرآن وهم مغرورون ، لأن البخل
المهلك قد استولى على بواطنهم ، فهو يحتاج إلى قمْعِه بإخراج المال ، وقد
اشتغل بطلب فضائل هو مُسْتَغْنٍ عنها ، ومثاله مثال من دخل في ثوبه حيَّةٌ وقد
أشرف على الهلاك وهو مشغول بطبخ السَّكنجبين ليُسكّن به الصَّفراء ، ومن
قَتَلتْهُ الحية متى يحتاج إلى السكنجبين!؟ ولذلك قيل لبشر الحافي: إن فلاناً
الغنيُ كثيرُ الصوم والصلاة؛ فقال: المسكين؛ ترك حاله ، ودخل في حال
غيره؛ وإنما حال هذا إطعام الطعام للجياع، والإنفاق على المساكين، فهذا
(١) إحياء علوم الدين: ج٣، ص ٣٤٣.
(٢) المصدر السابق: انظر المجلد الثالث، صفحة: ٣٤٥ - ٣٥٠.
(٣) المصدر السابق: انظر: المجلد الثالث، صفحة: ٣٥١.

٢٨٣
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
أفضل له من تجويعِه نفسه ، ومن صلاتِه لنفسه مع جمعه للدينار ومنعِه
للفقراء (١) !.
ويقول عن العامّة وطوائف من الأغنياء والفقراء:
((وفرقةٌ أخرى من عوام الخلق وأرباب الأموال والفقراء ، اغترُّوا بحضور
مجالس الذكر ، واعتقدوا أن ذلك يُغنيهم ويكفيهم ، واتخذوا ذلك عادة ،
ويظنُّون أنَّ لهم على مُجرد سماع الوعظ - دون العمل ودون الاتعاظ - أجراً ،
وهم مَغرورون؛ لأن فضل مجلس الذكر لكونه مُرغُّباً في الخير ، فإن لم يُهيِّجِ
الرغبة؛ فلا خير منه ، والرغبةُ محمودة؛ لأنها تبعث على العمل ، فإن ضعُفتَ
عن الحملِ على العمل ، فلا خير فيها. وما يُراد لغيره إذا قَصَّر عن الأداء إلى
ذلك الغیر فلا قيمة له.
وربَّما يَغتر بما يسمعه من الوعظ من فضل حضور المجلس ، وفضل
البكاء ، وربما تدخله رِقَّة كرِقَّةِ النساء فيبكي ولا عزمَ ، وربما يسمع كلاماً
مخوفاً ، فلا يزيد على أن يصفق بيديه ويقول: يا سلام سلُّم! أو نعوذ بالله! أو
سُبحان الله! ويظنُّ أنه قد أتى بالخير كلُّه وهو مغرور.
وإنَّما مثاله مثال المريض الذي يحضر مجالس الأطباء ، فيسمعُ
ما يجري ، أو الجائع الذي يحضر عنده من يصف له الأطعمة اللذيذة الشهية ثم
ينصرف ، وذلك لا يُغني عنه من مرضه وجوعه شيئاً ، فكذلك سماعُ وصف
الطاعات - دون العمل بها - لا يغني من الله شيئاً؛ فكلُّ وعظ لا يغير منك
صفةً تغييراً يُغيِّر أفعالك؛ حتى تُقبل على الله تعالى إقبالاً قوياً أو ضعيفاً ،
وتُعرض عن الدنيا ، فذلك الوعظ زيادةُ حجةٍ عليك، فإذا رأيتَه وسيلةً لك
كُنتَ مغروراً» (٢).
وفي هذه القطع كلها يظهر الغزاليُ مُصوّراً حاذقاً ، يتناول بريشته البارعة
(١) إحياء علوم الدين: ج٣، ص ٣٥٢.
(٢) المصدر السابق: ج٢ ، ص ٣٥٢.

٢٨٤
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
مجتمعَ عصره ، فيُصوّر مخايله وقسماتٍ وجهه ، ويُجسِّم دقائقه وتجاعيده ،
ويَظهر في ذلك كله ذكاؤه ، وسعةُ اطلاعه ، ودقة ملاحظته ، وبَراعة
تصويره ، وسلامةُ تفكيره.
مَكانتُه بين عُلماء الأخلاق:
ويدُلُّ كتابُ الإحياء على مكانته العالية بين علماء الأخلاق ، وقد بحث عن
الأخلاق ودوافِعها ومنشئها وأصنافها بحثاً دقيقاً عميقاً ، وتكلّم في أمراض
القلب وأسبابها وعلاجها كلاماً يجمع بين الحكمة والعلم والتجربة والتربية.
وإنَّ من يقرأ بحثه المستفيض في بيان سبب كون الجاه محبوباً بالطبع ، حتى
لا يخلو عنه قلبٌ إلا بشديد المجاهدة ليخضَع ويقر بذكائه ودراسته للطبيعة
البشرية، وتحليله العلمي، وعقلِه الكبير (١).
وقد استحقَّ الغزاليُ ببحوثه العميقة في الأخلاق ، وبتأليفه العظيم («إحياء
علوم الدين)) أن يُوضع في الصف الأول من علماء الأخلاق ، وأن يكون موضع
دراسة وعناية من الباحثين في علم الأخلاق ، وعلم النفس ، والمؤرخين لهذا
الموضوع.
كتابُ تَرغيب وتهذيب:
ومِن أشدِّ أجزاء الكتاب تأثيراً في النفس ، ما يشتمل على الترغيب
والترهيب ، يُصوّر الغزالي غرور الدنيا وخلود الآخرة ، والحاجة إلى الإيمان
والعمل الصالح وتهذيب النفس ، ويُحذّر من أمراض القلب ، ويُحاسب
النفس ، ويدافع عنها ، ويعتذر كأحسن ما يعتذر صديقٌ محبٌّ ، ومحامٍ بارعٌ.
ثم يجيب عن ذلك ويُقيم عليها الحجة كأحسن ما يفعل ذلك قاض نابغةٌ ،
ومُشِّع بصيرٌ.
(١) انظر ((إحياء علوم الدين)) المجلد الثالث، صفحة: ٢٤١ - ٢٤٤.

٢٨٥
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
ثم يُرقِّق القول ويَصفُ العلاج ، كأحسن ما يفعل طبيبٌ حاذق ، ومُربّ
عطوف ، ويجيء بالعجب العُجاب ، ويَسحر الألباب ، ويُدمع العيون ،
ويُرقق القلوب.
وقد أثّرتْ هذه المواعظ الحكيمة الرقيقة في قلوب الألوف ، وأحدثت في
حياتهم انقلاباً وتحولاً عظيماً ، ومن شاء فليقرأ المرابطة السادسة في توبيخ
النفس ومعاتبتها (١).
وقد أصبَحَ كتاب الإحياء بذلك كُلُّه كتاب إصلاح وتربية ، وكأنَّ المصنف
حاول أن يكون هذا الكتاب - كمرشد ومرب ـ مغنياً عن غيره ، قائماً مقام
المكتبة الإسلامية؛ لذلك جعله يحتوي على العقائد ، والفقه ، وتزكية
النفس ، وتهذيب الأخلاق ، والحصول على مرتبة الإحسان.
تَضِرُّرُ بعض الناس من كتاب الإحياء:
ولكن ممَّا يُلاحظ أنَّ كثيراً ممَّن يقتصر على مطالعة هذا الكتاب ، أو يُكثر
من قراءته ويُشغَف به ، ينشأ عنده غُلوٌّ في الزهد والتقشُّف ، ومخالفةٍ
النفس في المباحات ، والكراهة للحياة ، والإكثار من الرياضات
والمجاهدات؛ حتى تتأثر بذلك صِحَّتهُ وعقله ، خصوصاً في هذا العصر الذي
ضَعُفت فيه القِوى والأجسام ، لذلك يَمنعُ بعضُ المربين الحكماء عن مطالعة
هذا الكتاب في بداية الحالِ ، خصوصاً الذين عندهم تأثّر قويٌّ ، وانفعالٌ
سريعٌ؛ ولعلَّ السبب في ذلك أنَّ الغزالي صنَّفه في حالةٍ قد غلب عليه فيها
الخوفُ والهيبةُ، وكان متأثراً شديدَ التأثرِ؛ فجاء كلامه صورةَ نفسيَّته وتأثُّره ،
وقد جمعَ فيه أقوالاً كثيرة في الزهد وقَهْرِ النفس وعِصيانها ، لا تخلو من
المبالغة والإسراف.
والحقُّ ، أنَّ السيرة النبوية - ويدخل فيها الحديث الصحيح - على صاحبها
(١) انظر ((إحياء العلوم)) المجلد الرابع، صفحة: ٣٥٦ - ٣٥٨.
٠

٢٨٦
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
الصلاة والتحية - هي المدرسةُ الوحيدة الي تُربي تلاميذَها على الاعتدال الكامل
والتوازن الصحيح. و((كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر)) (١).
ويُمثِّل ذلك بعضَ التمثيل قدوةٌ دينية تجمع بين العلم الراسخ ، والسيِّرة
المستقيمة ، والقلب الحي الفائض قد تشرَّب السيرة وتذوّق السنَّة ، وذاقَ
حلاوة الإيمان ، وحاز اليقين.
ولم يزل ولا يزال الدين يؤخذ من الأحياء ، ويقوم بالأحياء ، ولم يكن
الإنسان في دورٍ من الأدوار غنياً عن القدوة والصحبة.
فضل كتاب الإحياء:
وعلى ما تُعقّب على الغزاليّ في الإحياء من إيراد أحاديث ضعيفة ، بل
موضوعة في كثير من الأحيان(٢)، وأشياء من كلام الصوفية الممعِنة في الغلو ،
وهضم النفس وترك المباحات ، وقد لا تتفق مع أصول الدين ، ومع ما ورد فيه
من مواد كلام الفلاسفة ... إلى غير ذلك من مآخذ تعقَّبها العلامة الحافظُ ابن
الجوزي (٣)، وشيخُ الإسلام ابن تيمية (٤)، مع اعترافهما بفضل الكتاب؛ فإن
كتاب الإحياء في مقدمة الكتب الإسلامية ، التي انتفع بها خلائق لا تحصى في
كلِّ عصرٍ وجيلٍ ، وأثّرت في النفوس تأثيراً لا يُعرف إلا عن كتب معدودة ،
ولا يزال الكتاب الذي يَكثُر قراؤه والمُعجَبون به ، والمتأثِّرون به في أكثر
البلاد ، ولا يزال ثروةً زاخرة في الدين ، ومصدراً قوياً من مصادر الإصلاح
والتربية .
(١) من كلام الإمام مالك رضي الله عنه.
(٢) قام الحافظ الإمام زين الدين العراقي صاحب الألفية بتخريج أحاديث الإحياء وتعريف
درجاتها سماه («المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار)) طبع مع
الإحياء بمطبعة مصطفى البابي الحلبي.
(٣) انظر: ((المنتظم)) لابن الجوزي ج٩ ص ١٦٩ - ١٧٠ طبع دائرة المعارف حيدر آباد.
(٤) انظر: ((فتاوى ابن تيمية)) ج٢ ص ١٩٤.

٢٨٧
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
شخْصِيَّةُ الغزاليِّ وفَضْلُهُ:
لا شكَّ أنَّ الغزالي من نوابغ الإسلام وعُقُولِهِ الكبيرة ، ومن كبار قادة الفكر
الإسلامي ورجالِ الإصلاحِ والتجديد الذين لهم فضلٌ كبير في بعث الروح
الدينية ، وإيقاظٍ الفكر الإسلامي ، والدعوة إلى حقائق الإسلام وأخلاقه ،
وفي مقاومة الغَزوات العقلية التي كانت تجتاح المجتمع الإسلامي والفكر
الإسلامي. ومهما قيل فيه ، وقيلَ عنه ، فإنَّ إخلاصه أسمىُ مِن أن يُشكَّ فيه.
وإنَّ عُلوَّ هِمَّته في جميع العلوم والنبوغ فيها ، ثم علو همته في طلب
الحقيقة واليقين ، ثم عُلوَّ همته في طلب الآخرة وتحقيق غاية الوجود ، لا يزال
موضع استغراب وتقدير وإكبار من الجميع ، وإنَّ ما خلفه من آثار وتُراث علمي
ثروةٌ علميةٌ إسلامية لا يُستهان بقيمتها ، ولا يُنكَرِ فضلُها في عصر من العصور.
سلامُ الله على هذه الروح الزكية والهمة العالية والعقل الإسلامي الكبير!
وصلَّى الله على سيدنا ومولانا محمدٍ وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلی یوم
الدین(١) .
(١) [قد انتهتْ إلى هنا تلك المحاضرات التي ألقاها العلامةُ المؤلّف في مدرج جامعة دمشق
عام ١٧٣٥ هـ - ١٩٥٦ م كأستاذٍ زائرٍ بكلية الشريعة التابعة لها، ثم أضاف بعد رجوعه
إلى الهند - خمس محاضرات جديدة إلى الكتاب كما صرَّح به في حاشية المحاضرة
الحادية عشرة القادمة].

الإمام عبد القادر الجيلاني
عَصْرُهُ، حَيَاتُهُ، صِفَتُهُ، تأثِيُرُهُ.
دَعْوَتُهُ، إِصْلاحُهُ، وَفَضْلُهُ، وَفَضْلُ خُلفَائِهِ في
تَجَدِيدِ الإِيمَانِ والدَّعوة إلى الإِسْلامِ.

٢٩١
الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته
المحاضرة الحادية عشرة:
الإمامُ عَبْدُ القادر الجيلانيِّ
عصرهُ ، حياتهُ، صِفَتُهُ ، تأثيرُهُ
الحاجةُ إلى الدعوة الشعبيّة والإصلاح العام(١).
لقد قام حُجَّةُ الإسلام الغزالي ، بشخصيته الفريدة القوية ، وجهادِهِ العلمي
والإصلاحي ، بدور عظيم في تاريخ الإصلاح والتجديد ، وكان الرجلَ
المطلوب للدفاع عن الإسلام عند هجوم الفلسفة اليونانية ، وإلحادِ الباطنية ،
وانحراف العلماء ، ولكن ظلَّ العالم الإسلامي في حاجة شديدةٍ إلى داعٍ
شعبي ، وشخصية روحية رفيعة ، أكثرَ اتصالاً بالشعب وطبقاتِ الجماهير ،
يَنْفُخُ في المجتمع بدعوته، ومواعظِهِ ، وبتزكيته للنفوس ، وإصلاحه
للأخلاق ، روحاً دينية ، وحياة إيمانية.
وقد كانت الكثرةُ الكاثرةُ من المسلمين فريسةً العِلَل الخُلقية والاجتماعية ،
وقد انتشر فيها التعطُّل والغفلة والجهالة والنفاق ، ولَم تُؤَثِّر المناقشاتُ
العلمية ، والفلسفات الملحدة إلا في الطبقة المثقفةِ الراقية ، وخاصَّة الخاصَّةِ.
(١) زاد المحاضرُ بعد رجوعه إلى الهند محاضرات جديدة عن الإمام عبد القادر الجيلاني
ومولانا جلال الدين الرومي، ضمت إلى الكتاب.

٢٩٢
الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته
وقد ظلَّتِ المَلكِيَّةُ المطلقةُ والحكومة الشخصيةُ ، تعملان عملهما في
أخلاق الشعب طيلة أربعة قرون ، وقد وُجِدَت بتأثيرهما طبقة كبيرة لا همّ لها
في الحياة إلا الحصول على الثَّروة والتَّرفِ ، أو نيل الجاه والشرف ، وقد كانت
لا تجحدُ بالله والآخرة كعقيدة؛ ولكنها قد نسيتِ الله بتاتاً ، وكانت تعيش في
ذهول عن الآخرة ، وتحيا حياة مُترفَة لاهية.
وقد أنشبتِ الحضارةُ العجميَّةُ أظفارها في المجتمع الإسلامي ، وتَغَلْغَلتِ
العاداتُ العجمية والتقاليد الجاهلية في نظام الحياة ، وارتفعَ مستوى المعيشة
في الحواضر الإسلامية ارتفاعاً عظيماً، وتضخّمتْ تكاليف الحياة وضرائب
المجتمع - وهو ما يفرضُه من لباس ومظاهر وآداب هي أقسى من ضرائب
الحكومة - ووُجدت أُمّةٌ من ((رجال البلاط)) وحاشيةِ الأمراء، ونُدماء أبناء
الملوك، وعُبَّاد الأغراض ، ومُنتهزي الفرص ((النفعيين)).
وقد كانت الطبقةُ الوسطى على أثر الأمراء والأغنياء ، وكان العامة والعَمَلةُ
والفلّحون خاضعين لأخلاق الطبقة الوسطى ، يرون الشرف في تقليدها
والتشبّه بها ، وكان الذين يملكون وسائلَ الحياة والسَّعة في المعيشة
يستخدمونها في التمتع بالحياة وإرضاءِ الشهوات.
أمَّا الذين حُرِمُوها، فَكانوا يقضون حياتهم في تَحَسُّرٍ وَتوجع ، ويعتبرون
نفوسهم - مهما أوتوا من العلم والنَّسَب والأخلاق الفاضلة - أذلَّ من الدواب
والأنعام.
وكان أصحابُ اليسار والأموال لا يعرفون الإيثار والعطف على الضعفاء
والبر بالفقراء ، والشكرَ على ما أكرمهم الله به من سَعةٍ ورخاء.
أمّا البؤساء والكادحون فكانوا لا يعرفون الصبر والرضا ، والألفة والإباء ،
وهكذا فقدتِ الحياة اتزانها وهدوءها ، وأصيبت بنوبة عصبية عنيفة، لا يُرى
إلا من سيطر على أموال عظيمة ، وتَسلَّط على هلكتها واستغلالها للهوى
والشباب ، أو الجاه والنفوذ، وإلا مَن يَحسُد هذه الطبقة ويعيشُ في هموم

٠
٢٩٣
الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته
وغموم لا أرجاء لها ، ولا تنتهي إلا مع الحياة ، فلا دنيا يلهو بها وَيقضي
وطره ، ولا دين يلجأ إليه وَيَعْتُ به.
كان المجتمعُ الإسلاميُ - بكل ما ذكرناه - في حاجة مُلِخَّةٍ إلى دعوة دينية
تُخفِّفُ غَلواء حُبِّ الدنيا ، وتحُدَّ من شدَّته وحدَّته ، وتوقِظُ في النفوس الإيمانَ
وتثير عقيدة الآخرة ، وتُحرِّك في القلوب الحُبَّ لله والحنينَ إليه، وتَحثُّ على
الطموح وعُلوِّ الهِمَّة وبذلِ الجهد في الحصول على علم الله الصَّحيح وعبادته ،
ونَيَّل رضوانه والمسابقة في سبيله ، وتدعو إلى التوحيد الكامل ، والدين
الخالص ، دَعوةً صريحة مكشوفة ، وتُبيِّن ضعفَ أهل الدنيا وأصحابِ الثروة
ورجالِ الحكومة وفقرهم، في قوة ووضوح وثقةٍ واعتداد بالنفس ، وأنَّ
الأسبابَ لا قوة لها ولا تأثير، وأنها مُسخَّرةٌ خاضعة لإرادة الله تعالى يتصرَّف
فيها ، وَيملِكُها وَيُصَرِّفُها كيفَ يشاء.
مُؤَهّلاتُ الدَّاعيِ العلميّة:
يتّسم القرنُ الخامس والسادس في تاريخ الإسلام بسَعةٍ في العلم وتقدُّم في
الآداب ، وقد نبغ فيهما علماءُ كبار ومؤلّفونَ بارعون. وقد كان من رجال
أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس والسابع العلامةُ ((أبو إسحاق
الشِّيرازي)» (ت٤٧٦هـ) و((حُجة الإسلام الغزالي)» (ت٥٠٥ هـ) و((أبو الوفاء ابن
عقيل)) (ت٥١٣ هـ) و((عبد القادر الجُرجاني)) (ت ٤٧١ هـ) و ((أبو زكريا
التَّبريزي)) (ت ٥٠٢ هـ) و((أبو القاسم الحريري)) (ت ٥١٦ هـ) و((جار الله
الزمخشري» (ت٥٣٨ هـ) و((القاضي عياضٌ المالكي)) (ت٥٤٤ هـ) الذين ظلُّوا
قروناً مسيطرين على العقول والاتجاهات ، وكانوا مدارسَ أدبية علمية.
لم يكن لأحدٍ في هذا العهد الزاخر بالحياة العلمية ونوابغ الفن كالقرنِ
الخامس والسادس، وفي بلد زاخر بالمدارس وحلقات الدروس کبغداد أن يُؤثر
في مجتمعه الذي قطعَ شوطاً واسعاً في العلم ، وانتشرتِ الثقافة في طبقاته
انتشاراً كبيراً ، ولم يكن له أن يلفت إليه الأنظار ، وينفذ إلى أعماق النفوس

٢٩٤
الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته
والقلوب ، وتخضعَ له الطبقات المثقفة وحَملَةُ لواء العلم في عصره ، إلَّ إذا
كان عاليَ الكعب طويلَ الباع في العلوم السائدة ، متضْلَّعاً من علوم الدين
والدنيا ، قد أقرّ له معاصروه بالفضل ، وشهد له علماء بَلَدِهِ بغزارة العلم وسَعةِ
المعارف.
وكان يَجِبُ أن يكون هذا الدَّاعي صاحِبَ بيان ولسان ، يخاطب العلماء
والمثقَّفين في أسلوبهم ، والعامةَ في أسلوبها ، وكان يجبُ أن يكون صاحب
نفس زكية ، وهِمَّةٍ قوية مُؤثرة ، وعلى جانب عظيم من الزهد والقناعة
والعزوفٍ عن الشهوات وکبر النفس.
يجد ضِعافُ الإيمان وضعاف النفوس في مجالِسه قوةً اليقين وحرارة
الإيمان .
ويجد أهل الشكِّ والارتياب السكينة والإذعان.
ويجدُ أصحابُ النفوس القَلقة والقلوب الجريحة المنكسرة الهدوء والعزاء
والسلوان.
وَيجد هواةُ الحقائق والمعارف وأصحابُ الدراسات العلومَ الدقيقة
والنُّكت اللطيفة.
ويَجد أصحاب البطالة والعُطلة وأصحابُ القلوب الخامدة ما يملؤُهم
حماسةً وإيماناً ، وما يحَفِزُهم إلى العمل والجهاد.
ويَجدُ عُبَّاد اللذات والشهوات والمترفون في الحياة ، الذين تجرؤوا على
المعاصي والمحارم، ما يبعث فيهم الإقلاع والنَّدامة والتوبة والإنابة.
وبالجملة ، يجدُ كل أحد في مجالسه غناءه ودواءه وغذاءه وشِفاءَه ويقف
كمنارةٍ عالية من الإيمان والعلم في بَخْرٍ من الظلمات والجاهلية ، يأوي إليها
الغَرقى ويهتدي بها الحائرون ، ويَخلف الأنبياءَ في دعاء الخلق إلى الله ،
ودعوة الناس إلى دار السلام ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، ويَخلُفون

٢٩٥
الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته
الأنبياء في تهذيب النفوس وتجديد الصلة بالله تعالى ، والتذكير بالآخرة ،
وإيثارها على الدنيا ، وتجريد التوحيد وإخلاص الدين لله تعالى.
وذلك كلُّه من أهم مقاصد بعثة الأنبياء ومِن أعظم أهدافهم، ولا يُمكن أن
يبقى الإسلام كدين ونظام خُلقي وأسلوب للحياة ودعوة مؤثّرة حتى يكون له
دُعاة مجددون من هذا الطراز.
لقد كانت وطأةُ الحكومة التي كان على رأسها الملوك المسلمون الذين
يتسمَّون بالخلفاء شديدةً على المجتمع الإسلامي ، ولقد كان للمسلمين اندفاع
قويٌّ إلى الجاهلية ، ولقد كانت هذه الأوضاع خطراً كبيراً على الإسلام وعلى
((المِزاج)) الإسلامي؛ فكان المجتمع الإسلامي المُحاط بهذه الأخطار في حاجةٍ
شديدة إلى مُصلح دينيٌّ ومُجَدِّدٍ إسلاميٍّ من الطبقة الأولى ، يُحارب الجاهلية
التي تسرَّبت إلى الإسلام ، في عاصمتها وفي أوجها ، وينفخُ روحاً إيمانية
جديدة في هذا العالم المنهار.
لقد وُجد هذا المصلحُ في شخص الشيخِ ((عبد القادر الجيلاني))، الذي
ظهر في بغداد في آخر القرن الخامس ، وتسلّم الزعامة الدينية ، وعاش نحو
قرن فرداً فريداً في الدعوة إلى الله ، والتفَّ حوله العالم الإسلامي ، وأثر فيه
تأثيراً لم يؤثّر مثله عالم أو مصلح من مدَّة طويلة .
دراسته ونبوغه:
وُلِدَ الشيخ عبد القادر الجيلاني سنة ٤٧٠ هـ في جيلان (١) ، ينتهي نسبُه
إلى الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنهما، دخل بغداد سنة ٤٨٨ هـ، وله ثماني
عشرة سنة ، وهي السَّنة التي خرج فيها أبو حامد الغزالي من بغداد تاركاً
(١) جيلان أو كيلان ويقال أيضاً بلاد الديلم، ولاية من القسم الشمالي الغربي من بلاد
فارس، يحدها شمالاً ناحية تاليس الروسية، وجنوباً بغرب سلسلة جبال البرز الفاصلة
بينهما وبين أذربيجان وعراق العجم، وجنوباً بشرق مازندران، وشمالاً بشرق بحر
قزوين، وهي تعد من أجمل ولايات فارس ((دائرة المعارف للبستاني)).
:

٢٩٦
الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته
لتدريس النظامية، زاهداً في الدنيا طالباً للمعرفة واليقين (١) ، وأقبل إلى العلم
بهمة عالية وجد وحرص ، ولم يُعقه شغفه بالعبادة والاشتغال بالله عن الاشتغال
بالعلم ، ولم يرضَ بالقناعة في العلم والاقتصار على القليل الذي لا بد منه.
قرأ العلومَ السائدة في عصره على أساتذتها والمبرزين فيها ، وأتقَنها ومهَر
فيها ، وحصلت له فيها اليد الطولى ، ومن شيوخه أبو الوفاء ابنُ عقيل ،
ومحمد بن الحسن الباقلاني ، وأبو زكريا التبريزي ، وأخذَ الطريقة عن الشيخ
أبي الخير حماد بن مسلَّم الدَّبَّاس (٢) ، وأكملها عند القاضي أبي سعيد
المخَّمي (٣) ، وحصلت له الإجازة عنه.
الإصلاح والإرشاد:
عُنِيَ الشيخ عبد القادر- بعدما أتم دراسته العلمية والروحية - بإصلاح
وإرشاد الخلق إلى الحق ، وجمع بين الرئاسة الدينية والرئاسة العلمية ، وكان
أبو سعيد قد بنى مدرسة لطيفةً بباب الأزج ، فَفُوَّضتْ إليه ، وتكلّم مع الناس
بلسان الوعظ ، وظهرَ له صِيتٌ ، فضاقت مدرسته بالناس من ازدحامهم على
مجلسه فجلس للناس عند السور أياماً ، ثم وُسِّعت بما أُضيف إليها من المنازل
والأمكنة التي حولها. وبذل الأغنياءُ في عمارتها أموالهم ، وعمِل الفقراء فيها
بأنفسهم ، واكتملت المدرسة في سنة ثمان وعشرين وخمسمئة، وصارت
منسوبةً إليه ، وتصدّر بها للتدريس والفتوى والوعظ ، مع الاجتهاد في العلم
والعمل.
(١) البداية والنهاية: ج ١٢، ص ١٤٩.
(٢) قال الشعراني: انتهت إليه رئاسة تربية المريدين، وانتمى إليه معظم مشايخ بغداد
وصوفيتهم في وقته. توفي سنة ٥٢٥ هـ.
(٣) هو المبارك بن علي بن الحسين. قال عنه ابن كثير: سمع الحديث وتفقه على مذهب
أحمد، وناظر وأفتى ودرس، كان حسن السيرة، جميل الطريقة، سديد الأقضية، توفي
سنة ٥١١ هــ.

٢٩٧
الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته
وجمعَ الله قلوب عباده على حبه ، وألهج ألسنتهم بالثناء عليه، وانتهت إليه.
رئاسة العلم والتربية والإصلاح والدعوة إلى الله بالعراق ، وقصَده الناس من
الآفاق، ورَزقه اللهُ من الوجاهة والقَبول ما أزرى بوجاهة الملوك والسلاطين،
وهابَهُ الخلفاء والملوك والوزراء فَمَن دونهم.
قال الشيخ موفّق ابن قُدامة صاحب ((المُغني)): ((لم أر أحداً يُعظّم من أجل
الدين أكثر منه)). وكان يحضر مجالسه في بعض الأحيان الخليفة والملوك
والوزراء فيجلسون متأدبين خاشعين. أما العلماء والفقهاء فلا يأتي عليهم
حصر، وقد عُدَّ في بعض مجالسه أربعمئة مَحبرةٍ(١).
صِفَتُه وأَخْلاقُهُ:
كان مِن أخلاقه أن يقف مع جلالةٍ قَدره مع الصغير والجارية ، ويُجالس
الفقراء ويُفلِّي لهم ثيابهم؛ وكان لا يقوم قطّ لأحدٍ من العظماء وأعيان
الدولة ، ولم يُلمَّ قَطّ بباب وزيرٍ ولا سلطان (٢) ، وكان إذا جاءه خليفةٌ أو وزير
يدخل الدار ثم يخرج حتى لا يقوم له (٣) ، وقد اتفقت الألسنة وشهاداتُ
المعاصرين على حُسن خُلقه وعُلُوٌّ هِمَّته ، وتواضعه لله تعالى ، وسخائِهِ وإيثاره
لغيره .
قد وصفه أحدُ رجال عصره ((جرادة)) وقد عاشَ طويلاً ، وصحب كثيراً من
الشيوخ الكبار ، فقال:
((ما رَأتْ عينايَ أحسن خُلقاً ، ولا أوسع صدراً ، ولا أكرم نفساً،
ولا ألطف قلباً، ولا أحفظَ عهداً ووداً من سيدنا الشيخ عبد القادر ، ولقد كان
- مع جلالة قدره ، وعُلوِّ منزلته ، وسَعةِ علمه - يقف مع الصغير، ويُوقِّر
(١) ملخصاً من المنتظم، والبداية، وذيل طبقات الحنابلة والطبقات الكبرى.
(٢) الطبقات الكبرى: للشعراني، ص ١٢٧ .
(٣) المصدر السابق: للشعراني، ص ١٢٨ .

٢٩٨
الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته
الكبير ، ويبدأ بالسلام ، ويجالس الضعفاء ، ويتواضع للفقراء ، وما قام لأحد
من العظماء ولا الأعيان ، ولا ألمّ بباب وزير ولا سلطان)) (١).
وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف البِرْزَاليُ الإشبيلي:
((كان مجابَ الدعوة ، سريعَ الدَّمعة ، دائمَ الذكر ، كثيرَ الفكر ، رقيقَ
القلب ، دائمَ البشر ، كريمَ النفس؛ سَخِيَّ اليد ، غَزِيرَ العلم ، شريفَ
الأخلاق ، طيّبَ الأعراق، مع قَدَمِ راسخٍ في العبادة والاجتهاد)) (٢).
وقال مفتي العراق ، محيي الدين أبو عبد الله بن حامد البغدادي: ((كان
أبعدَ الناس عن الفُحش ، أقربَ الناس إلى الحق ، شديدَ البأس إذا انتُهِكَت
محارمُ الله عزَّ وجلَّ ، لا يغضب لنفسه ، ولا ينتصِرُ لغير ربه)).
كان له غَرامٌ بإطعام الطعام ، والإنفاق على ذوي الحاجة والعاهة؛ قال
العلَّمة ((النَّجار)) في تاريخه: قال الجبّائي: قال الشيخُ عبد القادر: ((فَتَّشْتُ
الأعمال كلَّها ، فما وجدتُ فيها أفضل من إطعام الطعام ، ولا أشرف من
الخُلقِ الحَسن. أَوذُ لو كانت الدنيا بيدي أطعمتُها الجائع)).
وقال: قال لي: ((كفِّي مثقوبةٌ لا تضبط شيئاً ، لو جاءني ألفُ دينار لم تَبِتْ
عندي)) (٣).
وقال صاحب ((قلائد الجواهر)): ((كان رضي الله عنه يأمُر كل ليلة بِمدّ
البساط ، ويأكل مع الأضياف ، ويُجالس الضعفاء ، وَيصبر على طلبة العلم ،
لا يظُن جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، ويتفقَّد من غَابَ من أصحابه ، ويَسأل
عن شأنهم ، ويَحفظ وُدَّهم، ويعفو عن سيئاتهم ، ويُصدِّق من حلف له ،
ويُخفي عِلمَه فيه)) (٤).
(١) قلائد الجواهر: ص ٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٩.
(٣) المصدر السابق: ص ١٠ .
(٤) المصدر السابق: ص ٩.

؛
الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته
٢٩٩
إحياءُ القُلوب الميّتةِ:
اتفق المؤرِّخون على كثرة كرامات الشيخ عبد القادر؛ قال الشيخ موفق
الدين صاحب ((المغني)): لم أسمع عن أحد يُحكى عنه من الكراماتِ أكثر مما
يحكى عن الشيخ عبد القادر.
وذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ((إنه لم تتوافر كراماتُ أحد من
المشائخ إلا الشيخ عبد القادر؛ فإن كراماتِهِ نُقلت بالتواتر)» (١) وكذلك قال شيخ
الإسلام ابن تيمية (٢).
ولكنْ من أَجلِّ كراماته إحياء موات(٣) النفوس والقلوب ، وزرعُ الإيمان
وخشية الله وحبّه فيها ، وإشعال مجامر القلوب التي انطفأت من جديد؛ فقد
أعاد اللهُ به إلى قلوب لا يحصيها إلا الله حياةً وإيماناً ، وهبَّت بمواعظهِ وتربيته
رياح من الإيمان عاشتْ بها قلوب ميتة ، ونشطت بها نفوسٌ خامدة ، وانطلقت
في العالم الإسلامي موجة من الإيمان الجديد ، والروحانية القوية ، والأخلاق
الفاضلة ، والتقوى.
وقد هيَّأ اللهُ له الزعامة الدينية والروحية في العالم الإسلامي فاختار له بغداد
- عاصمة المملكة العباسية وقلب العالم الإسلامي - وجاءته بغداد - وهي من
أكبر مُدن العالم - تَسعى، وازدحم الناس عليه ازدحاماً كبيراً، قال: ((كان
يجلس عندي رجلان وثلاثة يسمعون كلامي ، ثم تسامَع بي الناس وازدحَم عليّ
الخلق؛ فكنت أجلس في المصلَّى بباب الحلبة ، ثم ضاق على الناس ،
فأخرجوا الكُرسيّ إلى داخل السُّرر بين التنانير ، وكان الناس يجيئون في الليل
(١) ذيل طبقات الحنابلة: لابن رجب.
(٢) جلاء العينين: للألوسي.
الموات: الأرض الخالية من السكان، أو التي لا ينتفع بها أحد. وفي الحديث: ((من
أحيا مواتاً من الأرض فهي له)). [كما في السنن الكبرى للبيهقي (١٤٧/٦) برقم
(١١٥٩٣)].
.(٣)

٣٠٠
الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته
على الشمع والمشاعل ، يأخذُون لهم مواضع، ثم ضاق على الناس الموضعُ ،
فحُمل الكرسي إلى خارج البلد ، وجُعل في المُصلَّى ، وكانوا يجيئون على
الخيل والبغال والحمير والجمال، وَيقفون ما دار المجلس كالسُّرُر ، وكان
يحضر المجلس نحوٌ من سبعين ألفاً)) (١).
وكان لمَجالسه تأثيرٌ عظيمٌ ونفعٌ كثيرٌ؛ قال الشيخ عمر الكيساني: ((لم تكن
مجالس سيدنا الشيخ عبد القادر رضي الله عنه تخلو ممَّن يُسْلِم من اليهود
والنصارى ، ولا ممن يتوبُ من قطاع الطريق ، وقاتلي النفس ، وغير ذلك من
الفساق ولا ممن يرجع عن معتقدٍ سَيِّیء)) (٢).
وقد كان يشعر بذلك ويحمدُ الله عليه ، ويُفضله على ما كان يهواه من
الخلوة بالله والانقطاع عن الخلق والاشتغال بالعبادات.
قال الجُبائي: قال لي سيدنا الشيخ: ((أتمنى أن أكونَ في الصحاري
والبراري كما كنت في الأول، لا أرى الخلق ولا يرونني)) ثم قال: ((أراد الله عزَّ
وَجَلَّ مني منفعة الخلق؛ فإنه قد أسلم على يدي أكثر من خمسة آلاف من اليهود
والنصارى ، وتاب على يدي من العيارين والمسالحة (٣) أكثر من مئة
ألف ، وهذا خير كثير)) (٤).
وكان الشيخ يعتقد - بحق - أنه مكلّف بذلك مأمورٌ به ، يقول في المجلس :
((سبحان من ألقى في قلبي نُصحَ الخلق، وجعله أكبرَ همِّي! إني ناصحٌ،
ولا أريد على ذلك جزاء؛ أجرتي قد حصلتْ لي عند ربي عز وجل؛ ما أنا
طالبُ دنيا ، ما أنا عبد الدنيا ولا الآخرة ، ولا ما سوى الحقّ عز وجل ،
(١) قلائد الجواهر: ص ١٥ - ١٦.
(٢) المصدر السابق: ص٢٢ .
(٣) المسالح: الجماعة، أو القوم ذوو السلاح.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٢ .