النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم
أمَّا الكفر ، فلأنَّه نزَّله منزلةَ النبيِّ المعصوم من الزَّلَل الذي لا يثبت الإيمان
إلا بموافقته ، ولا يلزم الكفرُ إلا بمخالفته.
وأمّا التناقض: فهو أنَّ كل واحد من النُّظَّار يُوجب النظر ، وألاَّ تَرى في
نظرك إلا ما رأيتَ، وكلَّ ما رأيتَه حجة. وأيُّ فرق بين من يقول قَلِّدني في
مُجرد مذهبي ، وبين من يقول قلَّدني في مذهبي ودليلي جميعاً؟ وهل هذا إلا
التناقض)»؟ (١).
ومع كونِ الغزاليٌّ من كبار متكلِّمي الإسلام ومن كبارِ النُّظَّار ، فهو لا يُوافق
علم الكلام في جميع اتجاهاته؛ بل ينتقِده على غُلَوه وإسرافه ، وينتقد
المتكلمين على مؤاخذة عوام المسلمين بعلم الكلام ، وتكليفهم بمعرفة
الدلائل الكلامية ، والتقسيمات المرتبة ، وأن من يجهل ذلك ، ولم يعرف الله
عن طريق الكلام والأدلة المحررة ، فهو ناقصٌ في دينه أو شاٌ في يقينه.
وبيَّن - في شجاعة وصراحة - أنَّ الأمر أوسعُ من ذلك، وأنَّ الإيمان له
وسائلُ وطُرقٌ لا تنحصر في علم الكلام. يقول رحمه الله:
((مِنْ أشدِّ الناس غُلوّاً وإسرافاً طائفةٌ من المتكلِّمين، كفَّروا عوامَّ
المسلمين ، وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا ، ولم يعرف العقائد
الشرعية بأدلتنا التي حرّرناها ، فهو كافر ، فهؤلاء ضيَّقوا رحمة الله الواسعة على
عباده أولاً ، وجعلوا الجنةَ وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين ، ثم جَهِلوا
ما تواتر من السُّنة ثانياً؛ إذ ظهر لهم في عهد رسول الله رَّة ، وعصر الصحابة
رضي الله عنهم حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة
الوثن، ولم يشتغلوا بعلم الدليل، ولو اشتغلوا به لم يفهموه ، ومَنْ ظَنَّ أن
مَذْرَكَ الإيمان الكلامُ ، والأدلة المجردة ، والتقسيمات المرتبة ، فقد أبدَع جِدَّ
الإبداع ، بل الإيمان نور يقذفه الله في قلوب عبيده ، عَطِيةً وهدية من عنده ،
تارةً ببيّنة من الباطن لا يمكنه التعبير عنها ، وتارة بسبب رؤيا المنام ،
(١) فيصل التفرقة: ١٨.

٢٦٢
حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم
وتارة بمشاهدة حال رجل متدين ، وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته ،
وتارة بقرينة حال)) (١).
ويقول بعد سطور :
((نعم! لستُ أُنكر أنَّه قد يجوز أن يكون ذِكر أدلة المتكلّمين أحد أسباب
الإيمان في حق بعض الناس ، ولكن ليس بمقصور عليه ، وهو أيضاً نادر ، بل
الأنفع الكلام الجاري في معرض الوعظ كما يشتمل عليه القرآن.
فأمَّا الكلامُ المحرَّر على رسم المتكلمين، فإنه يُشعر نفوسَ المستمعين بأن
فيه صنعةً وجدَلاً ، ليعجز عنه العاميُ ، لا لكونه حقاً في نفسه؛ وربما يكون
ذلك سبباً لرسوخ العناد في قلبه، ولذلك لا ترى مجلس مناظرة للمتكلِّمين ولا
للفقهاء ينكشف عن واحد انتقل من الاعتزال أو بدعة إلى غيره ، ولا عن مذهب
الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة ، ولا على العكس.
وتجري هذه الانتقالات بأسباب أخر حتى في القتال بالسيف؛ ولذلك لم
تجر عادة السلف بالدعوة لهذه المجادلات؛ بل شدَّدوا القول على من يخوض
في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال)) (٢).
وازدادَ الغزاليُ - مع الأيام ، وبعد التجارب العلمية - اقتناعاً بأنَّ أسلوب
القرآن في الإقناع أبلغُ وأنفع وأعمُّ وأشمل للطبقات والمستويات الفكرية
المختلفة ، وبأنَّ علم الكلام علاجٌ مؤقتٌ ومختصٌّ بمَن نشأ عنده شكوك
وشبهات ، ولا حاجة للطبائع السليمة والعقول المستقيمة إليه .
أمّا القرآن فكالغذاء الصالح؛ والماء السائغ ، يحتاج إليهما كل إنسان
وينتفع ، ولا ضرر فيه ولا خطر. يقول في كتابه ((إلجام العوام عن علم الكلام))
الذي هو من آخر مؤلفاته :
(١) فيصل التفرقة: ص ٦٧ - ٦٨.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٩ - ٧٠ .

٢٦٣
حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم
((فأدلَّةُ القرآن مثلُ الغذاء ، ينتفع به كل إنسان ، وأدلةُ المتكلمين مثل
الدواء ، ينتفع به آحاد الناس ، ويَستضرُّ به الأكثرون؛ بل أدلة القرآن كالماء
الذي ينتفع به الصبيُ الرضيع ، والرّجل القوي ، وسائر الأدلة كالأطعمة
التي ينتفع بها الأقوياء مَرَّة ، ويَمرضون بها أخرى ، ولا ينتفع بها الصبيانُ
أصلاً)) (١).
ویذکر تجربته ومشاهدته کشاهدٍ على ذلك:
((والدليلُ على تضرُّر الخلق به المُشَاهدةُ والعَيان والتجربة ، وما ثار من
الشرِّ منذ نبغ المتكلُّمون وفشَتْ صناعة الكلام ، مع سلامة العنصر الأول من
الصحابة عن مثل ذلك)) (٢).
وهكذا تتجلَّى شخصيةُ الغزالي في نَقْدِ الفلسفة وعلم الكلام ، شخصية
فريدة مُستقلة التفكير ، قَويّة التأثير ، تمتازُ بسلامة الفكر ، واتّزان العقل ،
وحَصافة الرأي ، وعُمْق النظر ، والثِّقة بالنفس ، له منهجٌ خاص في نقد
الفلسفة ، وفي علم الكلام ، وإثباتِ العقيدة الإسلامية ، وهو ممَّن توفّرت
عندهُ أدوات الاجتهاد في هذا الموضوع ، فكان مِن أئمَّة هذا الفنَّ المجتهدين ،
ومن كبار المؤلِّفين المُنتجِين.
(١) إلجام العوام عن علم الكلام: المطبعة الميمنية ص ٢٠.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٠ .

٢٦٥
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
المحاضرة العاشرة:
حُجّةُ الإسلام الغزالي
مُصْلِحٌ اجتماعي
تحدَّثنا في الفصل السابق عن أُولى الناحيتين الرئيسيتين في تجديد الغزالي
وإصلاحه ، وهي ناحية نقد الفلسفة ، وتجديد علم الكلام ، ونتحدثُ في هذا
الفصل عن الناحية الثانية ، وهي الحسبة على المجتمع الإسلامي المعاصر ،
والدعوة إلى الأخلاق الإسلامية ، والروحِ ، والتحلي بالحقائق ، ويُمثِّل هذه
الناحيةَ کتابُه العظيم («إحياء علوم الدين)).
إحيّاءُ عُلوم الدّين:
إنَّ كتاب ((إحياء علوم الدين)) من كُتب الإسلام المعدودة التي أثّرت في حياة
المسلمين وتفكيرهم تأثيراً عميقاً ، وظلت تُسيطر على عقولهم ونفوسهم زمناً
طويلاً ، ولا يزال له نفوذٌ في الأوساط الدينية ليس لغيره ، ولم يزل العلماء
وأهل النظر يُثنون عليه ، ويعترفون بجلالة مكانته وتأثيره.
قال الحافظُ الإمام زين الدين أبو الفضل ، المعروف بالعِراقي ، صاحبُ
((الألفية في مصطلح الحديث)) (ت ٨٠٦): ((إنَّه من أجلٌّ كُتب الإسلام)) (١) ،
(١) تعريف الأحياء بفضائل الإحياء: للشيخ عبد القادر بن شيخ العيدروس، ص ١٤.

٢٦٦
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
وقال الشيخ عبد الغافر الفارسي - وهو معاصر للغزالي ومن تلاميذ إمام
الحرمين -: إنَّه من تصانيفه المشهورة التي لم يُسبق إليها)) (١) ، وقال الشيخ
أبو محمد الكَازَرُوْنِي: ((لو مُحِيتْ جميعُ العلوم لاستُخرجَتْ من الإحياءِ)) (٢).
وكان الإمام ((النووي)) شديد الإعجاب به ، عظيم الشغف.
إنَّ لهذه الأقوال ، وكثيراً مما نقله الآخرون ، إن لم تَخلُ من شيءٍ من
المبالغة ، فإنَّها تدل على خضوع الناس لتأثير الكتاب ، وظلَّ العلماءُ عاكفين
على مطالعته وشرحه (٣) وتلخيصه.
وكان الإمامُ ابن الجوزي (٥٩٧هـ) يَنتقِدُ على الغزالي في مواضع كثيرة ،
ويرى أنَّ كتاب الإحياء قد اشتمل على أحاديثَ كثيرة لا تَصِحُّ ولا تثبت على
طريق المحدِّثين(٤) ، ومع ذلك يَعترف بتأثيره ، وقد اختصر الإحياء في
کتاب ، وسمّاه ((منهاج القاصدين)).
وقد صنَّفَ الغزاليُ هذا الكتاب ، وقد خرج من بغداد في طلب السعادة
واليقين، واشتغل بالعبادة والمجاهدة والانقطاع عن الناس، ومرَّتْ به أدوارٌ من
الخوف والرجاء ، والزُّهد والتَّبَثُّل ، والمعرفة واليقين.
وصنّف هذا الكتاب بعدما تذوَّق كلّ من هذه الأحوال؛ فجاء الكتاب صورةً
لنفسيته وانطباعاته وتأملاته؛ لذلك كان شديدَ التأثير في نفوس قرائه؛ ولذلك
نجِدُه يتدفّق حياة وقوَّة.
لقد رأى الغزالي - بعدما أكرمه الله بالسعادة الروحية ، والمعرفة الحقيقية ،
وانكشفتْ له حقيقة العلم - حقيقةَ ما فيه أهلُ الدنيا ، من العكوف على اللذات
(١) تعريف الأحياء بفضائل الإحياء: ص ١٥.
(٢) المصدر السابق: ص ١٥.
(٣) من أجلٌّ هذه الكتب كتاب ((إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين)) في عشرين
مجلداً للعلامة السيد مرتضى الزبيدي البلكرامي الهندي (ت ١٢٠٥) وقد اشتمل على
مادة غزيرة فيما يتصل بالعلوم الدينية والأدبية.
(٤) راجع ((تلبيس إبليس)) لابن الجوزي.

٢٦٧
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
وعبادةِ الشهوات ، والتكالُب على الحياة ، وحقيقةَ ما فيه أهل العلم ورجالُ
الدين: من طلبٍ الجاه والرياسة ، ونيل الحظوةِ عند أهل الحكم والسياسة ،
والجدلِ الفارغ ، والنقاش الحاد ، والاكتفاء بمسائل الفروع والأحكام،
والانصراف عن علم الآخرة، وتهذيب النفس، وحقيقة ما فيه المنتدبون
للإصلاح والدعوة من الكلام المُزَخرف، واللَّفْظ المُسجَع ، والقصَص
المُلْهِية.
ورأى عموم الفساد ، وغفلة الناس ، وسُكوت العلماء ، وفُقدان النذير؛
فانبعثَ في نفسه داعيةٌ قوية لتأليف هذا الكتاب الذي يكشف عن الناس
الغطاء ، ويبين لكل طبقة من طبقات الأمة ما فيه هذه الطبقةُ من أوهام
وأحلام ، ويكونُ دعوة صارخة سافرة إلى الاستعداد للموت ، والتأهب
للآخرة ، والأخذ بلباب الدين وحقيقته ، والتحلي بالأخلاق الفاضلة ، وقد
ذكر ذلك في مقدمة كتابه ، يقول رحمه الله:
«فأدِلَّة الطريق هم العلماءُ الذين هم ورثة الأنبياء ، وقد شغَر منهُم الزمانُ ،
ولم يبق إلا المتمرِّسون ، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان ، واستهواهم
الطغيان ، وأصبحَ كل واحد بعاجل حَظُّه مشغوفاً؛ فصار يرى المعروف منكراً
والمنكر معروفاً؛ حتى ظل علم الدين مندرساً ، ومَنارُ الهدى في منطقة الأرض
منطمساً.
ولقد خيَّلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعينُ به القضاة على
فصل الخِصام عند تهاوش الطّغام ، أو الجَدل يتذرَّع به طالبُ المباهاة إلى
الغَلَبَة والإفحام ، أو سَجْعٌ مزخرفَ يَتوسَّلُ به الواعظ إلى استدراج العوام ، إذا
لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدةً للحرام ، وشَبكة للحطام.
فأمّا علمُ طريق الآخرة ، وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه
في كتابه فقهاً وحكمة ، وعلماً وضياء ونوراً ، وهداية ورشداً ، فقد أصبح من
بين الخلق مطوياً ، وصار نسياً منسياً ، ولما كان هذا ثلماً في الدين مُلماً،
وخطباً مُدلهماً ، رأيتُ الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مُهمّاً لإحياء علوم

٢٦٨
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
الدين ، وكشفاً عن مناهج الأئمة المتقدمين ، وإيضاحاً لمناحي العلوم النافعة
عند النبيين والسلف الصالحين)) (١).
نَقْدُ المجتمع والحسبَةُ عَلیه:
وكان لابدَّ للإصلاح الذي نَهض له الغزالي ، وجاشتْ له نفسه ،
وتحرَّكت مواهبه ، أن يعرف المجتمع الإسلامي مواضعَ الضعف والفساد في
حياته ، ويَعرف علَله وأدواءه ، وكان لابد لذلك من أن تَعرف طبقاتُه
المختلفة ، كيف لَبَّس عليها إبليس؟ وما هي الأوهام التي تعيش فيها؟ وكيف
تغيرتِ المفاهيم الدينية؟ وكيف تشوَّهت الحقائق؟ وكيف تشاغلَ الناس
بالظواهر والأشكال والرسوم؟ وكيف ابتعدوا عن الحقائق والمقاصد ، حتى
أصبح المجتمعُ كله - إلا من عصمَ اللهُ - في شُغْل شاغل عن الآخرة ، وما ينفع
فيها وما يلزم لها؟ وأصبح المفكّرون في أمور الآخرة ، والسَّاعون لرضا الله
تعالى قِلَّةً قليلةً.
عَرف الغزاليُ هذا قبل أن يُؤلِّف الكتابَ؛ فنظر إلى المجتمع من خلال
المقاييس الدينية الصحيحة؛ فبيَّن بكل صراحة وقوة ما وقعَ فيه من انحرافٍ
وابتعاد عن الجادة ، وتناوَلَه طبقةً طبقةً ، فذكر أمراضَها ومغالطاتِها ، وميَّزَ بين
المقاصد والغايات ، والوسائل والآلات ، وقسّم العلوم: بين العلوم الدينية
وبين العلوم الدنيوية ، وبين العلوم المحمودة والعُلوم المذمومة ، وبین فَرض
العين وفرض الكفاية ، ونبّه على ما هو فرضٌ ومُتَعيِّنٌ في زمانه لا يسع العالِم
تركُه، وما فيه مُتَّسَعٌ ومندوحة ، وذكر العلل التي تَخُصُّ الأغنياء وأهل اليسار
وذكر أوهامَهم وغرورهم ، وانتقدَ الملوك والأمراء بشجاعة ، وأنكَر عليهم
مظالمهم وأعمالهم المخالفة للشرع ، وقوانينهم المعارضة للدين ، وذكر شيئاً
كثيراً من أمراض العامة ، والمُنكرات الفاشية في مختلف الطبقات ، والعادات
المذمومة والعوائد الجاهلية ، والبدع المنتشرة؛ وبذلك كان هذا الكتاب
(١) إحياء علوم الدين: ص ٣، ج١ طبع الحلبي.
٠

٢٦٩
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
موسوعةً إسلامية اجتماعية ، وأوسعَ كتاب وأقواهُ في نقد المجتمع
والدعوة إلى الإصلاح.
العُلماء ورجَال الدِّين:
يعتقد الغزالي أنَّ التَّبعة الكبرى في هذا الفساد الشامل؛ والضَّعف في الدين
والانحلال في الأخلاق ، تقعُ على العلماء ورجال الدين ، وهم السبب الأول
في فساد هذه الأوضاع؛ لأنهم مِلْحُ الأمَّة ، وإذا فسد المِلحُ فما الذي يُصلحه؟!
ويتمثَّل الغزالي ببيت خُوطب فيه العلماء:
يا مَعْشَرَ الفُرَّاء يَا مِلْحَ البَلَدْ
ما يُصْلِحُ المِلْحَ إذا المِلْحُ فَسَدْ (١)
ويذكرُ كيف مَرضتْ قلوب الناس ، واشتدتِ الغفلة عن المعاد ، ويذكر
أسباب ذلك ، فيذكر منها مَرض العلماء واعتلالهم ، وهم أطبّاء القلوب ،
يقول:
((والثالثة : - وهو الدَّاء العُضَال ــ فَقْد الطبيب؛ فإن الأطباء هم العلماء،
وقد مرِضوا في هذه الأعصار مرضاً شديداً ، وعجزوا عن علاجه)).
ویقُولُ في موضِعٍ آخر:
((فإنَّ الأطباء هم العلماء ، وقد استولى عليهمُ المرض ، فالطبيبُ المريضُ
قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الدَّاءُ عُضَالاً ، والمَرض مُزمناً ، واندرس
هذا العلم ، وأُنكِر بالكلية طبُّ القلوب، وأُنكرَ مرضُها ، وأقبل الخلق على
حبّ الدنيا ، وعلى أعمالٍ ظاهِرُها عباداتٌ، وباطنُها عاداتٌ ومُراءاة)) (٢).
ويَردُّ الغزاليُ فساد الملوك والأمراء ، إلى ضعف العلماء وإهمالهم
لواجبهم يقول: ((وبالجملة إنما فسدت الرعية بفساد الملوك ، وفساد الملوك
(١) إحياء علوم الدين: ج١، ص ٥٤.
(٢) المصدر السابق: ج٣، ص ٥٤.

٢٧٠
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
لفساد العلماء ، فلولا القضاة السوء والعلماء السوء ، لقلَّ فساد الملوك ، خوفاً
من إنكارهم)) (١).
وَيلومُ الغزاليُ العلماء على تقاعدهم عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ، وكلمة الحق عند سلطان جائر ، ويُعلِّل ذلك بوقوع العلماء في شِباك
الأمراء ، وحُبِّهم للدنيا ، وطلبهم للجاه.
يقول - بعدما يروي حكايات تدل على شجاعة العلماء السلف ، وإنكارهم
على الملوك والكبراء - :
((فهذه كانت سيرةُ العلماء وعاداتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ، وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين ، لكنهم اتكلوا على فضل الله تعالى
أن يحرسهم، ورضُوا بحكم الله تعالى أن يرزقَهُم الشهادة ، فلمَّا أخلصوا للهِ
النيةَ أثَّر كلامهم في القلوب القاسية ، فليَّنَها ، وأزَال قَساوتَها.
وأمَّا الآن فقد قَيَّدتِ الأطماعُ ألسُنَ العلماء ، فسكتوا ، وإن تكلموا لم
تُساعد أقوالَهم أحوالُهم فلم ينجحوا ، ولو صدقوا وقَصدوا حقَّ العلم
لأفلحوا ، ففسادُ الرعايا بفساد الملوك ، وفساد الملوك بفساد العلماء ، وفسادُ
العلماء باستيلاء حبِّ المال والجاه ، ومن استولى عليه حُبُّ الدنيا لم يقدر على
الحُسبةِ على الأرذال ، فكيف على الملوك والأكابر؟ والله المستعانُ على كل
حالٍ)) (٢).
لاحظ الغزالي - وقد قضى مدة طويلة في التدريس والإفتاء ، وعاش بين
العلماء وخَبَر سيرتهم - أنه قد شُغل الناس بالجزئيات الفقهية ، والمسائل
الخلافية ، ووقَع الاكتفاء بعلم الفقه والفتيا ، وانصرفَ بذلك العلماءُ وطلبة
العلم عن العلوم النافعة ، والأشغال المفيدة الأخرى ، وشُغلوا عن العلم الذي
يُصلحون به نفوسهم ، وينالون به سعادة الدنيا والآخرة ، وجهلوه ، يقول:
(١) إحياء علوم الدين: ج٢، ص ١٣٢.
(٢) المصدر السابق: ص ١٢، ج٣.

٢٧١
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
((ولو سُئل فقيهٌ عن معنى من هذه المعاني ، حتى عن الإخلاص مثلاً ، أو
عن التوكّل ، أو عن وجه الاحتراز عن الرِّياء ، لتوقّف فيه ، مع أنه فرض عينٍ
والذي في إهماله هلاكُه في الآخرة.
ولو سألته عن اللعان ، والظهار، والسَّبق ، والرمي ، لسرد عليك مجلدات
من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج
لم تَخْلُ البلد ممَّن يقوم بها ، ويكفيه مؤنة التعب فيها ، فلا يزال يتعبُ فيها ليلاً
ونهاراً ، وفي حفظه ودَرسه ، ويغفلُ عما هو مهم لنفسه في الدين ، وإذا رُوجع
فيه ، قال: اشتغلت به لأنه علمُ الدين ، وفرض الكفاية ، ويُلِّسُ على نفسه
وعلى غيره في تَعلُّمهِ .
والفَطِنُ يعلم أنه لو كان غرضُه أداءَ حقِّ الأمر في فرض الكفاية ، لقدَّم عليه
فرض العين ، بل قدم عليه كثيراً من فروض الكفايات ، فكم من بلدة ليس فيها
طبيبٌ إلا من أهل الذمّة ! ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلّق بالأطباء من
أحكام الفقه ، ثم لا نرى أحداً يشتغل به ، ويتهافتون على علم الفقه لا سيما
الخلافيات والجدليات؛ والبلدُ مشحونٌ من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى ،
والجواب عن الوقائع.
فليت شعري ! كيف يُرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض الكفاية قد قام
به جماعة ، وإهمال ما لا قيام به؟ هل لهذا سببٌ إلا أن الطب ليس يتيسّر
الوصول به إلى تولِّي الأوقاف والوصايا ، وحيازةُ مال الأيتام وتقلُّد القضاء
والحكومة، والتقدمُ على الأقران، والتسلُّط به على الأعداء؟)) (١).
ولاحظَ كذلك - وقد شاهد بعينه - أنه قد نفقت سوقُ المناظرات في الفقه
والعقائد وعلم الكلام ، وطغتْ على كل شيء حتى أصبحتْ زينةَ الأعراس
والمآتم ، ومجالس الملوك والأمراء ، وأصبحت كسباقِ الخيل ، ونطاح
الأوعال ، وتَناقُر الدِّيَكةِ ، يتفرَّجُ عليه الأغنياء والأمراء.
(١) إحياء علوم الدين: ج١، ص ١٩ .

٢٧٢
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
وقد ذكر أنَّ عِظَم إقبال العلماء على هذا الفنِّ ، وبراعتهم فيه ، لرغبة
الملوك والأمراء في ذلك ، وتطوّرت مع تطوُّر رغبة الأمراء واتجاهاتهم ، وإنما
الملك سوقٌ يجلب إليها كل بضاعة تروج فيها ، وهو في ذلك يَظهر مُؤْرِّخاً
دقيقَ النظر ، قَويَّ الملاحظة ، يقول بعد ما ذكر الدور الأول:
(ثمَّ ظهَرَ بعدَهم من الصدور والأمراء من يسمع مقالات الناس في قواعد
العقائد ، ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها ، فعُلِمتْ رغبتُه إلى المناظرة
والمجادلة في الكلام؛ فأكبَّ الناس على علم الكلام، وأكثروا فيه التصانيف ،
ورتَّبوا فيه طرق المجادلات ، واستخرجوا فُنونَ المناقَضات في المقالات ،
وزعموا أنَّ غرضهم الذَّبّ عن دين الله ، والنضال عن السنَّة ، وقَمْع المبتدعة ،
كما زعم مَنْ قَبلهم أن غرضهم من الاشتغال بالفتاوى الدّينُ ، وتقلُّد أحكام
المسلمين؛ إشفاقاً على خلق الله ، ونصيحةً لهم.
ثمَّ ظهر بعد ذلك من الصدور، من لم يَستصوب الخوض في الكلام ، وفَتْحَ
باب المناظرة فيه؛ لما كان قد تولد من فتح بابه من التعصُّبات الفاحشة ،
والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد ، ومالت نفسه
إلى المناظرة في الفقه ، وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رضي الله
عنهما على الخصوص؛ فترك الناسُ الكلام وفنون العلم ، وانثالوا على
المسائل الخلافية بين الشافعيّ وأبي حنيفة على الخصوص ، وتساهلوا في
الخلاف مع مالك ، وسفيان ، وأحمد - رحمهم الله تعالى - وغيرهم، وزعموا
أنَّ غرضهم استنباط دقائقِ الشرع، وتقريرُ عِلل المذهب ، وتمهيدُ أصول
الفتاوى. وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات، ورتّبوا فيها أنواع المجادلات
والتصنيفات، وهم مُستمرون عليه إلى الآن ، ولسنا ندري ، ما الذي يُحدِث الله
فيما بعدنا من الأعصار؟
فهذا هو الباعثُ على الإكباب على الخلافيات والمناظرات لا غيرُ ، ولو
مَالتْ نفوسُ أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة ، أو إلى علمٍ آخر
من العلوم ، لمالوا أيضاً معهم ، ولم يسكتوا عن التعليل بأن ما اشتغلوا به هو

٢٧٣
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
عِلْمُ الدين ، وأنْ لا مطلبَ لهم سوى التقرُّب إلى رب العالمين)) (١).
وتكلَّم بعد ذلك الغزاليُ بتفصيل في آفاتِ المناظرة وما يتولَّدُ منها من
مُهلكات الأخلاق وقد عرفَ ذلك عن تجربة واختبار؛ فقد كانَ فارسَ هذا
الميدان وإماماً من أئمة هذا الشأن، وكلامُه كلامُ خبيرٍ مُجرِّب (٢).
وقد فَطِن الغزاليُ - لذكائه الباهر وتجربَتِه العلمية - أنَّ من أسباب الالتباس
وانخداع الناس بالمظاهر ، وبُعدِهم عن الحقائق ، هو أنه قد فشا في هذا
العصر استعمال كلمات القرآن والحديث في غير محلها ، وفي غير معناها
الأصيل القديم ، وصار يُفهم منها ما لم يكن يُفهم في العصر الأول؛ يَعقِدُ في
كتاب ((الإحياء)» فصلاً خاصاً في بيان ما بُدِّلَ مِن ألفاظ العلوم، ويقولُ في
مُفْتَتَحِه:
((اعلمْ أنَّ منشأَ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية تحريفُ الأسامي
المحمودة ، وتبديلُها ونقلها بالأغراض الفاسدة إلى معان غَير ما أراده السَّلَف
الصالح والقَزْن الأول، وهي خمسَة ألفاظ: الفقهُ، والعلمُ، والتوحيدُ ،
والتذكيرُ ، والحِكمة ، فهذه أسام محمودةٌ ، والمتَّصفون بها أربابُ المناصب
في الدين ، ولكنها نُقِلَتِ الآن إلى معانٍ مذمومة؛ فصارت القلوب تَنْفر عن
مذمَّة من يتَّصف بمعانيها لشُيوع إطلاق هذه الأسامي عليهم)) (٣).
ثُم شَرَحَ أنَّ اسمَ الفقه كان يُطلق في العصر الأول علی عِلْم طريقِ الآخرة ،
ومعرفةِ دقائق آفاتِ النفوس ، ومُفسدات الأعمال ، وقُوة الإحاطةِ بحقارة
الدنيا ، وشدَّة التطلع إلى نعيم الآخرة ، واستيلاءِ الخوف على القلب.
فخُصِّصَ في هذا العَصر بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى ، والوقوف على
دقائقٍ عِلَلِها ، واستكثار الكلام فيها ، وحِفظِ المقالات المتعلّقة بها.
(١) الإحياء: ج١، ص ٣٧ - ٣٨.
(٢) راجع الجزء الأول من كتاب ((الإحياء)) ص ٤٠ - ٤٣.
(٣) الإحياء: ج١، ص ٢٨.

٢٧٤
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
وكان لفظُ العلم يُطلق على العلم بالله تعالى ، وبآياتِه وبأفعاله في عباده
وخلقِه ، وتَصرَّف فيه أهلُ الزمان بالتخصيص ، حتى شهَروه في الأكثر بمن
يشتغل بالمُناظرة مع الخصوم في المسائل الفقهية وغيرها .
وكان التوحيدُ عند الأوَّلين ، هو أن يرى الإنسانُ الأمورَ كُلَّها من الله عز
وجل رُؤيةً تقطع التفاتَهُ عن الأسباب والوسائط؛ فلا يَرى الخير والشَّر كله إلا
منه جلَّ جلاله ، وقد جُعل الآن عبارة عن صناعة الكلام ، ومعرفةٍ طريق
المجادلة ، والإحاطة بطُرق مناقضات الخصوم ، والقُدرة على التشدق فيها ،
بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات وتأليف الإلزامات؛ حتى لقَّب طوائف منهم
أنفسَهم بأهل العَدْل والتوحيد ، وتسمَّى المتكلُّمون العلماءَ بالتوحيد.
والتذكيرُ هو الذي عناه الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىْ نَنْفَعُ
اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] فنُقْل ذلك إلى ما ترى أكثرَ الوعاظ في هذا الزمان
يُواظبون عليه ، وهو القصص ، والأشعار ، والشَّطْحُ ، والطَّامات.
والحِكمة هي التي أثنى الله عزَّ وجلَّ عليها فقال تعالى: ﴿يُؤْنِ اَلْحِكْمَةَ مَن
يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوْنِىَ خَيْراً كَثِيرًا ﴾ [البقرة: ٢٦٩] فصار اسم الحكيم
يُطلق على الطبيب والشاعر والمنجم؛ حتى على الذي يُدحرج القَرْعة على أكُفِّ
السَّوادية في شوارع الطُرق)) (١) .
وبعد هذه المقارنة بين معاني هذه الألفاظ القديمة ومحلِّ استعمالها ، وبين
معانيها المُحدثة ومحل استعمالها ، وبيانِ التحريف الذي وقع في إطلاق هذه
الكلمات وتفسيرها يقولُ:
((فقد عرفتَ كيف صرفَ الشيطانُ دواعي الخلق عن العلوم المحمودة إلى
المذمومة ، فكلُّ ذلكَ من تلبيس عُلماء السوء بتبدُّلِ الأسامي ، فإن اتبعتَ
هؤلاء اعتماداً على الاسم المشهور من غير التفاتٍ إلى ما عُرف في العصر
(١) انظر ((الإحياء)) بيان ما بدل من ألفاظ العلوم ص ٢٨ - ٣٤ الجزء الأول.

٢٧٥
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
الأول ، كنتَ كمنْ طَلبَ الشرف بالحكمة باتباع من يُسمَّى حكيماً؛ فإنَّ اسمَ
الحكيم صار يُطلَق على الطبيب والشاعر والمنجم في هذا العصر ، وذلك
بالغفلة عن تبديل الألفاظ)).
وهكذا يُهِيب الغزاليُ بالعلماء ، في قُوة وصراحة وشجاعة وإخلاص
وعُمق وتحليل علمي ، ويُثير فيهم الغيرة والشعور ، ويَستحِثُّهم على الرجوع
إلى مركزهم في الأمة ، وهو خلافة الأنبياء والوصاية الدينية والخلقية على
المجتمع الإسلامي ، والحُسبة على الحكومة والحكَّام ، والخواصِّ والعوام ،
معتقداً بأنهم حَجَرُ الزاوية في إصلاح المجتمع ، وبصلاحهم صلاح العالم ،
وبفسادهم فسادُ العالم ، ثم يلتفتُ إلى السلاطين والأمراء ، لأنهم الركنُ الثاني
في إصلاحِ النوعِ الإنساني.
المُلُوكُ والأمراء:
لقد كانتِ الحكوماتُ في عصر الغزالي حكومات شخصيةً مستبدّةً ، وكان
نَقْدُ السلاطين على سياستهم وأموالهم وتصرُّفاتِهِم مُجازفةً بالحياةِ ومغامرةً قد
تُؤدي إلى الحبس والإهانة والعقوبات المؤلمة. وكثيراً ما تُؤدِّي إلى القتل
والنَّفي.
وكان الذي يَرفضُ وظيفةً أو منصباً يُقدِّمه السلطان ، أو يَرفُض عطية
سلطانية ، يُعتبر في أكثر الأحيان خارجاً على الحكومة غير وفيّ لها؛ ولکن کل
ذلك مما كان يَعْلَمُه الغزالي - وهو العالم المطَّع الواعي - لم يَمْنَعْه من إبداء
رأيه الصريح. في أموال الملوك والسلاطين في عصره ، وعن نقدِ سياسَتِهِمُ
المالية ، يقول في «الإحياء):
((إنَّ أموال السلاطين في عصرنا حرامٌ كُلُّها أو أكثرُها ، وكيف لا ،
والحلالُ هو الصدقات والفَيء ، والغنيمة، ولا وجود لها! وليس يَدخُل منها
في يد السلطان ، ولم يَبق إلا الجزية ، وإنها تُؤخذ بأنواع من الظلم لا يحلُّ
أخذُها به ، فإنَّهم يجاوزون حدودَ الشرع في المأخوذِ والمأخوذ منهُ ، والوفاءِ

٢٧٦
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
له بالشرط ، ثم إذا نُسب ذلك إلى ما يُنصب إليهم من الخراج المضروب على
المسلمين ، ومِنَ المصادرات والرِّشا وصُنوف الظلم لم يبلغ عُشر مِعشار
عُشيره)) (١) .
ويَعرف الغزاليُ - وهو الذي عاش بين العلماء - أنَّ كثيراً من أهل العلم ،
والمتصلين بالملوك والأمراء ، يستدلون بقبول كثير من السلف أموالَ السلاطين
وجوائزهم وصِلاتهم ، فيُبَيِّنُ الفَرق بين الأوضاع الأولى وأوضاع العصر ،
ويُثبِت أنه لاَ يَصُّ القياس على أحوالهم ، يقول:
((إنَّ الظلمة في العصر الأول ـ لقُرب عهدهم بزمان الخلفاء الراشدين - ،
كانوا مُستَشعرين من ظلمهم ، ومُتشوِّقين إلى استمالةِ قلوب الصحابة
والتابعين ، وحريصين على قبولهم عطاياهم وجوائزهم ، وكانوا يبعثون إليهم
من غير سؤال وإذلال ، بل كانوا يتقلَّدون المِنة بقبولهم ويفرحون به ، وكانوا
يأخذون منهم ويُفرقون ، ولا يُطيعون السلاطين في أغراضهم ، ولا يَغْشون
مجالسَهم ، ولا يُكثِّرون جمعَهم ، ولا يُحِبُون بَقاءهم؛ بل يَدْعُون عليهم
ويُطلقون اللسان ، ويُنكرون المنكراتِ منهم عليهم؛ فما كان يُحذرُ أن يُصيبوا
من دينهم بقدر ما أصابوا من دُنياهم ، ولم یکن بأخذهم بأسٌ.
فأمّا الآن ، فلا تَسمحُ نفوسُ السلاطين بعطيَّةٍ إلا لمن طمعوا في
استخدامهم والتكثُّر بهم ، والاستعانة بهم على أغراضهم ، والتجمُّل بغشيان
مجالسهم ، وتكليفهم المواظبة على الدعاء والثناء ، والتزكية والإطراء في
حضورهم ومَغيبهم، فلو لم يُذل الآخذُ نفسه بالسؤال أولاً ، وبالتردُّد في
الخدمة ثانياً، وبالثناء والدعاء ثالثاً ، وبالمساعدة له على أغراضه عند الاستعانة
رابعاً ، وبتكثير جمعه في مجلسه وموكبه خامساً ، وبإظهار الحُب والموالاة
والمناصرة له على أعدائه سادساً ، وبالسَّتر على ظلمه ومقابحه ومساوىء
أعماله سابعاً ، لم يُنعم عليه بدرهم واحدٍ ولو كان في فضل الشافعي رحمه الله
(١) انظر (الإحياء)) ما بدل من ألفاظ العلوم ص ١٢٢ ج٢.

٢٧٧
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
مثلاً؛ فإذاً لا يجوز أن يُؤخذ منهم في هذا الزمان ما يُعلم أنه حلال لإفضائه إلى
هذه المعاني ، فكيف ما يُعلم أنه حَرامٌ أو يُشكّ فيه! فمن استجرأ على
أموالهم ، وشبّه نفسه بالصحابة والتابعين ، فقد قاسَ الملائكة
بالحدَّادين» (١).
وقيمةُ هذه الكلمة الجريئة لا تُعرف إلا في جَوِّ الحكومات الشخصية
الرهيب الذي كانت كلمةٌ واحدةٌ تصدر من عالم أو مؤلف في نَقْدِ ملِكٍ أو حاكم
تُطیخُ بحیاته.
ولم يَكْتَفِ الغزاليُ بالدعوة إلى الامتناع من قبول العطايا السُّلطانية
ورفضها ، بل دعا إلى الاعتزال عن السلاطين الجائرين ، واعتقادِ بُغضهم ،
وكراهةٍ حياتهم ، والابتعاد عنِ المتصلين بهم ، يقول في «الإحياء)):
((الحالةُ الثالثةُ: أن يعتزلَ عنهم؛ فلا يراهم ولا يرونه ، وهو الواجب، إذ
لا سَلامة إلا فيه؛ فعليه أن يَعتقد بُغضهم على ظُلمهم، ولا يُحبُّ بقاءهم ،
ولا يُثني عليهم، ولا يَستخِرُ عن أحوالهم، ولا يتقرَّب إلى المتَّصلين بهم)» (٢).
مُصَارَحتُه السلاطينَ والوزراءَ بالحقِّ وحثُّهمْ على الإصلاح:
ولم يقتصر الغزالي على إبداء آرائه في السلاطين الجائرين في
مؤلفاته؛ بل أبدى رأيه وجهرَ بالحقِّ والنصيحة أمام الملوك كُلَّما سَنَحَتْ لَه
فرصةٌ ، وقد قال للسلطان ((سنجر بن ملك شاه السَّلْجُوقي)) الذي كان يحكم
خراسان من أقصاها إلى أقصاها:
((أسفاً! إنَّ رقاب المسلمين كادت تنقضُّ بالمصائب والضرائب ، ورقابُ
خيلك كادت تنقضُّ بالأطواق الذهبية)) (٣).
(١) إحياء علوم الدين: ص ١٢٢ - ١٢٣ ج ٢.
(٢) المصدر السابق: ج٢، ص ١٢٨.
(٣) رسائل الإمام الغزالي: بالفارسية.

٢٧٨
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
وقد كَتَبَ إلى أخيه الأكبر مُحمد بن ملْك شاه - وكان أكبر ملوك عصره -
رسالة ذكَّره فيها بمسؤوليته ، وحذَّره من عقاب الله وغضبه ، ولفت نظرَهُ إلى
إصلاح المملكة .
وكان الوزيرُ في الحكومات الشخصية في الشَّرق هو الذي يَملك زمامَ
المملكة ، وبيَده الحَلُّ والعَقد؛ فإذا صَلح صَلحت الدولة ، وإذا فسد فسدَت
الدولة ، وكان الغزاليُ يعرف هذا جيداً ، وقد عاصر ((نظام الملك)) الطوسيّ
وَزير المملكة السَّلجوقية العظيمة ومديرَها ، وعاصر أبناءه؛ فاعتنى بوزراء
المملكة أكثرَ مما اعتنى بالملوك؛ لأنَّهم مفتاح المملكة ، وموجهوها ،
والمباشرون للأمور ، وكتب إلى وزراء المملكة رسائلَ مستفيضة ، ولفتَ
نظرهم بكل جُرأة وصراحةٍ إلى فساد الأوضاع ، وجَور الحكام وابتزازهم
للأموال، وما كان يعانيه الشعب من حَيْف الأمراء ، وغَفْلَةِ المسؤولين ،
وطَمَع الموظفين ، وحذَّرهم عقابَ الله وبَطْشَهُ ، وذكرهم بمصير الوزراء
السابقَين ، والحكام الظالمين ، وحثَّهم على إصلاح الجهاز الإداري ، وتنظيم
الحكومة والضَّرْب على يد الظلمة. ورسائله الفارسية التي وجهها في هذا
المعنى إلى الوزراء مثالُ الشجاعة والصَّدْع بالحق ، ومثالٌ لقوة الإنشاء وبلاغة
التعبير. ومنها رسالة إلى فَخْر الملك ، يقول فيها:
((اعلمْ أنَّ هذه المدينة (مدينة طوس) أصبحت خراباً بسبب المجاعات
والظلم ، ولما بلغ الناسَ توجُّهك من إسفرائن ودامغان خافوا ، وبدأ الفلاحون
يبيعون الحبوبَ، واعتذر الظالمون إلى المظلومين واستَسْمَحوهم؛ لما كانوا
يتوقعون من إنصافٍ منك ، واستطلاع للأحوال ، ونشاطٍ في الإصلاح. أما
وقد وصَلْتَ إلى طُوس ، ولم يَر الناس شيئاً فقد زال الخوف ، وعاد الفلاحون
والخبَّازون إلى ما كانوا عليه من الغلاء الفاحش والاحتكار ، وتشجَّع
الظالمون ، وكل من يُخبرك من أخبار هذا البلد بخلافِ ذلك ، فاعلم أنه عَدُوٌ
دینك)».
((واعلمْ أنَّ دُعاء أهل طُوس بالخير والشر مُجَرَّبٌ ، وقد نصحتُ للعميد

٢٧٩
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
كثيراً؛ ولكنه لم يقبل النصيحة ، وأصبحَ عبرة للعالمين ونكالاً للآخرين.
اعلمْ يا فخر الملك أنَّ هذه الكلمات لاذعةٌ مُرّةٌ قاسية لا يجرؤ عليها إلا من
قطع أمله عن جميع الملوك والأمراء فاقْدُرها قَدْرَها؛ فإنك لا تسمَعُها من
غيري ، وكلُّ من يقول غير ذلك ، فاعلم أنَّ طمَعه حِجابٌ بينَه وبين كلمة
الحق)» .
وكَتبَ إلى مُجِير الدين: ((إنَّ إغاثة الخلق واجبٌ على الجميع؛ فقد تجاوز
الظلم عن الحدود ، ولم أستطع أن أشاهد هذا الظلم ، فهاجرتُ من طوس ولي
سنةٌ؛ حتى لا أشاهد هؤلاء الظلمة الذين لا يحملون رحمة ، ولا يُراعون
حرمة ، وقد ألجأتني بعض الضرورات إلى زيارة البلد؛ فوجدتُ الظلم مُستمراً
لم ينقطع)» (١).
ويقولُ في هذا الكتاب: ((لقد بلغتِ المُدْيةُ(٢) العظمَ، وبلَغ السَّيل الزُّبِى،
وكادَ المسلمون يُستأصلون ، وإن ما قسَمه الموظفون من الدنانير على أهل البلد
- أمانة من الملك - أخذوا أضعافها من الرعية ، وانتَهبها الظالمون والسَّفَلةُ من
الناس ، ولم يَصِلْ منها شيءٌ إلى السلطان)).
ولم يقتصر الغزالي على بذل النصيحة لملوك عصره ووزرائهم
وتوجيههم الديني ، وتحذيرهم من سخط الله ، بل كان يبحث - لعلوِّ همته
وحرصه على إقامة الدين وإسعاد المسلمين - عن دولة فتية تقومُ على أساس
ديني متين ، وفكر ديني سليم ، وكأنه كان يائساً من الحكومات الإسلامية
المعاصرة؛ فقد سرى فيها الوهن ، واستولى عليها الفسادُ ، وقد قامت في
عصره دولةٌ نشيطة بريئةٌ من كثير من عِلل الحكومات الإسلامية القديمة ، وهي
دولة الملكَّمين في المغرب ، كان على رأسها رجلٌ هو أقوى ملوك المسلمين في
عصره وأنشطهم ، هو يوسفُ بنُ تَاشَفِين، صاحبُ مُرَّاكش.
(١) رسائل الإمام الغزالي: بالفارسية.
(٢) [المُذْيَةُ: الشَّفْرة الكبيرة].

٢٨٠
حجة الإسلام الغزالي: مصلح اجتماعي
ويُحدِّثنا ابن خَلِّكان ، أنَّ الغزالي قصَده لعله يتعاون معه على توجِيه
الحكومة ، يقول ابنُ خَلكان: ((وبلغني أن الإمام حُجَّة الإسلام ، أبا حامد
الغزالي - تغمَّده الله تعالى برحمته - لما سمع ما هو عليه من الأوصاف
الحميدة ، ومَيلهُ إلى أهل العلم ، عَزم على التوجه إليه؛ فوصل إلى
الإسكندرية ، وشرع في تجهيز ما يَحتاج إليه ، فوصله خبرُ وفاته ، فرجع عن
ذلك العَزْمِ)) (١).
وإذا فاتَ الغزاليّ أن يجتمع بيوسف بن تاشفين ويوجِّهه ، فقد ساق الله إليه
- وهو في بلده - من قدَّر الله على يده قيام دولة جديدة تقوم على الدعوة
والإصلاح ، وعلى الخير والصلاح ، وهو محمد بن عبد الله بن تومرت ،
الذي كان على يده زَوالُ دَولة الملكَّمين التي فَسدتْ وجارتْ بعدَ مُؤسِّسها
يوسف بن تاشفین ، وقيام دولة الموحدین ، وقد قال عنه ابن خلدون:
((ولِقِيَ - فيما زعموا - أبا حامد الغزالي، وفاوَضه بذاتِ صَدْره، فأرادَهُ
عليه ، لما كان في الإسلام يومئذٍ بأقطار الأرض من اختلالِ الدولة ، وتقويضٍ
أركان السلطان الجامع للأمة ، المُقيم للملَّة ، بعد أن سأله عمَّن له من العصابة
والقبائل التي يكون بهاَ الاعتزازُ والمَنَعة)).
وإذا صَخَّتْ هذه الرواية ، فإنَّ للغزالي فضلاً ونصيباً في توجيه الرجل الذي
كان صاحب دعوةٍ وحركة في المغرب ، انتهتْ إلى قيام دولة فاضلةٍ تَتَمَسَّك
بالدين ، وتُقِيم القسط ، وتمنعُ الظلمَ ، وترفعُ شعائرَ الإسلام (٢).
طَبِقاتُ المُسلمينَ الأُخرى:
ولم يكن نَقْدُ الغزالي مقتصراً على العلماء والسلاطين والأمراء؛ بل إنَّه
استعرض المجتمع الإسلامي المعاصرَ كُلَّه، فذكر ما انتشر فيه من بِدَعِ
(١) وفيات الأعيان: ترجمة يوسف بن تاشفين.
(٢) اقرأ أخبار عبد المؤمن بن علي ودولة الموحدين في ((تاريخ ابن خلدون)» الكتاب
الثالث، أخبار البربر.