النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته أحسَن السير ، وطريقَتهم أصوب الطرق ، وأخلاقَهم أزكى الأخلاق؛ بل لو جُمع عقل العقلاء ، وحِكمة الحكماء ، وعلمُ الواقفين على أسرار الشرع من العلماء؛ ليُغيِّروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم ، ويُبدِّلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلاً، فإنَّ جميع حركاتهم وسكّناتهم - في ظاهرهم وباطنهم - مُقتبسةٌ من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نورٌ يُستضاء به)) (١). من الخَلْوةِ إلى الجَلْوَة: وكان مُمكناً ، بل كان من المتوقَّع ، أن يبقى الغزالي في خلوته يتمثَّع بما هو فيه من نَعيم ولذَّة روحية وصفاء نفس ، ويقتصر على ما التزمه من عبادات وأوراد وإشغال بخاصة النفس؛ ولم يُلْهَم دراسةَ هذه العلوم الكثيرة ، ولم يُرزقِ الاقتدار عليها؛ ليكونَ مُتَعبِّداً ، مُنطوياً على نفسه ، مُعتزلاً في بيته. وكان الإسلامُ في حاجة إلى من ينتصر له من الفلسفة التي تجاسرت عليه ، وتسلَّطتْ على عقول الناس. وقد أصيب المجتمع الإسلامي بفساد الأخلاق ، وشَلل في الفكر ، وجمود في العلم ، فكان في حاجة إلى من يحارب هذا الفساد ، ويُوقظ الفكر ، ویبعث العلم ، وكان الغزالي أجدر الناس بالاضطلاع بهذه الخدمة العظيمة؛ فقد تهيأ لها عِلميّاً وفكرياً وعملياً، وقد صرح بذلك في غير تَواضع وفي غير أنانية فقال: ((رأيتُ نفسي مُطالبةً بكشف هذه الشبهة ، حتى كان فضحُ هؤلاء أيسَر عندي من شربة ماء؛ لكثرة خوضي في عُلومهم وطرقهم أعني طرق الصوفية والفلاسفة والتعليمية والمتوسِّمين من العلماء)) (٢). وهنا اعترضت له حالة التَّردُّد مثل الأولى ، هل يبقى في العزلة أم يخرجُ إلى (١) المنقذ من الضلال: ص ١٣١ - ١٣٢. (٢) المصدر السابق: ص ١٥٠. ٢٤٢ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته الميدان؟ حتى ساقَه سائقُ التوفيق إلى البُروز ، وتهيَّأتْ له الأساليب ، يقول: ((انقدَحَ في نفسي أنَّ ذلك (محاربة الفساد، والرد على الفلاسفة والباطنية) مُتعيّن في هذا الوقت محتوم ، فماذا تُغنيك الخَلوة والعزلة ، وقد عمَّ الداء ، ومَرض الأطباء ، وأشرف الخلق على الهلاك؟ ثم قُلتُ في نفسي: متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ، ومصادمةِ هذه الظلمةِ ، والزمان زمان الفترة ، والدَّور دَور الباطل؟ وأنَّى تُقاومهم؟ فكيف تُعايِشُهم؟ ولا يتم ذلك إلا بزمان مُساعد ، وسلطان متدين قاهر)). («فترخّصتُ بيني وبين الله تعالى بالاستمرار على العزلة ، وتَعلُّلاً بالعجز عن إظهار الحق بالحجة ، فقدَّر الله تعالى أن حرَّك داعية سُلطان الوقت من نفسه لا بتحريك من خارج ، فأمر أمر إلزام بالنهوض إلى نيسابور ، لتدارُك هذه الفترة ، وبلغَ الإلزام حداً كان ينتهيّ ، لو أصررتُ على الخلاف إلى حَدِّ الوحشة ، فخطر لي أنَّ سبب الُخصة قد ضَعُف ، فلا ينبغي أن يكون باعتُك على ملازمة العزلة الكسل والاستراحة وطلبُ عزِّ النفس وصونها عن أذى الخلق ، ولم تُرخِّص نفسَك لعُسر معافاةِ الخلق ، والله تعالى يقول: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الَّمَّ ®] أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَن يَقُولُوَأْءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] الآية، ويقول عز وجل لرسوله ، وهو أعزّ خَلْقِه: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىَ أَنَنْهُمْ نَصْرَاً وَلَ مُبَّدِّلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن تَبَإِى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]. ويقول عزَّ وجلَّ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ يَس ® وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴾َ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ جَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿ تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾ لِنُنذِرَ قَوْمَا مَآ أُنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ ﴿ لَقَدْ حَقَّ اٌلْقَوْلُ عَلَ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِىَّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلَا فَهِىَ جَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَذًّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَذًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم ◌ُقْمَحُونَ ٢٤٣ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته ثَ إِنَّمَا نُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿ وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمَّ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١ -١١]. فشاورتُ في ذلك جماعةً من أرباب القلوب والمشاهدات ، فاتَّفقوا على الإشارة بتَرك العُزلة ، والخروج من الزاوية ، وانضاف إلى ذلك مناماتٌ إلى الصالحين كثيرةٌ متواترة ، تشهدُ بأنَّ هذه الحركة مبدأ خير ورُشد ، قدَّرها الله سبحانه على رأس هذه المئة ، وقد وعدَ اللهُ سبحانه بإحياء دينه على رأس كلِّ مئة ، فاستحكمَ الرجاءُ ، وغلَب حُسنُ الظن بسبب هذه الشهادات ، ويسّرَ اللهُ تعالى الحركةَ إلى نيسابور ، للقيام بهذا المهم في ذي القعدة ، سنة تسع وتسعين وأربعمئة ، وكان الخروج من بغداد في ذي القعدة ، سنة ثمان وثمانين وأربعمئة ، وبلغت العزلة إحدى عشرة سنة ، وهذه حركةٌ قدَّرها الله تعالى ، وهي من عجائب تقديراته التي لم يكن لها انقداحٌ في القلب في هذه العزلة ، كما لم يكن الخروج من بغداد والنزوعُ عن تلك الأحوال مما خطر إمكانُه أصلاً بالبال ، والله تعالى مُقلبُ القلب والأحوال و(«قلبُ المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن))(١) (٢). الفَرْقُ بينَ الحَالتين: لقد خرجَ الغزاليُ من عُزلته ، وبدأ يزاول عملَه من تدريس وتأليف ودعوة وصلاح ، ولكن شتّان بين الحالتين ، لقد كان في الأولى - قبل أن يخرج من بغداد - يفعلُ ذلك عادة ، أو بحُكم الوظيفة ، أو بدافع من النفس ((فأصبح الآن يقوم به بأمر من الله ، متجرِّداً عن طلبِ الجاه وحُظوظِ النفس ، وقد شرح الفَرْق بين الحالتين ، فقال: (١) [أخرجه السيوطي في الدر المنثور (٩/٨/٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٩٩/١)، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق (٦٥/٦)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٢٥٥٧/٧): ((قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن))]. (٢) المنقذ من الضلال: ص ١٥١ - ١٥٣. ٢٤٤ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته ((وأنا أعلم أنِّي - وإن رجعت إلى نشر العلم - ما رجعت، فإنَّ الرجوع عودٌ إلى ما كان ، وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي به يُكسب الجاه ، وأدعو إليه بقولي وعملي ، وكان ذلك قصدي ونيتي ، وأما الآن ، فأدعو إلى العلم الذي به يُترك الجاه ، هذا هو الآن نيَّتي وقصدي وأمنيتي ، يعلمُ الله ذلك مني ، وأنا أبغي أن أصلح نفسي وغيري ، ولستُ أدري أَأَصِلُ إلى مرادي ، أم أخترمُ دون غرضي؟ ولكنْ أؤمن إيمان يقين ومشاهدة ، أنه لا حول ولا قوة إلا باللهِ العلي العظيم، وأنّي لم أتحرك؛ لكنه حركني، وأني لم أعمل؛ لكنه استعمَلَني ، فأسأله أن يُصلحني أولاً، ثم يُصلح بي ويَهديني ، ثم يَهدي بي ، وأن يُريني الحقَّ حقاً، ويرزقني اتباعه ، ويريني الباطل باطلاً، وَيَرزقني اجتنابه)) (١). بَقِيَّةُ حَياتِه: تَولَّى الغزاليُ رئاسةَ المدرسة النِّظامية بنيسابور ، عام ٤٩٩ هـ ، وكان ذلك في عهد ((سَنْجَر السلجوقي))، ابن ملك شاه ، وَوزارة فَخْر الملك، ابن نظام المُلك الطُّوسي ، وقد اغتيل ((فخر الملك)) بيد باطنيّ، سنة ٥٠٠ هـ ، واعتزل الغزاليُ التدريس على أثر هذه الحادثة ، وأقام ببلدة طُوس ، وبنى مدرسةً وزاوية بجوار بيته ، وعكَف على التعليم والتربية . ولمَّا استوزر السلطانُ محمد بن ملك شاه أحمد بن نظام الملك ، سنة ٥٠٠هـ ، طلب الوزيرُ من الغزالي الرجوع إلى بغداد ، وكان محلُّه في المدرسة النظامية لم يَسدَّه من يُماثل الغزالي ، وكانت المدرسة مما تتباهى به الخلافةُ العباسية وتتجملُ به بغداد ، فبدتِ الرغبة من الخلافة في أن يرجع الغزالي إلى النِّظامية. وكتب الوزير قوام الدين نظام الملك رسالة خاصة إلى الغزالي يذكر فيها مكانة النظامية ومركزها في العالم الإسلامي ، وحرصَ الخليفة على رجوع الغزالي ، وكانت عليها توقيعات أركان دار الخلافة ، (١) المنقذ من الضلال: ص ١٥٣ - ١٥٤. ٢٤٥ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته ولكنَّ الغزالي اعتذر ، وبقي في طوس يُدرِّس ويفيد ويُرَبِّي الطالبين. وقَضى الغزاليُ بقيةَ أيامه في الاشتغال بالدِّين والعلم ، وكان لا يزال فيه الُّوح العلمية قويةً وفتية، فلم ينقطع عن التأليف والإنتاج ، وقد ألَّف كتابَ ((المستصفى)) الذي يُعدُّ من أركان أصول الفقه الثلاثة (١) في سنة ٥٠٤ ، يعني قبل وفاته بعام. وكان الغزاليُ لم يتوفّر على دراسة الحديث، فأقبلَ عليه في أواخر أيامه، واستدعى أبا الفتيان ، عمر بنَ أبي الحسن الرّواسي الحافظ الطُّوسي ، وأكرمه وسمع عليه صحيحي البخاري ومسلم (٢). فقال عبد الغافر الفارسي: وكانت خاتمةً أمرِهِ إقبالُه على حديث المصطفى بََّ، ومجالسةُ أهله، ومطالعةٌ الصحيحين البخاري ومسلم اللَّذين هما حُجَّة الإسلام (٣). وفاته: وانتقلَ إلى رحمة الله تعالى يوم الإثنين الرابعَ عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمئة ، ودُفن بظاهر قَصَبَة طابران. وقد حکی ابنُ الجوزي عن أخیه أحمد قصةً وفاته ، قال: «لما کان یوم الإثنين وقتَ الصبح ، توضأ أخي وصلى وقال: عَلَيَّ بالكفن فأخذَه وقَله ووضعه على عينيه، وقال: سمعاً وطاعة للدخول على المَلِك ، ثم مَد رجليه، واستقبلَ، وانتقل إلى رضوان الله تعالى)) (٤) . لقد رأينا كيف تهيَّأ الغزاليُ - بعد الدِّراسات المتنوّعة العميقة الواسعة، (١) وهي ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري، و((البرهان)) لإمام الحرمين، و((المستصفى) للغزالي. (٢) طبقات الشافعية الكبرى: ص ١١٢. ج٤. (٣) تبيين كذب المفتري: ص ٣٩٦ و((طبقات الشافعية الكبرى)) ج٤ ص ١٠٩. (٤) إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين: للسيد مرتضى الزبيدي البلكرامي، ج١ ص ١١ نقلاً عن كتاب ((الثبات عند الممات)) لابن الجوزي رحمه الله. ٢٤٦ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته والمجاهدات الشاقة الطويلة ، وبعد الانتهاء إلى معرفة الحقِّ واليقين ، والوصول إلى مقام الصدق والإخلاص - لأن يقوم بدوره في تاريخ الإصلاح والتجديد ، وأن يؤدِّي رسالته كعالمٍ وناقدٍ ومُصلحٍ ومتكلُّمٍ وداع ، فلْنَر مقدار إنتاجه. ولْنَر مدى تأثيره في الأمة والمجتمع والعلوم والأفكّار. وموعدنا الفصول التالية ، إن شاء الله . ٢٤٧ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم المحاضرة التاسعة: حجّة الإسْلام الغزالي ناقدٌ للفلسفة ومُتَكلّمٌ نقسم عمل الغزالي وإنتاجه وتجديده في ناحیتین رئیسیتین : الأولى: نَقدُه للفلسفة ومناقشتُه لها ، وتجديده لعلم الكلام الذي فقد جِدَّته وحياته . والثانية: الحُسْبةُ على المجتمع الإسلامي المعاصر ، والدعوة إلى الأخلاق الإسلامية ، والروح ، والتحلِّي بالحقائق. ونتناول الناحية الأولى بالبحث في هذه المحاضرة. يمتاز الغزاليُ عن كلِّ مَن سبقه في محاربة الفلسفة: أنهم اتَّخذوا موقف الدفاع عن الإسلام وعقائده ، والاعتذار عن الدين الإسلامي ، فكانت الفلسفة تُهاجِم الإسلام ، وهؤلاء يُدافعون عن الإسلام ، ويَنفون التُّهم الموجهة إليه ، ويحاولون أن يُرِّروا موقفه ، ويلتمِسوا العذرَ لعقائده ونظرياته ، فكأنَّ علم الكلام كان جُنَّةً تتلَّقى هجماتِ الفلسفة وتُحصِّن العقيدة الإسلامية. ولم يجترىء أحدٌ من المتكلِّمين أن يُهاجم الفلسفة ويغزوها في عقر دارها؛ لعدم تعمُّقهم في الفلسفة وتضلُّعهم من أصولها وفروعها؛ ولعدم تَسلُّجهم بالأسلحة التي يُواجهون بها الفلسفة ويُوسعونها جرحاً ونقداً؛ فكان موقفُهم ٢٤٨ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم موقفَ الدفاع عن قضية ، وموقفُ الدفاع دائماً ضعيف ، غايته أن يسامح المتهم ويعفّوَ عنه . أمَّا الغزاليُ ، فقد هاجم الفلسفة وتناولها بالفحص والنَّقد ، وهجمَ عليها هُجوماً عنيفاً مبنياً على الدراسة والبحث العلمي ، وحُجَّةٍ مثل حُجَّة الفلسفة ، وعقل مثلَ عقلِ الفلاسفة الكبار ومدوّني الفلسفة ، وألجأ الفلسفة إلى أن تقف موقف المثَّهم ، وألجأ مُمثليها إلى أن يقفوا موقف المدافعين؛ فكان تطوراً عظيماً في موقف الدين والفلسفة ، وكان انتصاراً عظيماً للعقيدة الإسلامية عادتْ به الثّقة إلى نفوس أتباعها والمؤمنين بها ، وزالت عنهم مهابة الفلسفة ، وسيطرتها العلمية . خِطّةُ الغزالي في نقد الفلسفة: ولم يتهوَّر الغزاليُ في الهجوم على الفلسفة ، ولم يكن فيه مقلداً لغيره ولا ضيِّقَ التفكير. إنه درس الفلسفة أولاً كما حكى هو بنفسه في ((المنقذ من الضلال)) ونقلنا عنه في المحاضرة الأولى(١)، وكان يؤمن بأنه ((لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم ، حتى يُساوي أعلمَهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته))، فجدًّ واجتهد في دراستها ، ومعرفة حقيقتها وأغوارها ، حتى اطّلع على مُنتهى علومهم. ثم لم يستعجلْ كذلك ولم يبدأ بالهجوم بل رأى أنَّ المباحث الفلسفية لا تزال غامضةً معقّدة ليست في متناول الأوساط من الناس ، وأن الكُتب الفلسفية قد ألَّفتْ في لغة رمزية وفي أسلوب غير واضح ، وكأنّ مؤلفيها قد تعمدوا ذلك ليقيموا سياجاً حول الفلسفة يَحُوطها من تناول العامة ، أو لم يكونوا يُحسنون التأليف ، فرأى أنْ يؤلِّف كتاباً يذكر فيه المباحث الفلسفية ، (١) [انظر المحاضرة الثامنة: حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته، ص (٢٢٣). ٢٤٩ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم ونظريات الفلسفة ومسائلها في لغة سهلة واضحة ، وفي أسلوب مُشَوِّقٍ، وقد رُزق الغزالي قُدرةً عجيبة في تبسيط المسائل العلمية وإيضاحها فكسَر ذلك السياج ، ورفعَ الاحتكار العلمي ، وألَّف كتاب ((مقاصد الفلاسفة)) ذكر فيه المصطلحات الفلسفية والمباحث الفلسفية من غير تعليق ونقد ، وعرضَ الفلسفة كأحسنٍ ما يعرضها رجالُ الفلسفة. وبعد أن انتهى من هذا العمل - وكان يَعدُّه مقدمةً لازمةً لما تكفَّله من تزييف الفلسفة ، وإسقاط قيمتها العلمية - شرع في عمله الثاني الذي استحق به أن يُلقب حجة الإسلام ، وهو نَقدُ الفلسفة والهجومُ عليها. ولم يكنْ في هذه المرحلة الثانية أيضاً مُتهوِّراً أو جامداً يشمل الفلسفة كلها بفروعها وشُعَبها بالإنكار ، ويُطلق القول في العلوم الرياضية والمنطقية والسياسية والخُلقية ، وكل ما جاء عنهم في العلوم الطبيعية ، فيُغلطهم فيها ، ويكفِّرهم بها ، كما فعل كثير ممَّن تقدَّمه وكثيرٌ ممَّن عاصره فأثبتوا بذلك أنهم معاندون مكابرون ، وكان ضررهم بذلك أكبرَ من نفعهم ، ولم تكن لأقوالهم وكتاباتهم قيمةٌ علميةٌ. أمَّا الغزالي فقد اعترف بكل صراحة ، أن القسم الكبير من هذه العلوم التي ذكرناها «ليس يتعلَّقُ شيء منه بالأمور الدينية نفياً وإثباتاً ، بل هي أمورٌ بُرهانيةٌ لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها)» (١) وانتقد أولئك الذين يَروْنَ أنَّ إنكار هذه العلوم وهذه الحقائق العلمية؛ خدمةٌ دينية ونُصرة للإسلام ومحاربةٌ الكفر والضلال ، فكان جهادُهم في غير عَدُوٌّ ، وكانت جنايةً على الدين. يقول في كتابه ((المنقذ من الضلال)): (الآفةُ الثانية، نشأتْ من صديقٍ للإسلام جاهل ، ظنَّ أنَّ الدين ينبغي أن يُنصر بإنكار كُل عِلْم منسوب، فأنكر جميع علومهم ، وادَّعى جهلهم فيها ، حتى أنكر قولهم في الكُسُوف والخسوف ، وزعم أن ما قالوه على خلاف (١) المنقذ من الضلال: ص ٩٠. ٢٥٠ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم الشرع ، فلما قرع ذلك سمعَ من عَرف ذلك بالبرهان القاطع ، لم يَشكّ في برهانه ، لكن اعتقد أن الإسلام مَبنيّ على الجهل ، وإنكار البرهان القاطع ، فازداد للفلسفة حُباً ، وللإسلام بُغضاً ، ولقد عَظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام يُنصر بإنكار هذه العلوم ، وليس في الشرع تعرُّضٌ لهذه العلوم بالنفي والإثبات ، ولا في هذه العلومِ تعرُّضٌ للأمور الدينية)). وبعد النظر في جميع فروع الفلسفة ، والاعتراف بصحة بعضها وإفادتها انتهى إلى أنَّ الإلهيات فيها أكثر أغاليطهم ، وعلَّله («بأنهم ما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوه في المنطق؛ ولذلك كثُر الاختلاف بينهم فيها)) (١). والنَّاظر المتأمِّلُ يشعر بأن السبب في إصابتهم وتوفيقهم في العلوم الرياضية والطبيعية ، وأغاليطهم وتناقضاتهم وتخيُّلاتهم في الإلهيات ، هو أنَّ العلومَ الرياضية والطبيعية مثلاً لها مبادىء ومقدماتٌ ومحسوساتٌ عرفها الفلاسفة ، ومعلومات أوَّلية توصلوا بترتيبها إلى أمور مجهولة. أما الإلهيات فبالعكس ، ليس فيها مبادىء ومقدمات ومحسوسات ومعلومات أولية يتوصلون بها إلى أمور مجهولة ، وليس فيها أساسٌ للقياس ◌ْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] لذلك كثرت فيها أغاليطُهم وتخيلاتهم ، وجاءت فلسفتُهم فيها مجموع أوهام وقياسات وتخيلات وتخمينات ، وكان ذلك بطبيعة الحال مَدعاة إلى خطأ تصوُّراتهم عن الأمور الغيبية التي لا تُعرف إلا عن طريق الشَّرع المعصوم عن الخطأ. تهافُتُ الفلاسفة: وفي الرَّدِّ على هذه الفلسفة الإلهية ألف الغزالي كتابه العظيم ((تهافت الفلاسفة)) وقد صدَّره بمقدمة بليغة واضحة ، ذكر فيها سَبب التأليف ، وذكر تأثيرَ الفلسفة في أذهان الناشئة ، وكيف تدرّج بهم الخضوعُ لبَراعة الفلسفة في (١) المنقذ من الضلال: ص ٩٢ . ٢٥١ حجة الإسلام الغزالى: ناقد للفلسفة ومتكلم العلوم الرياضية والمنطقية والطبيعية ، والإيمان بذكائهم وعبقريَّتهم، إلى التحلُّل من ربقة الإسلام ، لما رأوا أن هؤلاء - مع رَزانةِ عقولهم وغزارة علمهم - منكرون للشرائع والنحل ، وجاحدون لتفاصيل الأديان والمِلَل ((فألحدوا وأنكروا الدين تظرُّفاً وتكايُساً ، وعظمت الفتنة ، ومسَّت الحاجةُ إلى تأليف كتاب يُبيِّن تهافت عقيدة فلاسفة اليونان ، وتناقضَ كلمتهم فيما يتعلق بالإلهيات ، ويُبيِّن أنَّ هذه المسائل التي يأخذها المقلدون كحقائق علمية ، وقضايا عقلية ((هي - على التحقيق - مضاحك العقلاء، وعبرة عند الأذكياء)) وبيَّن أنه لم يذهب إلى إنكار الله واليوم الآخر إلا شرذمةٌ قليلة من ذوي العقول المنكوسة ، والآراء المعكوسة ، ونحن ننقل هذه المقدمة؛ إذ فيها تصوير بارع العقلية الملحدين المقلّدين في كل زمان ومكان ، وتصوير بصفة خاصةٍ للعصر الذي كان يعيش فيه ، ونعرف عظم الحاجة إلى تأليف هذا الكتاب وغنائه في نصرة الدين ، يقول: ((أمَّا بعد ، فإنِّي قد رأيتُ طائفةً يعتقدون في أنفسهم التَّميز عن الأتراب والنُّظراء بمزيد الفطنة والذكاء ، وقد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات ، واستحقروا شعائر الدين من وظائف الصلوات ، والتّوقِّي عن المحظورات ، واستهانوا بتعهُّدات الشرع وحدوده ، ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده ، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين بفنون من الظنون ، يتَّبعون فيها رهطاً يَصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً ، وهم بالآخرة هم كافرون ، ولا مستَنَد لكفرهم غيرُ تقليدٍ سماعيّ كتقليد اليهودُ والنصارى ، إذ جرى على غير دين الإسلام نَشْؤُهم وأولادهم ، وعليه دَرَج آباؤهم وأجدادهم ، وغيرَ بحث نظري صادر عن التعثُّر بأذيال الشُّبه الصارفة عن صَوب الصواب ، والانخداع بالخيالات المزخرفة كلامِع السَّراب ، كما اتفقَ لطوائف من النظار في البحث عن العقائد والآراء من أهل البدع والأهواء. وإنَّما مصدَرُ كُفرهم سماعُهم أسماء هائلة: كسُقراط ، وبُقراط ، وأفلاطون ، وأرسطاطاليس، وأمثالهم ، وإطناب طوائفَ من مُتَّبعيهم ٢٥٢ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم وضلالهم في وصف عقولهم، وحُسن أصولهم ، ودِقَّة علومهم الهندسية والمنطقية والطبيعية والإلهية ، واستبدادهم - لفرط الذكاء والفطنة - باستخراج تلك الأمور الخفيّة ، وحكايتهم عنهم أنهم - مع رزانة عقولهم ، وغزارة فضلهم - مُنكرون للشرائع والنِّحل ، وجاحدون لتفاصيل الأديان والملل ، ومُعتقدون أنها نواميس مؤلفة ، وحيل مزخرفة . فلمَّا قرع ذلك سمعَهم ، ووافق ما حُكي من عقائدهم طبعَهم؛ تجمّلوا باعتقاد الكفر؛ تحيّزاً إلى غمار الفضلاء بزعمهم؛ وانخراطاً في سلكهم؛ وترفعاً عن مسايرة الجماهير والدهماء؛ واستنكافاً من القناعة بأديان الآباء ، ظناً بأن إظهار التكايس في النزوع عن تقليد الحق بالشروع في تقليد الباطل جمالٌ ، وغفلة منهم عن أن الانتقال إلى تقليد عن تقليد خرقٌ وخبالٌ ، فأية رُتبة في عالم الله أخسُ من رتبة من يتجمَّل بترك الحق المعتقد تقليداً ، بالتسارع إلى قبول الباطل تصديقاً دون أن يقبله خُبراً وتحقيقاً ، والبُله من العوام بمعزل عن فضيحة هذه المهواة ، فليس في سَجيَّتهم حبُّ التكايس بالتشبه بذوي الضلالات ، فالبَلَاهةُ أدنى إلى الخلاص من فطانةٍ بتراء ، والعمى أقربُ إلى السلامة من بَصيرة حَؤلاء. فلمَّا رأيتُ هذا العِزْقَ من الحماقة نابضاً على هؤلاء الأغبياء؛ انتدبتُ لتحرير هذا الكتاب ، رداً على الفلاسفة القدماء ، مبيناً تهافُتَ عقيدتهم ، وتناقُضَ كلمتهم فيما يتعلق بالإلهيات ، وكاشفاً عن غوائل مذهبهم وعوراته التي هي - على التحقيق - مضاحِكُ العقلاء ، وعبرة عند الأذكياء ، أعني ما اختصوا به عن الجماهير والدهماء من فُنون العقائد والآراء ، هذا مع حكاية مذهبهم على وجهه؛ ليتبين هؤلاء الملاحدةُ تقليداً اتفاقَ كل مرموق من الأوائل والأواخر على الإيمان بالله واليوم الآخر ، وأن الاختلافات راجعة إلى تفاصيل خارجةٍ عن هذين القطبين اللذين لأجلهما بُعث الأنبياء المؤيّدون بالمعجزات ، وأنه لم يذهب إلى إنكارهم إلا شِرْذِمَة يسيرة من ذوي العقول المنكوسة ، والآراء المعكوسة الذين لا يؤبه لهم ، ولا يُعبأ بهم فيما بين النظار، ولا يُعدون ٢٥٣ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم إلا في زمرة الشياطين الأشرار، وغمار الأغبياء والأغمار ، ليكف عن غَلوائه من يَظنُّ أن التجمُّل بالكفر تقليداً يدلُّ على حسن رأيه ، ويشعرُ بفطنته وذكائه ، إذ يتحقق أن هؤلاء الذين يتشبّه بهم من زعماء الفلاسفة ورؤسائهم براءٌ مما عُرفوا به من جخدِ الشرائع ، وأنهم يؤمنون بالله ، ومُصدِّقون برسله ، وأنهم قد اختبطوا في تفاصيل بعد هذه الأصول، قد زَلُوا فيها، فَضَلُّوا وأضَلُّوا عن سواء السبيل ، ونحن نكشف عن فنون من خُدعوا به من التخبيل والأباطيل ، ونُبين أنَّ ليس كل تهويل وراءَه تحصيلٌ ، والله تعالى ولي التوفيق ، لإظهار ما قصدناه من التحقيق)) (١) . ويَشرع الغزاليُ ، بعد أربع مقدِّماتٍ ذكر فيها مناهجه في البحث ، وشرح حال الفلاسفة، وفرق علومهم التي تصادم الشريعة والتي لا تصادمها ، وناقش الفلاسفة في شرائعهم ومقدماتهم للبحوث الإلهية ، بعد هذا كلُّه ، يشرع الغزالي في بيان مسائل الفلاسفة ومناقشتهم في ذلك في ضوء البحث العلمي والحجة العقلية ، وهي ست عشرة مسألة في الإلهيات ، وما بعد الطبيعيات ، وأربع في الطبيعيات، ويبين فيها ضعف استدلالهم ، وتناقضهم ، واختلافهم ، وتهافت عقيدتهم. ميزة الكتاب: ويتَّسم هذا الكتابُ بقوة التعبير، وسلامة العبارة ، وسُهولة الأسلوب، بخلاف عامة الكتب التي ألفت في الموضوع، ويَدُّ على أن مؤلِّفه ممتلىءٌ بالإيمان والثقة بدينه ، والاعتداد بشخصيته وتفكيره ، ينظر إلى الفلاسفة القدماء كأقران وزملاء ورجال من مستواه العقلي والفكري ، يناقشهم ويباحثهم بخُرِّية واعتداد ، ويقرع الحجة بالحجة. وكان المسلمون في حاجة شديدة إلى هذا الطراز من المؤلفين والباحثين الذي يواجه الفلسفة بإيمان ، وثقة ، وعقل حر ، وشجاعة علمية ، ويكفر (١) تهافت الفلاسفة: ص ٣١ - ٣٤ طبعة إحياء الكتب العربية. ٢٥٤ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم بعصمة الفلاسفة وقدسيتهم وعبقريتهم وكونهم فوق مستوى البشر في العقل والتفكير ، وبهذه الصفة يتَجلَّى الغزالي في كتابه ((تهافت الفلاسفة))؛ فجاء في أوانه ، وقضی حاجة زمانه. ولا يقتصر الغزاليُ على مجابهة الفلسفة ومُهاجمة الفلاسفة بالدليل؛ بل قد يبلُغ إلى التهكُّم والنقد اللاذع ، ولا شكَّ أنَّ لهما تأثيراً كبيراً في مجتمع قد كاد يؤخذ بسِحر الفلسفة ، وقد أُصيب كثيرٌ من أفراده بمُركَّب النقص ، وخضَع للفلسفة خضوعاً كاملاً ، فجاء تهكم الغزالي ونقدُه اللاذع علاجاً لهذه النفوس المريضة . ومِن أمثلة هذا التهكُّم والنقد اللاذع تعليقُه على ما قاله الفلاسفة في الذات الإلهية وصفاتها، وعلى ما صنَّفوه من نسبِ العقول والأفلاك ، وكيف تَولَّد بعضها من بعض. قال بعد ما ذكر هذا الهراء: ((قلنا: ما ذكر تموه تحكّماتٌ ، وهي - على التحقيق - ظُلماتٌ فوق ظلمات ، لو حكاه الإنسان عن منام رآه لاستُدلَّ على سوء مزاجه ، أو لو أُورِدَ جِنسُه في الفقهيات التي قُصارى المَطلب فيها تخميناتٌ ، لقيل: إنَّها تُرَهات لا تُفيد غَلباتِ الظنون)) (١) . وقال في موضع آخر: «لستُ أدري ، كيف يقنَع المجنون من نفسه بمثل هذه الأوضاع ، فضلاً عن العقلاء الذين يَشقُّون الشَّعر بزعمِهم في المعقولات؟)) (٢). وعلَّقَ على بحثهم في عِلْم واجب الوجود ، وأنَّه يعقِلُ نفسَه ولا يعقِل غيرَه بكلمته اللاذعة القوية: ((فقد انتهى بهمُ التعمُّق في الفِطنة ، إلى أن أبطلوا كل ما يُفهم من العظمة ، وقرّبوا حاله تعالى في حال الميِّت الذي لا خبرَ له بما يجري في العالم ، إلا أنه فَارق الحياة في شعوره بنفسه فقط .. وهكذا يَفعلُ اللهُ سبحانه بالزَّائغين عن سبيله ، والنَّاكبين عن طريق الهدى ، (١) تهافت الفلاسفة: ص ١١٥. (٢) المصدر السابق: ص ١٢٤ . ٢٥٥ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم المُنكرين لقوله تعالى ﴿ ﴿مَآ أَشْهَدُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] ﴿الظَّانِينَ بِاللَّهِ ظَنّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] المعتقدين أن أمور الربوبية ، تستولي على كُنْهها القوى البشريةُ ، المغرورين بعقولهم ، زاعمين أن فيها مَندوحة عن تقليد الرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - وأتباعهم - رضوان الله عليهم - فلا جَرَمَ اضطُروا إلى الاعتراف بأن لُبَاب معقولاتهم رجعَ إلى ما لو حكي في منامٍ لتُعجِّب منه)) (١). وهكذا يَستمِرُّ الغزالي في نَقد الفلسفة وتشريحها إلى آخر الكتاب ، حتى يأتي على جميع المسائل التي تكفَّل الرَّد عليها ، وهي عشرون مسألة ، أكثرُها في الإلهيات ، وكفّرهم في ثلاث مسائل : إحداها: مسألة قدم العالم ، وقولُهم: إن الجواهرَ كلها قديمة. والثانية: قولهم: إن الله تعالى لا يُحيط علماً بالجزئيات الحادثة من الأشخاص. والثالثة: إنكارُهم بعثَ الأجساد وحشْرَها. قال: ((فهذه المسائل الثلاث ، لا تُلائم الإسلام بوجهٍ ، ومعتقدها مُعتَقدُ كَذِبِ الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - وأنَّهم ذكروا ما ذكروه على سبيل المصلحة؛ تمثيلاً لجماهير الخلق وتفهيماً ، وهذا هو الكُفر الصراح الذي لم يعتقده أحد من فِرَق المسلمين (٢))) وتوقَّف في تكفيرهم في المسائل الأخرى. تأثيرُ الكتاب: وليس أهميَّة الكتاب في تكفير الفلاسفة؛ بل إنَّ غاية الكتاب هو إسقاط قيمةٍ الفلسفة العِلمية ، والحطّ من مكانتها ، وإثباتُ أنَّها مجموع أفكارٍ وتختُّلاتٍ ، وقياساتٍ وتخميناتٍ. وبذلك خَدم الغزالي الدينَ خِدمةً باهرة ، وخلّف (١) المنقذ من الضلال: ص ١١٨ . (٢) المصدر السابق: ص ٣١٣ - ٣١٥. ٢٥٦ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم الفلسفة التي كانت تتقدم بخطى سريعة وواسعة ، وتُسيطر على عقول الناشئة ، وتَحُلُّ من نفوسهم مَحلَّ القُدسية والإجلال ، خلَّفها الغزاليُ بضَرباته الموجعة وهجماته العنيفة إلى الوراء ، أو وَقَفها على الأقل وشغلها بنفسها والدفاع عن نفسها ، ولم تستطع الأوساط الفلسفية أن تُقدم كتاباً قوياً جديراً بالذكر يردُّ على ((تهافت الفلاسفة)) حتى جاء ابن رُشد (ت ٥٩٥) في آخر القرن ، فألف كتابه ((تهافت التهافت)) يقول علماء الإفرنج: ((إنَّ الغزالي طعنَ الفلسفة في الشرق العربي طعنةً قاضية ، وكادَ يكون نصيبها في الغرب كذلك ، لو لم تَلق في ابن رشد حامياً لها أحياها قرناً من الزمان)» (١). رَدُّه على الباطنية: ولم يقتصِر الغزاليُ على الردِّ على الفلسفة؛ بل عُنِي كذلك بالرد على الباطنية التي تَدرعت بالفلسفة ، وظهرت في مظهر ديني وسياسي؛ فكانت أشدَّ خطراً على الإسلام من الفلسفة؛ إذ كانت الفلسفة تعيش في عزلة علمية ، وكانت قليلة الاتصال بالشعب والجمهور ، وكانت ، كما يصف الأستاذُ أحمد أمين ((كالسِّفارات الأجنبية)) لا شأن لها بالسياسة الداخلية والشؤون الاجتماعية ، ولا شأنَ لها بالجمهور. أمَّا الباطنية ، فكانت تتسرَّبُ إلى المجتمع وتنفُثُ سمومَها فيه ، وكانت لها الإغراءات المادية القوية ، ولم يكن في العالم الإسلامي في آخر القرن الخامس أحدٌ أجدرَ بالرد عليها ، والكشف عن أسرارها ، ونقضٍ ما تُبنى عليه دعوتها من الغزالي لجمعِه بين التضلُّع من الفلسفة والوقوف علَى لُبِّ التصوف وعلم الباطن ، ولاتُّصافه بالغوص في حقائق الأشياء ، والتعمُّق في العلوم ، وتلك بضاعةُ الباطنية التي تتبَّّحُ بها. وقد سبق أنَّه ألَّف ـ وهو مدرس في المدرسة النظامية - كتاباً في الردّ على (١) تاريخ فلاسفة الإسلام في الشرق والغرب: تأليف محمد لطفي جمعة ، ص ٧٢. ٢٥٧ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم الباطنية ، باقتراح من الخليفة المستظهر بالله أسماه ((المستظهري)) وقد ألّف ثلاثة كتب في الرد عليهم - ولعل ذلك بعد الرجوع من رحلته - وهي ((حجّة الحق)) و ((مفصل الخلاف)) و((قاصم الباطنية)) ذكرها في كتابه ((جوهر القرآن)) ويوجد في جريدة مؤلّفاته كتاب آخر وهو ((مواهم الباطنية)) (١). عِلْمُ الكَلام: لم يكن لمثل الغزاليّ - مع مواهبه العظيمة وعقله المبتكر ، وعلمه الذي لم يزل في نمو مستمر - أن يكون ناقلاً لكلام المتكلِّمين المتقدِّمين ، أو يكون شارحاً له فحسب ، ولا تظهر شخصيته العلمية فيما يكتب ويؤلِّف ويفكّر. لقد كان علمُ الكلام أحوجَ العلوم والمباحث إلى النمو والتطور ومسايرة العصر ، لأنه يتكفَّل الإقناع ودفع الشبهات ، والعقلُ الإنساني متطورٌ ، والشُّبه والأسئلة تتجدَّد ، ولكل عصر تفكيرهُ ومشاكله ، ولكنه جَمُد جمودَ العلوم النقلية ، وغلب عليه التقليد ، وأصبح يُناقل كرواية ، وأصبح المتكلمون الأشاعرة لا يطالبون بتسليم عقائدهم فقط ، بل يُلِخُون على تسليم المقدمات والدلائل التي استدلَّ بها الإمام أبو الحسن الأشعري ، والعلامة أبو بكر البَاقلَّني، لإثبات هذه العقائد، ويُلحون على الاكتفاء بها، ويَعدُّون العدول عن مسلك الأشعري قيدَ شَعرة؛ ضرباً من البدع والانحراف عن الصراط المستقيم . لم يخضع الغزاليُ لهذا التفكير ولهذا التقليد في علم الكلام وإثبات عقيدة الإسلام ، وتكلم في مؤلفاته العظيمة عن عقائد الإسلام والمباحث الكلامية (١) لم يطبع من كتبه في الرد على الباطنية، إلا فضائل المستظهرية، وهو المعروف بالمستظهري، نشر منه (كولد تسيهر) قسماً كبيراً وبحث فيه بحثاً طويلاً باللغة الألمانية، طبع في ليدن ١٩١٦ مع المتن العربي، أما الكتب الأخيرة فمفقودة. كما يظهر من مقدمات ((المنقذ من الضلال)) للأستاذين جميل صليبا وكامل عياد [وقد طُبع كتابُ ((فضائح الباطنية)) بتحقيق الأستاذ محمد علي قطب في المكتبة العصرية - بيروت]. ٢٥٨ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم كلامَ مجتهد ، كلام واع يعرفُ عقلية أهل عصره ، ويعرف من أين يدخل إلى عقولهم وقلوبهم ، وأقام على هذه الحقائق مقدمات ودلائلَ جديدة. وجاء في كلامه في صفات الله تعالى ، ومعجزات الأنبياء ، والتكليفات الشرعية ، وإثباتِ العذاب والثواب ، والبرزخ والمعاد ، والجبر والاختيار، والقضاء والقدر، بمُقدمات وأمثلة ، تورِث الإذعان ، وتفتح القلب للإيمان. ولم يُسبق إليها ، وعدَل عن تشكيكات المتكلِّمين ، ومُقدماتهم المنطقية إلى أسلوب واضح مُشَوِّقٍ يُسيغه العامة وأوساط الناس ، ولا يُناقشه الخاصة والعلماء ، ولم يلتزمْ تقليد الأشعري وأتباعِه في الكلام التقليدَ المُطْبَق؛ بل عدل عنه في مسائل قليلة؛ وبذلك قام بدور التجديد في علم الكلام الذي عجزَ في الدور الأخير عن إقناع الأذكياء من الشباب والمتعلّمين ، وإفحام الأقوياء من الباحثين والمعترضين ، واستحقَّ بذلك كلُّه تقدير علماء الكلام ، ورجال المدرسة الأشعرية الفكرية بصفة خاصة ، إذ أعاد إليها الحياة والوقار ، واستحقَّ شكرهم وثناءهم؛ ولكن بالعكس ، استُهدِفَ الغزاليُ للأئمة الأشعرية ، وفقهاء زمانه ، واسْتُهدِف لعتابهم وسخطِهم ، لأنَّه خرج عن الطريق المرسوم ، وجاء بشيء طريف لم يجدوه في كتبهم القديمة ، ولم يسمعوه من أساتذتهم ، وخالفَ في بعض المسائل الأشعريَّ وأتباعَه ، ويظهر أن بعض المتحمِّسين من هؤلاء قد شَقُوا في بحوثه الطريفة رائحة ((الزيغ والضلال)) ولما انتشر كتابُه العظيم ((إحياء علوم الدين)) في العالم الإسلامي ، وعظُمَ الإقبالُ عليه والعناية به - وهو مشتمل على جزء كبير من هذه البحوث ، والأمثلة العديدة - اشتدت لائمَتُهم ، وصار بعضُهم يشك في صحة عقيدته واستقامته ، وقد كتب إليه بعضُ تلاميذه ومُحبِّيه بذلك ، وأظهر توجعه وحزنه ، لما يرى من العلماء والمعاصرين من التجهُّم له ، والتشكك في عقيدته ونسبتِه إلى الزيغ والانحراف ، وأجاب عن ذلك الغزاليُ في كتابه ((فيصل التفرقة بين الإسلام والَّندقة)» يقول فيه : ((أمَّا بعد. فإنِّي رأيتُك - أيها الأخ المشفق ، والصَّديق المتعصب - موغرَ ٢٥٩ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم الصدر ، مُقسّم الفكر ، لما قرَع سمعك من طعن طائفة من الحسدة على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معاملات الدين ، وزعمِهم أن فيها ما يُخالِف مذهب الصحاب المتقدِّمين ، والمشايخ المتكلِّمين ، وأن العدول عن مذهب الأشعري - ولو في قَيْد شبر - كفرٌ ، ومباينَته - ولو في شيء نَزْر - ضلالٌ وخُسر. فهوِّن - أيها الأخ المشفق المتعصِّب - على نفسك ، لا تضق به صدرك! وفُلَّ من غزبك قليلاً! واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً! واستحقر من لا يُحسد ولا يُقذف! واستصغر من بالفكر أو الضَّلال لا يُعرف! فأيّ داع أكمل وأعقل من سيد المرسلين بَير؟! وقد قالوا: إنه مجنون من المجانين ، وأيُّ كلام أجلّ وأصدق من كلام رب العالمين؟! وقد قالوا: إنه أساطير الأولين ، وإياك أن تشتغل بخصامهم ، وتطمعَ في إفحامهم ، فتطمعَ في غير مطمع ، وتُصوتَ في غير مَسمَع ، أما سمعت ما قيل : كُلُّ العَداوة قد تُرجى سلامَتُها إلا عَداوةُ مَنْ عَادَاكَ عَنْ حَسَدٍ (١) وبعدما ذكرَ دوافعَ هذا الإنكار والمخالفة ، وأنَّ الحامل على ذلك طلب الجاه والمال، وأنَّ بضاعة المعترضين في العلم مسألةُ النجاسة ، وماءُ الزعفران وأمثالها(٢) ، قال مخاطباً تلميذه الذي وجَّه إليه هذه الرسالة: ((فخاطب نفسك وصاحبك! وطالبه بحَدِّ الكفر، فإن زعم أنَّ حدَّ الكفر ما يُخالف مذهبَ الأشعري ، أو مذهب المعتزلي ، أو مذهب الحنبلي أو غيرَهم ، فاعلمْ أنه بليدٌ ، قد قيَّده التقليد؛ فهو أعمى من العميان؛ فلا تُضيِّع بإصلاحه الزمان! وناهيك حُجَّةً في إفحامه مقابلةُ دعواه بدعوى خصومه ، إذ لا يجد بين نفسه وبين سائر المقلدين المخالفين له فرقاً وفصلاً ، ولعل صاحِبَه يميل من بين سائر المذاهب إلى الأشعري ، ويزعم أن مخالفته في کل وِزْدٍ وَصدْرٍ كُفر من الكُفْرِ الجَليِّ. فاسألهُ: (١) فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة: ص ٧ - ٨ مطبعة الترقي. (٢) المصدر السابق: ١٠ . ٠ ٢٦٠ حجة الإسلام الغزالي: ناقد للفلسفة ومتكلم من أين ثَبت له كون الحق وقفاً عليه ، حتى قضى بكفر الباقلاني ، إذ خالفه في صفة البقاءِ لله تعالى ، وزعم أنه ليس هو وصفاً لله تعالى زائداً على الذات؟ ولم صار الباقلاني أولى بالكفر لمخالفته الأشعري من الأشعريّ بمخالفته الباقلاني؟ ولم صار الحقُّ وقفاً على أحدهما دون الثاني؟ أكان ذلك لأجل السَّبق في الزمان؟ فقد سبق الأشعريَّ غيرُه من المعتزلة ، فليكن الحق للسابق عليه! أم لأجل التفاوت في الفضل والعلم؟ فبأيّ ميزان ومكيال قدَّر درجات الفضل؛ حتى لاحَ له أن لا أفضل في الوجود من متبوعه ومقلَّده؟ فإن رخّص للباقلاني في مخالفته ، فلِمَ حَجَر على غيره؟ وما الفرقُ بين الباقلاني والكرابيسيِّ والقلانسيِّ وغيرهم؟ وما مَذْرَكُ التخصيص بهذه الرخصة؟ وإنْ زعم أنَّ خلاف الباقلاني يرجع إلى لفظ لا تحقيق وراءه ، كما تعسّف بتكلُّفه بعض المتعصبين ، زاعماً أنهما متوافقان على دوام الوجود ، والخلاف في أن ذلك يرجع إلى الذات أو إلی وصف زائد عليه خلاف قريب لا يوجب التشديد، فما باله يتشدَّد القول على المعتزليِّ في نفيه الصفات ... إلخ)) (١). ناقش الغزاليُ في هذه الرسالة خصمَه في هذا التفكير الضيِّق ، وذكر أنَّ الفحول من العلماء ، والمستقلين بالتفكير ، لم يزالوا ينظرون في المسائل نظرً المجتهدين ، ويُدلون بآرائهم ، وأنَّ العدول عن رأي سابق في بعض وجهات النظر لا يُعتبر مروقاً في الدين ، قال: ((ولعلَّك - إن أنصفتَ - علمتَ أنَّ من جعل الحق وقفاً على واحد من النُّظار بعينه ، فهو إلى الكفر والتناقض أقرب . (١) فيصل التفرقة: ص ١١ - ١٦ .