النص المفهرس
صفحات 221-240
تحجة الإسلام الخسة الي حياتُ ودراسة حَيَاتُهُ ودِرَاسَتُهُ. نَاقِئُ لِلِفَلْسَفَةِومُتَكلّم. مُصلِح اجتِمَاعِيٌّ. ٢٢٣ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته المحاضرة الثامنة: حجّةُ الإسلام الغزالي حياتُه ودِرَاستُه نشأته ودراسته: هو محمَّدُ بنُ محمد بنِ أحمد الطُوسيُ ، أبو حامد الغزالي. وُلد في طابران؛ من ناحية طُوس (١) سنة ٤٥٠ هـ، وكان أبوه فقيراً، صالحاً ، لا يأكل إلاَّ من كَسب يدهِ في عمل غَزْل الصُّوف ، ويَطوفُ على المُتفقِّهة ويُجالسهم ويتوفّر على خدمتهم ، ويَجدُّ في الإِحسان إليهم ، والنفَقة بما يُمكنه عليهم ، وكان إذا سمع كلامهم بكى وتضرَّع ، وسأل الله أن يرزقه ابناً ويجعلَه فقيهاً. ويحضرُ مجالس الوعظ ، فإذا طاب وقته بكى ، وسأل الله أن يرزقه ابناً؛ فاستجاب الله دعوته (٢). ولمَّا حضرتْ أباه الوفاةُ ، وصَّى به وبأخيه أحمدَ إلى صديقٍ له مُتصوِّفٍ من أهل الخير ، فلما ماتَ أقبل الصُّوفيُّ على تعليمهما، إلى أن فَنِي ذلك النَّزْرُ اليسير الذي كان خلَّفه لهما أبوهما ، وتعذَّر على الصُّوفيّ القيام بقُوتِهما ، فقال (١) مقاطعة في خراسان شمالي شرقي إيران وتسمى الآن ((مشهد)). (٢) طبقات الشافعية الكبرى: ج٤، ص١٠٢ . ٢٢٤ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته لهما: اعلما أني قد أنفقتُ عليكما ما كان لكما ، وأنا رجلٌ من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي فأواسيكما به ، وأَصلحُ ما أرى لكما أن تلْجأا إلى مدرسةٍ؛ فإنكما من طلبة العلم ، فيحصلَ لكما قُوتٌ يُعينُكما على وقتكما. ففعلا ذلك (١). قَرَأَ الغزالي في صِباه طرفاً من الفِقه ببلده على أحمد بن محمد الرَّاذكاني ، ثم سافر إلى جُرجان إلى الإمام أبي نصر الإسماعيلي ، وعلَّق عنه التَّعليقةَ ، ثم رجع إلى طُوس ، قال: ((قُطِعتْ علينا الطريقُ، وأخذ العيَّارون جميع ما معي ، ومضوا ، فتَبعتُهم ، فالتفتَ إليَّ مُقدَّمهم ، وقال: ارجع ويحك؛ وإلا هلكتَ. فقلتُ له: أسألك بالذي ترجو السّلامةَ منه أن تُرد عليّ تعليقَتي فقط ، فما هي بشيء تنتفعونَ به. فقال لي: وما هي تعليقتك؟ فقلت: كتبٌ في تلك المخلاة ، هاجرتُ لسماعها وكتابَتها ومعرفةٍ عِلْمها ، فضحك وقال: كيف تدَّعي أنك عَرفتَ عِلْمها وقد أخذناها منك؛ فتجرَّدتَ من معرفتها ، وبقيتَ بلا علم؟! ثم أمر بعض أصحابه فسلّم إليَّ المخلاة. قال الغزاليُ: هذا مستنطَقٌ أنطقه الله ليرشد به أمري ، فلما وافيتُ طوس أقبلتُ على الاشتغال ثلاثَ سنين ، حتى حَفظتُ جميع ما علَّقْتُه، وصِرت بحيث لو قُطع علي الطريق لم أتجرَّدْ من علمي)) (٢). وقَدِم الغزاليُ نيسابور - وهي عاصمة السَّلجوقيين ، ومدينةُ العلم بعد بغداد - ولازم إمام الحرمين - وهو من عرفنا شخصيته وجلالته في العلم والتدريس - وجدَّ واجتهد حتى برَع في المذهب والخِلاف والجدل والأصول. وكانتِ العلومَ السائدةَ في عصره. وأُعجِب بذكائه وغَوْصِهِ على المعاني الدقيقة واتساع معلوماته إمامُ (١) طبقات الشافعية الكبرى: ج٤، ص١٠٢. (٢) المصدر السابق: ج٤، ص ١٠٢. ٢٢٥ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته الحرمين؛ فكان يقول: ((الغزالي بَحْر مُغدِقٌ)) (١) وفاق أقرانَه وهم أربعمئة؛ حتى أصبح مُعیداً لأستاذه ونائباً عنه. ولمَّا مات إمامُ الجرمين (٤٧٨ هـ) خرج الغزالي إلى المعسكر قاصداً الوزيرَ نظام المُلك ، وهو لم يتجاوز الثامنة والعشرين من سِنّه ، وقد ظهر فضْلُه وذاع صِيته ، وكان مجلسُ الوزير مجمعَ أهل العلم وملاذَهم ، وكانت المجالس حتى المآتم لا تخلو من المناظرات الفقهية والمطارحات الكلامية ، فناظر الغزاليُ الأئمةَ العلماء في مجلس نِظام المُلك ، وقَهر الخصوم ، وظهَر كلامُه عليهم ، واعترفوا بفضله ، وتلقَّاه الصاحب بالتعظيم والتبجيل ، وولّه تدريسَ مدرسته (النظامية) ببغداد ، وكان ذلك غايةً ما يطمحُ إليه العلماء ، ويتنافسون فيه . فقدِمَ بغداد في سنة أربع وثمانين وأربعِمئة ولم يتجاوزِ الرابعة والثلاثين من عمره ، وقلَّما تقلَّد هذا المنصب الرفيع عالمٌ وهو في هذه السن. درَّسَ الغزاليُ بالنظامية ، وأَعجب الخلقَ حُسنُ كلامِهِ ، وكمالُ فضله، وفصاحةُ لسانه، ونُكَتُه الدقيقةُ، وإشاراتُه اللطيفةُ، وأحتُوه (٢). قال معاصره عبد الغافر الفارسي: وَعَلتْ حشمتُه ودرجتهُ في بغداد؛ حتى كانت تغلِبُ حِشمة الأكابر والأمراء ودار الخلافة (٣). وكان يقرأ عليه جَمِّ غفيرٌ من الطلبة المحصِّلين. يقول في ((المنقذ من الضَّلال)) في وصف حالهِ والنِّظامية: ((وأنا مَمْنُؤٌّ بالتدريس والإِفادة لثلاثمئةِ نفس من الطلبة ببغداد)) (٤) . وأرسله الخليفةُ العباسي المقتدي بالله عام (٤٨٥ هـ) إلى زوجة ملك شاه السلجوقي ((تُركان خاتُون)) التي كانت مالكةً لزمام المملكة. وكان الخليفةُ (١) طبقات الشافعية الكبرى: ص١٠٣. (٢) المصدر السابق: ج٤، ص١٠٦ . (٣) المصدر السابق: ص ١٠٧ . (٤) المنقذ من الضلال: مطبعة الترقي، ص ٨٥. ٢٢٦ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته المستظهر معجَباً به ، خاضعاً لفضله ، وباقتراحِه ألَّف الغزالي كتابه في الرد على الباطنية وسمَّاه ((المُستظهري)). اعتزالُ الغزالي عن التَّدريس وخروجه في طلب السعادة واليقين: لقد بلغتْ شُهرةُ الغزاليّ ومكانته العلميةُ في العالم الإسلامي أوجها ، ووصَل الرجُل إلى أقصى ما يصل إليه عالِم في ذلك العصر من المجدِ والسُّمو والرئاسة ، وأقبل إليه الطلبة من الآفاق، وخَضعَ له العلماء والأمراء والوزراء ، وبقيَ في عاصمة العالم الإسلامي يُدرِّس ويُفيد ويؤلف ، وكان في ذلك ما يُرضي عالماً يحرص على الإفادة ونشر العلم ، وطموحاً يُريد الرئاسة والمجد . وكان المنتظرُ أن يبقى الغزالي - وقد انتهت إليه رئاسة العِلم في العالم الإسلامي - في مركزه العلميّ الذي ليس فوقه مركزٌ، ويقضي حياته بين حلقات الطلبة التي تُحيط به ، وجموع المستمعين والقاصدين التي تُحدِق به ، وبين إعجاب الناس وثنائهم قريرَ العين ، رَخِيَّ البال ، مرفوعَ الرأس ، عظيمَ الجاه ، كما فعل كَثِيرٌ من أساتذته وأكثر أقرانه وزملائه. ولكنَّ الغزاليَّ لم يفعلْ ذلك ، ولم تَسْمح له نفسُهُ القَلقَةُ وهِمَّته القعساء بأن يستمرَّ في ذلك. وفي هذا القلق ، وفي هذا التمرد على ما تهيَّأ له من جاهٍ ومجْدٍ ، ◌ِؤُّ عبقريته ، وسِرُّ خلوده من بين الأقران والأعيان، ولذلك سُميَ ((حُجّة الإسلام)) وقد استطاع بقُوة إرادتِه، وصِدْق طَلَبه، وعُلو هِمّته ، أن يُضحِّيَ بأكبر منصب وأعظم جاهٍ يَطمحُ إليه العلماء والأذكياء في عصره ، ثم لا يناله إلا الواحد بعد الواحد في مدة طويلة، وسَهُل عليه أن يتخلَّى عنه ويعتزِله، وينفُض يده من كل ما يملكه من مَالٍ وأثاثٍ ورياش ، وينتقلَ من دولة العلم التي كان يَحكمُ فيها وحدَه ويَسُود ، إلى الصحاري والخَّلوات التي كان يعيشُ فيها عَيش الفقراء والغُرباء. ٢٢٧ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته إنه مثالٌ رائعٌ في تاریخ العلم والعقيدة تندُر نظائره في كل زمان ومكان. وقد حكى لنا الغزاليُ نفسُه قصةَ هذا التحوُّل العظيم ، وذكرَ أسبابه ودوافعه ، والصراعَ النفسي الذي ظَلَّ يُعالجه مدةً طويلة، حتى تغلَّتْ عليه الإرادةُ الصادقة. وخرج من بغداد في طلبِ السعادة واليقين؛ حتى ظَفر بطُلبته ، ورجع سعيداً مؤمناً ، يستطيع أن يُقنع غيرَه ويملأه إيماناً ويقيناً ، وكلُّ ذلك في أسلوب طبيعي جميل أخاذ ، وبيان سهْلٍ سلسالٍ ، يُحِلُّه في المكانة الأولى مما كُتب بالعربية من («اعترافات)) و(«مذكرات)) ، وفي المكانة السامية من الأدب العربي الذي يتدفّق بالحياة. وإلى القُراء بعضُ قِطعها بالاختصار والاقتضاب: بَحثّ عَن العِلْم اليقيني: «قد کان التعُشُ إلی درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أوَّل عمري، غريزةً وفطرة من الله وُضعتا في چیِلَّتي ، لا باختياري وحِیلتي حتى انحلَّتْ عني رابطة التقليد ، وانكسرتْ عليَّ العقائد الموروثةُ على قُرب عهد سِنَّ الصّبا؛ إذ رأيت صِبيانَ النصارى لا يكون لهم نُشوء إلا على التَّنْصُّر ، وصبيان اليهود لا نشوءَ لهم إلا على التَّهَؤُّد، وصبيان المسلمين لا نشوءَ لهم إلا على الإسلام، وسمعتُ الحديث المرويَّ عن رسول الله وَِّ حيث قال: ((كلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسَانه)) (١) فتحَّك باطني إلى حقيقة الفِطرة الأصلية ، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين ، والتَّمييز بين هذه التقليدات ، وأوائلها تَلقينات ، وفي تمييز الحقِّ منها عن الباطل اختلافاتٌ ، فقُلتُ في نفسي أولاً: إنما مطلوبي العلمُ بحقائق الأمور؛ (١) [أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبيُ فمات ... برقم (١٣٥٨) و(١٣٥٩)، والترمذي في القدر، باب ما جاء أن الأعمال بالخواتيم، برقم (٢١٣٨)، وأحمد (٤٧٣/٢)، ومالك في الموطأ (٢٤١/١) برقم (٥٧١)، وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. ٢٢٨ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته فلا بد من طلب حقيقة العلم ، ما هي؟ فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه رَيبٌ ، ولا يُقارنه إمكان الغَلَط والوَهْم ، ولا يتّسعُ القَلْبُ لتَقدير ذلك؛ بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارناً لليقين مقارنة ، لو تحدَّى بإظهار بطلانه مثلاً من يقلب الحجر ذهباً ، والعصا ثعباناً ، لم يورث ذلك شكّاً وإنكاراً. فإنِّي إذا علمتُ أن العَشرة أكثر من الثلاثة ، فلو قال لي قائلٌ: لا؛ بل الثلاثة أكثر ، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعباناً ، وقَلبها وشاهدتُ ذلك منه ، لم أشكّ - بسببه - في معرفتي ، ولم يحصلْ لي منه إلا التَّعَجُّب من كيفية قدرته عليه. فأما الشَّكُّ فيما علمتُه ، فلا ..! ثم علمتُ أنَّ كلَّ ما لا أعلمه على هذا الوجه ، ولا أتيقَّنُه هذا النوعَ من اليقين؛ فهو عِلْمٌ لا ثقة به، ولا أمانَ معه؛ فليس بعِلْمٍ يقيني)) (١). ويذكر الغزاليُ بعد ذلك ، كيف فتَّش عن علومه ، فوجد نفسه عاطلةً من علم يقينيّ موصوفٍ بهذه الصفة إلا في الحسِّيات والضروريات ، ثم تأمَّلَ في المحسوسات والضروريات ، وشكَّك نفسَه فيها؛ حتى بَطُلتِ الثقة بالمحسوسات أيضاً ، وجعل يَشكُّ فيها. يقول: ((فأعضَلَ هذا الداءُ ، ودام قريباً من شهرين ، أنا فيهما على مذهب السَّفْسَطةِ بحكم الحال ، لا بحكم المَنطق والمقال؛ حتى شفى اللهُ تعالى من ذلك المرض ، وعادتِ النفس إلى الصحة والاعتدال؛ ورجعتِ الضروريات العقليةُ مقبولةً موثوقاً بها على أَمن ويقينٍ، ولم يكن بِنظم ودليلٍ وترتيب كلام؛ بل بنور قذَّفَهُ الله تَعالى في الصَّدْرِ)) (٢) . (١) المنقذ من الضلال: ص٦٩ - ٧١. (٢) المصدر السابق: ص ٧٥ - ٧٦. ٢٢٩ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته اختبارٌ لِعِلْمِ الكَلام: وبعد الشفاء من مرض السَّفْسَطة والشَّكِّ في المحسوسات والضروريات، نظَر الغزالي في أصناف الطالبين حولَه ، فوجدها تَنْحَصر في أربع فرق ، هم: ١ - المتكلِّمون. ٢ - الباطنية. ٣ - الفلاسفة. ٤ - الصُّوفية. وبدأ يسبر غورَها ، ويَنشد الحقَّ والشِّفاء من مَرضِه عندها ، وابتدأ بعلم الكلام فحصَّله وعقله ، وطالَع كُتب المحقّقين منهم ، وأحكم هذا العلم حتى صنّف فيه . قال: ((فصادفتُه علماً وافياً بمقصوده ، غير وافٍ بمقصودي ، إنما مقصودُه حفظ عقيدة أهل السنة على أهل السنَّة ، وحراستُها عن تشويش أهل البدعة. واعتمادُ المتكلِّمين على مقدِّمات تسلّموها من خصومهم ، وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم ، ومؤاخذتهم بلوازم مُسلّماتهم)» يقول: ((وهذا قليلُ النفَعَ في حقٌّ من لا يُسلِّم سوى الضروريات شيئاً أصلاً؛ فلم يكن الكلام في حقي كافياً ، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافياً)) (١). دراسةُ الفلسفة ورأيُ الغزاليّ فيها: ثم أَقبَلَ على الفلسفة اليونانية التي تزعُم أنها الطريقُ الوحيد المُوصِل إلى معرفة الحق و السعادة واليقين ، وهي العلم المبنيُ على العقل والمنطق والاستدلال ، ورأى الغزالي بعُلوِّ هِمَّته وما فُطِرِ عليه من الجدِّ والصرامة ، أنه لا يسوغُ له الحكم عليها ، وَبثُّ الرأي فيها ، حتى يكتنهها، ويُحيط (١) المنقذ من الضلال: ص ٨٢. ٢٣٠ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته بمقاصدها وكُلِّياتها؛ حتى يُساوي أعلمَ الناس في هذا الموضوع ، وأن لا يعتمدَ في ذلك على ما قال عنها خصومُها والهاجمون عليها، بل على ما دوَّنه الثقاتُ منهم ، والمدافعون عنهم. فأقبل يَدرُس الفلسفة في جِد وإخلاص ونهم وشغفٍ ؛ حتى وصل إلى أقصى ما يصل إليه عالِمٌ يتوفّر على دراسة الفلسفة ويتعمَّق فيها . وكان أول عالِم ديني فعل ذلك في عصره ، ونسمعُه الآن وهو يتحدَّث عن دراسته للفلسفة : ((ثم إنِّي ابتدأتُ - بعد الفراغ من علم الكلام - بعلم الفلسفة، وعلمتُ - يقيناً - أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقفُ على مُنتهى ذلك العلم؛ حتى يُساوي أعلمَهم في أصل ذلك العلم ، ثم يزيدَ عليه ويُجاوزَ درجته؛ فيطلعَ على ما لم يَطَّلعْ عليه صاحبُ العلم من غَور وغائلة ، وإذ ذاك يمكن أن يكون ما يَدَّعيه من فسادِه حقاً ، ولم أر أحداً من عُلماء الإِسلام صرَف عنایته وهِمَّته إلی ذلك)). ((ولم يكن في كُتب (المتكلِّمين) من كلامهم - حيثُ اشتغلوا بالَّد عليهم - إلا كلماتٌ مُعقَّدة مبدَّدةٌ ظاهرةُ التناقض والفساد ، لا يُظن الاغترار بها بعاقل عاميٍّ ، فضلاً عمن يدَّعي دقائق العلوم ، فعلمتُ أن ردَّ المذهب قبل فهمِه والاطلاع على كُنهه ردٌّ في عَماية ، فشمَّرتُ عن ساق الجِدّ في تحصيل ذَلك العِلْم من الكتُب بمجرَّد المطالعة من غير استعانة بأستاذ. وأقبلتُ على ذلك في أوقات فراغي من التَّصنيف والتدريس في العلوم الشرعية، وأنا مَمْنُؤٌّ بالتدريس والإفادة لثلاثمئة نفسٍ من الطلبة ببغداد؛ فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلَسة على منتَهى علومهم في أقلٌّ من سنتين ، ثم لم أزل أواظبُ على التفكر فيه ، بعد فهمه ، قريباً من سنة ، أعاوده وأردده وأتفقد غوائلَه وأغواره)) (١). (١) المنقذ من الضلال: ص ٨٤ - ٨٥. ٢٣١ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته وبعد هذه الدراسة الشاملة العميقة التي أخلص فيها كلَّ الإخلاص ، وجدَّ فيها كلَّ الجد ، يئس الغزالي من الفلسفة أيضاً ، ولكنه لم يستعجل ولم يسرع في إبداء رأيه شأن كثير من علماء الدين في عصره وفي غير عصره ، ولم يظلمٍ الفلسفة ، ولم يشملها باللعن والتكفير ، شأنَ كثير من الفقهاء ورجال الفتوى؛ بل تناولها بالتحليل والتقسيم ، وذكر أصناف الفلاسفة وأقسامهم ، وذكر ما لهم وما عليهم ، وما يمسُّ الدِّين من آرائهم وبحوثهم ويتصلُّ به ، وما لا يمسه ولا يتصل به ، وما يَستحِقُون به التكفير. وما ليس من الدين في قليل ولا کثیر. وهو أولُ عالمٍ دينيٌّ يقومُ بهذا التحليل العلمي ، ويَتَّت هذا التَّئَتُتَ ، ويعرف تاريخ الفلسفة ، ويعرف طبقات رجالها ومُدونيها. وأوّلُ عالم ديني يُنصف علومهم التجريبية النافعة ، ويعترف بصحة بعضها وإفادة هذه العلوم. يقسِّم علومهم إلى ستة أقسام: (١) رياضية (٢) منطقية (٣) طبيعية (٤) إلهية (٥) سياسية (٦) وخُلقية. ويقول عن الرياضية : ((وأمَّا الرِّياضية، فتتعلَّق بِعلم الحساب والهندسة وعلم هَيئة العالم ، وليس يتعلَّق شيء منها بالأمور الدينية نفياً وإثباتاً؛ بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمِها ومعرفتها)) (١). وهذا رأيٌّ متوازنٌ يَدُّ على سلامة التفكير وسعة الأفق ، ويزيد في قيمة كل ما يقول هذا الرجل في نَقد الفلسفة ، ولكن الغزالي لا يقتصرُ على الاعتراف بصحّة العلوم الرياضية؛ بل يذكر ما تولَّد منها من الآفات - من غير قصد -یُری تأثيرُها في المجتمع الإسلامي المعاصر. (١) المنقذ من الضلال: ص ٩٠. ٢٣٢ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته يقول - وهو يذكر الآفة الأولى -: ((الأولى من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ، ومن ظهور براهينها ، فيَحسن - بسبب ذلك ــ اعتقادُه في الفلاسفة؛ فيحسَب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلمِ ، ثم يكون قد سَمع كفرهم وتعطيلهم وتهاوُنهم بالشرع ما تَداولَتْهُ الألسنة؛ فَيَكْفُر بالتقليد المحض)). ويقول: ((لو كان الدين حقاً؛ لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم؛ فإذا عرف بالتسامع كُفرَهم وجَحدهم؛ فيستدلُّ على أن الحق هو الجَحْد والإنكار للدين)» (١). وكأنه يُصَوِّر - وهو يذكر تأثير العلوم الرياضية وردّ فعلها في كثير من ضعاف العقول والمتكايسين في عصره - عقلية النشء الجديد ، وكثير من المتعلِّمين في القرن العشرين ، الذين خضعوا لبراعة الأوربيين في العلوم الطبيعية والاختراعات ، ورأوا ما هم عليه من إلحاد وزندقة وتفسُّخ خُلُقي؛ فظنوا أنه الطريق الأقوم ، وقلَّدوهم فيه. اسمعوه يقول - وكأنه في هذا العصر، ويتحدَّث عن هذا الطراز -: ((وكم رأيتُ من يضل عن الحق بهذا القدر ولا مستند له سواه! وإذا قيل له: الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقاً في كل صناعة؛ فلا يلزم أن يكون الحاذق في الفقه والكلام حاذقاً في الطِّب ، ولا أن يكون الجاهل بالعقليات جاهلاً بالنحو؛ بل لكل صناعةٍ أهلٌ بلغوا فيها رُتبة البراعة والسَّبق ، وإن كان الحُمق والجهل قد يلزمُهم في غيرها. فكلام الأوائل في الرياضيات بُرهانيٌّ ، وفي الإلهيات تخمينيٌّ ، لا يعرف ذلك إلا من جرَّبه وخاض فيهِ؛ فهَذا - إذا قُرر على هذا الذي اتخذ بالتقليد - لم يَقعْ منه موقع القبول؛ بل تَحمِلُه غَلَبَةُ الهوى، وشهوة البطالة، وحُبُّ التكايس ، على أن يُصرّ على تحسين الظن بهم في العلومِ كُلِّها))(٢) . (١) المنقذ من الضلال: ص ٩٠ - ٩١. (٢) المصدر السابق: ص ٩١ . ٢٣٣ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته وبعدما ذكر الرياضيات تكلّم عن المنطقيات فيقول: ((لا يتعلَّقُ شيءٌ منها بالدين نفياً وإثباتاً؛ بل هو النظر في طُرق الأداة والمقاييس ، وشروط مقدمات البرهان ، وكيفية تركيبها ، وشروطِ الحَد الصحيح ، وكيفيةٍ ترتيبه ، وأن العلم إما تصوُّرٌ ، وسبيلُ معرِفته الحدُّ ، وإما تصديقٌ ، وسبيل معرفتِهِ البُرهان ، وليس في هذا ما ينبغي أن يُنكَر؛ بل هو جنس ما ذكره المتكلمون وأهلُ النَّظر في الأدلة ((وإنما يُفارقونهم بالعبارات والاصطلاحات ، وبزيادة الاستقصاء في التعريفات والتَّشعيبات)) (١). وهكذا يقول عن علم الطَّبيعيات ، فبعدما يَشرحُه يقول: وكما ليس من شرط الدِّين إنكارُ عِلم الطب؛ فليس من شرطه أيضاً إنكار ذلك العلم إلا في مسائل معينة ، ذكرناها في كتاب ((تهافت الفلاسفة)). ويقول: ((أمَّا السياسات ، فجميعُ كلامهم فيها يرجع إلى الحِكم المصلحيَّة المتعلقة بالأمور الدنيوية ، والإيالة السُّلطانية ، وإنما أخذوها من كُتب الله المنزلة على الأنبياء ، ومن الحِكَم المأثورة عن سَلَف الأنبياء)) (٢). ويقول: ((أمَّا الخُلُقية ، فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها وذكر أجناسها وأنواعها ، وكيفية معالجتها ومجاهدتها ، وإنما أخذوها من كلام الصوفية ، ولقد كان في عصرهم؛ بل كان في كلِّ عصرٍ جماعةٌ من المتألِّهين)) (٣). وبعدما ذكر هذه العلوم التي لا تتصادم مع الدين الإسلامي إلا في النادر ذكر الغزالي العلمَ الذي تركّز فيه الصراع بين الإسلام والفلسفة ، وهو علم الإلهیات. يقول: (١) المنقذ من الضلال: ص ٩٣ - ٩٤ . (٢) المصدر السابق: ص ٩٩. (٣) المصدر السابق: ص ١٠٠ . ٢٣٤ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته ((وأمَّا الإلهيات ففيها أكثرُ أغاليطهم؛ فَما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوه في المنطق؛ ولذلك كثُر الاختلاف بينهم فيها)) (١). وبعدما نظر الغزاليُ في جميع هذه العلوم نظرة عميقة واسعة ، ودرسها دراسَة مُتخصِّص مُتوسِّع ، يَسَ من أن ينال بُغيته في هذه العلوم. يقول: ((ثم إنِّي لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتَفْهُّمه ، وتزييف ما يُزَيَّف منه علمتُ أن ذلك أيضاً غيرُ واف بكمال الغرض. وأن العقل ليس مستقلاً بالإحاطة بجميع المطالب. ولا كاشفاً للغطاء عن جميع المعضلات)) (٢). اختبار للباطنية ويأس الغزالي منها: وهنا أقبل إلى الباطنية التي عَظُم شأنُها في عصره واستهووا كثيراً من الشبان ومن طلبة العلم. فأقبل إليهم الغزالي؛ لأنه ضعُفت ثقته بالعقل والدليل. وكان الباطنية يزعمون أنهم يأخذون عِلمهم من الإمام المعصوم القائم بالحق. وهو مَصدَر العلم الذي يصح الاعتمادُ عليه والثقة به؛ فكان طبيعياً أن يلجأ إليهم الغزاليُ ويجرِّبَهم - وقد يئس من الفلسفة - وقد قام بهذه التجربة. ودرسَ عقائد الباطنية وعلومَهم دراسته للفلسفة وفروعها. وانتهى إلى نفس النتيجة . ندعه يَتحدَّث عن تجربته الجديدة (٣): ((وكان قد نَبغتْ نابغةٌ تَعليميةٌ ، وشاع بين الخلق تَحدّثُهم بمعرفةٍ معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائِم بالحق ، عَنَّ لي أن أبحث عن مقالاتهم ، لأطَّلِعَ على ما في كتبهم ، ثم اتّفق أن وَرد عليَّ أمرٌ جازم من حضرة الخلافة بتصنيفٍ كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم ، فلم يَسعْني مدافعته ، وصار ذلِك مُستحقّاً من خارج، ضميمةً للباعث الأصلي من الباطن ، (١) المنقذ من الضلال: ص ٩٨. (٢) المصدر السابق: ص ١٠٨ - ١٠٩. (٣) المصدر السابق: ص ١٠٩ . ٢٣٥ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته فابتدأتُ بِطَلب كُتبهم وجمع مقالاتهم ، وكان قد بلغني بعضُ كلماتهم المستحدَثة التي ولَّدتْها خواطرُ أهل العصر ، لا على المنهاج المعهود من سلَفهم ، فجمعتُ تلك الكلمات ، ورتَّبتها ترتيباً مُحكماً مقارناً للتحقيق ، واستوفيتُ الجواب عنها)) (١). ((والمقصود أنِّي قررتُ شُبهتهم إلى أقصى الإمكان، ثم أظهرتُ فسادها بغاية البرهان)) (٢). وقد اقتنع أخيراً بأنه ((لا حاصل عند هؤلاء ولا طائل لكلامهم ، ولولا سوءُ نصرة الصديقِ الجاهل ، لما انتهت تلك البدعة - مع ضعفها - إلى هذه الدرجة)» (٣) . ((إنَّ هؤلاء ليس معهم شيءٌ من الشّفاء المُنجي من ظلمات الآراء ، بل مع عَجْزهم عن إقامة البرهان على تعيين الإمام طالما جاريناهم ، فصدَّقناهم في الحاجة إلى التعليم؛ وإلى المُعلّم المعصوم ، وأنه الذي عيَّنوه ، ثم سألناهم عن العلم الذي تعلَّموه من هذا المعصوم ، وعرضْنا عليهم إشكالات فلم يفهموها فضلاً عن القيام بحلِّها ، فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب ، وقالوا: إنه لا بُد من السفر إليه ، والعجبُ أنهم ضيَّعوا عُمرهم في طلب المعلم وفي التبُّح بالظَّفَر به ، ولم يتعلَّموا منه شيئاً أصلاً ، كالمتضمِّخ بالنجاسة يَتْعَبُ في طلب الماء حتى إذا وَجده لم يستعمله، وبقي مُتَضَمِّخَاً بالخبائث)) (٤) . ((ومنهم مَن ادَّعى شيئاً من علمهم فكان حاصلُ ما ذكره من ركيكِ فلسفة فيثاغورس ، وهو رجلٌ من قدماء الأوائل ، ومذهبه أرَكُّ مذاهبٍ الفلسفة ، وقد ردّ عليه أرسطاطاليس؛ بل استَركَّ كلامه واستزذَلَهُ ، وهو المحكي في كتاب ((إخوان الصفا)) وهو - على التحقيق - حَشْوُ الفلسفة. (١) المنقذ من الضلال: ص ١٠٩. (٢) المصدر السابق: ص ١١١ . (٣) المصدر السابق: ص ١١١ . (٤) المصدر السابق: ص ١٢٠ . ٢٣٦ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته فالعَجبُ ممَّن يَعبُ طوال العمر في طلب العلم ، ثم يَقنع بمثل ذلك العلم الركيك المُستَغَث ، ويظُن بأنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم! فهؤلاء أيضاً جرَّبناهم وسبّرنا ظاهرهم وباطنهم ، فرجع حاصلُهم إلى استدراج العوام وضُعفاء العقول ببيان الحاجة إلى المعلُّم ، ومجادلتِهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي مُفْحِم؛ حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلّم مساعدٌ وقال: ((هاتَ عِلْمَهُ، وأَفِدنا من تعليمه، وَقف وقال: ((الآن إذا سلَّمْتَ لي هذا فاطلبه ، فإنما غرضي هذا القَدْر فقط)) إذ علم أنه لو زاد على ذلك ، لافتضح ولعجز عن حل أدنى الإشكالات بل عجز عن فهمه ، فضلاً عن جوابه)). ((فهذه حقيقةُ حالهم ، فاخْبُرهم تَقْلِهم ، فلما خَبرناهم نفضنا اليدَ عنهم أيضاً) (١). إلى التَّصَؤُف: وهنالك أقبل الغزاليُ إلى التصوف ، وهو أمله الأخير في الحصول على السعادة واليقين ، ونَتركُهُ يُكمل الحديثَ ، ويُرسل النفس على سجيَّتها: ((ثم إنِّي لما فرغتُ من هذه العلوم أقبلت بِهِمَّتي على طريق الصوفية ، وعلمتُ أن طريقَتهم إنما تتمُّ بعلمٍ وعمل ، وكان حَاصلَ عملهم قطعُ عقبات النفس ، والتَّنزُّه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، وحتى يُتوصَّل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى ، وتحلِيَتهِ بذكر الله)). ((وكان العِلمُ أيسَر عليَّ من العمل ، فابتدأتُ بتحصيل علمهم من مطالعة كُتبهم مثل ((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي - رحمه الله - وكتب ((الحارث المحاسبي)) والمتفرقات المأثورة عن ((الجُنيد)) و((الشِّبلي)) و((أبي يزيد البَسْطامي)) - قدس الله أرواحهم - وغير ذلك من كلام مشائخهم ، حتى اطّلعتُ على كُنْهِ مقاصدهم العلمية ، وَحَصَّلْتُ ما يمكن أن يُحَصَّلَ من طريقهم بالتَّعلُّم (١) المنقذ من الضلال: ص ١٢٠ - ١٢١. ٢٣٧ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته والسماع ، فظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلُّم ، بل بالذوق والحال وتبدل الصفات)» (١). وبعدما يشرح الفرقَ بين العلم والحال ، ويَضرب لذلك المثالَ ، يقول: ((فعلمت يقيناً أنهم أربابُ الأحوال لا أصحاب الأقوال ، وأن ما يمكن تحصيلُه بطريق العلم فقد حصَّلْتُه ، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم ، بل بالذوق والسلوك» (٢). وهنالك يشعر الغزاليُ - بفطرته السليمة ومُحَاسبتِهِ الدقيقة - بنَقْصٍ فيه ، وبُعْدٍ عن الحقيقة والحال ، وعن مقام الإخلاص ، ويشعرُ بالخطر المحدِق به لو استمر على هذه الحال ، وهذا الشعور هو الذي يمتاز به الغزاليُ عن عالم آخر كبير ، وعن مُدرس موفَّق تهيأتْ له أسبابُ النبوغ والمجد ، وخضعت له الأوساط العلمية في عصره ، وذلك الشعور هو الذي رفعه فوق مستوى عصره ، وخلَّده في التاريخ ، يقول في صراحة وقُوة يمثلُ ما كان يَعتَوِرُه من صراعٍ نفسي : («وكان قد ظهر عندي أنَّه لا مطمعٍ لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى ، وكفٍّ النفسِ عن الهوى ، وأن رأسَ ذلك كلُّه قطعُ علاقة القلب عن الدنيا ، بالتجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإقبالِ بكُنهِ الهِمَّة على الله تعالى ، وأنَّ ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال ، والهَرَب من الشواغل والعلائق)). (ثم لاحظتُ أحوالي، فإذا أنا منغمسٌ في العلائق ، وقد أحدَقتْ بي من الجوانب ، ولاحظتُ أعمالي - وأحسنُها التدريس والتعليم - فإذا أنا فيها مُقبلٌ على علومٍ غيرِ مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة)). ((ثم تفكّرْتُ في نيَّتي في التدريس ، فإذا هي غيرُ خالصة لوجه الله تعالى ، (١) المنقذ من الضلال: ص ١٢٣ - ١٢٤. (٢) المصدر السابق: ص ١٢٦ . ٢٣٨ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته بل باعِثُها ومحركها طلبُ الجاه ، وانتشار الصيت ، فتيقَّنتُ أني على شفا جُرُفٍ هار، وأني قد أشفيتُ على النار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال)) (١) . ثم يَذكُر حالةَ التردُّد والاصطراع النفسي التي بقي فيها مدة ، وصَوَّر حالَته النفسية تصويراً بارعاً: ((فلم أزل أتفكّر فيه مُدَّة - وأنا بعد على مقام الاختيار - أُصَمّمُ العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال يوماً ، وأحلُّ العزم يوماً ، وأقدم فيه رجلاً ، وأؤخر عنه أخرى ، لا تصْدُق لي رغبةٌ في طلب الآخرة بُكْرةً ، إلا وتحمل عليها جُندُ الشهوة حملة ، فتُفْتِرُها عشية ، فصارت شهوات الدنيا تُجاذِبُني بسلاسلها إلى المُقام. ومُنادي الإيمان ينادي: الرحيلَ! فلم يَبقَ من العمر إلاَّ القليل ، وبين يديك السّفر الطويل، وجميعُ ما أنت فيه من العلم والعمل رياءٌ وتخييلٌ ، فإن لم تستَعدَّ الآن للآخرة فمتى تستعدُّ؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعِثُ الداعية، ويَنجَزِمُ العَزْم على الهرب والفرار)). ثم يعود الشيطانُ ويقول: ((هذه حالة عارضة ، إياك أن تُطاوعها ، فإنها سريعة الزوال ، فإن أذعنتَ لها وتركتَ هذا الجاه العريض ، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص ، والأمنَ المسلّم الصافي عن منازعة الخصوم ، ربما التفتَتْ إليه نفسُك، ولا يتيَّسر لك المُعاودة)) (٢). الغزالي يُغادِرُ بَغدادَ: ثم يَذكر كيف غُلِبَ على أمره ، وأفلت الزمام من يده ، وانتقل من الاختيار إلى الاضطرار ، حتى سَهُل عليه مفارقة الأهل والدار ، ونفضُ اليد من الجاه والاعتبار ، وخرج من بغداد يطلبُ السعادة الروحية والمعرفة الحقيقية ، حتى (١) المنقذ من الضلال: ص ١٢٦ - ١٢٨ . (٢) المصدر السابق: ص ١٢٧ - ١٢٨ . ٢٣٩ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته أكرمه الله بها ، ولنستمع إليه فهو في نهاية المطاف: ((فلم أَزَلْ أتردّدُ بين تَجاذُب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من سِنَّةٍ أشهر؛ أوَّلُهَا رجب ، سنة ثمان وثمانين وأربعمئة وفي هذا الشهر جاوز الأمر حدَّ الاختيار إلى الاضطرار ، إذ أقفلَ الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنتُ أجاهد نفسي أن أدرُّس يوماً واحداً تطبيباً للقُلوب المختلفة إليّ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ، ولا أستطيعُها البتة، حتى أورثَتْ هذه العقلةُ في اللسان حُزناً في القلب ، بَطلت معه قوة الهَضم ومراءةُ الطعام والشراب ، فكان لا يُساغ لي ثريد، ولا تَنهضِم لي لُقمة، وتعدّى إلى ضعف القوى ، حتى قطع الأطباء طَمَعَهم من العلاج، وقالوا: ((هذا أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى المزاج ، فلا سبيل إليه بالعلاج إلا أن يتروَّح السر عن الهَمِّ المُلم». (ثم لمَّا أحْسَسْتُ بعجزي ، وسَقط بالكلية اختياري ، التجأتُ إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له ، فأجابني الذي ﴿ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾ وسهَّل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب، وأظهرتُ عزمَ الخروج إلى مكة وأنا أُدبر في نفسي سفرَ الشام ، حذراً أن يطلع الخليفة وجملةُ الأصحاب على عزمي في المقام بالشام ، فتلطّفْتُ بلطائف الحِيل في الخروج من بغداد على عزم ألاَّ أعاودها أبداً ، واستُهدفتُ لأئمة أهل العراق كافة ، إذ لم يكن فيهم من يُجَوِّزُ أن يكون الإعراض عما كنت فيه سبباً دينياً ، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين ، وكان ذلك مبلغهم من العلم)). (ثم ارتبكَ الناسُ في الاستنباطات ، وظنَّ من بَعُدَ عن العراق أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة، وأما من قَرُب من الولاة، وكان يشاهد إلحاحهم في التعلُّق بي ، والانكباب علي، وإعراضي عنهم وعن الالتفات إلى قولهم؛ فيقولون: هذا أمرٌ سماويٌّ ، وليس له سببٌ إلا عين أصابت أهل الإسلام وزُمرة العِلم)). ((ففارقتُ بغداد، وفرَّقتُ ما كان معي من المال، ولم أدَّخِرْ إلا قَدر الكفاف وقُوتَ الأطفال؛ ترخيصاً بأنَّ مال العراق مُرصدٌ للمصالح ، لكونه وقفاً ٢٤٠ حجة الإسلام الغزالي: حياته ودراسته على المسلمين ، فلم أر في العالم مالاً يأخذه العالِم لعياله أصلحَ منه)). ((ثم دخلتُ الشام وأقمتُ به قريباً من سنتين ، لا شُغْلَ لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة، اشتغالاً بتزكية النفس، وتهذيب الأخلاقِ، وتصفية القلب لذكر الله تعالى ، كما حصَّلتُه من علم الصوفية ، فكنتُ أعتكفُ مدَّة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طوال النهار ، وأُغلق بابها على نفسي)). ((ثم رحلتُ منها إلى بيت المقدس ، أدخلُ كل يوم الصخرة ، وأُغلِق بابَها على نفسي ، ثم تَحَّكت فيَّ داعيةُ فريضة الحج ، والاستمدادُ من بركات مكة والمدينة ، وزيارة رسول الله تعالى عليه السلام بعدَ الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه ، فَسِرْتُ إلى الحجاز)). ((ثم جذَبتني الهِمَمُ، ودعوات الأطفال إلى الوطن ، فعاودتُه بعد أن كنتُ أبعدَ الخلق عن الرجوع إليه ، فآثرتُ العُزلة به أيضاً ، حرصاً على الخلوة وتصفية القلب للذكر)). ((وكانت حوادثُ الزمان ، ومُهمَّات العيال ، وضرورات المعاش ، تُغيِّرُ وجه المراد ، وتُشوّش صفوَة الخلوة ، وكان لا يصفو لي الحالُ إلا في أوقاتٍ مختلفة ، لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها ، فتدفعني عنها العوائق وأعود إليها)) (١) . الاستقرارُ على طريق الضُّوفية: وهنا يذكر الغزاليُ الغاية التي وصل إليها ، والنتيجة التي اقتنع بها في هذه الرِّحلة الشاقة ، والتأمُّلات العميقة الكثيرة ، والبحث المُضني: ((ودُمتُ على ذلك مقدارَ عشر سنين ، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها ، والقَدْر الذي أذكره يُنتفع به. إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة ، وأن سيرتهم (١) المنقذ من الضلال: ص ١٢٨ - ١٣١.