النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ الإمام أحمد بن حنبل فرضَ الجبايات ، ويسوقونها إلى أهوائهم سوق الغنم والبقرات ، وردّ إلى العقيدة الإسلامية كرامتها وأصالتها ، وإلى الأمة حريّتها وشخصيتها ، فاستحقَّ بذلك تقدير الإنسانية وثناء المسلمين ، واعتراف الأجيال القادمة وإجلال التاريخ وإكباره ، وكان من المجدِّدين الكبار في الإسلام. الأشعري أوامر وخلفاؤه ١٨٥ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه المحاضرة السادسة: أبو الحسن الأشعريّ وخلفاؤه سيطرة المعتزلة العلمية ونتائجها: لقد ضَعُفَ شأنُ المعتزلة على أثر وفاة المعتصم والواثق - اللَّذين تبنيا حركة الاعتزال واحتضناها - وجاء المتوكل بعد الواثق وهو ناقمٌ على الاعتزال مُناوىءٌ للمعتزلة ، وقد تتبّع المعتزلة فأقصاهم من مناصب الحكومة الخطيرة؛ ولكن رغم ذلك كله ظلّ المعتزلة يسيطرون على الأوساط العلمية . إنَّ عقيدة خلق القرآن فقدت سلطانها؛ ولكنْ كانت للمعتزلة عقائدُ ونظرياتٌ لا تزال جديدةً تشغَل العقول ، وتُسيطر على الأذهان ، وقد عاد إليهم بعض ما فَقدوه من النُّفوذ والتأثير في القرن الثالث ، ووُجدتْ فيهم شخصياتٌ قويةٌ أعادتْ إلى المعتزلة بعض الثقة والإِجلال ، وخَضَع لذكائهم وحدة نظرهم كثيرٌ من الشباب المثقّف الذكي ، وأصبحَ شبه المقرّر عندهم أَن المعتزلة يمتازون بدقّة النظر ، واتّساع الفكر والتحقيق ، وأن آراءهم وما وصلوا إليه من نتائج علمية أقربُ إلى العقل ، وقد صار كثيرٌ من طلبة العلم الشباب ، وممن يُحبُّون الظهور والتفوُّقَ على الأقران ، يُظهرون الاعتزال تظرُّفاً. وبالعكس من ذلك ، لم يظهر في الحنابلة والمُحدِّثين بعد الإمام أحمد ١٨٦ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه شخصيةٌ قوية جذابة ، وأعرض المُحدِّثون ومن كان على شاكلتهم من العلماء عن العلوم العقلية وأساليب البحث والاستدلال الجديدة التي شاعتْ بتأثير المعتزلة ، فكان نتيجةَ ذلك ظهورُ المعتزلة ومن نحا نحوهم في مجالس البحث والمناظرة على منافسيهم الحنابلة والمحدِّثين ، وبدأ الناس يشعرون ويعتقدون أن المدافعين عن السُّنة وممثِّليها متخلَّفون عن ركب العلم السائر ، ويَجْهلون مبادىءَ الفلسفة ، وأصبح الذين لم يتعمَّقوا في العلم ، ولم يرسخوا في الدين ، يعرفون أن الذّكاء الحاد والرأيّ السَّانح يؤيدان المعتزلة؛ ولكن العقلَ المتعمق والفكرَ الناضج يُرجحَان مذهب المحدِّثين ، ويقبلان محكَّمات الشريعة . أصبَحَ هؤلاء مأخوذين ببلاغة المعتزلة ، وحُضور بَديهتهم ، وتدقيقهم في المسائل الكلامية وتقعُّرهم فيها ، وأصبح كثير منهم يستخفون بظاهر الشريعة ، ويعتقدون أنَّ مسلك السلَف وما ذهبوا إليه من عقائد ، لا يقوم على البحث العلمي والأساس العقلي؛ وقد أُصيب كثير ممن ينتسب إلى الحديث ، وكثيرٌ من تلاميذ المحدثين بمركّب النقص مأخوذينَ بِسحر المعتزلة وتفلسفهم. وقد كان هذا الوضعُ خطراً كبيراً على مركز الدّين والسُّنة في نفوس المسلمين ، وقد صار هؤلاء المتفلسفون يعبثون بتفسير القرآن وعقائد الإسلام ، تتحكّم فيهما أهواؤهم وعُقولهم ، ويُصرِّفونها كيف يشاؤون ، ووُجد في الأوساط العلمية اتجاهٌ جديد عنيفٌ إلى تقديس العقل وتحكيمه في المسائل التي لا تقوم إلا على تعليمات النُّبوة والإِيمانِ بالغيب. وانطلقتْ في العالم الإسلامي موجةٌ من الفلسفة السطحية والعقلية المتهورة كادت تكتسحُ الإِيمان بالغيب ، والاعتماد على تعاليم الأنبياء ، وازدهرَ التفكير الفلسفيُ على حساب القلب والعاطفة ، وعلى حساب العمل ، ولا شك أنَّه تحوُّلٌ عظيم في العالم الإسلامي ، وخطر على مستقبل الأمة ، وقد عَجز عن مقاومة هذا التيار العنيف وردِّه المحدِّثون المتصلّبون، والحنابلةُ المتحمِّسون ، وعجز عنه كذلك الزهاد العابدون ، والفقهاء البارعون؛ إذ لم يكن شيء مما ١٨٧ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه يمتازون به يقوم في وجه هذا التيار العقلي ، ويَردُّه على أعقابه . الحاجة إلى شخصيّة رفيعة: لقد كان الإِسلامُ يومئذ في حاجة إلى شخصية قوية تفُوق المعتزلة في مواهبها العقلية وفي مُستواها العلمي ، إلى رجل لم يُلمّ بالعلوم العقلية إلماماً فحسب بل نزلَ في أحشائها ، ورسَب في أعماقها. كان الإسلام في حاجة إلى عملاق في العلم والعقل ، يتضاءَل أمامه حَملَةُ راية العلم والعقل في عصره ، كما يتضاءل الأقزام ، وكما يتضاءل التلاميذ الصغار أمامَ أستاذ نابغةٍ وإمام كبير. لقد كان الإسلامُ في حاجة ملحّة إلى هذه الشخصية الرفيعة القوية ، ووُجدت هذه الشخصية المطلوبة في شخص أبي الحسن الأشعري. أبو الحسن الأشعري: هو أبو الحسن علي بن إسماعيل ، من ذرية أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله و له. ولد بالبصرة عام ٢٧٠ هـ تزوجتْ أمه - بعد وفاة أبيه إسماعيل - بأبي عليٍّ الجبّائي، شيخ المعتزلة في عصره ، وحامل راية الاعتزال ، ونشأ أبو الحسن في حِجره ، وتلقّى علومه حتى صار نائبه وموضع ثقته وأمين سرِّه. وكان أبو عليّ الجبّائيُ صاحب تصنيف وقلم، إذا صنف يأتي بكل ما أراد مُستقصى ، وإذا حضر المجالسَ وناظر لم يكن بِمُرْضٍ ، وكان إذا دهمه الحضور في المجالس يبعث الأشعري ، ويقول له: نُبْ عِنِّي، ولم يزل على ذلك زماناً (١) حتى تصدّر المعتزلةَ، وأصبح يُشار إليه بالبنان ، وكان كل شيء في حياته يدل على أنه سيكون خليفةَ شيخه ومربِّيه - أبي علي الجبائي - ويعقد له لواء الإمامة والصدارة في المذهب؛ ولكنَّ الله أراد غيرَ ذلك. (١) تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري: لأبي القاسم بن عساكر الدمشقي ص ٩١. ١٨٨ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه لم يزَلْ أبو الحسن يتزَّم المعتزلةَ ويُدافع عنهم ، وظل على ذلك أربعين سنة ، حتى ثار عقلُه الكبير ، ونفسُه القلقة ، على مذهب الاعتزال الذي كان يُنافح عنه. ونشأ في نفسه ردُّ فعل ضدَّ تأويلات المعتزلة وإمعانِهم في القياس وتحكيم العقل، وصار يشعرُ بأنهم أخضعوا الدين للمنطق الصناعي وللمقدِّمات ، والأصول التي ظنوا - وصَوَّر لهم ذكاؤهم - أنها قطعيةٌ ، وتأولوا القرآن على آرائهم. واقتنعَ بأنَّ الحق الصريح هو الذي كان عليه الصحابة رضي الله عنهم ، وسلَف هذه الأمة ، وهي الغاية التي ينتهي إليها العقل والتفكير العميق ، بعد رحلة طويلة ، وتجارب قاسية ، وعَثَرات كثيرة ، فيؤمن بفضلهم وإصابتهم فيما اعتقدوه وتلقوه عن النبي ◌َّهِ، وعَضّوا عليه بالنواجذ. حدَثَ في أبي الحسن الأشعري هذا الصراعُ النفسي ، فاعتكفَ في بيته خمسةَ عشر يوماً يفكر ويتأمل ويدرس، ويستخير الله حتى اطمأنتْ نفسُه ، واستقر رأيُه، ورأى أنه لا يسَعُه إلا الإعلانُ بالبراءة عن الاعتزال ، والرجوع إلى مذهب السلف ، ورأى أن البقاء فيما كان عليه من الرأي والمركز الذي يتمَّعُ به جريمةٌ خُلقية ونفاقٌ ، فخرج إلى المسجد الجامع بالبصرة ، ورقيّ كُرسياً ، ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أُعرِّفه بنفسي ، أنا فلان ابن فلان ، كنتُ أقول بخلقِ القرآن وأن الله لا تراه الأبصار ، وأنَّ أفعال الشر أنا أفعلها ، وأنا تائبٌ مُقِلِعٌ معتقد للرد على المعتزلة، مُخِرجٌ لفضائحهم ومعائبهم (١) . ومِن ذلك اليوم انقلبَ أبو الحسن - لسانُ المعتزلة من قبل - أكبرَ المعارضين للاعتزال ، وأعظمَهم رداً عليه وعلى أهله ، وانقلبتْ مواهبه ، ومِرانه العقلي وحِجاجُه القوي ، إلى الدفاع عن السُّنة ومذهبٍ السلف . - (١) ابن خلكان: ص ٤٤٧، ج٢. ١٨٩ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه حَماسُه في عَقيدة السَّلف وحِرصُه على تَبليغها: ونهَضَ أبو الحسن الأشعري بعد هذا التَّحوُّل العظيم ، يدعو إلى عقيدة أهل السنَّة ، ويدافع عنها في حماسة وإيمانٍ ، ويَردُّ على المعتزلة ، ويتَّبعهم في مجالسهم ومراكزهم يحاول إقناعهم بما اقتنع به أخيراً من عقائد أهل السنة ، ومذاهب السلف ، وكان نشاطه في ذلك أعظم من نشاطه في السابق ، وكان يقصدهم بنفسه يناظرُهمِ ، فَكُلُّمَ في ذلك ، وقيل له: كيف تُخالط أهل البدع وتَقصِدُهم بنفسك وقد أَمرتَ بهجرهم؟ فقال: هم أولو رياسة ، منهم الوالي والقاضي ، ولرياستهم لا ينزلون إليّ ، فإذا كانوا هم لا ينزلون إلي ، ولا أسير أنا إليهم ، فكيف يَظهر الحق ، ويعلمون أنَّ لأهل السنة ناصراً بالحجة؟ (١). مواهبه العقلية وعُلؤ مرتبته في العِلْم: وقد اكتسبَ أبو الحسن مَلَكةً قويةً ومِراناً على البحث والاستدلال ، بِحُكم اشتغالِه بالبحث في علم الكلام ، والدِّفاع عن المعتزلة ، وكان صاحبَ موهبة وقريحة في المناظرة والاستدلال شديدَ المعارضة قويَّ الحُجَّة. وقد أشعَلَ إخلاصُه للدين وانتقالُه إلى معسكر أهل السنة هذه المواهب. وقد كان مُستواه العقلي أعلى من مستوى مُعاصريه وأقرانه ، وكان صاحبَ نُبوغ وابتكار في العقليات وكانَ يرد على حُجَج المعتزلة وعقائدهم في سهولة ، ويَنْقُضها بمقدرة وثقة ، كما يرد الأستاذ الكبير على شُبَهِ تلاميذه، ويَحُلُّ مشاكلهم ، يُصور ذلكَ قصةٌ يرويها تلميذه أبو عبد الله بن خَفيف الشِّيرازيُّ يقول: ((دخلتُ البصرة ، وكنت أطلب أبا الحسن الأشعري رحمه الله ، فأُرشدت إليه ، وإذا هو في بعض مجالس النظر ، فدخلتُ ، فإذا ثَمَّ جماعة من (١) تبيين كذب المفتري: ص ١١٦ . ١٩٠ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه المعتزلة ، فكانوا يتكلمون ، فإذا سكتوا وأنهوا كلامهم ، قال أبو الحسن الأشعري لواحدٍ واحدٍ ، قلتَ كذا وكذا ، والجوابُ عنه كذا وكذا ، إلى أن يُجيب الكل ، فلما قام خرجت في أَثْرِهِ ، فجعلتُ أُقلِّب طَرْفي فيه ، فقال: أيش تَنظر؟ فقلت: كم لساناً لك؟ وكم أذناً لك؟ وكم عينًا لك؟ فضحك وقال لي: من أين أنت؟ قلت: من شيراز ، وكنتُ أصحبه بعد ذلك (١). وزادَ في رواية ، قال: ((قلتُ مثلك في فضلك وعُلُوِّ منزلتك ، كيف لم تُسأل ويُسأل غيرك؟! فقال: إنا لا نكلم هؤلاء ابتداءً؛ لكن إذا خاضوا في ذكر ما لا يجوز في دين الله ، رَدَدْنا عليهم بُحكم ما فرض الله سبحانه وتعالى علينا من الردِّ على مخالفي الحق)) (٢). وقد كان أبو الحسن الأشعري إماماً مجتهداً في عِلم الكلام ، وأَحَد مؤسسيه ، وقد خضع كلُّ من جاء بعده من المتكلِّمين لعبقريته ، وعُمق كلامه ، ودِقة نظره ، وإصابةِ فكره. رُوي عن الإمام أبي الحسن الباهِلي - وهو إمامٌ من أئمة الكلام - أنه قال: ((كنتُ أنا في جنب الشيخ الأشعري كقطرةٍ في جنب البحر)) (٣). وقال الإمام أبو بكر الباقلاني - وهو الذي لُقِّب بلسان الأمة - وقد قيل له: كلامُك أفضل وأبينُ من كلام أبي الحسن الأشعري رحمه الله ، قال: إنَّ أفضل أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن رحمه الله. مَذْهَبُه وخِدْمَتُه: ليس سِرُّ عظمة الأشعري في التاريخ ، وجلالة العمل الذي قام به ، في أنه دافعَ عن السُّنة دفاعاً قوياً ، ورَدَّ على المعتزلة؛ فالذين تولَّوا ذلك كثير. إنَّ سِرَّ عظمته وعبقريته في أنه اتخذ طريقاً وسطاً بين المعتزلة والمحدِّثين؛ (١) تبيين كذب المفتري: ص ٩٤ - ٩٥. (٢) المصدر السابق: ص ٩٦ . (٣) المصدر السابق: ص ١٢٥ . ١٩١ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه فلم يذهب كما ذهب المعتزلة إلى تمجيد العقل ، والإيمان بأنَّ له سُلطة لا تُحَدُّ ، وأن له الحكم على ما يتصل بالذات والصفات وما وراء الطَّبيعيات ، وأن له الكلمةَ الأخيرة النافذة في كل موضوع ، ولم ير كذلك - كما رأى كثيرٌ من أهل عصره - أنَّ الانتصار للدين والدفاع عن العقيدة الإسلامية يستلزمان إنكارَ العقل وقوته - إلى حد ما - وازدراءَه ، وأن السكوت عن هذه المباحث التي يُثيرها المعتزلة وأضرابُهم ، التي نشأتْ بحكم تطور العصر ، والاحتكاكِ بالأمم والديانات أولى وأفضل ، بالعكس من ذلك ، هو عُني بهذه المباحث؛ لأنها كانت تُزلزل العقيدة الإسلامية ، وتُضعف الثقة بالدين ، وباحَثَ المعتزلة والمتفلسفين ، وناقَشِهم في مصطلحاتهم ولغتهم العلمية، وعمل بالكلمة الحكيمة المأثورة ((كلَّموا الناس على قدر عقولهم، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟))(١). وكأنَّه كان يعتقد أن العالم إذا كلَّم عاميّاً كلاماً فوق مستواه العلمي والعقلي ، كان ذلك باعثاً على الإنكار وتكذيب الله ورسوله ، كذلك إذا كلِّم عالماً أو ذكياً أو متشككاً دون مستواه العلمي والعقلي ، كان مُثيراً للشكوك ، وداعياً إلى الجحود والإنكار؛ فكان فَهْمُه لهذه الوصية الحكيمة فهْماً أوسع ، وتطبيقُه لها تطبيقاً أشمل. وبذلك خدم أبو الحسن هذا الدين في عصره خدمة باهرة ، وأعاد إلى نفوسٍ وعقولٍ كثيرةٍ لا يعلم عددها إلا الله الثقةَ بهذا الدين ، والإيمانَ به من جدید . ولقد كان أبو الحسن الأشعري جريئاً وصريحاً في نقدِه للمعتزلة ، وقد بين أنهم اتبعوا أهواءهم في فهم هذا الدين ، وقلَّدوا رؤساءهم وسلَفهم تقليداً أعمى ، ولم ينظروا في الكتاب والسنة مجرداً ، ولم يتخذوهما إماماً ومصدراً (١) [فيض القدير: ج ٣، ص ٣٧٨]. ١٩٢ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه لعقائدهم وآرائهم ، بل كُلَّما تعارض القرآنُ مع ما انتحلوه من آراءَ وعقائد تأوَّلوا القرآنَ ولم يروا بذلك بأساً. يقول في كتاب: ((الإبانة عن أصول الديانة)) وهو أول ما صنَّفه بعد الخروج من الاعتزال: ((أما بعد؛ فإن من الزائغين عن الحق من المعتزلة ، وأهل القدَر ، من مالتْ بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ، ومن مضى من أسلافهم؛ فتأوَّلوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم يُنزل الله به سلطاناً ، ولا أوضحَ به بُرهاناً ، ولا نقلوه عن رسول الله رب العالمين، ولا عنِ السلف المتقدِّمين» (١) . ويشرح عقيدته التي يدين بها فيقول : ((وقولُنا الذي نقول به ، وديانتُنا التي ندَين بها التمسُّك بكتاب ربنا عز وجل ، وبسُنة نبينا عليه السلام ، وما رُوي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ، ونحن بذلك معتصمون ، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضَّر الله وجهه ، ورفع درجته ، وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالفَ قوله مُخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل ، والرئيسُ الكامل الذي أبان الله به الحق ، ورفع به الضلال ، وأوضحَ به المنهاج ، وقمعَ به بِدَع المبتدعین ، وزَيغ الزائغين ، وشَكَّ الشاكين؛ فرحمةُ الله عليه من إمام مُقَدَّم ، وخليل معظم مفخَّم (٢) . ولم تقتصِرْ خِدمة الأشعري على تأييد عقائد أهل السنَّة والسلف تأييداً إجمالياً ، فقد كان الحنابلة والمحدِّثون قائمین به غير مقصِّرین فیه . إنَّ عبقريته تتجلَّى في أنه أقام البراهين والدلائل العقلية والكلاميةَ على هذه العقائد ، وناقش المعتزلة والمتفلسفة عقيدة عقيدة ، وذلك كلُّه في لغةٍ يفهمونها ، وأسلوب يألفونه ويُجلُّونه ، وبذلك أثبتَ أن هذا الدين وعقيدته (١) الإبانة عن أصول الديانة: ص ٥ طبع دائرة المعارف، حيدر أباد. (٢) المصدر السابق: ص ٥. ١٩٣ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه الواضحة مؤيّدان بالعقل ، وأن العقل الصحيح يُؤيد الدين الصريح ، ولا صراعَ بینهما ولا تناقض . وقد استُهْدِفَ في عمله هذا لنقد المعتزلة وسخَطهم، وكان ذلك طبيعياً ومعقولاً ، إذ هو منافسهم الأكبر ، وزعيمُ المعارضة ، ولكنه استُهدف كذلك لعتاب الحنابلة المتشدّدين الذين كانوا يرون الخوض في هذه المباحث والمناقشات ، واستعمال المصطلحات الفلسفية والاستدلال بالمقدمات العقلية في المسائل النقلية ، ضرباً من الزيغ والضلال. لقد كان الأشعريُّ مؤمناً بأن مصدر العقيدة والمسائل التي تتصل بالإلهيات وما وراء الطبيعة ، هو الكتابُ والسنَّة ، وما جاء به الأنبياء ليس العقل المجرد والمقياس والميتافيزيقا اليونانية ، ولكنه لم يكن يرى السُّكوتَ والإعراض عن المباحث التي حدثت بتطورات الزمان ، واختلاطِ هذه الأمة بالأمم والديانات والفلسفات الأجنبية ، حتی تکونت على أساسها فِرق ونحل. وكان يرى أنَّ السكوتَ عن هذه المباحث يضرُّ بالإِسلام ، ويُفقد مَهابة السنة ، ويحمل ذلك على ضعف السنة العلمي والعقلي ، وعجز علماء الدين وممثليه عن مواجهة هذه التيارات ومقاومة هذه الهجمات ، ويَهتبلُه أهل الفرق الضالة ، فينفذُون في أهل السنَّة والعقيدة الصحيحة ، فينفُثون سمومَهم فيهم ، ويزرعون الشكوك ، ويستميلون شبابهم الذكي المثقف إلى أنفسهم. وكان الأشعريُّ مؤمناً بأنَّ مصدر العقيدة هو الوحي والنبوة المحمدية، والطريقُ إلى معرفته هو الكتاب والسنة وما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم، وهذا مُفترق الطريق بينه وبين المعتزلة، فإنه يتجه في ذلك اتجاهاً معارضاً لاتجاه المعتزلة. ولكنه رغم ذلك يعتقد مخلصاً أن الدفاع عن هذه العقيدة السليمة ، وغَرسها في قلب الجيل الإسلامي الجديد ، يحتاج إلى الحديث بلغة العصر العلمية السائدة ، واستعمال المصطلحات العلمية ، ومناقشة المعارضين على أسلوبهم العقلي ، ولم يكن يسوِّغ ذلك ، بل يَعدُّه أفضل الجهاد وأعظم القربات في ذلك العصر ، وهذا مفترق الطرق بينه وبين كثير من الحنابلة والمحدِّثين الذين كانوا ١٩٤ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه يتأثَّمون ويتحرَّجون من النزول إلى هذا المستوى. وكان يعتقد كذلك: أن المباحث التي تتصل بالعقليات والحِسِّيات لا صلة لها في الحقيقة بالعقيدة والديانات ، ولكنَّ المعتزلة والفلاسفة مزجوا البحث في العقيدة وبالبحث فيها ، بل جعلوها بذلاقة لسانهم وذكائهم مقدمات للبحث في الدين ، بل فارقاً بين الحقِّ والباطل. كان الأشعريُّ يعتقد أن الفرار من البحث فيها ، بحجة أنها لا تتصل بالدين والعقيدة لا يصِحُّ ، بل بالعكس من ذلك ، يجب على من قام لنُصرة السنة أن يواجههم فيها، ويُثبت مذهب أهل الحق. وكان يعتقد أنَّ النبي ◌َِّ وأصحابَه لم يسكتوا عن هذه المسائل جهلاً ، بل لأن هذه المباحث ما نشأت في عصرهم ، ولم تمسَّ الحاجة إلى البحث فيها شأن الفقه والجزئيات الكثيرة التي حدثتْ بعد عصرهم فتأملَ فيها الفقهاء والمجتهدون ، وأبدوا رأيهم فيها ، واستنبطوا وفرَّعوا وحلوا المشاكل الجديدة ، وبذلك عصموا الأمة والجيل الجديد عن الإلحاد والفوضى في العمل والتعطُّل. كذلك يجبُ على حراس الشريعة ، ومتكلِّمي أهل السنة ، أن يُواجهوا الأسئلة الجديدة التي أثارها المعتزلةُ والمتفلسفة في موضوع الإلهيات ، ويُجيبوا عن الاعتراضات والمطاعن التي يُوجهها إلى أهل السنة أهل الفرق الضالة ، ويُقيموا الدليل والبرهان العقلي على صحةٍ عقائدِ أهل السنة ومُطابقتها للعقل والمنطق ، وقد ألف في هذا الموضوع رسالةً أسماها ((استحسان الخَوْضِ في الكلام» . وقد سارَ الأشعريُّ في طريقه مجَاهداً، ومُناضلاً ، مُنتجاً ، معرضاً عن سَخط الطائفتين: الحنابلة والمعتزلة ، لا يَعبأ بما يقال فيه ، مؤمناً بأنه هو الطريق الذي ينفع الدين في عصره ، ويَردُّ إلى الشريعة الإسلامية مهابتَها وكرامتها ، ويَحْرُس للناشئة دينها وعقيدتها ، حتى استطاع بعمله المتواصل ، وشخصيّته القوية ، وعقله الكبير ، وإخلاصه النادر ، أن يردَّ سيل الاعتزال والتفلسف الجارف الذي كان يتهدَّد الدين ، ويُثبّت كثيراً من الذين تزلزلت ١٩٥ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه أقدامهم ، واضطربتْ عقولهم وعقيدتهم ، وأن يُوجد في أهل السنَّة ثقةً جديدة بعقيدتهم ، ونشاطاً جديداً في دعوتهم ، وزالتْ سطوة المعتزلة على العقول والأفكار ، واشتغلوا بالدفاع عن الهجوم ، وتعرضتْ حركة الاعتزال ودعوتُها للخطر ، وقد خمدوا وانطفؤوا بمعارضةٍ إمام كبير ، كأبي الحسن الأشعري. يقول أبو بكر بن الصَّيرفي: ((كان المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم ، حتى أظهرَ اللهُ تعالى الأشعري ، فحجزَهم في أقماع السُّمسم)) (١)، وبموقفه الجليل في الدِّفاع عن السنة ونصرٍ الدين استحقَّ أن يُعدَّ من المجدِّدين الكبار(٢). مُؤْلَّفاتُه: ولم يقتصِرْ أبو الحسن الأشعري على المُناظرة والمعارضة ، بل خلَّف مكتبة كبيرةً من مؤلفاته في الدفاع عن السنة ، وشرح العقيدة الحسنة ، وقد ألَّفَ تفسيراً للقرآن ، أقل ما قيل في أجزائه أنه في ثلاثين مجلَّداً (٣). وقد ذكر بعض المؤلِّفين أن مؤلفاته تبلغُ إلى ثلاثمئة مؤلف (٤) ، أكثرها في الرد على المعتزلة ، وبعضها في الرد على مذاهبَ وفرق أخرى ، منها كتاب ((الفصول)) الذي رد فيه على الفلاسفة والطبيعيين ، والدهرية ، والبراهمة ، واليهود ، والنصارى ، والمجوس ، وهو كتاب كبير يحتوي على اثني عشر كتاباً ، وقد ذكر ابن خلكان من مؤلفاته كتاب ((اللمع)) و((إيضاح البرهان)) و((التبيين عن أصول الدين)) و((الشرح والتفصيل في الردّ على أهل الإفك والتضليل)). وله - عدا العلوم العقلية والكلام - مؤلَّفاتٌ في علوم الشريعة منها: ((كتاب تبيين كذب المفتري: ص ٥٣ . (١) (٢) المصدر السابق: ص ٥٣ . (٣) الذهبي . (٤) تبيين كذب المفتري: ص ١٣٦ . ١٩٦ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه القياس)) و((كتاب الاجتهاد)) و((خبر الواحد)) وكتاب في الرد على ابن الراونديِّ في إنكاره للتواتر. وقد ذكرَ في كتابه ((العمد)) مؤلفاته التي فرغ منها سنة ٣٢٠ هـ ، يعني قبل وفاته بأربع سنوات ، وهي ثمانٍ وستون مؤلفاً ، وكثير منها يقع في عشرة مجلدات أو أكثر ، وقد ألَّف في آخر حياته كتباً كثيرة ، ويدلُّ كتابه (مقالات الإِسلاميين) على أنه لم يكن متكلِّماً فحسب؛ بل كان مؤرِّخاً أميناً لِعِلْم العقائد، وقد اعترفَ بدِقته وأمانته وتحرِّيه للصدق في النقل المستشرقونَ (١). وكُتبُ الفِرَق والديانات تدلّ على أمانته ودِقَّته في النقل. اجتهاده في العبادة: لم يكن أبو الحسن الأشعري رجلَ علمٍ وعَقْلٍ وبحثٍ ونظرٍ فحسب؛ بل كان - مع وصوله إلى درجة الإمامة والاجتهاد في العلم والعقل - مجتهداً في العبادات ، متحلياً بالأخلاق الفاضلة ، وذلك ما يمتاز به العلماء الأقدمون؛ فإنَّ اشتغالهم بالعلم لم يكن مانعاً عن الاجتهاد في العبادات ، والحرص على الطاعات . وكانوا يَجمعون بين الدراسة والإفادة ، والعبادة والزهادة. قال أحمد بن علي الفقيه: ((خَدمتُ الإمام أبا الحسن بالبصرة سنين ، وعاشرته ببغدادَ إلى أن توفي رحمه الله فلم أجد أورعَ منه ، ولا أغضَّ طرفاً ؛ ولم أرَ شيخاً أكثر حياءً منه في أمور الدنيا ، ولا أنشطَ منه في أمور الآخرة)) (٢). ويحكي أبو الحسين السَّروي من عبادته في الليل واشتغاله ما يدل على حرصه وقوته في العبادة (٣). قال ابن خَلِّكان: «وكان يأكل من غَلَّةٍ ضيعةٍ وقفَها بلالُ بن (١) انظر: لفنسنك. Muslim Greed Vinisink (٢) تبيين كذب المفتري: ص ١٤١ . (٣) المصدر السابق: ص ١٤١ . ١٩٧ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه أبي بُردة بن أبي موسى على عَقبهِ ، وكانت نفقتُه في كل يوم سبعةَ عشر درهماً ، هکذا قال له الخطیب)» (١). وَفاتُه: وكانت وفاته سنة ٣٢٤هـ ، ودفن ببغداد في مشروع الزوايا (٢) ، ونودي على جنازته: ((اليوم مات ناصرُ السنَّة)). الإمَامُ أبو منصور الماتُريْدِيُّ: وقد نَهَضَ في نفس ذلك العصر ، في طَرفٍ آخر من أطراف العالم الإسلامي فيما وراء النهر إمامٌ آخر من أئمة الكلام ، والمدافعين عن عقيدة الإِسلام ، وهو الإِمام أبو منصور المَاتُرِيدِي (ت ٣٣٢ هـ)، وقد أقبل على علم الكلام كما أقبل الإمام أبو الحسن الأشعري في العراق ، وكان راجح العقل ، مُتَزِنَ الفكر حصيفاً ، وقد كان الأشعري دائماً في معارضةٍ وأخذٍ وردٍّ على المعتزلة ، فدَخل في بحوثه وأفكاره ما قد لا يخلو من الغلو ، وقد زاد الأشاعرة بعدَه في الأمر ، وأضافوا إليه أشياءً. وقد جاء أبو منصور الماتريدي ، فحذَف هذه الزوائد والالتزامات التي كان من الصعب إثباتُها وإقامةُ الدليل عليها ، وكانت تحتاج إلى تكلّف وتأويل ، وتناول علمَ الكلام بالتهذيب والتنقيح؛ حتى أصبحَ أكثر توسطاً واعتدالاً . وقد كان الخلاف بينه وبين الأشعري جزئياً ومحدوداً ، والمسائلُ التي خالَف فيها الماتريديُّ الأشعريَّ لا تزيد على أربعينَ مسألة (٣)؛ الخلافُ في معظمها لفظئٌّ. (١) ابن خلكان: ج١، ص ٤١٢. (٢) المصدر السابق: ج١، ص ٤١٢. (٣) ابن تيمية: لمحمد أبي زهرة، نقلاً عن الشيخ محمد عبده، في تعليقاته على ((العقائد العضدية)) . ١٩٨ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه وكان الماتريديُّ مؤلّفاً كبيراً ، وله مؤلَّفاتٌ عظيمة في الردِّ على الرافضة والقرامطة، وكتابه ((تأويلات القرآن)) كتابٌ عظيم يدل على نبوغه وذكائه الباهر ، ورسُوخه في العلم. وقد كان للإمام أبي الحسن الأشعري بحُكم إقامته في العراق - مركز العالم الإِسلامي السياسي والثقافي - نفوذٌ أكبر في الأوساط العلمية ، وشهرةٌ أوسع ، واسمٌ ألمع في تاريخ علم الكلام من غيره وممن جاؤوا بعده. العُلماء الأشاعرةُ ونفوذُهم في العالم الإسلامي: وقد نشأَ في مدرسة أبي الحسن الأشعري الفكرية علماءُ فحولٌ، ومُتكلِّمونَ كبارٌ خضع لعلمهم ونفوذهم العالمُ الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ، وظلوا مسيطرين على الحركة العلمية والفكرية لعدة قرون ، وبفضلهِم انتقلت قيادة العالم الإسلامي الفكرية ، وتوجيهه من المعتزلة إلى أهل السنّة . وقد نبغ في القرن الرابع علماءُ كبارٌ ، طبقت شهرتُهم الآفاق ، أمثال: القاضي أبي بكر الباقلَّني (ت ٤٠٣هـ)، والشيخ أبي إسحاق الإِسْفِرَائِيني (ت ٤١٨ هـ). وقد كان في القرن الخامس للعلامة أبي إسحاق الشيرازي (م ٤٧٦ هـ) وإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجُوَيني (ت ٤٧٨ هـ) مهابةٌ ومحبةٌ في نفوس المسلمين ، لم تكنْ لأحد من الملوك والسلاطين ، يدلُّ على ذلك بعض الدلالة ما يرويه تاج الدين السّبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) عن رحلة الأول من بغداد إلى نيسابور. يقول السّبكيُ: ((إنَّ الخليفة أمير المؤمنين المقتدي بالله ، تشوش من العميد أبي الفتح بن أبي الليث ، فدعا الشيخ أبا إسحاق وشافَهه بالشكوى منه ، وأن أهل البلد حصل لهم الأذى به ، وأمره بالخروج إلى العسكر ، وشرح الحال بين يدي السلطان ، وبينَ يدي الوزير نِظام المُلك ، فتوجه الشيخ ومعه جمال الدين عَفيفٌ، وهو خادم من خُدَّام الخليفة)). ١٩٩ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه قال أبو الحسن الهَمَدانيُ: ((وكان عند وُصوله إلى بلاد العجم يَخرج أهلها بنسائهم وأولادهم ، فيمسحون أردَانه ، ويأخذُون تُراب نعليه ، ويَستشفون به. وكان يُخرج من كل بلد أصحابُ البضائع بضائعهم ويَنثرُونها ، ما بين حلوى ، وفاكهة ، وثياب ، وفراء وغير ذلك ، وهو ينهاهم حتى انتهوا إلى الأساكفة ، فجعلوا ينثرون المتاعات ، وهي تقع على رؤوس الناس ، والشيخ یتعجّبُ . ثم إنَّ الشيخ دخل نيسابور ، وتلقَّاه أهلها على العادةِ المألوفة ممن وراءهم من بلاد خراسان ، وحمل شيخُ البلد إمامُ الحرمين أبو المعالي الجُوَيني غاشيتَه ومشى بين يديه كالخديم، وقال: أَفْتخرُ بهذا)) (١). ((وقد كان لإمام الحرمين في ولاية ألب أرْسَلان السَّلْجُوقي ، وفي وزارة نظام المُلك الطُّوسي ، أعظمُ مركز ديني وقد بُنيتْ له المدرسة النظامية بمدينة نيسابور ، وتولى الخطابة بها ، وحضرَ دروسَه الأكابر من الأئمة ، وانتهت إليه رياسة الأصحاب ، وفوضٍ إليه الأوقاف. وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين سنة غير مُزاحَم ولا مدافع. مُسلَّم له المحراب والمِنبر والخطابة والتدريس ومجلسُ التذكير يوم الجمعة (٢) ، وأُغلقت الأسواق يوم موته ، وكُسر منبره في الجامع وقعد الناس لعزائه ، وأكثروا فيه المَراثي. وكان تلاميذهُ يومئذٍ قريباً من أربعمئةٍ واحد ، فكسروا محابِرهم وأقلامهم على ذلك عاماً كاملاً (٣). وقد انتشر المذهبُ الأشعري أيامَ وزارة نظام المُلك - الذي كان أشعريّ العقيدة. وكان صاحب الكلمة النافذة في الإمبراطورية السَّلجوقية العظيمة - انتشاراً عظيماً. وأصبحت شبه عقيدة رسمية تتمتّع بحماية البلاط ، وزاد في (١) طبقات الشافعية الكبرى: لابن السبكي ج٣، ص ٩١ - ٩٢. (٢) ابن خلكان: ج ١، ص ٣٦١. (٣) المصدر السابق: ص ٣٦٢. ٢٠٠ أبو الحسن الأشعري وخلفاؤه انتشارها وقوتها مدرسة بغداد النظامية ومدرسةُ نيسابور النظامية. وكانت المدرسة النظامية في بغداد أكبر جامعة إسلامية في العالم الإِسلامي. كان الانتساب إليها شرفاً وفخراً للطالب المتخرِّج، وكانت وظيفةٌ التدريس فيها مجداً للعالم وشهادة علمية ليست فوقها شهادة. فكان طبيعياً أن ينتشر المذهب الأشعري ويسودَ في العالم الإسلامي (١). (١) تلبيس إبليس: لابن الجوزي ص ١٠٢ .