النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ الإمام أحمد بن حنبل لقد كانت السُّنةُ بل الأمةُ بحاجة مُلِخَّة إلى الإرشاد والتوجيه ، وإن شئتم قلتم إلى الزعامة الدينية ، وكان المسلمون في حاجة شديدة إلى إمام يثقون بدينه وأمانته وفقهه ، يعارض هذا التيار ويقف في وجه الحكومة مُدافعاً عن السنة ، جاهراً بالحق ، محتملاً للأذى ، صابراً على البلاء ، ولا بد أن تكون شخصية قوية معروفة تتمتع بالإجلال والتقدير. لقد ظهرتْ هذه الشخصيةُ التي يصبح صاحبها ((زعيم المعارضة)) وحامل لواء السنَّة ، وهي شخصيةُ أحمد بن حنبل. أحمدُ بن حنبل: هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال ، الإمام أبو عبد الله ، الشَّيبانيُ الدُّهلئُّ. نَشَأْتُه ودراسته: وُلد في ربيع الأول سنة ١٦٤ هـ، جيء به حَمْلاً من مرو ، ووُلد في بغداد ، وتُوفي أبوه محمدٌ شاباً ، فوليته أمه(١). نسبه عربيٌّ، وهو شيبانيٌّ في نسبه لأبيه وأمه ، وقد عُرفت هذه القبيلة بالهمة والإباء وشِدة الشكيمة والصلابة ، وكان منها المثنَّى بنُ حارثة ، القائد الإسلامي المعروف ، انتقل جدُّه إلى خراسان ، وكان والياً على سَرخس ، في العهد الأموي ، وناصرَ الدعوة العباسية عند ظهورها ، وأَوْذي في هذا السبيل ، وكان أبوه قائداً كما ذكر الأصمعي. تَرَكَ له أبوه عقاراً ببغداد لا يقوم بنفقات الأسرة ، فنشأ على الصَّبر والقناعة والكفاف. حَفِظَ أحمد بن حنبل القرآن في صباه ، وتعلّم القراءة والكتابة ، ثم اتَّجه (١) ترجمة الإمام أحمد من ((تاريخ الإسلام)) للحافظ الذهبي ص ١٠. ١٦٢ الإمام أحمد بن حنبل إلى الدِّيوان يُمَّن على التحرير ، ويقول في نفسه: ((كنتُ وأنا غُلَيم أختلفُ إلى الكُتَّاب ، ثم أختلف إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة)). وكانت نشأتهُ فيها آثار النبوغ والرشد حتى قال بعض الآباء: ((وأنا أنفق على ولدي وأجيتُهم بالمؤدِّبين على أن يتأدبوا ، فما أراهم يفلحون ، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم! انظروا كيف؟! وجعل يعجَب من أدبه وحسن طريقته))(١). وكان عُّه يُرسِل رسائل إلى بعض الولاة بأحوال بغداد، ليُعلمَ بها الخليفة، وقد أرسلها مرةً مع ابن أخيه ، أحمد بن حنبل ، فتورع عن ذلك ، ورمى بها الماء تأثُّماً من الوشاية والتسبب لما عسى أن يكون فيه ضَررٌ بالمسلمين ، ولقد لفت هذا الورع وهذه النَّجابة كثيراً من أهل العلم والفراسات ، حتى قال الهيثمُ بن جميل: ((إن عاش هذا الفتى فسيكون حجةً على أهل زمانه)). واتَّجَهَ أحمدُ بن حنبل إلى الحديث ، ورُوي عنه أنه قال: ((أوَّلُ من كتبتُ عنه الحديث أبو يوسف)) وبقي يتلقى الحديثَ ببغداد من سنة ١٧٩ هـ إلى سنة ١٨٦ هـ ولزم عالماً كبيراً من علماء الحديث والآثار ببغداد أربع سنوات ، وهو هُشيم بنُ بشير بن أبي حازم الواسطي (١٨٣) وسمعَ عبد الرحمن بن مهدي وأبا بكر بنَ عياش. وكان في طلبه للعلم مثالَ الجد والحرص والنشاط ، فقد ذكر عن نفسه: ((كنتُ ربما أردتُ البُكور في الحديث ، فتأخذُ أمي بثيابي ، حتى يُؤْذِّن الناس ، أو حتى يُصبحوا)). رَحَلَ أحمد سنة ١٨٦ إلى البصرة ، ثم رحل إلى الحجاز ، ورحل إلى اليمن ، وإلى الكوفة ، وضاقتْ نفقتُه عن الرحلة إلى الرّي، قال: ((لو كان عندي خمسونَ درهماً لخرجت إلى جرير بن عبد الحميد))(٢) . وفي سنة ١٨٧ التقى في رحلته إلى الحجاز مع الشافعي ، وأخذ عنه (١) أحمد بن حنبل: محمد أبو زهرة، ص١٨ . (٢) ترجمة الإمام أحمد: ص ١٢ . ١٦٣ الإمام أحمد بن حنبل الفقه وأصوله ، وعلمَ الناسخ والمنسوخ ، ولقي الشافعي بعد ذلك ببغداد ، وقد حرَّر الشافعيُ فقهه ، ونضج أحمد في الحديث وعلم الرواية ، حتى كان الشافعيُ يقول له: ((إذا صحَّ عندكمُ الحديثُ فأعلِمْني به)). ويدُلُّ على عُلُوّ همته في طلب العلم قصةٌ يرويها ولدُه صالح، قال: ((عزم أبي على الخروج إلى مكة ، ورافقَ يحيى بن معين ، فقال أبي: نحجُّ ونمضي إلى صنعاء إلى عبد الرَّزاق (١)، قال: فمضينا حتى دخلنا مكة ، فإذا عبد الرزاق في الطواف ، وكان يحيى يعرفه ، فطُفنا ثم جئنا إلى عبد الرزاق ، فسلّم عليه يحيى ، وقال: هذا أخوك أحمد بن حنبل ، فقال: حياه الله إنه ليبلُغني عنه كل ما أُسَرُّ به ، ثبّته الله على ذلك ، ثم قام لينصرف ، فقال يحيى(٢): ألا نأخذ عليه الموعد؟ فأبى أحمد وقال: لم أُغيِّر النيةَ في رحلتي إليه أو كما قال ، ثم سافر إلى اليمن لأجله، وسمع عنه الكتب وأكثر عنه))(٣). واستمرّ على هذا الجدِّ والطلب حتى بلغ مبلغَ الإمامة في الحديث. قال عبد الله بن أحمد: سمعتُ أبا زُرعة يقول: ((كان أبوك يحفظ ألفَ ألفٍ حديث ، فقيل له: وما يُدريك؟ قال: ذاكرتُه، فأخذت عليه الأبواب)) (٤). وقال إبراهيم الحربي(٥): ((رأيتُ أحمد كأنَّ الله جمعَ له علم الأولين والآخرين)). - (١) [هو عبد الرزاق همام بن نافع الحميري الصنعاني، من حفَّاظ الحديث الثقات ، صاحبُ مصنَّفٍ معروف، توفي عام ٢١١ هـ]. (٢) [هو يحيى بن معين، من أئمَّة الحديث ومؤرِّخِي رجاله، نعته الذهبيُ بسيِّد الحفّاظ. وقال الحافظ ابن حجر: إمام الجرح والتعديل، توفي بالمدينة حاجاً عام ٢٣٣ هـ]. (٣) ترجمة الإمام أحمد: ص ١٢ . (٤) المصدر السابق: ص ١٣ . (٥) [هو إبراهيم بن إسحاق بن بشير بن عبد الله البغدادي الحربي، من أعلام المحدِّثين، تفقَّه على الإمام أحمد ، توفي عام ٢٨٥ هـ]. ١٦٤ الإمام أحمد بن حنبل قال أبو عبيدة: ((ما رأيتُ رجلاً أعلم بالسنَّة من أحمد)). وكان مع ذلك معجباً بالشافعي ، كثير الإِجلال له ، يقول: ((ما رأتْ عيناهُ مثله)) وقد استفاد منه في الفقه والاستنباط ، واعترف بذكائه الباهر ، وقُوَّة قياسه. وكان الشافعيُ معجباً به حتى قال: ((خرجتُ من بغداد وما خلّفتُ بها أفقه وأتقی من ابن حنبل)). وجلسَ أحمدُ للتدريس والفتيا ، وقد بلغ الأربعين ، فوافَق السُّنة ، ووافق في نشر علم النبوة سِنَّ النبوة ، وكان إقبالُ الناس على مجالسه عظيماً ، فقد ذُكر أن عددَ من كانوا يستمعون إلى درسه نحوُ خمسة آلاف ، وأنه كان يكتب فيهم نحو خمسمئة(١). وكانتْ مجالسُه تمتاز بالوقار والسكينة وحُسن الإنصات وإجلال العلم، وكانت بعيدةً عن الدُّعابة والهزل وكل ما يُذهب رواء العلم وروعة الدين، وكان للفقراء تقديمٌ على الأمراء والأغنياء، نقل الذهبيُ عن المَرْوَذيِّ قال: ((لم أر الفقيرَ في مجلسٍ أعزَّ منه في مجلس أبي عبد الله، كان مائلاً إليهم، مُقصراً عن أهل الدنيا . وكان فيه حِلمٌ، ولم يكن بالعجول، وكان كثيرَ التواضع، تعلُوه السَّكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلمُ حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصَدَّر، يقعد حيث انتهى به المجلس)) (٢) . سيرتُه وأخلاقُه: كانتْ حياةُ أحمد بن حنبل - رحمه الله - حياةَ زهد وقناعة وتوكل ، وكان على قدم السلف الصالح ، وأصحاب العزيمة من الطراز الأول ، وكان ذلك (١) ابن حنبل نقلاً عن ((المناقب)) لابن الجوزي ص ٣١٠. (٢) ترجمة الإمام أحمد: ص ٣٥. ١٦٥ الإمام أحمد بن حنبل عن اختيار لا عن اضطرار ، فلم يقبلْ هدايا الخلفاء والسلاطين وصلاتهم ، وكان يتعافاها ((فقد خلف له أبوه طُرُزاً(١) ، وكان يأكلُ من غلَّة تلك الطُرز، ويتعفَّف بكِرائها عن الناس))(٢) وإذا وجد خصاصةً حمل حَبله على عاتقه ، وذهبَ فجمع بقايا الزرع الذي يُرك في الأرض ، وهو في حكم المباح فالتقطه . وقد كان في بعض الأحيان يُؤجّر نفسه للحمْلِ في الطريق - وهو إمام المسلمين يومئذ - وكان في بعض الأحيان يكتُب بأجرة ، تقول أمُّ ولده: ((كان إذا لم یکن عند مولاي (أحمد بن حنبل) شيءٌ فرح يومه ذلك». وقد ابتُلي في أيام المتوكل بالإقبال والصِّلات والجوائز ، كما ابتُلي في أيام المعتصم بالتَّعذيب والصرم والقسوة ، وكان في كليهما صابراً عفيفاً نزيهاً ، وكانتِ الآخرة أشدَّ عليه من الأولى. وقد ثَبَتَ على عفافه وزُهده وعُزوفه عن أموال السلطان ، وله في ذلك أخبارٌ غريبة . منها ما رواه حنبل قال: ((بينا نحن جلوسٌ بباب الدار إذا يعقوب - أحدُ حُجَّاب المتوكل - قد جاء، فاستأذن على أبي عبد الله ، فدخلَ ودخل أبي وأنا ومع بعض غِلمانه بَدْرَةٌ على بَغْلِ ، ومعه كتابُ المتوكل ، فقرأه على أبي عبد الله: ((أنه صحَّ عند أمير المؤمنين براءةُ ساحتك وقد وجَّه إليك بهذا المال تستعين به)). فأبى أن يقبله ، فقال: ما لي حاجة ، فقال: يا أبا عبد الله اقبلْ مِن أمير المؤمنين ما أمرك به ، فإن هذا خيرٌ لك عنده. فاقبل ولا تردُّه ، فإنَّك إن رَدَدْتَه خفتُ أن يظن بك سوءاً. فحينئذ قبلها. فلما خرج قال: يا أبا علي قلت: لبيك ، قال: ارفع هذه الإجانة وضَعْها (يعني البدرة تحتها) فوضعتُها وخرجنا. (١) الطرز: جمع طراز ككتاب وكتب، والطراز: الموضع الذي تنسج فيه الثياب. (٢) المناقب: لابن الجوزي. ١٦٦ الإمام أحمد بن حنبل فلمَّا كان من الليل إذا أمُّ ولد أبي عبد الله تدقُّ علينا الحائط ، فقلت لها: مالك؟ قالت: مولاي يدعو عمَّه. فأعلمتُ أبي ، وخرجنا فدخلنا على أبي عبد الله، وذلك في جَوف الليل. فقال: يا عمِّ ما أخذني النومُ هذه الليلة. فقال له أبي: ولم؟ قال: لهذا المال. وجعل يتوجَّع لأخذه. وجعل يُسكِّنه ويُسهّل عليه. فقال: حتى تُصبح وترى فيه رأيك ، فإنَّ هذا ليلٌ ، والناس في منازلهم ، فأمسكَ وخرجنا. فلمَّا كان في السَّحَر، وجَّه إلى عَبدوس بن مالك والحَسن بن البَزار ، فحضرا وحضر جماعة ، منهم هارون الجمال وأحمد بن مَنِيع ، وابن الدَّورقي وأنا ، وأبي وصالح ، وعبد الله فجعلنا نكتب من يذكرونه من أهل الستر والصلاح ببغداد والكوفة فوجه منها إلى أبي سعيد الأشَجِّ وأبي كُرَيْب ، وإلى من ذكر من أهل العلم والسنة ممن يعلمون أنه محتاج ، ففرَّقها كلها ، ما بين الخمسين والمئة والمئتين. فما بقي في الكيس درهم ، ثم تصدَّق بالكيس على مسکین . وقد أَقام أحمدُ بن حنبل في عسكر المتوكل في ضيافته ، وتعفَّف عن طعامه وأمواله. قال ابنه صالح: نزلنا في (عسكر المتوكل) في دار الشَّيَّاح، ولم يعلم أبو عبد الله، فسأل بعد ذلك: لمن هذه الدار؟ قالوا: هذه دارٌ أنزلكها أمير المؤمنين. قال: لا أَبيتُ هاهنا. قال أبي: فلم نزلْ حتى اكترينا له داراً. وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمر بها المتوكل ، والفاكهةُ والثلج وغير ذلك. فما نظر إليها أبو عبد الله ولا ذاقَ منها شيئاً. وكانت نفقةُ المائدة كل يوم مئة وعشرين درهماً (١). قال: ومكثَ خمسة عشر يوماً يُفطر في كل ثلاث على ثُمن سَويق. ثم جعل بعد ذلك يُقطر ليلةً على رغيف ، وليلةً لا يُفطر ، وكان إذا جيء بالمائدة تُوضع بالدهليز لئلا يراها(٢). (١) ترجمة الإمام أحمد: ص ٦١ . (٢) المصدر السابق: ص ٦٦ . ١٦٧ الإمام أحمد بن حنبل ولمَّا رجع إلى الدار نزع الثيابَ. وكانت قد خُلعت عليه ثم جعل يبكي فقال: «سلمتُ من هؤلاء منذ ستين سنة حتی إذا کان في آخر عمري بُلیت بهم. ما أحسبني سلمتُ في دخولي على هذا الغلام فكيف بمن يجبُ عليَّ نصحه من وقت تقعُ عيني عليه إلى أن أخرج من عنده! يا صالح وجِّه بهذه الثياب إلى بغداد ستُباع ويُتصدق بثمنها، ولا يشترِ أحدٌ منكم شيئاً)(١). وقال حنبل: كان في حياته ربَّما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده. فلما صار إلينا من مال السلطان ما صار ، امتنع عن ذلك. حتى وُصف له في علته قَرعةٌ تُشوى ويؤخذ ماؤُها ، فلما جاؤوا بالقرعة. قال بعضُ من حضر: اجعلوها في تنُّور يعني في دار صالح فإنهم قد خبزوا. فقال بيده: لا !. وكان لا يرى حُرمةَ هذه الأموال ، ولكنه يرى أنها أُخذت من غير حِلٍّ وقد تعلَّقت بها حقوق المسلمين وقلوبهم. فكان يتحاشى أخذها ويتأثّم من قبولها . وقد قال مرة لأولاده: ((لمَ تأخذونَهُ والثغورُ معطلة غير مشحونة ، والفَيءٌ غيرُ مقسوم بين أهله؟))(٢). وقال مرَّة: ((ماذا ننتظرُ؟ إنما هو الموت. فإمَّا إلى جنةٍ وإما إلى نار. فطُوبى لمن قدِم على خير))(٣). وقال له ولده: أليسَ قد أمرتَ ما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس أن يأخذها؟ قال: قد أخذتُ مرة بلا إشراف نفس. فالثانية والثالثة! فما بال نفسِك ألم تُشرف؟ قال فقلت: ألم يأخذ ابنُ عمر وابن عباس؟ قال: ما هذا وذاك! وقال: لو أعلم أن هذا المال يُؤخذ من وجهه ، ولا يكون فيه ظُلم ولا حَيْفٌ لم أُبال)) . (١) ترجمة الإمام أحمد: ص ٦٦ . (٢) المناقب: ص: ٣٨٤. (٣) ترجمة الإمام أحمد: ص ٦٢ . ١٦٨ الإمام أحمد بن حنبل وهنا نَقِفُ وقْفةً قصيرة ونتساءل: لم كان هذا التشديد من أحمد؟ ولماذا هذه المغالاة؟ وأقول: لولا هذه الصَّرامة ، ولولا هذا التدقيق في الزُّهد والعزوف عن أموال السلطان ، ولولا هذه المحافظة الشديدة على منهج الحياة الذي التزمه أحمدُ بن حنبل ، لما استطاع أن يستعصي على هذه الدولة القوية ، وأن يُفلت من حبالها ، ولما استطاع أن يُمثِّل هذا الدورَ الرائع في تاريخ الإصلاح والتجديد والدفاع عن الدين ، وأن يُؤثِّر في عقول الناس وقلوبهم هذا التأثير العظيم ، وأن يقف طوداً شامخاً ، وجبلاً راسياً ، في هذه التيارات التي تجرِف الرجال وتُحرِّك الجبال. ثم إنَّه بهذا الزهد والتوكُّل على الله استفاد قوة روحية ، وصِلةً عميقة بالله ، وإنابة إليه ، استحقَّ بها النصر ، وتغلَّبَ على نزوات النفس وشهواتها. قد رأينا الزُّهدَ والتجديدَ مترافقين في تاريخ الإسلام؛ فلا نعرفُ أحداً ممن قلَب التيار ، وغيّر مجرى التاريخ ، ونفخ روحاً جديدة في المجتمع الإسلامي أو افتتح عهداً جديداً في تاريخ الإسلام ، وخلّف تراثاً خالداً في العلم والفكر والدين ، وظلَّ قروناً يؤثِّر في الأفكار والآراء ، ويسيطر على العلم والأدب إلا وله نَزعةٌ في الزهد ، وتَغْلُّبٌ على الشهوات ، وسيطرةٌ على المادة ورجالها ، ولعلَّ السِرَّ في ذلك أن الزُّهد يُكسب الإِنسانَ قوَّةَ المقاومة ، والاعتدادَ بالشخصية والعقيدة ، والاستهانةَ برجال المادة ، وبصَرعى الشهوات ، وأَسرى المعدة. ولذلك ترى كثيراً من العبقريِّين والنوابغ في الأمم ، كانوا زُهاداً في الحياة، متمرِّدين على الشهوات ، بعيدين عن الملوك والأمراء والأغنياء في زمانهم، ولأنَّ الزُّهد يثير في النفس كوامن القوة ، ويُشعل المواهب، ويُلهب الروح. والدَّعةُ، والرخاوةُ تُبلِّد الحِسنَّ، وتُنيم النفس ، وتُميتُ القلب. وهناك تعليلاتٌ أخرى يوافق عليها علمُ النفس وعلم الأخلاق ، ولا أُطِيل بذكرها ، وأَقتصِرُ على هذه الملاحظة التاريخية ، وأُلُ على أن منصب التجديد والبعث الجديد يتطلبُ لا محالة زُهداً وترفعاً عن المطامع وسفاسف ١٦٩ الإمام أحمد بن حنبل الأمور ، ويأبى الاندفاع إلى التيارات ، ويتنافى مع الحياة الرَّخية ، والعيشة الباذخة الثرية، إنما هو خلافةٌ للرسول الأعظم بَّه وقد قيل له: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَّةِ الدُّنْيَا لِفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] وأمر بأن يقول لأزواجه: ﴿إِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِمَكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]. وهذه سنة الله فيمن يختاره لهذا الأمر العظيم ، ومن يرشح نفسه ويمنيها بهذا المنصب الخطير ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً . وأرجعُ إلى الحديث إلى حديث أحمد بن حنبل فأقول: قد كان - مع هذه الزَّهادة وخَصاصة العيش - جواداً سَمْحَ النفس ، يقول: ((يُؤكل الطعام بثلاث ، مع الإِخوانِ بالسُّرور ، ومع الفُقراء بالإِيثار ، ومع أبناء الدنيا بالمُروءة)». ويقول: ((لو أنَّ الدنيا تَقِلُّ حتى تكون في مقدار لقمة، ثم أخذها امرؤٌ مسلم، فوضعها في فمٍ أخيه المسلم ، ما كان مسرفاً))(١). وكان كثيرَ العفو عمَّن يُسيء إليه ، أَغلظَ له رجلٌ الكلام وتركه مغاضباً ثم عاد إليه نادماً ، وقال له معتذراً: يا أبا عبد الله إنَّ الذي كان مني على غير تَعمُّدٍ ، فأنا أحب أن تجعلني في حِلِّ. فقال أحمد: ((ما زالتْ قدماي من مكانها حتى جَعلتُك في حِلٌّ)(٢) وقد عَفا عن كل من أساء إليهٍ ، أو تسبَّب في عقوبته ومحنته ، وجعلَهم في حِلِّ ، وقال: ما على رجل ألا يُعذّب اللهُ بسببه أحداً(٣). وقال حنبل بن إسحاق: سمعتُهُ يقول: كلُّ مَن ذكرني في حِلِّ إلا مبتدعٌ ، وقد جعلتُ أبا إسحاق - يعني المعتصم - في حِلّ ، ورأيت الله تعالى يقول: (١) ترجمة الإمام أحمد: ص ٦٢ . (٢) ابن حنبل: ص ٨٧ - ٨٨. (٣) المصدر السابق : : ص ٨٥. ١٧٠ الإمام أحمد بن حنبل وَلْيَعْفُواْ وَلَيَصْفَحُوْاْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النور: ٢٢](١). وكان مع هذه الفضائل التي أوسعهُ الله بها متواضعاً لله ، مُتطامناً للناس ، ولا يفتخر في شيء. قال يحيى بن مَعِيْن: ما رأيتُ مثل أحمد بن حنبل ، صَحِبتُه خمسين سنةً ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الفلاح والخير(٢). وقال غارم أبو النعمان: وضع أحمدُ عندي نفقَته ، فكان يجيء فيأخذ منها حاجته ، فقلت له يوماً: يا أبا عبد الله بلغني أنَّك من العرب. فقال: يا أبا نعمان نحن قومٌ مساكين ، فلم يزل يُدافعني حتى خرج ولم يقل شيئاً(٣). وقد وضَعَ الله له القبول في قلوب العباد ، وطارَ ذكره في الآفاق ، ودعا له المسلمون ، وتقرَّبوا بحُبّه إلى الله ، وهو يخاف على نفسه من الاستدراج ، قال المَرْوَزِيُّ: قلتُ لأبي عبد الله: ما أكثر الداعي لك! قال: أخاف أن يكون هذا استدراجاً ، بأي شيء هذا؟ وقلتُ لأبي عبد الله: إنَّ رجلاً قدم طَرسوس فقال لي: إنَّا كنا في بلاد الروم في الغزو ، إذْ هدأ الليل ، رفَعوا أصواتهم بالدعاء ادعُوا لأبي عبد الله وكنا نَمُدُّ المنجنيقَ ونرمي عنه، ولقد رُمي عنه بحجر والعِلج على الحصن مُتقوسٍ بدَرقة، فذهب برأسه وبالدرقة ، فتغيَّر وجههُ وقال: لَيته لا يكون استدراجاً، فقلتُ: كلا(٤). وقد كانَ كثيرٌ من غير المسلمين يُجلُّونه ويَخضعون له ، ويعتقدون فيه الصلاح ، ويتبرَّكون بزيارته ، قال المروزيُّ: رأيتُ بعض النصارى الأطباء قد (١) ترجمة الإمام أحمد: ص ٥٤ . (٢) المصدر السابق: ص ٥٥ . (٣) حلية الأولياء: ج٩، ص ١٨١ . (٤) ابن حنبل: ص ٢١ . - ١٧١ الإمام أحمد بن حنبل خرج من عند أبي عبد الله ومعه راهبٌ ، فسمعتُ الطبيب يقول: إنه سألني أن يجيء معي حتى ينظر إلى أبي عبد الله. وقال أيضاً: أدخلت نصرانياً على أبي عبد الله يُعالجه، فقال: يا أبا عبد الله إني أشتهي أن أراكَ منذ سنين، ما بقاؤك صلاحُ الإِسلام وحده ، بل للخلق جميعاً ، وليس في أصحابنا أحد إلا رضي بك ، قال المروزيُّ: فقلتُ لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يُدعى لك في جميع الأمصار، فقال: يا أبا بكر إذا عرف الرجل نفسَه فما ينفعُه كلام الناس(١)؟ وكان مع هذا التواضع مَهيباً وقُوراً ، وكان الناسُ مدفوعين إلى إجلاله وتھیُّه شأنَ من («تواضع لله رفعه الله)). يقول أحدُ معاصریه: دخلتُ على إسحاق بن إبراهيم (نائب بغداد) وفلانٍ وفلانٍ من السلاطين ، فما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل ، صرتُ إليه أكلمه في شيء ، فوقعت عليَّ الرِّعدة حين رأيته من هَيبته(٢). وفَاتُه: قال المَرْوَزِيُّ: مرض أبو عبد الله ليلةَ الأربعاء لليلتين خلتا من ربيعٍ الأول ، ومَرضَ تسعةَ أيام ، وكان ربَّما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجاً ، يُسلِّمون عليه ويردُّ عليهم بيده ، وتسامع الناسُ وكثروا. وسمع السلطان بكثرة الناس ، فوكَّل السلطان بيابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب الأخبار ، ثم أغلق باب الزُّقاق فكان الناس في الشوارع والمساجد حتى تعطّل بعض الباعة ، وحيل بينهم وبين البيع والشراء ، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه ربَّما دخل من بعض الدُّور وطُرز الحاكة ، وربما تسلَّق . وجاء أصحابُ الأخبار فقعدوا على الأبواب ، وجاءه حاجب ابن طاهر (١) ابن حنبل: ص ٩١. (٢) ترجمة الإمام أحمد: ص ٢٢. : ١٧٢ الإمام أحمد بن حنبل فقال: إن الأمير يُقرئك السلام، وهو يشتهي أن يراك ، فقال: هذا ممَّا أكره ، وأمير المؤمنين أعفاني ممَّا أكره ، وأصحاب الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر ، والبُرُد تختلف كلَّ يوم. وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه ، وجعلوا يبكون عليه. وجاء قومٌ من القضاة وغيرهم ، فلم يُؤذن لهم ، ودخل عليه شيخ فقال: اذْكر وقُوفك بين يدي الله ، فشهق أبو عبد الله ، وسالتِ الدموع على خديه. فلمّا كان قبل وفاته بيوم أو بيومين قال: ادعوا لي الصبيان - بلسان ثقيل - فجعلوا ينضمُون إليه ، وجعل يَشُمُّهم ويمسحُ بيده على رؤوسهم وعينُه تدمع ، فقال له رجل: لا تغْتَمَّ لهم يا أبا عبد الله، فأشار بيده ، فظننا أنَّ معناه: إني لم أرد هذا المعنى. وكان يصلِّي قاعداً ويصلي وهو مضطجع ، لا يكاد يَفْتُر ، ويرفع يديه في (إيماء الركوع) وأدخلت الطِّست تحته ، فرأيت بوله دماً عبيطاً ليس فيه بول ، فقلت للطبيب ، فقال: هذا رجلٌ قد فَتَّت الحُزْن والغَمُّ جَوفه ، واشتدت علَّتُه يوم الخميس ، ووضَّأْتُه فقال: خَلِّل الأصابع ، فلما كانت ليلة الجمعة ثَقُل ، وقُبض صَدْر النهار ، فصاحَ النَّاسُ وعَلتِ الأصواتُ بالبكاء ، حتى كأنَّ الدنيا قد ارتجَّتْ وامتلأت السِّككُ والشوارع(١). قال المَزْوزيّ: أُخرجت الجنازَة بعد مُنصرف الناس من الجمعة ، قال عبد الوهّاب الوثاق: ما بلغنا أن جمعاً في الجاهلية والإسلام مثله ، حتى بلغنا أن الموضع مُسح وحُزر على الصحيح ، فإذا هو نحو من ألفِ ألفٍ ، وحزرنا على القبور نحواً من ستين ألف امرأة ، وفتحَ الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب ينادون: من أراد الوضوء. وقال ابن إسحاق البغوي: حُزر من حضر جنازَة أحمد من الرجال ثمانمئة (١) ترجمة الإمام أحمد: ص ٧٧ - ٧٨. ١٧٣ الإمام أحمد بن حنبل ألف ، ومن النساءِ ستين ألف امرأة(١) ، هذا سوى من كان في السفن في الماء(٢). وبهذا الاحتشاد العظيم في جنازته تَحقَّق ما أنبأ به بقوله: «قولوا لأهل البدع بيننا وبينكُم الجنائز))(٣). وكانت وفاته سنة ٢٤١هـ. المحنّةُ: أصدَرَ المأمون سنة ٢١٨ - كما تقدَّم - رسالة إلى والي بغداد ، إسحاق بن إبراهيم أمر فيها بجمع القُضاة وامتحانهم في عقيدة خلق القرآن ، وعَزْلٍ من لا يقول بذلك منهم ، وإسقاطِ شهادة من لا يراها من الشهود ، وأُرسلتْ منها صور إلى الأقطار الإسلامية. ثم كتبَ إليه أن يرسل إليه سبعة من كبار المحدثين الذين عارضوا هذه العقيدة ، ففعل. وأجاب هؤلاء ، فأعادهم إلى بغداد ، وأمر الوالي أن يجمع الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث في داره ، ففعل ، وأجاب هؤلاء ، فخلَّی سبیلھم. ثم أصدَرَ كتاباً ثالثاً غلَّظ فيه القول ، وضيَّق الأمر ، وأمر بالتوسع في امتحان الناس ، وامتثلَ الوالي أمرَه ، فأحضر مشاهيرَ العلماء ورؤوس الناس وامتحنهم ، وكانت إجاباتُ القوم مختلفةً ومضطربةً ، وحرَّر الوالي محضراً بجميع أقوال الممتحَنين ، وأرسلَ إلى المأمون وثار المأمون بقراءتِهِ ، واشتدَّ غضبه ، وعرَّض بهم وَاستخفَّ ، وأمر بضرب رقبة بشر بن الوليد، وإبراهيم بن المهدي إن لم يرجعا عن قولهما. وأمرَ بالعودة إلى امتحان هؤلاء ، فإن أصرُّوا فاحملهم أجمعين مُوثقين إلى عسكر أمير المؤمنين .... فإن لم يرجعوا (١) ترجمة الإمام أحمد: ص ٨٠. (٢) المصدر السابق: ص ٨١. (٣) المصدر السابق: ص ٨١. ١٧٤ الإمام أحمد بن حنبل ويتولوا ، حملهم جميعاً على السيف إن شاء الله ولا قوة إلا بالله)). وامتثَلَ الوالي أمر الخليفة ، وجمعهم ثانية ، وقرأ عليهم كتابَ المأمون ، فأقرُّوا جميعاً بأن القرآن مخلوق إلا أربعة: أحمد بن حنبل ، وسَجادة ، والقواريريُّ ، ومحمدُ بن نوح ، وأَمر بهم فشُدوا في الحديد ، واعترفَ سَجادة بخلق القرآن، فأطلق سراحه ، وأجابَ القواريري بعد يوم آخر ، فأطلق سراحه ، وانحصر الأمر في اثنين: أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح ، فشدَّهما في الحديد ووجَّههما إلى المأمون ، ثم أرسل البقية من الممتحنين بأمر المأمون ، وبلغتهم وفاةُ المأمون وهو بالرّقة، فخلَّى والي بغداد سبيلَ أكثرهم ، ومات محمد بن نوح وهو عائدٌ إلى بغداد ، وهكذا تركزت رياسةٌ المعارضة - كما يقول الدكتور أحمد أمين - في أحمدَ بن حنبل فكان زعيمَها وعَلَمَها ومتَّجه الأنظار فيها . ووصَلَ أحمد بن حنبل إلى بغداد مقيّداً، وحُبس في دار عمارة ببغداد، ثم حُوّل إلى سجن العامة ، ومكثَ في السجن نحواً من ثلاثين شهراً ، قال ابنُه حنبل: كنا نأتيه، وقرأ عليّ كتاب الإرجاء وغيرَه في الحبس ، ورأيتُه يصلي بأهل الحبْسٍ وعليه القيد ، فكان يُخرج رجله من حَلقة القَيد وقت الصلاة والنوم. أحمدُ بنُ حنبلَ يحكيِ قِصَّتَه: ويحكي أحمدُ بن حنبل قصته وما جرى له أيام المعتصم خليفة المأمون. وهي قصة البطولة الخالدة والإيمان الرائع ، فلنستمع إليه : ((فلمَّا كان في الليلة الرابعة وَجَّه - يعني المعتصم - ربيعاً الذي كان يقال له الكبيرُ أبو إسحاق ، فأمره بحَملي إليه ، فأُدخلتُ على إسحاق ، فقال: يا أحمد إنَّها والله نفسُك، إنه لا يقتلُك بالسيف ، إنه قد آلى إن لم تُجبه أن يضربك ضرباً بعد ضرب ، وأن يقتُلك في موضع لا تُرى فيه شمس ولا قمرٌ ... فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان ، أُخرجت ، ١٧٥ الإمام أحمد بن حنبل وجِيء بدابة فحُملت عليها وعليَّ الأقياد ، وما معيَ أحد يُمسكني ، فكدتُ غير مرة أن أخِرَّ على وجهي لِثقل القيود ، فجِيءَ بي إلى دار المعتصم ، فأُدخلت حُجرة وأدخلتُ إلى بيت ، وأقفل الباب علي ، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراجٌ، فأردت أن أتمسَّح للصلاة ، فمددتُ يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع ، فتوضأتُ وصليتُ. فلمّا كان من الغد أخرجت تِكتي من سراويلي وشددتُ بها الأقياد أحملها ، وعطفتُ سراويلي ، فجاء رسول المعتصم فقال: أجب فأخذ بيدي وأدخلني عليه ، والتّكة في يدي أحمل بها الأقياد ، وإذا هو جالسٌ ، وابن أبي دؤادَ حاضر ، وقد جمع خلقاً كثيراً من أصحابه فقال لي - يعني المعتصم -: اذنُه ، فلم يزل يُدنيني حتى قُرُبت منه ، ثم قال لي: اجلسْ فجلستُ ، وقد أثقلني الأقياد ، فمكثتُ قليلاً ، ثم قلت: أتأذن لي بالكلام؟ فقال: تكلم. فقلت: إلام دعا الله ورسولُه؟ فسكتَ هُنيهةً ، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، ثم قلت: إن جدَّك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله ليل سألوه عن الإيمان، فقال: ((أتدرون ما الإيمان؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تُعطوا الخُمس من المغنم))، قال أحمد: قال - يعني المعتصم -: لولا أني وجدتُك في يدٍ من كان قَبلي ما عرضتُ لك. ويذكُرُ أحمدُ بن حنبل ما جَرى بينه وبين علماء البلاط من الكلام والمناظرة ، ثم يقول: وجعل ابنُ أبي دؤاد يقول: يا أمير المؤمنين لئن أجابك لهَو أحبُّ إليَّ من مئة ألف دينار ومئة ألف دينار ، فيَعُد من ذلك ما شاء الله أن يَعُدَّ، فقال المعصتم: والله لئن أجابني لأُطلقن عنه بيدي ولأرَكبنَّ إليه بجندي ، ولأطَأَنَّ عَقِبه . ثم قال: يا أحمد ، والله إني عليك لشفيق ، وإني لأشفقُ عليك كشفقتي على هارون ابني ، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله. ١٧٦ الإمام أحمد بن حنبل فلمّا طال المجلسُ ضَجر وقال: قوموا، وحبَسني - يعني عنده - وعبدُ الرحمن بن إسحاق يُكلِّمني ، فقال المعتصم: ويحك أجبني؛ فقال: ما أعرفك ، ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة ، يَرى طاعتك والجهادَ والحج معك ، قال: فيقول: والله إنه لعالم ، وإنه لفقيه ، وما يَسوءني أن يكون معي يرَدُّ عني أهل المِلَل ، ثم قال لي: ما كنتَ تعرف صالحاً الرشيدي؟ قلت: قد سمعت باسمه ، قال: كان مؤدِّبي ، وكان في ذلك الموضع جالساً - وأشار إلى ناحية من الدار - فسألتُه عن القرآن فخالفني ، فأمرتُ به ، فوُطىء وسحب! ثم قال: يا أحمد أجِبْني إلى شيء لك فيه أدنى فَرَج حتى أطلق عنك بيدي ، قلتُ: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله! فطالَ المجلس وقام ، ورُددتُ إلى الموضع الذي كنت فيه. فلمَّا كان بعد المغرب ، وَجَّه إليّ رجلين من أصحاب ابن أبي دؤاد ، يبيتان عندي ويناظران ويقيمان معي ، حتى إذا كان وقتُ الإفطار جيء بالطعام ، ويَجتهدان بي أن أُفطر فلا أفعل ، ووجَّه إليَّ المعتصمُ ابنَ أبي دؤاد ، في بعض الليل ، فقال: يقول لك أمير المؤمنين ما تقول؟ فأرةُّ عليه نحواً مما كنت أرد ، فقال ابن أبي دؤاد: والله لقد كُتب اسمُك في السبعة ، يحيى بن معين وغيره ، فمحوتُه ، ولقد ساءني أخذُهم إياك ، ثم يقول: إن أمير المؤمنين قد حلَف أن يضربك ضرباً بعد ضرب ، وأن يُلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس ، ويقول: ((إن أجابني جئتُ إليه حتى أطلق عنه بيدي، وأنصرِف)). ((قال: فلمَّا كان في الليلة الثالثة قلتُ: خليقٌ أن يحدث غداً من أمري شيءٌ ، فقلت لبعض من كان معي ، المؤكَّل بي: ارْتَدْ لي خيطاً فجاءني بخيط فشددتُ به الأقياد ورَددتُ التِّكةَ إلى سراويلي مخافةَ أن يَحَدُث من أمري شيءٍ فأتعرّى ، فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجَّه إلي ، فأُدخلت فإذا الدار غاصَّة ، فجعلت أدخُل من موضع إلى موضع ، وقومٌ معهم السيوف ، وقومٌ معهم السياط وغير ذلك ، ولم يكن في اليومين الماضيين كبيرُ عددٍ من هؤلاء ، ١٧٧ الإمام أحمد بن حنبل فلما انتهيتُ إليه ، قال: اقعد ثم قال: ناظِروه! كلِّموه! فجعلوا يناظروني ، ويتكلم هذا فأردُّ عليه ، ويتكلم هذا فأرد عليه ، وجعلَ صوتي يعلو أصواتهم ، فجعل بعضُ من على رأسه قائمٌ يومىء إلي بيده ، فلما طال المجلس نخَّاني ثم خلا بهم ، ثم نَّاني وردّني إلى عنده ، فقال: ويحك يا أحمد أجبني حتى أُطلق عنك بيدي. فرددتُ عليه نحواً مما كنت أرد ، فقال لي: عليك - وذكر اللعن - وقال: خُذوه واسحبوه واخلعوه، قال: فسُحِبت ثم خُلعت. قال: وقد كان صار إليَّ شَعر من شَعَر النبي ◌َِّ في كُمِّ قميصي، فوجَّه إليّ إسحاق بن إبراهيم: ما هذا المصرور في كم قميصك؟ قلت: شعر من شَعَر رسول الله وَّ. وقال: وسعى بعضُ القوم إلى القميص ليخرقه عليَّ، فقال لهم - يعني المعتصم -: لا تخرقوه! فنزع القميص عني، قال: فظَننتُ أنه إنما درأ عن القميص الخَرق بسبب الشَّعَر الذي كان فيه ، قال: وجلس المعتصم على كرسي ، ثم قال: العقابين والسياط؛ فجيء بالعقابين ، فمُدَّت يداي ، فقال بعض من حضر خلفي: خُذ نأَي الخشبتين بيديك ، وشُدَّ عليهما ، فلم أفهم ما قال، فتخلَّعت يداي. ولمَّا جيء بالسياط نظر إليهم المعتصم وقال للجلَّدين: تقدموا فجعل يتقدم إليّ الرجل منهم فيضربني سوطين ، فيقول له: شد قطع الله يدك ، فلما ضُربتُ تسعة عشر سوطاً قام إلي - يعني المعتصم - وقال: يا أحمد علامَ تقتلُ نفسك؟ إنِّي والله عليك لشفيق ، قال: فجعل عُجيف ينخسني بقائمة سيفه ، وقال: أتريد أن تَغْلبَ هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضُهم يقول: ويلَك! الخليفة على رأسك قائم! وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمُّه في عنقي ، اقتُله! وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم ، وأنتَ في الشمس قائمٌ. فقال لي: ويحك يا أحمد! ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله رَيّ أقول به ، فرجع وجلس ، وقال للجلَّد: تقدم وارجع قطَع الله يدك؛ ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد! أجبني فجعلوا يُقبِلون علي ويقولون: يا أحمدُ إمامُك على رأسك قائمٌ، وجعل عبد الرحمن يقول: مَنْ صنع من ١٧٨ الإمام أحمد بن حنبل أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ وجعل المعتصم يقول: ويحك أجِبْني إلى شيء لك فيه أدنى فَرَج حتى أُطلق عنك بيدي؟ فقلت: يا أمير المؤمنين؟ أعطوني شيئاً من كتاب الله ، فيرجع ، وقال للجلادين: تقدموا فجعل الجلاَّد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحىّ ، وهو في خلال ذلك يقول: شُدَّ قطع الله يدك ، قال أبي: فذهب عقلي ، فأفقتُ بعد ذلك فإذا الأقيادُ قد أُطلقت عني ، فقال لي رجل ممن حضر: إنا كَبَبْناك على وجهك ، وطرحْنا على ظهرك باريةً ودُسناك قال أبي: فما شعرت بذلك ، وأتَوني بسَويق ، فقالوا لي: اشربْ وتقيأ. فقلت: لا أفطر. ثم جِيءٍ بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم ، فحضَرَتْ صلاةُ الظهر ، فتقدم ابنُ سماعة فصلّى ، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليتَ والدَّم يسيلُ في ثوبك؟ فقلت: قد صلى عمر وجُرحه يَثعَب دماً))(١) . ويقول ابنُه صالح: ((ثم خُلِّيَ عنه فصار إلى منزله ، وكان مُكثه في السجن مُنذ أخذ وحمِل إلى أن ضُرب وخُلِّيَّ عنه ثمانيةً وعشرين شهراً. ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه قال: يابن أخي رحمةُ الله على أبي عبد الله، والله ما رأيتُ أحداً يُشبهه ، ولقد جعلتُ أقول في وقتٍ ما يُوجَّهَ إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله أنتَ صائم ، وأنت في موضع تَقَيَّة ، ولقد عطشت ، فقال لصاحب الشراب: ناولني؛ فناوَله قدحاً فيه ماء وثلج ، فأخذه ونظر إليه هنيهة ، ثم ردَّه ولم يشرب ، فجعلتُ أعجب من صبره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الھَول. قال صالحٌ: كنت أَلتمسُ وأحتال أن أوصل إليه طعاماً أو رغيفاً في تلك الأيام فلم أقدِر. وأخبرني رجلٌ حضره ، أنه تفقده في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه ، فما لَحَن في كلمة ، قال: وما ظننتُ أن أحداً يكون في مثل شجاعته وشدّة قلبه . (١) ترجمة الإمام أحمد: ص ٤٨ - ٤٩. ١٧٩ الإمام أحمد بن حنبل وهكذا تنتهي هذه القصةُ التي لا تزال حُجَّةَ بُطولة الإِمام أحمد ، وقوَّة العقيدة وعجائب صنع الإيمان ، وقد كان من ثبات ابن حنبل وشجاعته وإخلاصه أنِ انطفأتْ عقيدة خلق القرآن ، وانطفأتْ معها حركةُ الاعتزال حتى بقيت مدفونة في كتب الملل والنحل وعلمٍ الكلام. وانتصر أحمدُ بن حنبل بإيمانه وشجاعته ، وكان انتصارُه دليلاً على انتصار الإخلاص والعزم على القوة والدولة والمعارضات الشديدة والعقوبات الموجعة ، وانهزمتْ حكومةٌ هي من أقوى الحكومات وأوسعها في عصرها ، وانهزم معها كلُّ مَن التف حول رايتها من أهل العلم والجدل والذكاء والمناصب والرياسات . وكان المعتزلة ولو انتصروا في المحنة فاستطاعوا - بسيطرتهم العملية والسياسية على البلاط - أن يُعاقبوا منافسيهم ورئيسَ الحزب الذي يُعارضهم بما شاؤوا ، وينفذوا فيه إرادتهم ولكنهم خسروا دولتهم ، وفَقدوا سلطانهم ، وقَطعوا الصِّلَة بينهم وبين الشعب ، فقد كَرههم من ذلك اليوم كراهةً شديدة ، وانصرفت القلوب عنهم ، ولم يزل نجمُهم في أفول حتى غرب من غير رجعة ، قال الدكتور أحمد أمين: ((ولم يستردَّ المعتزلة سُلطتهم يوماً ما بعد المحنة))(١). وخَرَجَ أحمدُ بن حنبل من هذه المحنة خروجَ السَّيف من الجلاء ، والبدر من الظلماء ، وكان كما قال بعض معاصريه: ((أُدخل الكير فخرج ذهباً أحمر) ولم يزَل بعد ذلك اليوم في صعود واعتلاء ، حتى تواضعتِ القلوب على حبه ، وأصبح حُبَّه شعارَ أهل السنة وأهلِ الصلاح ، حتى نُقل عن أحد معاصريه قتيبةً أنَّه قال: ((إذا رأيتَ الرجل يُحِب أحمدَ بن حنبل فاعلم أنه صاحبُ سنة))(٢). وقال أحمد بن إبراهيم الدَّورقي: ((من سمعتموه يذكرُ أحمد بن حنبل بسوء (١) ضحى الإسلام: ج٣، ص ٢٠١. (٢) ترجمة الإمام أحمد: ص ١٦. ١٨٠ الإمام أحمد بن حنبل فاتهموه على الإسلام))(١) وقال شاعر(٢): وبِحُبِّ أَحمد يُعرَفُ المُتَنْسِّكُ أَضْحی ابنُ خَنْلَ مِحنَةً مأمونةً فاعلمْ بأن سُتورَه سَتُهنَّكُ وإذا رأيتَ لأحمد مُتنقِّصاً وقد اعترف معاصروه بأنَّ غَناءه للإسلام ، وفي الدفاع عن القرآن كان عظيماً ، وأنه سَدَّ ثُلمة عظيمة كادتْ تَحدُث في الإسلام ، وشبّهوا يوم المحنة بيوم الرِّدة ، وقرنوا ذكرَ أحمد بن حنبل بذكر أبي بكر الصديق ، وكفى به عظمة! قال عليّ بن المَدِيني ، أحدُ أئمّة الحديث في عصره ، ومن شيوخ البخاري: ((إنَّ الله أعزَّ هذا الدين بأبي بكر الصديق يومَ الرِّدة ، وبأحمدَ بن حنبل يوم المِحنة))(٣). وليس سِرُّ عبقرية أحمد بن حنبل في دفاعه عن عقيدة من عقائد الإسلام، وانتصاره لها - وفضله في ذلك لا ينكر - ولكنَّ مأثرته الكبرى التي أكسبته منصب التجديد، هو أنه وقف سداً منيعاً في اتجاه هذه الأمة إلى التفكير الفلسفي المتهور ، الذي لو سيطر على هذه الأمة لانقطعت صلتها بالتدريج عن منابع الدين الأولى، وعن النبوة المحمدية، وخضعت هذه الأمة للفلسفات، وأصبحت عرضة للآراء والقياسات، وانتصرت الحكومة على الشعب، والسياسة على الدين انتصاراً مؤيداً، وسلبت حرية الرأي والعقيدة. ولا شكَّ أنها رزيئةٌ جليلةٌ، وفتنةٌ عظيمةٌ في الإسلام، وقد قضى عليها أحمد بن حنبل وهي في شبابها وأوجها ، وحفظ هذا الدينَ من أن يعبث به العابثون، وتتحكّم فيه السلطة والأهواء ، وحفظ هذه الأمة من أن تكون في حضانة الملوك الشباب الثائرين المتهورين وحاشيتهم ، يفرضون عليها العقائد (١) تاريخ بغداد: للخطيب ج٤، ص ٤٣١. (٢) ضحى الإسلام: ج٣، ١٩٤. (٣) ترجمة الإمام أحمد: ص٧١.