النص المفهرس
صفحات 1-20
العلّ السيّد أبو حسن علي استي الندوي رِخَالِ الفَكْفُالدَّعَو في الإسْلامِ عمر بن عبد العزيز أبو الحسن الَّفْعَريّ أبو حَامد الغزالي عَبةُالقادر الجيلاني أحمَدُ بنُ يمِيَّة الحسن البصريّ أحمد بن حنبل بَلَالُ الدِّينِ الرُّوميُّ تَقْدِيمُ الدكتور مصطفى السباعي: الدكتور مصطفى الخن الجُزءُ الْأُوَّلُ - الجُزءُ الثَّاني دَار اتكتير العلّة السيّدأبو حسن على احتي الندوي أَخَارِ الفَُّالدّعوة في الإسْلامِ أبو الحسَِ الأَشْهَرِيُّ عَُرُبنُ عبدالعزيز أبو حَامد الغزالى الحَسَنُ البَصَريُّ عَئُ القادر الجيلاني أحمَدُ بُيمِيَّة أحمَدُ بنُ قَبْسَل جَلَالُ الدِّينِ الرُّومِيُّ تَفَتْدِيمُ الدكتور مصطفى الخن الدكتور مصطفى السباعي الجُزْءُالَوَّلْ - الجزء الَثَاني دمشق . بیروت دَارُ ابن كَثِيْ n 3 C 6 6 ١ طبعة دار ابن كثير الثالثة 1428 هـ - 2007 م جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير و النقل والترجمة و التسجيل المرئي والمسموع و الحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار أركتير للطباعة والنشر والتوزيع دمشق - بيروت الرقم الدولي الموضوع : تراجم العنوان : رجال الفكر والدعوة 4/1 التأليف : العلامة الشيخ ابو الحسن الندوي نوع الورق : شاموا ألوان الطباعة : لونان عدد الصفحات : 1616 القياس : 17×24 نوع التجليد : كرتونيه الوزن : 2.6 كغ تصميم الغلاف : سامو برس - بيروت التنفيذ الطباعي : مطبعة ipex - بيروت التجليد : مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد - بيروت دمشق - حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي ص.ب : 311 - هاتف : 2225877 - 2228450 - فاكس : 2243502 بيروت - برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي - بناء الحديقة ص.ب : 113/6318 - تلفاكس: 01/817857 - جوال : 03/204459 www.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com كارابي ٥ بين يدي الكتاب بين يدي الكتاب الحمد لله ربِّ العالمين ، حمداً يوافي نعمه ، ويكافىء مزيده ، ويدفع نِقمه ، أحمده حمد الشاكرين ، وأسأله سؤال الصالحين ، وهو الله القادر رب العالمين. والصَّلاة والسلام على سيِّدنا محمد ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، أرسله . تعالى هداية للخَلْق ، فأدَّى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف الغُمة ، صلى الله عليه وعلى آله ، ورضي عن أصحابه أجمعين . أمّا بعد : فإنَّ سِيَر الصالحين ، والعلماء العاملين ، يدفع مسيرةَ الأمة نحو المجد والعلياء ، فهؤلاء الجهابذة هم مصابيح الطريق لمن ابتغى الرقي ، وفتّش عن القدوة الحسنة؛ ليحتذي بها ، ويجعلها نصب عينيه ، فهي المثال الرائع ، والنموذج الصالح؛ من أجل تعزيز البناء ، وتشييد الصريح القويم لكل متطلبات التقدم في مختلف ميادين الحياة. وهذا الكتابُ - رجال الفكر والدعوة في الإسلام - سار بين الناس كالهواء والنُّور ، فكان مُتنفَّساً للورى ، حيث يجدون في صفحاته تاريخ الأمة مرسوماً بكلمات معبّرة ، ويلحظون زبدة الأفكار تتهادى بين طيَّاته ، ولقاح الألباب يشرئب بعنقه؛ تيَّاهاً بتلك الفرائدة المتألِّقة التي نجبت ، وضاء شعاعها ، ٦ بين يدي الكتاب فكانت بلسماً للجراح ، وغذاء للفكر والروح ، وحروفاً من نار ونور على جبين التاريخ . وقد أراد المؤلّف - رحمه الله - من صناعة كتابه هذا: إصلاح الأمّة ، وضرورة عودتها السريعة للنهل من تاريخها العتيد ، وورود ينابيع الإسلام في إشراقته عبر العصور؛ وبذا يأخذ الكتاب لقطات مختلفة من بطون التاريخ ، ويعرضها في سير رجال عظام، قدَّموا كلَّ مفيد، فكانوا زعماء الإصلاح الإسلامي. هذا، وإنَّ الطبعة الثانية من كتاب ((رجال الفكر والدعوة في الإسلام)) نقدِّمها إلى القرّاء الأعزّاء ، والتي اعتنينا فيها بالمراجعة الدقيقة ، وضبط النصوص ، والتعليقات وتخريج الأحاديث بين المعقوفتين ، وإيراد النصوص التي أرادها العلاّمة المؤلِّف كاملةً غير منقوصة، ممَّا يشفع لنا بإعادة طبع الكتاب، عسى أن يجد فيه القرَّاء مبتغاهم ، بما يحقّق مطلوبَهم ، ويدفعهم للقراءة والتعمُّق والاستفادة من زاد الفكر، وخلاصة الدراسات التاريخية الإسلامية . وجزى الله دارَ ابن كثير كلَّ خير ، على ما بذلَتْ من عناية بهذا الكتاب ، وغيره من مؤلَّفات العلاّمة الندوي ، فكانت العنايةُ واضحةً للعيان في جودة التصحيح ، وجمال الإخراج ، والمسحة الجمالية في الطباعة والتجليد. نسأل الله تبارك وتعالى أن يقبل جهد كلٍّ منَّا في خدمة هذا الكتاب خالصاً لوجهه ، إنَّه سميع مجيب . دمشق في ١ / رمضان ١٤٢٤ هـ کتبه المعتز بالله عبد الماجد الغوري ٧ تقديم الكتاب تقديم الكتاب بقلم الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى في العالم الإسلامي اليوم حركةٌ قويةٌ ترمي إلى الرجوع للإسلام كشريعة تنظم شؤون الحياة ، وتُقيم الموازين القسطَ بين الناس ، وتُحقِّق للمسلمين تحرير ديارهم من الاستعمار ، وتحريرَ عقولهم من الجَهالة والخُرافة ، وتحريرٌ مجتمعهم من الظلم والفقر والفوضى. وترى هذه الحركةُ أنَّ الإسلام - في ينابيعه الصافيةِ وتراثهِ السليم في عهد السلف الصالح - زعيمٌ بتحقيق هذه الأهداف في أتمّ وجه وأكمله ، كما أنه هو الطريقُ الذي لا بدَّ منه لنهوض العالم الإسلامي من كَبْوَتِه وسُباته . وهذه الحركةُ قائمةٌ في كل قطر من أقطار العرب والمسلمين ، تجدها في القاهرة ، ودمشقَ، وبغداد ، وعمانَ ، ومكةَ، والكويت وغيرها من الأقطار العربية ، كما تجدها في باكستان ، والهندٍ ، وأندونيسية ، والأفغان، وإيرانَ وغيرها من بلاد الإسلام ، ولها في كل بلد قادةٌ تميَّزوا بها لِصدْقٍ في عزائمهم للنهوض إلى هذه الغاية ، والوضوح في إعلان مبادئها والتبشير بها بين جماهير أُمَّتهم. ٨ تقديم الكتاب ومِن أعلام هذه الحركة المباركةِ الأستاذُ أبو الحسن النَّذوي مؤلِّفُ هذا الكتاب ، فهو عالِمٌ مُصلح، وداعية مخلصٌ ، دَأب منذ آتاه الله العلمَ على الدعوة إلى الله بقلمه ولسانه ، وبرحلاته المتعدِّدة إلى أقطار العروبة والإسلام ، وبجولاته الموفّقة في ميادينِ الدعوة ، حتى إنه اليوم ليُعَدُّ من أبرز أعلام الإسلام المصلحين في ديار الهند ، له تلاميذه المنتشرون في كلِّ بلد ، وله كتُبه ومؤلّفاته التي تتميّز بالدقة العلمية ، وبالغوصِ العميق في تَفْهُّمٍ أسرار الشريعة ، وبالتّحليل الدقيق لمشاكل العالم الإسلامي ووسائل معالجتها ، عدا عمَّا يمتاز به من روح مُشرقة ، وخُلُق نبوي كريم ، ومعيشَة تُذكِّرُكَ بعلماء السلف الصالح في زُهدِه وتقشُّفِه وعبادته وکرامةِ نفسه . وهذا الكتابُ الذي نُقدِّمه اليوم لقرّاء العربية صورةٌ واضحةٌ لأفكار الأستاذ الندوي، ومُيوله الإصلاحية ، ولِفَهْمِه العميق للتاريخ الإسلامي ولروح الإسلام الصافية المشرقة ، وما علق بها - في العصور الأخيرة - من غبار، وما أصابها من انحراف ، وبذلك يَسُدُّ هذا الكتابُ ثَغْرَةً في دراسة التاريخ الإسلامي، كنا وما نزال نشعر بالحاجة إليها ، إذ يتحدَّث عن تاريخ الإصلاح في حياة المسلمين السياسية والدينية والاجتماعية في فترات من تاريخ الإسلام في الماضي، كما يعرض لنا صوراً واضحة لأبرز زعماء الإصلاح الإسلامي مُنذ العصر الأموي. وإنِّي - وإن لم يُسعدني الحظّ بالاستماع إلى هذه المحاضرات حين ألقاها الأستاذ الندوي في المدرج الكبير للجامعة السورية بدمشق - إذا كنتُ في رحلة علمية إلى جامعات أوربة - قد لمستُ آثارها العميقةَ في نفوس الذين استمعوها من أعلام الفكر وطلاب كلية الشريعة ، وغيرهم من طلبة الجامعة ، وكما سمعتُ الثناءَ الكثير عنها في الأوساط العلمية والإصلاحية ، ثم أُتَيحَ لي أن أقرأها قبل تقديمها إلى المطبعة، فاستفدتُ منها كثيراً ، وسألتُ اللهَ أن يَمدَّ في عمر الأستاذ الندوي لإكمال هذا البحث القيِّم الذي بدأهُ، حتى يصل بنا ٩ تقديم الكتاب الحديث عن زعماء الإصلاح في العصر الحاضر، وخاصة في الهند(١)، التي لا نعلم عن تاريخ مصلحيها الإسلاميين إلَّ النّزر اليسير، وإنها لأمانة لا ينهض بعبئها إلاَّ مثلُ الأستاذ الندوي في نفاذ بصيرته ، وإشراقٍ روحه ، وواسع علمه ، وجمیلٍ مُثابرته. وإنِّي باسم كلية الشريعة أشكر الأستاذَ الندوي على تلبية رجائها بإلقاء هذه المحاضرات. فجزاه اللهُ خير الجزاء ، وشكر له جهده ، وبارك في علمه وحياته. الدكتور مصطفى السباعي(٢) دمشق : المحرم ١٣٧٨ عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق آب (أغسطس) ١٩٥٨ (١) [وقد كتب العلامة المؤلّف من زعماء الإصلاح في الهند كالإمام السرهندي والإمام شاه ولي الله الدهلوي ضمن هذه السلسلة ، اقرأ عنهما في الجزءين الثالث والرابع]. (٢) توفي الأستاذ العلامة الداعية رحمه الله في يوم السبت الواقع في ٢٧ جمادى الأولى ١٣٨٤ هـ، الموافق ٣ تشرين الأول ١٩٦٤ م. [وقد كتب العلامة المؤلّف مقالاً عنه إثر وفاته ، اقرأه في كتاب من أعلام المسلمين ومشاهيرهم) ص (٣١٦) طبع في سلسلة ((تراث العلامة الندوي)) في دار ابن كثير بدمشق]. مقدمة ١١ مقدمة بقلم الدكتور مصطفى الخن الحمد لله بمَحامده كلُّها ما علمنا منها وما لم نعلم . الحمد لله حمداً يوافي نِعَمه ، ویکافیء مزيده . الحمد لله على نعمائه. والصلاة والسلام على خيرته من خلقه ، وصفوته من أنبيائه ، محمد المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته ، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الملوان. وبعد: فإنَّه من فضل الله تعالى على الأمة الإسلامية ، أن تكفّل لها بحفظ قرآنها ودينها ، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿ إِنَّا غَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . وذلك بأن هيَّأ في كل عصر من العصور أناساً قد حبسوا أنفسَهم ، وأحيوا ليلهم ، وأظمؤوا نهارهم ، وبذلوا جهدهم لدراسة هذا الدين ، وللدرء عنه اعتداء المعتدين، ولكشف شبه الشاكِّين، وقد قال رسول الله وَله: ((إن الله ١٢ مقدمة يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مئة سنة من يُجدِّد لها دينَها))(١). وهذا الحديث يشمل الفرد والجماعة ، كما يشمل الزمان والمكان. ولعلَّ أبا الحسن الندوي - ولا نزكي على الله أحداً - هو من هؤلاء الناس الذين وجدوا في هذا العصر ليتحمَّلوا أعباء الدعوة ، ويبذلوا كلَّ نفيس في سبيل نشر هذا الدين ، ويرفعوا كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله في زمان كثر فيه الانحراف عن المبدأ القويم ، الذي أراده الله لعباده: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. إنَّ الشيخ أبا الحسن قد متعه الله تعالى بجرأة في الحق ، قلما تجدها في غيره من العلماء ، وحباه الله تعالى علماً واسعاً جامعاً ، قلما تراه عند كثير من العلماء أيضاً ، وأعطاه الله لساناً بليغاً، وقلماً معبّراً عن مآسي المسلمين ، وراسماً طريق العودة إلى الله تعالى ، كي تأخذ الأمة الإسلامية في هذا العالم مكان القيادة ، ذلك المكان الذي فقدته منذ أمد بعيد . إن الكتاب الذي نقدِّمه اليوم لقراء الشيخ ، فيه عرض لصفات تحلّى بها أربابُ الفكر والدعوة إلى الله تعالى في هذا العالم الإسلامي ، الذي أكرمه الله بوجود هؤلاء الأفذاذ الذين يحاول أعداء الله أن يطمسوا معالم حياتهم. ومِن المؤكَّد أنَّ أبا الحسن - حفظه الله - لم يتحدث عن أولئك الأعلام من ناحيتهم التاريخية ، ولكنه أراد أن يبرز جوانب القدوة فيهم ، ويجسد صفات الداعية إلى الله تعالى ، ويبين أن الله جلّ جلاله قد وفى بما وعد به من حفظ الدين ، وليكون هؤلاء منارات يهتدي بهم من بعدهم من ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (١) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المئة برقم (٤٢٩١)، والحاكم في المستدرك (٥٦٨/٤) برقم (٨٥٩٣)، والطبراني في الأوسط (٣٢٤/٦) برقم (٦٥٢٩). وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ١٣ مقدمة إنَّ الدعوة إلى الله سبحانه ، وإلى الاستظلال بظلّه ، وإلى الدخول تحت طاعته ، وامتثال أوامره ، هي وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، فلقد قال الله سبحانه في كتابه العزيز: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨] . ولقد حمَّل الله مهمة هذه الدعوة إلى الله تعالى: حمّلها رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام فقال مخاطباً له: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال أيضاً: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيّ أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَمَّنِ أَتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ اَللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. وحمّل هذه الأمة، أمة الرسول الأعظم هذه المهمة من بعده ، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وجعل أمته خير الأمم، وأرقاها، بما اتصفت به من الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ومِنْ هنا يكون العلماء الذين يقومون بالدعوة إلى الله تعالى هم ورثة الأنبياء ، والخلّص من عباد الله الصالحين. وفي هذا العصر الذي نحن فيه نشطت الدعوةُ إلى الله تعالى بمقدار ما يحاول أعداء الله تعالى نَشْر أباطيلهم ، واستعمالهم الأساليب المضللة والوسائل المغرية ، وفي طليعة هؤلاء الدعاة في هذا العصر فضيلة المجاهد الكبير الشيخ السيد أبي الحسن الندوي ، وفقه الله لما يحبه ، ويرضاه. نسألُ الله سبحانه أن يجعلنا من الدعاة إلى الله على هدى وبصيرة، وأن ١٤ مقدمة يحمي الإسلام والمسلمين من شرور أعداء الله تعالى ، ويحفظ الدعاة المخلصين ، ويذود عنهم الحاقدين المغرضين. والله الموفق ، والهادي إلى سبيل الرشاد. د. مصطفى سعيد الخن دمشق: ١٤٢٠/٣/١٨ هـ ١٩٩٩/٧/١م ١٥ ترجمة العلامة المؤلف ترجمة العلامة المؤلّف هو المربِّي العظيم، والداعية الحكيم، والمفكِّر المجدِّد، والأديب البارع ، والكاتب القدير، وعلَّمة الهند، وربَّانِيُّ الأمَّة، ونموذج السَّلف، والعالِم العامل، والحبر الكامل، والزَّاهدُ المجاهد: الشيخ السيِّد أبو الحسن علي الحسني الندوي ، صاحبُ الكُتب الفائقة، والرّسائل الرائقة، والمحاضرات النافعة، ((والذي أجمع عليه السلفيُّون والمتصوَّفون، والمذهبيون واللَّمذهبيون، والتقليديون والمعاصرون)) (١)، و((الذي أخلص وجهَه لله تعالى، وسار في حياته سيرةَ المسلم المُخلِص لله تعالى ورسوله وَلَه، فدعا إلى الإسلام بالقُدوة الحسنة، ودعا إلى الإسلام بكُتبه النقية، ودعا إلى الإسلام بسياحته التي حاضر فيها، ووجَّه وأرشدَ)) (٢)، و((الذي [كان] ذخراً للإسلام ودعوته ، وكُتبه ومؤلفاته تتميّز بالدقة العلمية ، وبالغوص العميق في تفهُّم أسرار الشريعة ، وبالتحليل الدقيق لمشاكل العالم الإسلامي ، ووسائل معالجتها))(٣)، و((الذي عرفتُه في شخصيته وفي قلمه، فعرفتُ فيه قلبَ المسلم ، والعقلَ المسلم ، وعرفتُ فيه الرجلَ الذي يعيشُ بالإسلام وللإسلام (١) قاله فقيه الدعاة، وداعية الفقهاء: الدكتور يوسف القرضاوي. (٢) قاله شيخ الأزهر الأسبق: الدكتور عبد الحليم محمود - رحمه الله - . (٣) قاله الداعية الفقيه ، الصابر المجاهد: الدكتور مصطفى السباعي - رحمه الله -. ١٦ ترجمة العلامة المؤلف على فقهٍ جيِّدٍ للإسلام ... هذه شهادة لله أودعها))(١)، و((الذي [كان] مدرسةً فكريةً افتقدها العالمُ الإسلامي برحيله))(٢). اسمه ونسبه وأسرته: هو عليّ أبو الحسن بن عبد الحي بن فخر الدين الحسني ، ينتهي نسبه إلى عبد الله الأَشْتَر بن محمّد ذي النفس الزكية بن عبد الله المحض ، بن الحسن (المثنَّى) بن الإمام الحسن السبط الأكبر ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. أولُ من استَوْطَنَ الهندَ من هذه الأسرة في أوائل القرن السابع الهجري هو الأمير السيّد قطب الدين المدني (٦٧٧ هـ). والدُه مؤرِّخ الهند الكبير العلامة الطبيب السيّد عبد الحيّ الحسني ، الذي استحقَّ بجدارة لقب ((ابن خلّكان الهند)) لمؤلَّفه القيم ((نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر)) في ثماني مجلَّدات عن أعلام المسلمين في الهند وعمالقتهم، طُبعَ أخيراً باسم ((الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام)) (٣) . والدتُه - رحمها الله - كانت من السيِّدات الفاضلات ، المربِّيات النادرات ، المؤلِّفات المعدودات ، والحافظات للقرآن الكريم ، تقرض الشعرَ ، وقد نظّمتْ مجموعةً من الأبيات في مدح رسول الله وَ له . ميلاده ونشأته: أبصَرَ العلاَّمة أبو الحسن الندوي النورَ في ٦ محرم ١٣٣٣ هـ الموافق (١) قاله الأديب الكبير ، الداعية الشهيد: سيد قطب. (٢) قاله الدكتور عبد الله المحسن التركي، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة . (٣) في ثلاث مجلَّدات ضخمة ، في دار ابن حزم ، بيروت. ٠ ١٧ ترجمة العلامة المؤلف عام ١٩١٤ م بقرية ((تَكِيَة كَلان)) الواقعة قرب مديرية ((رَائي بَرِيلي)) في الولاية الشمالية (ُترابزدِیش)). بَدَأَ دراسته الابتدائية من القرآن الكريم في البيت ، ثم دَخَلَ في الكُتَّاب حيث تعلّم مبادىءَ اللغتين (الأردوية والفارسية) شأن أبناء البيوتات الشريفة في الهند في ذلك العصر ، وكان عمره يتراوح بين التاسعة والعاشرة إذ تُوفِّي والده الجليل عام ١٣٤١ هـ (١٩٢٣ م). فتولَّى تربيتَه أمّهُ الفاضلة ، وأخوه الأكبر الدكتور عبد العلي الحسني(١) وإليه يرجع الفضل في توجيه وتربية العلامة الندوي. بدأ دراسةَ العربية على الشيخ خليل بن محمّد الأنصاري اليماني(٢) في أواخر عام ١٩٢٤ م ، وتخرَّج عليه مستفيداً في الأدب العربي ، ثمّ توسَّعَ فيه وتخصَّصَ على الأستاذ الدكتور تقي الدين الهلالي المرَّاكشي (٣) عند مقدمه إلى ندوة العلماء عام ١٩٣٠ م. دراسته الجامعيَّة: التّحَقَ بجامعة لكهنؤ فرع الأدب العربي عام ١٩٢٧ م ، ولم يتجاوز عمره آنذاك الأربعة عشر عاماً ، وكان أصغر طلبة الجامعة سناً ، ونالَ منها شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها. قرأ خلال أيام دراسته في الجامعة كُتباً تُعتبر (١) انظر ما كتب عنه العلاّمة الندوي في كتابه ((شخصيات وكُتب)) ص (٦٣) طبع دار القلم بدمشق . (٢) انظر ترجمته في (من أعلام المسلمين ومشاهيرهم)) ص (٢٨١) طبع دار ابن كثير ، دمشق . (٣) هو العلاّمة البحَّاثة، وأحد كبار علماء اللغة العربية في هذا العصر، وُلِدَ بسجلماسة في المغرب، ونشاً نشأة صوفية، ثم تركها واتخذ السلفيةً معتقداً، سافر إلى الهند وقّراً الحديث على كبار محدّثيها يومئذ، وعيّن أستاذاً خلال إقامته فيها في كلية اللغة العربية في دار العلوم - ندوة العلماء، توفي - رحمه الله - بالدار البيضاء عام ١٤٠٧ هـ. ١٨ ترجمة العلامة المؤلف في القِمة في اللغة العربية والأردوية ، ممّا أعانه على القيام بواجب الدعوة وشرح الفكرة الإسلامية الصحيحة ، وإقناع الطبقة المثقّفة بالثقافة العصرية ، وتَعَلَّمَ الإنجليزية مما مكَّنته من قراءة الكتب المؤلّفة بها في التاريخ والأدب والفكر. ثمّ التحقَ بدار العلوم - ندوة العلماء عام ١٩٢٩ م وقرأ الحديث الشريف (صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي) حرفاً حرفاً مع شيء من تفسير البيضاوي على العلامة المحدِّث الشيخ حيدر حسن خان الطُوْنكي(١) ، ودرس التفسيرَ لكامل القرآن الكريم على العلَّمة المفسّر المشهور أحمد علي اللَّهوري في لاهور عام ١٣٥١ هـ/ ١٩٣٢ م، وحَضَرَ دروس العلامة المجاهد حسين أحمد المدني(٢) في صحيح البخاري وسنن الترمذي خلال إقامته في دار العلوم ديوبند ، واستفاد منه في التفسير وعلوم القرآن أيضاً. في سِلْك التدريس: انخرَطَ في سلك التدريس عام ١٩٣٤ م ، وعُيِّنَ أستاذاً في دار العلوم - ندوة العلماء لمادتي التفسير والأدب. واستفاد خلال تدريسه في دار العلوم من الصحف والمجلات العربية الصادرة في البلاد العربية، ممّا عرفه على البلاد العربية وأحوالها ، وعُلمائها وأدبائها ومفكِّريها عن كثب، واستفاد أيضاً مِن كُتب المعاصرين من الدعاة والمفكِّرين العرب وفضلاء الغرب والزعماء السياسيِّين. نشاطاته الدعويّة والإصلاحية: قام برحلة استطلاعية للمراكز الدينية في الهند عام ١٩٣٩ م، تَعَرَّفَ فيها (١) انظر ترجمته في (الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام)) للعلَّمة عبد الحي الحسني ، ج: ٣، ص ١٢١٨ ، طبع دار ابن حزم ، بيروت. (٢) انظر ترجمته في ((من أعلام المسلمين ومشاهيرهم)) ص (٢٥٩). ١٩ ترجمة العلامة المؤلف على الشيخ المربّي العارف بالله عبد القادر الرَّأي فُؤْرِي(١) ، والداعية الشيخ محمد إلياس الكَانْدَهْلَوي(٢)، وكان هذا التعرُّف نقطة تحوّل في حياته ، وبَقِيَ على الصلة حتى وافاهما الأجل المحتوم ، وتَلَقَّى التربية الروحية من الشيخ الرأي فوري واستفاد من صحبته ومجالسته ، وتأَسَّى بالشيخ الكاندهلوي في القيام بواجب الدّعوة وإصلاح المجتمع ، وقَضَى زمناً طويلاً في رحلات وجولات دعوية متتابعة للتربية والإصلاح والتوجيه الديني في الهند وخارجها. أسَّسَ مركزاً للتعليمات الإسلامية لتنظيم حلقات درس القرآن الكريم والسنَّة النبوية عام ١٩٤٣ م ، وأسَّس حركة رسالة الإنسانية بين المسلمين والهندوس عام ١٩٥١ م، والمجمع الإسلامي العلمي بدار العلوم - ندوة العلماء في لکھنؤ عام ١٩٥٩ م. شارَكَ في تأسيس هيئة التعليم الديني للولاية الشمالية (أترابرديش) عام ١٩٦٠ م، وفي تأسيس المجلس الاستشاري الإسلامي لعموم الهند عام ١٩٦٤ م، وفي تأسيس هيئة الأحوال الشخصية الإسلامية لعموم الهند عام ١٩٧٢ م. رحلتُه مع الكتابة والتأليف: كتبَ أوّلَ مقال بالعربية في مجلّة ((المنار)) للعلاء السيّد رشيد رضا المصري عام ١٩٣١ م حول شخصية الإمام السيّد أحمد بن عرفان الشهيد ، وكان عمره - آنذاك - الرابعة عشر عاماً، ثم نشره العلامة رشيد رضا ككتاب مستقل لما رأى إعجاب کبار كتّاب العرب به. ظهَرَ له أوّل كتاب بالأردوية عام ١٩٣٧ م يحمل اسمه («سيرة أحمد شھید» ونَالَ قبولاً عاماً في الأوساط الدينية والعلمية في الهند وباكستان ، وصدر له طبعات عديدة بعد . (١) انظر ترجمته في كتاب ((من أعلام المسلمين ومشاهيرهم)) ص (٢٣٩). (٢) انظر ترجمته في كتاب ((من أعلام المسلمين ومشاهيرهم)) ص (٢٣٣). ٢٠ ترجمة العلامة المؤلف بَدَأَ سلسلة تأليف الكتب المدرسية بالعربية ، وظَهَرَ أوّل كتاب فيها بعنوان (مختارات من أدب العرب)) عام ١٩٤٠، و((قصص النبيِّين)) للأطفال و((القراءة الراشدة)) عام ١٩٤٤ م، وقرّرت جميع هذه الكتب في مقرَّرات المعاهد والجامعات الإسلامية في بلاد العرب وشبه القارة الهندية . ألَّف كتابه المشهور ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟)) عام ١٩٤٤ م، الذي عُدَّ من أفضل الكُتب التي صدرت في هذا القرن(١). دُعِيَ أستاذاً زائراً في كلية الشريعة بجامعة دمشق عام ١٩٥٦ م، وألقى محاضرات بعنوان ((التجديد والمجدِّدون في تاريخ الفكر الإسلامي)» نُشِرتْ بعد ذلك في شكل كتابٍ مستقلِّ ينضوي تحت أربع مجلدات باسم ((رجال الفكر والدعوة في الإسلام)» والذي الآن بين يدي القرّاء. ألَّفَ حول القَاديانية بعنوان ((القادياني والقاديانية)» عام ١٩٥٨ م ، وكتابه ((الصراع بين الفكرة الإسلامية والغربية في الأقطار الإسلامية)) عام ١٩٦٥ م وكتابه ((الأركان الأربعة)) عام ١٩٦٧ م، و((السيرة النبوية)) عام ١٩٧٦ م، و((العقيدة والعبادة والسلوك)) عام ١٩٨٠ م و((المُرْتضى)) في سِيرة أمير المؤمنين عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - عام ١٩٨٨ م. رئاسة تحرير للمجلات والجرائد الإسلامية والإشراف عليها: شَارَكَ في تحرير مجلة («الضياء)» العربية الصادرة من دار العلوم - ندوة العلماء عام ١٩٣٢ م، ومجلّة ((الندوة)) الأردوية الصادرة منها أيضاً عام ١٩٤٠ م، وأَصْدَرَ مجلّة باسم ((تَعْمِيْرِ حَيَات)» بالأردوية عام ١٩٤٨ م ، وكَتَبَ مقالاتٍ في الأدب والدعوة والفكر في أمهات المجلات العربية الصادرة من مصر ودمشق كـ: ((الرسالة)) للأستاذ أحمد حسن الزيَّات و((الفتح)) للأستاذ محب الدين (١) كما قاله المربِّي المفكّر، الداعية الناقد البصير: الأستاذ محمد مبارك - رحمه الله -.