النص المفهرس

صفحات 101-120

كلام وشرّ ، فلم يزل الأمر يغلظ حتى خافا منه خوفاً شديداً ومعهما النساء
والذرّيّة ، فأساء جوارهم وحصرهم وآذاهم ، وقصد لمحمد بن الحنفيّة
فأظهر شتمه وعيّبه وأمره وبني هاشم أن يلزموا شعبهم بمكّة ، وجعل عليهم
الرقباء وقال لهم فيما يقول: والله لتبايعُنّ أو لأحْرقنّكم بالنار . فخافوا
على أنفسهم .
قال سُليم أبو عامر : فرأيتُ محمد بن الحنفيّة محبوساً في زَمْزَم والناس
يُمْنَعون من الدخول عليه فقلتُ: والله لأدخلنّ عليه، فدخلتُ فقلتُ :
ما بالك وهذا الرجلَ ؟ فقال : دعاني إلى البيعة فقلت إنّما أنا من المسلمين فإذا
اجتمعوا عليك فأنا كأحدهم ، فلم يرضَ بهذا مني ، فاذهب إلى ابن عبّاس
فأقْرِئْه مني السلامَ وقل يقول لك ابن عمّك ما ترى ؟
قال سُليم : فدخلتُ على ابن عبّاس وهو ذاهب البَصَر فقال : من
أنت ؟ فقلت : أنصاريّ، فقال : رُبّ أنصاريّ هو أشدّ علينا من عدوّنا .
فقلت : لا تخف ، أنا ممّن لك كلّه . قال : هاتِ . فأخبرتُهُ بقول ابن الحنفيّة
فقال : قل له لا تُطِعْه ولا نعمة عين إلاّ ما قلتَ، لا تزده عليه. فرجعتُ
إلى ابن الحنفيّة فأبلغتُهُ ما قال ابن عبّاس، فهمّ ابن الحنفيّة أن يقدم إلى
الكوفة وبلغ ذلك المختار فثقُل عليه قدومه فقال : إنّ في المهدي علامة يقدم
بلدكم هذا فيضربه رجل في السوق بالسيف لا تضرّه ولا تحيك فيه . فبلغ
ذلك ابن الحنفيّة فأقام فقيل له : لو بعثتَ إلى شيعتك بالكوفة فأعلمتهم
ما أنتم فيه . فبعث أبا الطّفيل عامر بن واثلة إلى شيعتهم بالكوفة ، فقدم
عليهم فقال : إنّا لا نأمن ابن الزبير على هؤلاء القوم . وأخبرهم بما هم
فيه من الخوف ، فقطع المختار بعثاً إلى مكّة فانتدب منهم أربعة آلاف ،
فعقد لأبي عبد الله الجَّدَلي عليهم وقال له : سِرْ فإن وجدتَ بني هاشم في
الحياة فكن لهم أنت ومن معك عضداً وانفذ لما أمروك به ، وإن وجدتَ
ابن الزبير قد قتلهم فاعترض أهل مكة حتى تصل إلى ابن الزبير ثمّ لا تدع
١٠١

من آل الزّبير شُفْراً ولا ظُفْراً . وقال : يا شرطة اللّه لقد أكرمكم الله
بهذا المسير ولكم بهذا الوجه عشر حجَج وعشر عُمَر . وسار القوم ومعهم
السلاح حتى أشرفوا على مكّة فجاء المستغيث : اعْجلوا فما أراكم تدركونهم .
فقال الناس : لو أنّ أهل القوّة عجّلوا . فانتدب منهم ثمانمائة رأسهم عطيّة
ابن سعد بن جُنادة العَوْفي حتى دخلوا مكّة فكبّروا تكبيرة سمعها ابن
الزبير فانطلق هارباً حتى دخل دار الندوة ، ويقال بل تعلّق بأستار الكعبة
وقال : أنا عائذ اللّه .
قال عطيّة: ثمّ مِلْنا إلى ابن عبّاس وابن الحنفيّة وأصحابهما في
دور قد جُمع لهم الخطب فأحيط بهم حتى بلغ رؤوس الجُدُّر لو أنّ ناراً
تقع فيه ما رُأي منهم أحد حتى تقوم الساعة ، فأخرناه عن الأبواب ، وعجل
عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس ، وهو يومئذٍ رجل ، فأسرع في الحطب يريد
الخروج فأدمى ساقيه ، وأقبل أصحاب ابن الزبير فكنّا صفّين نحن وهم
في المسجد نهارنا ونهاره لا ننصرف إلاّ إلى صلاة حتى أصبحنا . وقدم أبو
عبد الله الجَدّلي في الناس فقلنا لابن عبّاس وابن الحنفيّة: ذرونا نُريح
الناسَ من ابن الزبير. فقالا: هذا بلد حرّمه الله، ما أحلّه لأحد إلاّ للنبيّ ،
عليه السلام ، ساعةً ما أحلّه لأحدٍ قبله ولا يحلّه لأحدٍ بعده ، فامنعونا
وأجيرونا . قال فتحمّلوا وإنّ منادياً لينادي في الجبل : ما غنمتْ سريّة
بعد نبيّها ما غنمت هذه السريّة، إنّ السرايا تغنم الذهب والفضة وإنّما
غنمتم دماءنا . فخرجوا بهم حتى أنزلوهم مِنَى فأقاموا بها ما شاء الله أن يقيموا
ثمّ خرجوا إلى الطائف فأقاموا ما أقاموا . وتوفّي عبد اللّه بن عبّاس بالطائف
سنة ثمان وستين وصلّى عليه محمد بن الحنفيّة ، وبقينا مع ابن الحنفيّة .
فلمّا كان الحجّ وحجّ ابن الزبير من مكّة فوافى عَرَفة في أصحابه ، ووافى
محمد بن الحنفيّة من الطائف في أصحابه ، فوقف بعرفة . ووافى نّجْدة
ابن عامر الحنفي تلك السنة في أصحابه من الخوارج فوقف ناحيةً . وحجّت
١٠٢

بنو أميّة على لواء فوقفوا بعرفة فيمن معهم .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا شُرَحْبيل بن أبي عَوْن عن أبيه
قال : وقفتْ في هذه السنة أربعة ألوية بعرفة : محمد بن الحنفيّة في أصحابه
على لواء قام عند حَبْل المشاة، وحجّ ابن الزبير في أصحابه معه لواء فقام
مقام الإمام اليومَ ، ثمّ تقدّم محمد بن الحنفية بأصحابه حتى وقف حذاء
ابن الزبير ، ووافى نَجْدة الحروري في أصحابه ومعه لواء فوقف خلفهما ،
ووافتْ بنو أميّة ومعهم لواء فوقفوا عن يسارهما . فكان أوّل لواء أنغض
لواء محمد بن الحنفيّة، ثمّ تبعه نجدة، ثمّ لواء بني أميّة، ثمّ لواء ابن الزبير
واتّبعه النّاس .
أخبرنا محمد بن عمر قال : فحدّثّني عبد الله بن نافع عن أبيه قال :
لم يدفع ابن الزبير تلك العشيّة إلاّ بدفعة ابن عمر ، فلمّا أبطأ ابن الزبير ،
وقد مضى ابن الحنفيّة ونجدة وبنو أميّة ، قال ابن عمر : أينتظر ابن الزبير
أمر الجاهليّة ؟ ثمّ دفع فدفع ابن الزبير على أثره.
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني الضحّاك بن عثمان عن مَخْرَمة
ابن سليمان قال : سمعتُ ابن الحنفيّة يقول : دفعتُ من عرفة حين وجبت
الشمس وتلك السّنّة فبلغني أنّ ابن الزبير يقول : عجّل محمدُ عجّل محمدُ ،
فعن من أخذ ابنُ الزبير الإغساق ؟
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني هشام بن عمارة عن سعيد بن
محمد بن جُبير عن أبيه قال : أقام الحجّ تلك السنة ابن الزبير وحجّ عامئذ
محمد بن الحنفيّة في الخَشَبيّة معه، وهم أربعة آلاف نزلوا في الشَّعْب
الأيسر من منّى .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني إسرائيل عن ثُوير قال : رأيتُ
ابن الحنفيّة في الشّعْب الأيسر من منى في أصحابه .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني هشام بن عمارة عن سعيد بن
١٠٣

محمد بن جُبير بن مُطْعِمٍ عن أبيه قال : خفتُ الفتنة فمشيتُ إليهم جميعاً
فجئتُ محمد بن عليّ في الشُّعب فقلت : يا أبا القاسم اتّقِ اللّه فإنّا في
مشعرٍ حرام وبلدٍ حرام ، والناس وَفْدُ اللّه إلى هذا البيت ، فلا تُفْد
عليهم حجّهم . فقال : والله ما أريد ذلك وما أحول بين أحدٍ وبين هذا
البيت ، ولا يؤتَّى أحد من الحاجّ من قِبَلي ولكني رجلٌ أدفع عن نفسي
من ابن الزبير وما يريد مني ، وما أطلب هذا الأمر إلا أن لا يختلف عليّ
فيه اثنان ، ولكن اثْتِ ابن الزبير فكلّمْه وعليك بنَجْدة فكلّمْه .
قال محمد بن جُبير : فجئتُ ابن الزبير فكلّمتُه بنحوٍ ممّا كلّمت به
ابن الحنفيّة فقال: أنا رجل قد اجتمع عليّ وبايعني الناس، وهؤلاء أهل
خلاف . فقلتُ: إنّ خيراً لك الكفّ، فقال: أَفْعَلُ . ثمّ جئت نجدة
الحروري فأجده في أصحابه وأجد عِكْرِمة غلام ابن عبّاس عنده ، فقلتُ :
استأذنْ لي على صاحبك ، قال فدخل فلم ينشب أن أذن لي فدخلتُ فعظّمت
عليه وكلّمتُه بما كلّمتُ به الرجلين فقال : أمّا أن أبتدىء أحداً بقتال فلا
ولكن من بدأنا بقتال قاتلناه . قلت : فإني رأيت الرجلين لا يريدان قتالك .
ثمّ جئتُ شيعة بني أميّة فكلّمتهم بنحوٍ ممّا كلّمتُ به القوم فقالوا: نحن
على لوائنا لا نقاتل أحداً إلاّ أن يقاتلنا. فلم أرَ في تلك الألوية أسْكَنَّ
ولا أسلم دفعةً من أصحاب ابن الحنفيّة .
قال محمد بن جُبير : وقفتُ تلك العشيّة إلى جنب محمد بن الحنفيّة،
فلمّا غابت الشمس التفت إليّ فقال : يا أبا سعيد ادْفَع ، فدفع ودفعتُ معه
فكان أوّل من دفع .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا شُرَحْبيل بن أبي عَوْن عن أبيه
قال : رأيتُ أصحاب ابن الحنفيّة يلبّون بعرفة ورمقتُ ابن الزبير وأصحابه
فإذا هم يلبّون حتى زاغت الشمس، ثمّ قُطع ، وكذلك فعلت بنو أميّة.
وأمّا نَجْدة فلبّى حتى رمى جَمْرة العَقّبة.
١٠٤

أخبرنا المعلّى بن أسد قال : حدثنا عبد العزيز بن المختار قال :
حدّثنا خالد قال : حدثني أبو العُرْيان المُجاشعي قال : بعثنا المختار في
ألفي فارس إلى محمد بن الحنفيّة ، قال فكنّا عنده ، قال فكان ابن عبّاس
يذكر المختار فيقول : أدرك ثأرنا وقضى ديوننا وأنفق علينا . قال وكان
محمد بن الحنفيّة لا يقول فيه خيراً ولا شرّاً ، قال فبلغ محمداً أنّهم يقولون
إنّ عندهم شيئاً، أي من العلم، قال فقام فينا فقال: إنّا والله ما ورثنـا
من رسول اللّه إلاّ ما بين هذين اللوحين. ثمّ قال: اللهمّ حِلاًّ وهذه الصحيفة
في ذؤابة سيفي . قال فسألتُ : وما كان في الصحيفة ؟ قال : من أحدث
حدثاً أو آوى محدثاً .
أخبرنا كثير بن هشام قال : أخبرنا جعفر بن بُرْقان قال : حدّثني
الوليد الرمّاح قال : بلغنا أنّ محمّد بن عليّ أخرج من مكّة فنزل شعب
عليّ فخرجنا من الكوفة لنأتيه فلقينا ابن عبّاس ، وكان ابن عبّاس معه
في الشعب فقال لنا : احصوا سلاحكم ولبّوا بعمرة ، ثمّ ادْخلوا البيت
وطوفوا به وبين الصفا والمروة .
أخبرنا مَوْذة بن خليفة قال : حدّثنا عوف عن ميمون عن وردان
قال : كنت في العصابة الذين انتدبوا إلى محمد بن عليّ ، قال : وكان ابن
الزبير قد منعه أن يدخل مكة حتى يبايعه فأبى أن يبايعه ، قال فانتهينا إليه
فأراد أهل الشأم فمنعه عبد الملك أن يدخلها حتى يبايعه فأبى عليه ، قال فسرنا
معه ما سرنا ولو أمرنا بالقتال لتماتلنا معه ، فجمعنا يوماً فقسم فينا شيئاً وهو
يسير ، ثمّ حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: الحقوا برحالكم واتقوا الله وعليكم
بما تعرفون ودعُوا ما تُنْكِرون وعليكم بخاصّة أنفسكم ودعوا أمر العامة
واستقروا عن أمرنا كما استقرت السماء والأرض ، فإنّ أمرنا إذا جاء كان
كالشمس الضاحية .
قالوا : وقُتل المختار بن أبي عبيد في سنة ثمان وستّين ، فلمّا دخلت
١٠٥

سنة تسع وستين أرسل عبد الله بن الزبير عُرْوة بن الزبير إلى محمد بن الحنفيّة:
إنّ أمير المؤمنين يقول لك إني غير تاركك أبداً حتى تبايعني أو أعيدك في
الحبس وقد قتل اللّه الكذّاب الذي كنتَ تدّعي نصرته، وأجمع عليّ أهلُ
العراقين، فبايعْ لي وإلا فهي الحرب بيني وبينك إن امتنعتَ . فقال ابن
الحنفيّة لعروة: ما أسرع أخاك إلى قطع الرحم والاستخفاف بالحقّ ،
وأغفله عن تعجيل عقوبة اللّه، ما يشكّ أخوك في الخلود وإلاّ فقد كان أحمد
للمختار ولهديه مني، والله ما بعثتُ المختار داعياً ولا ناصراً ، وللمختار
كان إليه أشدّ انقطاعاً منه إلينا ، فإن كان كذّاباً فطال ما قرّبه على كذبه ،
وإن کان على غير ذلك فهو أعلمُ به ، وما عندي خلاف ، ولو كان خلاف
ما أقمتُ في جواره ولخرجتُ إلى من يدعوني فأبيت ذلك عليه ، ولكن
هاهنا واللّه لأخيك قريناً يطلب مثل ما يطلب أخوك ، كلاهما يقاتلان على
الدنيا : عبد الملك بن مروان . والله لكأنّك بجيوشه قد أحاطت برقبة أخيك
وإني لأحسب أنّ جوار عبد الملك خير لي من جوار أخيك ، ولقد كتب
إليّ يعرض عليّ ما قِبّله ويدعوني إليه . قال عروة : فما يمنعك من ذلك ؟
قال : أستخير الله وذلك أحبّ إلى صاحبك . قال : أذكر ذلك له . فقال
بعض أصحاب محمد بن الحنفيّة: والله لو أطعتنا لضربنا عنقه . فقال ابن
الحنفيّة : وعلى مَ أضرب عنقه ؟ جاءنا برسالة من أخيه وجاورنا فجرى
بيننا وبينه كلام فرددناه إلى أخيه . والذي قلتم غدر وليس في الغدر خير ،
لو فعلتُ الذي تقولون لكان القتال بمكّة وأنتم تعلمون أنّ رأيي لو اجتمع
الناس عليّ كلّهم إلاّ إنسان واحد لما قاتلتُه. فانصرف عروة فأخبر ابن
الزبير بما قال له محمد بن الحنفيّة ، قال والله ما أرى أن تعرض له ، دَعْه
فليخرج عنك ويغيّب وجهه فعبد الملك أمامه لا يتركه يحُلّ بالشأم حتى
يبايعه ، وابن الحنفيّة لا يبايعه أبداً حتى يجتمع الناس عليه، فإن صار إليه
كفاكه إمّا حبسه وإمّا قتله فتكون أنت قد برئت من ذلك . فأفئأ ابن الزبير عنه .
١٠٦

فقال أبو الطّفيل : وجاء كتاب من عبد الملك بن مروان ورسول
حتى دخل الشَّعْبَ فقرأ محمد بن الحنفيّة الكتاب فقرأ كتاباً لو كتب به
عبد الملك إلى بغض إخوته أو ولده ما زاد على ألطافه ، وكان فيه : إنّه قد
بلغني أنّ ابن الزبير قد ضيّق عليك وقطع رحمك واستخفّ بحقّك حتى
تبايعه فقد نظرت لنفسك ودينك وأنت أعرف به حيث فعلتَ ما فعلت ،
وهذا الشأم فانزل منه حيث شئتَ فنحن مكرموك وواصلو رحمك وعارفو
حقّك . فقال ابن الحنفيّة لأصحابه : هذا وجه نخرج إليه . قال فخرج وخرجنا
معه ومعه كُثَيّر عَزّة ينشد شعراً :
أُنْتَ الّذِي نَرْضَى بِهِ ونَرْتَجي
أنْتَ إِمَامُ الحَقّ لَسْنَا نَمْتَري
يا ابنَ عليّ سِرْ وَمَنْ مثلُ علي
أنْتَ ابنُ خَيرِ النّاسِ من بَعد النبيّ
حتى تَحُلّ أَرْضَ كَلْبٍ وبلي
قال أبو الطفيل : فسرنا حتى نزلنا أيْلة فجاورونا بأحسن جوار
وجاورناهم بأحسن ذلك وأحبّوا أبا القاسم حبّاً شديداً وعظموه وأصحابه ،
وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر ولا يُظْلَم أحد من الناس قُرْبنا ولا بحضرتنا .
فبلغ ذلك عبد الملك فشقّ ذلك عليه وذكره لقبيصة بن. ذُؤْيب ورَوْح بن
زِنْباع وكانا خاصّته فقالا : ما نرى أن ندعه يقيم في قُرْبه منك وسيرته
سيرته حتى يبايع لك أو تصرفه إلى الحجاز . فكتب إليه عبد الملك : إنّك
قدمت بلادي فنزلت في طرفٍ منها ، وهذه الحرب بيني وبين ابن الزبير
كما تعلم ، وأنت لك ذكر ومكان ، وقد رأيتُ أن لا تقيم في سلطاني إلاّ.
أن تبايع لي ، فإن بايعتني فخذ السفن التي قدمت علينا من القُلْزُم وهي
مائة مركب فهي لك وما فيها ، ولك ألفا ألف درهم أعجّل لك منها خمسمائة
ألف وألف ألف وخمسمائة ألف آتِيَتُك مع ما أردتَ من فريضة لك ولولدك
ولقرابتك ومواليك ومن معك، وإن أبيتَ فتحوّلْ عن بلدي إلى موضعٍ
١٠٧

لا يكون لي فيه سلطان . قال فكتب إليه محمد بن عليّ: بسم الله الرحمن
الرحيم ، من محمد بن عليّ إلى عبد الملك بن مروان ، سلام عليك ، فإني
أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو ، أمّا بعد فقد عرفتَ رأيي في هذا الأمر
قديماً ، وإني لستُ أسفهُه على أحد، والله لو اجتمعت هذه الأمّة عليّ
إلاّ أهل الزرقاء ما قاتلتهم أبداً ولا اعتزلتهم حتى يجتمعوا . نزلت مكّة فراراً
ممّا كان بالمدينة فجاورتُ ابن الزبير فأساء جواري وأراد مني أن أبايعه فأبيتُ
ذلك حتى يجتمع الناس عليك أو عليه، ثمّ أدخُل فيما دخل فيه الناس فأكون
كرجلٍ منهم، ثمّ كتبتَ إليّ تدعوني إلى ما قِبَلَك فأقبلتُ سائراً فنزلتُ
في طرف من أطرافك ، والله ما عندي خلاف ومعي أصحابي فقلنا بلاد
رخيصة الأسعار وندنو من جوارك ونتعرّض صلتك . فكتبتَ بما كتبت به
ونحن منصرفون عنك إن شاء الله .
أخبرنا موسى بن إسماعيل قال : حدّثنا أبو عوانة عن أبي حمزة
قال : كنتُ مع محمد بن عليّ فسرنا من الطائف إلى أيْلة بعد موت ابن عبّاس
بزيادة على أربعين ليلة . قال وكان عبد الملك قد كتب لمحمد عهداً على أن
يدخل في أرضه هو وأصحابه حتى يصطلح الناس على رجل ، فإذا اصطلحوا
على رجلٍ بعهد من الله وميثاق كتبه عبد الملك . فلمّا قدم محمد الشأم بعث
إليه عبد الملك : إمّا أن تبايعني وإمّا أن تخرج من أرضي . ونحن يومئذ
معه سبعة آلاف . فبعث إليه محمد بن عليّ : على أن تؤمن أصحابي ، ففعل ،
فقام محمد فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: اللّه وليّ الأمور كلّها وحاكمها،
ما شاء اللّه كان وما لا يشاء لم يكن ، كلّ ما هو آتٍ قريب ، عجلتم بالأمر
قبل نزوله ، والذي نفسي بيده إنّ في أصلابكم لمن يقاتل مع آل محمد ما
يخفى على أهل الشرك أمرُ آل محمد وأمر آل محمد مستأخر . والذي نفس
محمد بيده ليعودنّ فيكم كما بدأ . الحمد لله الذي حقن دماءكم وأحرز
دينكم ! من أحبّ منكم أن يأتي مأمنه إلى بلده آمناً محفوظاً فليفعل، فبقي
١٠٨

معه تسعمائة رجلٍ فأحرم بعمرة وقلّد هدياً فعمدنا إلى البيت فلمّا أردنا
أن ندخل الحرم تلقّتْنا خيل ابن الزبير فمنعتنا أن ندخل ، فأرسل إليه محمد :
لقد خرجتُ وما أريد أن أقاتلك ورجعتُ وما أريد أن أقاتلك ، دَعْنا فلندخل
ولنَقْضِ نسكنا ثمّ لنخرج عنك. فأبتَى، ومعنا البُدُّن قد قدّدناها ، فرجعنا
إلى المدينة فكنّا بها حتى قدم الحجّاج فقتل ابن الزبير ثمّ سار إلى البصرة
والكوفة ، فلمّا سار مضينا فقضينا نسكنا . وقد رأيتُ القمل يتناثر من محمد
ابن عليّ. فلمّا قضينا نسكنا رجعنا إلى المدينة فمكث ثلاثة أشهر ثمّ توفّي.
أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدّثنا إسماعيل بن مسلم الطائي عن
أبيه قال : كتب عبد الملك بن مروان : من عبد الملك أمير المؤمنين إلى محمد
ابن عليّ. فلمّا نظر إلى عنوان الصحيفة قال: إنّا للّهِ وَإنّا إلَيْهِ راجعُونَ،
الطُّلقاء ولُعَناء رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، على منابر الناس، والذي
نفسي بيده إنّها لأمور لم يقرّ قرارها .
قال أبو الطّفيل : فانصرفنا راجعين فأذن للموالي ولمن كان معه من
أهل الكوفة والبصرة فرجعوا من مَدْيَن ، ومضينا إلى مكّة حتى نزلنا
معه الشّعْب بمنى ، فما مكثنا إلاّ ليلتين أو ثلاثاً حتى أرسل إليه ابن الزبير
أن اشخص من هذا المنزل ولا تجاورنا فيه . قال ابن الحنفيّة: اصْبر وما
صبرك إلاّ بالله وما هو بعظيم من لا يصبر على ما لا يجد من الصبر عليه بُدّأ
حتى يجعل الله له منه مخرجاً، والله ما أردتُ السيف ولو كنتُ أريده ما تعبّث
ني ابن الزبير ولو كنتُ أنا وحدي ومعه جموعه التي معه ، ولكن واللّه ما
أردتُ هذا وأرى ابن الزبير غير مُقْصِر عن سوء جواري فسأتحوّل عنه .
ثمّ خرج إلى الطائف فلم يزل بها مقيماً حتى قدم الحجّاج لقتال ابن الزبير
هلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين ، فحاصر ابن الزبير حتى قتله يوم الثلاثاء
لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة . وحجّ ابن الحنفيّة تلك السنة من الطائف
ثمّ رجع إلى شعبه فنزله .
١٠٩

أخبرنا محمد بن عمر عن عبد الرحمن بن أبي الموال عن الحسن بن
عليّ بن محمد بن الحنفيّة عن أبيه قال: لما صار محمد بن عليّ إلى الشعب
سنة اثنتين وسبعين وابن الزبير لم يُقْتل والحجّاج محاصره أرسل إليه أن يبايع
لعبد الملك ، فقال ابن الحنفيّة : قد عرفتَ مقامي بمكّة وشخوصي إلى
الطائف وإلى الشأم ، كلّ هذا إباء مني أن أبايع ابن الزبير أو عبد الملك حتى
يجتمع الناس على أحدهما ، وأنا رجل ليس عندي خلاف ، لما رأيتُ الناس
اختلفوا اعتزلتهم حتى يجتمعوا ، فأويتُ إلى أعظم بلاد الله حرمةً يأمن فيه الطير
فأساء ابن الزبير جواري ، فتحوّلتُ إلى الشأم فكره عبد الملك قُرْبي ، فتحوّلت
إلى الحرم فإن يُقْتل ابن الزبير ويجتمع الناس على عبد الملك أبايعك . فأبتى
الحجّاج أن يرضى بذلك منه حتى يبايع لعبد الملك، فأبتى ذلك ابن الحنفيّة.
وأبى الحجّاج أن يُقِرّه على ذلك. فلم يزل محمد يدافعه حتى قُتل ابن الزبير .
أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمد بن عبد اللّه الأسدي قالا : حدّثنا
يونس بن أبي إسحاق قال : حدّثّني سهل بن عُبيد بن عمرو الحارثي قال :
لما بعث عبد الملك الحجّاج إلى مكة والمدينة قال له : إنّه ليس لك على محمد
ابن الحنفيّة سلطان . قال فلمّا قدم الحجّاج أرسل إليه الحجّاج يتوعّده
ثمّ قال : إني لأرجو أن يمكّن الله منك يوماً من الدهر ويجعل لي عليك سلطاناً
فأفعلُ وأفعلُ. قال: كذبتَ يا عدوّ نفسه! هل شعرتَ أنْ اللّه في كلّ يومٍ
ستّون وثلاثمائة لحظة أو نفحة ؟ فأرجو أن يرزقني اللّه بعض لحظاته أو نفحاته
فلا يجعل لك عليّ سلطاناً . قال فكتب بها الحجّاج إلى عبد الملك فكتب بها
عبد الملك إلى صاحب الروم فكتب إليه صاحب الروم : إنّ هذه والله ما
هي من كنزك ولا كنز أهل بيتك ولكنّها من كنز أهل بيت نبوّة .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني عبد الله بن جعفر عن صالح بن
كَيْسان عن الحسن بن محمد بن عليّ قال: لم يبايع أبي الحجّاج، لما قُتل
ابن الزبير بعث الحجّاج إليه فجاء فقال: قد قتل اللّه عدوّ اللّه، فقال ابن
١١٠

الحنفيّة: إذا بايع الناس بايعتُ. قال: والله لأقتلنّك! قال : أولا تدري
أَنْ اللّه في كلّ يومٍ ثلاثمائة وستّون لحظة في كلّ لحظة ثلاثمائة وستون
قضيّة ؟ فلعلّه يكفيناك في قضيّة من قضاياه .
قال فكتب بذلك الحجّاج إلى عبد الملك فأتاه كتابه فأعجبه ، وكتب
به إلى صاحب الروم ، وذلك أنّ صاحب الروم كتب إليه يهدّده أنّه قد
جمع له جموعاً كثيرة ، فكتب عبد الملك بذلك الكلام إلى صاحب الروم ،
وكتب : قد عرفنا أنّ محمداً ليس عنده خلاف وهو يأتيك ويبايعك فارْفق به .
فلمّا اجتمع الناس على عبد الملك وبايع ابن عمر قال ابن عمر لابن الحنفيّة :
ما بقي شيء فبايعْ . فكتب ابن الحنفيّة إلى عبد الملك : بسم الله الرحمن الرحيم ،
لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من محمد بن عليّ ، أمّا بعد فإنّي لما رأيتُ
الأمّة قد اختلفت اعتزلتهم ، فلمّا أفضى هذا الأمر إليك وبايعك الناس كنت
كرجلٍ منهم أدخل في صالح ما دخلوا فيه ، فقد بايعتُك وبايعتُ الحجّاج
لك وبعثتُ إليك ببيعتي ، ورأيتُ الناس قد اجتمعوا عليك ، ونحن نحبّ
أن تُؤمنا وتُعطينا ميثاقاً على الوفاء فإنّ الغدر لا خير فيه، فإن أبيتَ فإنْ
أَرْضَ اللّهِ واسعَةٌ. فلمّا قرأ عبد الملك الكتاب قال قبيصة بن ذُؤيب
ورَوْح بن زِنْباع : ما لك عليه سبيل ، ولو أراد فتقاً لقدر عليه ، ولقد سلّم
وبايع فنرى أن تكتب إليه بالعهد والميثاق بالأمان له والعهد لأصحابه . ففعل
فكتب إليه عبد الملك : إنّك عندنا محمود ، أنت أحبّ وأقربُ بنا رحماً
من ابن الزبير ، فلك العهد والميثاق وذمّة اللّه وذمة رسوله أن لا تُهاج ولا
أحد من أصحابك بشيء تكرهه ، ارْجع إلى بلدك واذْهب حيث شئت ،
ولستُ أدعُ صلتك وعونك ما حييتُ . وكتب إلى الحجّاج يأمره بحسن جواره
وإكرامه ، فرجع ابن الحنفيّة إلى المدينة .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا معاوية بن عبد الله بن عبيد اللّه بن
أبي رافع عن أبيه قال : لما صار محمد بن عليّ إلى المدينة وبنى داره بالبقيع
١١١

كتب إلى عبد الملك يستأذنه في الوفود عليه ، فكتب إليه عبد الملك يأذن له
في أن يقدم عليه ، فوفد عليه سنة ثمانٍ وسبعين وهي السنة التي مات فيها
جابر بن عبد الله ، فقدم على عبد الملك بدمشق فاستأذن عليه فأذن له وأمر له
بمنزلٍ قريبٍ منه ، وأمر أن يُجرى عليه نُزْل يكفيه ويكفي من معه . وكان
يدخل على عبد الملك في إذْن العامة ، إذا أذن عبد الملك بدأ بأهل بيته ثمّ
أذن له فسلّم ، فمرّة يجلس ومرّة ينصرف . فلمّا مضى من ذلك شهر أو
قريب منه كلّم عبد الملك خالياً فذكر قرابته ورحمه وذكر دَيْناً عليه فوعده
عبد الملك أن يقضي دينه وأن يصل رحمه وأمره أن يرفع حوائجه . فرفع
محمد دينه وحوائجه وفرائضَ لولده ولغيرهم من حامّته ومواليه فأجابه عبد
الملك إلى ذلك كلّه وتعسّر عليه في الموالي أن يفرض لهم وألحّ عليه محمد
ففرض لهم فقصّر بهم فكلّمه فرفع في فرائضهم ، فلم يبقَ له حاجة إلاّ
قضاها ، واستأذنه في الانصراف فأذن له .
أخبرنا محمد بن عمر قال : فحدّثني عبد اللّه بن جعفر عن عبد الواحد
ابن أبي عون قال : قال ابن الحنفيّة : وفدتُ على عبد الملك فقضى حوائجي
وودّعته ، فلمّا كدتُ أن أتوارى من عينيه ناداني : أبا القاسم أبا القاسمَ !
فكزرتُ فقال لي : أما تعلم أنّ الله يعلم أنّك يوم تصنع بالشيخ ما تصنع
ظالم له ؟ يعني حين أخذ ابن الحنفيّة مروان بن الحكم يوم الدار فدعشه بردائه .
قال عبد الملك : وأنا أنظر إليه ولي يومئذ ذؤابة .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني موسى بن عُبيدة عن زيد بن عبد
الرحمن بن زيد بن الخطّاب قال : وفدتُ مع أبان بن عثمان على عبد الملك
ابن مروان وعنده ابن الحنفيّة، فدعا عبد الملك بسيف النبيّ ، صلّى الله عليه
وسلّم ، فأُتي به ودعا بصيقل فنظر إليه فقال : ما رأيتُ حديدة قطّ أجود
منها . قال عبد الملك : ولا والله ما أرى الناس مثل صاحبها . يا محمد ھَبْ
لي هذا السيف. فقال محمد: أيّنا رأيتَ أحقّ به فليأخذه . قال عبد الملك :
١١٢

إن كان لك قرابة فلكلّ قرابةٌ وحق". قال فأعطاه محمد عبد الملك وقال :
يا أمير المؤمنين إنّ هذا ، يعني الحجاج وهو عنده ، قد آذاني واستخفّ
بحقّي ، ولو كانت خمسة دراهم أرسل إليّ فيها . فقال عبد الملك : لا إمرة
لك عليه . فلمّا ولّي محمد قال عبد الملك للحجّاج: أدركْه فسُلّ سخيمته.
فأدركه فقال: إنّ أمير المؤمنين أرسلني إليك لأسلّ سخيمتك ولا مرحباً
بشيء ساءك . فقال محمد : ويحك يا حجّاج اتّقِ اللّه واحذر اللّه، ما من
صباح يصبحه العباد إلاّ اللّه في كلّ عبد من عباده ثلاثمائة وستّون لحظة إن
أخذ أخذ بمقدرة وإن عفا عفا بحلم ، فاحذر اللّه . فقال له الحجّاج : لا تسألني
شيئاً إلاّ أعطيتُكه . فقال له محمد : وتفعل ؟ قال له الحجّاج : نعم .
قال : فإنّي أسألك صَرْم الدهر . قال فذكر الحجّاج ذلك لعبد الملك. ، فأرسل
عبد الملك إلى رأس الجالوت فذكر له الذي قال محمد وقال: إنّ رجلاً
منّا ذكر حديثاً ما سمعناه إلاّ منه . وأخبره بقول محمد ، فقال رأس الجالوت :
ما خرجت هذه الكلمة إلاّ من بيت نبوّة .
أخبرنا قبيصة بن عُقْبة قال : أخبرنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم
أنّ الحجّاج أراد أن يضع رجله على المقام فزجره ابن الحنفيّة ونهاه .
أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمد بن عبد الله الأسديّ قالا : حدّثنا
سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجَعْد قال : رأيتُ محمد بن
الحنفيّة دخل الكعبة فصلّى في كلّ زاوية ركعتين ، ثماني ركعات.
أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا سفيان قال : قال محمد بن الحنفيّة :
لا تذهب الدنيا حتى تكون خصومات الناس في ربّهم .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثنا أبو معاوية الضرير عن أبي مالك
قال : رأيتُ ابن الحنفيّة يرمي الجمار على برذون أشهب .
قال : أخبرنا محمد بن عُبيد قال : حدثني سفيان التمّار قال : رأيتُ
محمد بن الحنفيّة موسعاً رأسه بالحنّاء والكتم يوم التروية وهو محرم .
٨-٥
١١٣

قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدّثنا إسرائيل قال : حدّثني
ثُوير قال : رأيتُ محمد بن الحنفيّة يخضب بالحنّاء والكتم .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني مروان بن معاوية عن سفيان التمّار
قال : رأيتُ ابن الحنفيّة أشعر بُدُنه في الشقّ الأيمن.
أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمد بن عبد الله الأسديّ قالا : حدّثنا
سفيان عن سليمان الشيباني قال : رأيتُ على محمد بن الحنفيّة مِطْرَف خزّ
أصفر بعرفة .
أخبرنا أبو معاوية الضرير عن أبي إسحاق الشيباني قال : رأيتُ على
ابن الحنفيّة مطرف خزّ بعرفات .
أخبرنا سعيد بن محمد الثقفي عن رِشْدين قال : رأيتُ محمد بن الحنفيّة
يعتمّ بعمامة سوداء حُرْقانيّة ويُرْخيها شبراً أو أقلّ من شبر .
قال : أخبرنا الفضل بن دكين قال : حدثنا عبد الواحد بن أيمن
قال : رأيتُ على محمد بن الحنفيّة عمامة سوداء .
أخبرنا القاسم بن مالك المُزّني عن نصر بن أوس قال : رأيتُ على
محمد بن عليّ بن الحنفيّة ملحفة صفراء وسخة .
أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدّثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن
حكيم عن أبي إدريس قال : قال لي محمد بن الحنفيّة : ما منعك أن تلبس
الخزّ فإنّه لا بأس به ؟ قلت : إنّه يُجْعل فيه الحرير .
أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا : حدّثنا إسرائيل
عن عبد العزيز بن حكيم عن أبي إدريس قال : رأيتُ ابن الحنفيّة يخضب
بالحنّاء والكتم فقلتُ له : أكان عليّ يخضب ؟ قال : لا ، قلت : فما لك ؟
قال : أتشبّب به للنساء .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدّثنا أبو نُعيم الخزّاز قال :
سمعتُ صالح بن ميسم قال : رأيتُ في يد محمد بن عليّ بن الحنفيّة أثر الحنّاء
١١٤

فقلتُ له : ما هذا ؟ فقال : كنتُ أخضب أمّيّ .
أخبرنا محمد بن عبد اللّه الأسديّ وقبيصة بن عُقْبة قالا: حدثنا
سفيان عن سالم بن أبي حفصة عن أبي يَعْلى عن محمد بن الحنفيّة أنّه كان
يذوّب أمّه ويمشطها .
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسديّ قال : حدثنا عبد الواحد بن أيمن
قال : رأيتُ محمد بن الحنفيّة مخضوباً بالحنّاء ، ورأيته مكحول العينين ،
ورأيتُ عليه عمامة سوداء .
أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال :
أرسلني أبي إلى محمد بن الحنفيّة فدخلتُ عليه وهو مكخّل العينين مصبوغ
اللحية بحمرة فرجعتُ إلى أبي فقلت : أرسلتني إلى شيخ مخنّث ! فقال :
يا ابن اللخناء ذاك محمد بن عليّ .
أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدّثنا فِطْر بن خليفة عن منذر الثوري
عن ابن الحنفيّة أنّه كان يشرب نبيذ الدّن" .
أخبرنا محمد بن الصّلْت قال : حدّثنا ربيع بن المنذر عن أبيه قال :
كنّا مع ابن الحنفيّة فأراد أن يتوضّأ وعليه خفّان فنزع خفّه ومسح على
قدميه .
أخبرنا محمد بن ربيعة الكلابي عن إسماعيل الأزرق عن أبي عمر
أنّ ابن الحنفيّة كان يغتسل في العيدين وفي الجمعة وفي الشعب . قال وكان
يغسل أثر المحاجم .
أخبرنا يَعْلى بن عُبيد قال : أخبرنا رِشْدِين بن كُريب قال : رأيتُ
ابن الحنفيّة يتختّم في يساره .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا عليّ بن عمر بن عليّ بن حسين
عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال : سمعتُ ابن الحنفية سنة إحدى وثمانين
يقول : هذه لي خمس وستون سنة قد جاوزتُ سنّ أبي ، توفّ وهو ابن
١١٥

ثلاث وستّين سنة . ومات ابن الحنفيّة في تلك السنة ، سنة إحدى وثمانين .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا زيد بن السائب قال : سألتُ أبا
هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفيّة: أين دُفن أبوك ؟ فقال: بالبقيع . قلت :
أيّ سنة ؟ قال : سنة إحدى وثمانين في أوّلها ، وهو يومئذٍ ابن خمسٍ وستّين
سنة لا يستكملها .
قال محمد بن سعد : ولا نعلمه روى عن عمر شيئاً .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّي زيد بن السائب قال : سمعتُ
أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفيّة يقول وأشار إلى ناحية من البقيع فقال :
هذا قبر أبي القاسم ، يعني أباه ، مات في المحرّم في سنة إحدى وثمانين ،
وهي سنة الجُحاف، سَيْلٌ أصاب أهل مكّة جَحَفَ الحاجّ. قال فلمّا
وضعناه في البقيع جاء أبان بن عثمان بن عفّان وهو الوالي يومئذٍ على
المدينة لعبد الملك بن مروان ليصلّي عليه فقال : أخي ما ترى ؟ فقلتُ :
لا يصلّي عليه أبان إلاّ أن يطلب ذلك إلينا . فقال أبان: أنتم أوْلى بجنازتكم ،
من شئتم فقدّموا من يصلّ عليه . فقلنا: تقدّمْ فصلّ . فتقدّم فصلّى
عليه .
قال محمد بن عمر : فحدّثْتُ زيد بن السائب فقلتُ إنّ عبد الملك
ابن وهب أخبرني عن سليمان بن عبد اللّه عن عُوَيْمِرِ الأسلمي أنّ أبا
هاشم قال يومئذٍ : نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذلك ما قدّمناك .
فقال زيد بن السائب : هكذا سمعتُ أبا هاشم يقول ، فتقدّم فصلّى
عليه .
١١٦

عمر الاكبر بن علي
ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ ،
وأمّه الصّهْباء وهي أمّ حبيب بنت ربيعة بن بُجير بن العبد بن عَلْقَمة
ابن الحارث بن عُشْبة بن سعد بن زهير بن جُشتم بن بكر بن حبيب بن
عمرو بن غّنْم بن تتَغْلِب بن وائل . وكانت سبيّة أصابها خالد بن الوليد
حيث أغار على بني تَغْلِب بناحية عين التّمْر . فولد عمر بن عليّ محمّداً
وأمّ موسى وأمّ حبيب وأمّهم أسماء بنت عقيل بن أبي طالب ، وقد روى
عمر الحديث وكان في ولده عدة يحدّث عنهم فذكرناهم في مواضعهم
وطبقتهم .
عبيد الله بن علي
ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ
وأمّه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن رِبْعِيّ بن سَلْمى بن جَنْدَل
ابن نَهْشَل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن
تميم . وكان عبيد اللّه بن عليّ قدم من الحجاز على المختار بالكوفة وسأله
فلم يعطه وقال : أَقَدِمْتَ بكتاب من المهديّ ؟ قال : لا ، فحبسه أيّاماً
ثمّ خلى سبيله وقال: اخرجْ عنّا. فخرج إلى مُصْعَب بن الزبير بالبصرة
هارباً من المختار فنزل على خاله نُعيم بن مسعود التميمي ثمّ النهشلي وأمر
له مُصْعَب بمائة ألف درهم ، ثمّ أمر مصعب بن الزبير الناس بالتهيؤ لعدوّهم
ووقّت للمسير وقتاً ، ثمّ عسكر ثمّ انقلع من معسكره ذلك واستخلف على
البصرة عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر، فلمّا سار مصعب تخلّف
١١٧

عبيد اللّه بن عليّ بن أبي طالب في أخواله وسار خالُه نُعيم بن مسعود مع
مصعب . فلمّا فصل مصعب من البصرة جاءت بنو سعد بن زيد مناة بن
تميم إلى عبيد اللّه بن عليّ فقالوا : نحن أيضاً أخوالك ولنا فيك نصيب فتحوّلْ
إلينا فإنّا نحبّ كرامتك . قال : نعم . فتحوّل إليهم فأنزلوه وسطهم وبايعوا
له بالخلافة وهو كاره يقول : يا قوم لا تعجلوا ولا تفعلوا هذا الأمر . فأبوا
فبلغ ذلك مصعباً فكتب إلى عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر يعجّزه
ويخبره غفلته عن عبيد الله بن عليّ وعما أحدثوا من البيعة له ، ثمّ دعا مصعب
خاله نُعيم بن مسعود فقال : لقد كنت مكرماً لك محسناً فيما بيني وبينك
فما حملك على ما فعلت في ابن أختك وتخلّفه بالبصرة يؤلّب الناسَ ويخدعهم ؟
فحلف بالله ما فعل وما علم من قصّته هذه بحرف واحد . فقبل منه مصعب
وصدّقه ، وقال مصعب : قد كتبتُ إلى عبيد اللّه ألومه في غفلته عن هذا .
فقال نُعيم بن مسعود : فلا يهيّجه أحد أنا أكفيك أمره وأقدم به عليك .
فسار نُعيم حتى أتى البصرة فاجتمعت بنو حنظلة وبنو عمرو بن تميم فسار
بهم حتى أتَى بني سعد فقال: والله ما كان لكم في هذا الأمر الذي صنعتم
خير وما أردتم إلاّ هلاك تميم كلّها فادْفعوا إليّ ابن أختي . فتلاوموا ساعة
ثمّ دفعوه إليه فخرج حتى قدم به على مصعب فقال: يا أخي ما حملك على
الذي صنعت ؟ فحلف عبيد اللّه بالله ما أراد ذلك ولا كان له به علم حتى
فعلوه ، ولقد كرهت ذلك وأبيته . فصدّقه مصعب وقبل منه . وأمر مصعب
ابن الزبير صاحب مقدّمته عبّاداً الحَبّطي أن يسير إلى جمع المختار فسار
فتقدّم وتقدّم معه عبيد اللّه بن عليّ بن أبي طالب فنزلوا المَذار ، وتقدّم
جيش المختار فنزلوا بإزائهم فبيّتهم أصحاب مصعب بن الزبير فقتلوا ذلك
الجيش فلم يفلت منهم إلاّ الشريد. وقُتل عبيد اللّه بن عليّ بن أبي طالب
تلك الليلة .
١١٨

سعيد بن المسيب
ابن حَزْن بن أبي وَهْب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن
يَقَظة، وأمّه أمّ سعيد بنت حكيم بن أميّة بن حارثة بن الأوقص السُّلَمي .
فولد سعيد بن المسيّب محمداً وسعيداً وإلياس وأمّ عثمان وأمّ عمرو وفاختة
وأمّهم أمّ حبيب بنت أبي كريم بن عامر بن عبد ذي الشّرى بن عتّاب
ابن أبي صَعْب بن فَهْم بن ثعلبة بن سُليم بن غانم بن دَوْس ، ومريم
وأمّها أمّ ولد .
قال : أخبرنا المعلّى بن أسد قال : حدّثنا عبد العزيز بن المختار عن
عليّ بن زيد قال: حدّثّني سعيد بن المسيّب بن حزن أنّ جدّه. حزناً أتى
النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، فقال : ما اسمك ؟ قال : أنا حزن . قال :
بل أنت سهل . قال : يا رسول اللّه اسم سمّاني به أبواي فعُرفت به في الناس .
قال فسكت عنه النبيّ ، عليه السلام . قال فقال سعيد بن المسيّب : ما زلنا
نعرف الخزونة فينا أهل البيت .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن عُبيد
ابن عُمير عن عليّ بن زيد قال: وُلُد سعيد بن المسيّب بعد أن استُخلف
عمر بأربع سنين ومات وهو ابن أربع وثمانين سنة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني طلحة بن محمد بن سعيد
ابن المسيّب عن أبيه قال : وُلد سعيد قبل موت عمر بسنتين ومات ابن اثنتين
وسبعين سنة .
قال محمد بن عمر : والذي رأيتُ عليه الناس في مولد سعيد بن المسيّب
أنّه وُلد لسنتين خلتا من خلافة عمر ، ويُرْوَى أنّه سمع من عمر ، ولم أرَ
أهل العلم يصحّحون ذلك وإن كانوا قد رووه .
قال : أخبرنا سعيد بن منصور قال : حدّثنا سفيان عن يحيى بن سعيد
١١٩

عن سعيد بن المسيّب قال : وُلدتُ لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطّاب ،
وكانت خلافته عشر سنين وأربعة أشهر .
قال : أخبرنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن طريف عن حُميد بن
يعقوب سمع سعيد بن المسيّب قال : سمعتُ من عمر كلمة ما بقي أحد
حيّ سمعها غيري . كان عمر حين رأى الكعبة قال: اللهمّ أنت السلام
ومنك السلام .
قال : أخبرنا اسباط بن محمد عن أبي إسحاق الشيباني عن بُكير بن
أُخْنَس عن سعيد بن المسيّب قال : سمعتُ عمر على المنبر وهو يقول : لا أجد
أحداً جامَعَ فلم يغتسل أنزل أو لم يُنْزِلْ إِلاّ عاقَبْتُه.
قال : وقال الحسن بن موسى عن ابن لهيعة قال : حدّثنا بُكير
ابن الأشجّ قال : سُئل سعيد بن المسيّب هل أدركت عمر بن الخطّاب ؟
فقال : لا .
قال : أخبرنا مَعْن بن عيسى قال : حدثنا مالك أنّه بلغه أنّ سعيد
ابن المسيّب قال : إن كنتُ لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون والفضل بن دُكين ومحمد بن عبد الله
الأسدي قالوا : حدّثنا مِسْعَرَ عن سعد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيّب
قال : ما بقي أحد أعلم بكلّ قضاء قضاه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم،
ولا أبو بكر وعمر مني .
قال يزيد قال مِسْعَرَ : وأحسبه قال وعثمان ومعاوية .
قال : أخبرنا عبد العزيز بن عبد اللّه الأُويسي من بني عامر بن لُؤْيّ
قال : حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه عن سعيد بن المسيّب قال : ما بقي
أحد أعلم بكلّ قضاء قضاه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وكلّ قضاء
قضاه أبو بكر وكلّ قضاء قضاه عمر ، قال أبي: وأحسب أنّه قال وكلّ
قضاء قضاه عثمان ، منّي .
١٢٠