النص المفهرس
صفحات 1-20
الطبقات الكبرى لابْسَعْد ٢٠ المجلد الرَّابع في المهاجرين والأنصار مِمَّن لم يشهد بدراً ولهم إسلام قديم وفي الصحابة الذين أسلموا قبل فتح مكة دار صادر ـادر بيروت الطبقات الكبرى ٤ ) - مكتبة الحرم الطبقة الثانية من المهاجرين والأنصار ممن لم يشهد بدراً ولهم إسلام قديم وقد هاجر عامتهم إلى أرض الحبشة وشهدوا أحداً وما بعدها من المشاهد ، منهم من المهاجرين من بني هاشم بن عبد مناف العباس بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ بن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لُؤْيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النّضْر بن كنانة بن خزيمة بن مُدْرِكة ابن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان. وأمّ العبّاس نُتيلة بنت جَنّاب بن كُليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر ، وهو الضّحْيان بن سعد بن الخزرج بن تَيْم الله بن النّمر بن قاسط بن هِنْب ابن أفْصَى بن دُعْميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان . وكان العبّاس يُكنى أبا الفضل . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا خالد بن القاسم البياضي قال : حدثني شُعْبة مولى ابن عبّاس قال: سمعتُ عبد الله بن عبّاس يقول: وُلد أبي العباس بن عبد المطلب قبل قدوم أصحاب الفيل بثلاث سنين ، وكان أسنّ من رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، بثلاث سنين . قالوا : وكان للعبّاس بن عبد المطّلب من الولد الفضل وكان أكبر ولده وبه كان يُكْنى، وكان جميلاً ، وأردفه رسولُ اللّه، صلى الله عليه وسلم ، في حِجّته ومات بالشّأم في طاعونِ عَمَوَاسَ وليس له عقّب . وعبد اللّه وهو الحَبْر دعا له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، ومات بالطائف وله عقب، وعُبيد اللّه كان جواداً سخياً ذا مال مات بالمدينة وله عقب، وعبد الرحمن مات بالشأم وليس له عقب ، وقُثَمُ وكان يُشَبّهُ بالنبيّ، صلى الله عليه وسلم ، وكان خرج إلى خراسان مجاهداً فمات بسمرقند وليس له عقب ، ومَعْبَدَ قُتِل بإفْريقيّة شهيداً وله عقب، وأمّ حبيبة بنت العبّاس ، وأمّهم جميعاً أمّ الفضل وهي لُبابة الكبرى بنت الحارث بن حَزْن بن بُجبير بن الهُزّم بن رُوَيْبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عِكْرِمة بن خَصَفَة بن قيس بن عَيْلان بن مضر. وفي ولد أمّ الفضل هؤلاء من العبّاس يقول عبد الله بن يزيد الهلالي": يَجَبَلِ تَعْلَمُهُ أَوْ سَهْلٍ ما وَلَدَتْ نجيبةٌ من فَحْلٍ أكْرِمْ بها من كهْلَةٍ وکھلٍ كَسِتّةٍ من بَطْنِ أُمّ الفَضْلِ أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي عن أبيه قال : كان يقال : ما رأينا بني أبٍ وأمّ قطّ أبعدَ قبوراً من بني العباس بن عبد المطلب من أمّ الفضل. وكان للعبّاس أيضاً من الولد من غير أمّ الفضل كثير بن العبّاس ابن عبد المطلب ، وكان فقيهاً محدثاً ، وتمّام بن العبّاس وكان من أشدّ أهل زمانه ، وصَّفيّة وأميمة وأمهم أمّ ولد ، والحارث بن العبّاس وأمّه حُجيلة بنت جُنْدَب بن الربيع بن عامر بن كعب بن عمرو بن الحارث ابن كعب بن عمرو بن سعد بن مالك بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل ابن مُدْرِكة بن إلياس بن مضر بن نزار . وللحارث عقب منهم السّريّ ابن عبد الله والي اليمامة وليس لكثيرٍ وتمّامٍ اليوم عقب . ٦ قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدثني عبد اللّه بن يزيد الهدّ لي عن أبي البدّاح بن عاصم بن عديّ بن عبد الرحمن بن عُويم بن ساعدة عن أبيه قال : لما قدمنا مكّة قال لي سعد بن خيثمة ومعن بن عديّ وعبد اللّه ابن جُبير : يا عُويم انطلق بنا حتى نأتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فنُسْلِمَ عليه فإنّا لم نره قطّ وقد آمنًا به . فخرجتُ معهم فقيل لي هو في منزل العباس بن عبد المطلب فرحلنا عليه فسلمنا وقلنا له : متى نلتقي ؟ فقال العباس بن عبد المطلب: إنّ معكم من قومكم مَن هو مخالف لكم فأخْفوا أمركم حتى يَنْصَدع هذا الحاجّ ونلتقي نحن وأنتم فنوضح لكم الأمر فتدخلون على أمر بيّن . فوعدهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الليلة" التي في صُبْحها النفر الآخر أن يوافيهم أسفَلَ العقبة حيث المسجد اليومَ وأمرهم أن لا ينبّهوا نائماً ولا ينتظروا غائباً . أخبرنا محمد بن عمر عن عُبيد بن يحيى عن معاذ بن رِفاعة بن رافع قال : فخرج القوم تلك الليلة ليلةَ النفر الأوّل بعد هذه يتسلّلون وقد سبقهم رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، إلى ذلك الموضع ومعه العبّاس بن عبد المطّلب ليس معه أحد من الناس غيره ، وكان يثق به في أمره كلّه ، فلمّا اجتمعوا كان أوّل من تكلّم العبّاس بن عبد المطلب فقال : يا معشر الخزرج ، وكانت الأوس والخزرج تُدْعى الخزرج . إنكم قد دعوتم محمّدًاً إلى ما دعوتموه إليه ومحمّد من أعزّ النّاس في عشيرته يمنعُه واللّهِ مَن كان منّا على قوله ومن لم يكن منّا على قوله مَنّعةً للحسب والشرف، وقد أبَى محمّداً الناسُ كلّهم غيركم فإن كنتم أهل قوّةٍ وجَلَد وبَصَر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبةً فإنّها سترميكم عن قوس واحدة فارتؤوا رأيكم وأتمروا أمركم ولا تفترقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع فإنّ أحسنَ الحديث أصدقُه، وأُخْرى ، صِفوا ليَ الحربَ كيف تقاتلون عدوّكم. قال فأسكت القوم وتكلّم عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: نحن واللّه أهل الحرب غُذينا ٧ بها ومُرِنًا عليها وورثناها عن آبائنا كابراً فكابراً ، نَرْمي بالنبل حتى تَفْنى ، ثمّ نُطاعن بالرماح حتى تُكْسَرَ الرماح ، ثم نمشي بالسيوف فنضارب بها حتى يموت الأعجل منّا أو من عدوّنا . فقال العباس بن عبد المطلب: أنتم أصحاب حرب فهل فيكم دُرُوعٌ ؟ قالوا : نعم شاملة ، وقال البراء ابن مَعْرُور : قد سمعنا ما قلتَ ، إنّا واللّه لو كان في أنفسنا غير ما ينطق به لقلناه ولكنّا نريد الوفاء والصدق وبذل مُهَج أنفسنا دون رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم . قال وتلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القرآن ثمّ دعاهم إلى اللّه ورغبهم في الإسلام وذكر الذي اجتمعوا له فأجابه البراء ابن معرور بالإيمان والتصديق فبايعهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، على ذلك ، والعبّاس بن عبد المطّلب آخذٌ بيد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يؤكّد له البيعةَ تلك الليلةَ على الأنصار . أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أبو بكر بن عبد اللّه بن أبي سَبرة عن الحارث بن الفضل عن سفيان بن أبي العوجاء قال : حدثني من حضرهم تلك الليلة والعبّاس بن عبد المطلب آخذٌ بيد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يقول : يا معشر الأنصار أخْفوا جَرْسَكم فإنّ علينا عيوناً ، وقدّموا ذوي أسنانكم فيكونون الذين يلون كلامنا منكم فإنّا نخاف قومكم عليكم ، ثمّ إذا بايعتم فتفرّقوا إلى مجالكم واكتموا أمركم فإن طويتم هذا الأمر حتى ينصدع هذا الموسم فأنتم الرجال وأنتم لما بعد اليوم . فقال البراء بن معرور : يا أبا الفضل اسمع منّا . فسكت العبّاس فقال البراء : لك والله عندنا كتمان ما تحبّ أن نكتم وإظهار ما تحبّ أن نُظْهِرِ وبذل مُهَج أنفسنا ورضا ربّنا عنّا ، إنّا أهل حلقةٍ وافرة وأهل منعةٍ وعزّ ، وقد كنّا على ما كنّا عليه من عبادة حجر ونحن كذا فكيف بنا اليوم حين بَصّرَنا الله ما أعمى على غيرنا وأيّدنا بمحمّد، صلى الله عليه وسلم؟ ابْسُطْ يدك . فكان أوّل من ضرب على يد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، البراء بن معرور ، ويقال ٨ أبو الهيثم بن التيّهان ، ويقال أسعد بن زرارة . قال : حدّثنا محمّد بن عمر قال : حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة عن سليمان بن سُحيم قال : تفاخرت الأوس والخزرج فيمن ضرب على يد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، ليلةَ العقبة أوّل الناس فقالوا : لا أحمَدَ أعلم به من العباس بن عبد المطلب ، فسألوا العبّاس فقال: ما أحد أعلم بهذا مني ، أوّل من ضرب على يد النّبيّ ، صلى الله عليه وسلّم ، من تلك الليلة أسعد بن زرارة ثم البراء بن معرور ثمّ أُسَيْد بن الحُضير. وأخبرنا عبد الله بن نُمير وأسباط بن محمّد وإسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريّاء بن أبي زائدة عن عامر الشعبي قال : انطلق النبيّ ، عليه السلام ، بالعبّاس بن عبد المطّلب ، وكان العباس ذا رأي ، إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة فقال العباس : ليتكلّمْ متكلّمكم ولا يطل الخطبة فإنّ عليكم من المشركين عيناً وإن يعلموا بكم يفضحوكم . فقال قائلهم وهو أبو أمامة أسعد بن زرارة: يا محمّد سَلْ لربّكَ ما شئْتَ ثمّ سَلْ لنفسك ولأصحابك ما شئتَ ثمّ أخبرنا ما لنا من الثّواب على اللّه وعليكم إذا فعلنا ذلك ، فقال : أسْألكُم لربّي أن تعبدوه ولا تُشرِكوا به شيئاً ، وأسألكم لي ولأصحابي أن تُؤوونا وتنصرُونا وتمنعونا ممّا تمنعون أنفسكم ، قال : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال : الجنّة ، قال : فلَكَ ذلك . قال إسحاق بن يوسف في حديثه : فكان الشّعْبيّ إِذا حدّث هذا الحديث يقول ما سمع الشُّيُب والشّبّان بخطبة أقصر ولا أبلغ منها . قال : أخبرنا عليّ بن عيسى بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن أبيه عيسى بن عبد اللّه عن عمّه إسحاق بن عبد اللّه بن الحارث عن أبيه عبد الله ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنّ قريشاً لما تفرّقوا إلى بدر فكانوا بمَرّ الظّهْران هبّ أبو جَهْل من نومه فصاح فقال : يا معشر قريش ألا تَبّاً لرأيكم ماذا صنعتم ، خلفتم بني هاشم وراءكم فإن ظفر بكم محمّد كانوا من ذلك بنّحْوِهِ ، وإن ظفرتم بمحمّد أخذوا آثاركم منكم من قريب من أولادكم وأهليكم ، فلا تَذَروهم في بيضتكم وفِنائكم ولكن أخْرِجوهم معكم وإن لم يكن عندهم غناءٌ ، فرجعوا إليهم فأخرجوا العبّاس بن عبد المطّلب ونوفلاً وطالباً وعقيلاً كُرْهاً . قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال : قد كان من كان منّا بمكّة من بني هاشم قد أسلموا فكانوا يكتمون إسلامهم ويخافون يُظْهِرونَ ذلك فَرَقاً من أن يَشِبَ عليهم أبو لَهَبٍ وقريش فيُوثَقُوا كما أوثَقَتْ بنو مخزوم سلمةً بن هشام وعبّاس ابن أبي ربيعة وغيرهما فلذلك قال النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، لأصحابه يوم بدر : مَن لقي منكم العبّاس وطالباً وعقيلاً ونوفلاً وأبا سفيان فلا تقتلوهم فإنّهم أُخرِجوا مُكْرَهين . قال : أخبرنا رُؤيْم بن يزيد المقرىء قال : حدّثنا هارون بن أبي عيسى الشآمي قال : وأخبرنا أحمد بن محمّد بن أيوب قال : حدّثنا إبراهيم ابن سعد جميعاً عن محمّد بن إسحاق قال : حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب عن عِكْرِمة قال: قال أبو رافع مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كنتُ غُلاماً للعبّاس بن عبد المطلب وكان الإِسلامُ قد دَخَلَنَا أَهْلَ البَيْت فأسلم العبّاس وأسْلَمَتْ أمّ الفضل وأسلمتُ ، فكان العبّاس يتهاب قومَه ويكره خلافتهم فكان يكتم إسلامه ، وكان ذا مال متفرّق في قومه فخرج معهم إلى بدر وهو على ذلك . قال : أخبرنا رُؤيم بن يزيد المُقرىء قال : حدّثّني هارون بن أبي عيسى قال : وأخبرنا أحمد بن محمّد قال : حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمّد ابن إسحاق قال : حدّثني العبّاس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عبّاس أنّ النبيّ، عليه السلام، قال لأصحابه يومَ بدْ: إني عرفْتُ أنّ رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخْرِجوا كُرْهاً لا حاجةَ لهم بقتالنا ، فمَن ١٠ لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله ، مَن لقي العبّاس بن عبد المطلب عمّ النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، فلا يقتله فإنّما أُخْرِجَ مستكرهاً. قال فقال أبو حُذيفة بن عُتبة بن ربيعة : نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العبّاس؟ والله لئن لقيتُه لألحمنه السيف. قال فبلغت مقالتُه رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، فقال لعمر بن الخطّاب: يا أبا حفص، قال عمر : والله إنّه لأول يومٍ كناني فيه رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم، بأبي حفص، أيُضْرَب وجهُ عمّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالسيف؟ فقال عمر : دَعْنِي وَلَأَضْرِبْ عُنُقَ أبي حُذيفة بالسيف ، فوالله لقد نافق. قال وندم أبو حُذيفة على مقالته فكان يقول : والله ما أنا بآمنٍ من تلك الكلمة التي قلت يومئذٍ ولا أزال منها خائفاً إلا أن يكفّرها اللّه، عزّ وجلّ ، عنّي بالشهادة . فقُتل يوم اليمامة شهيداً . أخبرنا محمد بن كثير عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال : كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حين لقي المشركين يوم بدرٍ قال: مَن لقي أحداً من بني هاشم فلا يقتله فإنّهم أخرجوا كُرْهاً . فقال أبو حُذيفة ابن عُتْبة بن ربيعة: والله لا ألقى رجلاً منهم إلاّ قتلتُه . فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال : أنتّ القائل كذا وكذا ؟ قال : نعم يا رسول اللّه، شقّ عليّ إذا رأيتُ أبي وعمّي وأخي مُقْتّلين فقلتُ الذي قلتُ. فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن أباك وعمّك وأخاك خرجوا جادّين في قِتالنا طائعين غير مُكْرَهين وإنّ هؤلاء أُخرجُوا مُكْرَهين غير طائعين لقتالنا . أخبرنا عليّ بن عيسى بن عبد الله النوفليّ عن أبيه عن عمّه إسحاق ابن عبد الله عن أبيه عبد الله بن الحارث قال: لما كان يوم بدر جمعَتْ قريش بني هاشم وحلفاءَ هم في قبّة وخافوهم فوكلوا بهم مَن يحفظهم ويشدّد عليهم، منهم حَكيمُ بن حزام . ١١ قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال : حدّثنا عُبيد بن أوس مُقَرّن من بَّني ظّفَر قال : لمّا كان يوم بدر أسرتُ العبّاس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وحليفاً للعبّاس فِهْرِيّاً فقرّنْتُ العبّاس وعَقيلاً، فلمّا نظر إليهما رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، سمّاني مقرّناً وقال : أعانك عليهما مَلَك كريم . قال : أخبرنا رُؤيم بن يزيد قال : حدّثنا هارون بن أبي عيسى الشّآمي قال : وأخبرنا أحمد بن محمّد قال : حدثنا إبراهيم بن سعد جميعاً عن محمّد ابن إسحاق قال : حدثني بعض أصحابنا عن مِقْسَمَ أبي القاسم عن ابن عبّاس قال : كان الذي أسر العبّاس أبو اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليَسَر رجلاً مجموعاً وكان العبّاس رجلاً جسيماً، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي اليَسَر: كيف أسرتَ العبّاس يا أبا اليَسَر؟ فقال : يا رسول اللّه لقد أعاني عليه رجل ما رأيتُهُ قبلُ ولا بعدُ ، هيئته كَذا وهيئتُهُ كذا ، فقال رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، لقد أعانك عليه ملك كريم . قالوا : وقال غير محمد بن إسحاق في حديثه: انتهى أبو اليَسَر إلى العبّاس بن عبد المطّلب يومَ بدر وهو قائم كأنّه صَنَّمٌ فقال له : جَزَتْك الجوازي ، أنقتل ابن أخيك ؟ فقال العبّاس : ما فعل محمّد أما به القتل ، قال أبو اليَسَر : اللّه أعزّ وأنصر ، فقال العبّاس: كلّ شيء ما خلا محمّدّاً خَلَلٌ فما تريد ؟ قال: إنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، نهى عن قتلك ، فقال العبّاس : ليس بأوّل صِلّته وبرّه . قال : وأخبرنا رُؤيم بن يزيد المُقرىء قال : حدثنا هارون بن أبي عيسى قال : وأخبرنا أحمد بن محمّد بن أيّوب قال : حدثنا إبراهيم بن سعد جميعاً عن محمد بن إسحاق قال : حدثني العبّاس بن عبد الله بن معبد ١٢ عن بعض أهله عن ابن عبّاس قال : لما أمسى القوم يومَ بدر والأسارى محبوسون في الوثاق فبات رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ساهراً أوّل ليله فقال له أصحابه : يا رسول اللّه ما لك لا تنام ؟ فقال: سمعتُ أنينَ العبّاس في وثاقه . فقاموا إلى العبّاس فأطلقوه فنام رسول الله، صلى الله عليه وسلم . قال : أخبرنا كثير بن هشام قال : حدّثنا جعفر بن بُرْقان قال : حدّثنا يزيد بن الأصمّ قال : لما كانت أسارى بدرٍ كان فيهم العبّاس عمّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسهر النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم، ليلته فقال له بعض أصحابه : ما أسهرك يا نبيّ اللّه ؟ فقال : أنينُ العبّاس. فقام رجل فأرخى من وثاقه فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما لي لا أسمع أنين العبّاس ؟ فقال رجل من القوم : إني أرخيتُ من وثاقه شيئاً ، قال : فافعل ذلك بالأسارى كلهم . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثنا محمّد بن صالح عن عاصم ابن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال : كان العبّاس بن عبد المطلب حين قُدِمَ به في الأسارى طُلِبَ له قميص فما وجدوا له قميصاً بيَثْرِبَ يُقْدَرُ عليه إلا قميصَ عبد الله بن أُبَيّ أليسه إياه فكان عليه . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار عن جابر بن عبد الله قال: لما أُسر العبّاس لم يوجد له قميص يُقدر عليه إلاّ قميص ابن أَبّيّ . قال : أخبرنا رُؤيم بن يزيد المقرىء قال : أخبرنا هارون بن أبي عيسى ، وأخبرنا أحمد بن محمّد بن أيوب قال : أخبرنا إبراهيم بن سعد جميعاً عن محمّد بن إسحاق قال : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، للعبّاس بن عبد المطلب حين انتُهيّ به إلى المدينة: يا عبّاس افْدِ نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفتَك عتبة بن عمرو ١٣ ابن جَحْدَم أخا بني الحارث بن فهر فإنّك ذو مال . قال : يا رسول الله إني كنتُ مُسْلِماً ولكن القوم استكرهوني . قال: الله أعلم بإسلامك، إن يكُ ما تذكر حقّاً فالله يجزيك به ، فأمّا ظاهر أمرك فقد كان علينا ، فافْد نفسك . وكان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قد أخذ منه عشرين أُوقِيّةً من ذهبٍ فقال العبّاس: يا رسولَ اللّه احسبها لي من فدايّ . قال : لا ، ذاك شيء أعطاناه اللّه منك، قال : فإنّه ليس لي مال ، قال : فأين المال الذي وَضَعتَ بمكّة حينَ خرجْتَ عند أمّ الفضل بنت الحارث ليس معكما أحدٌ ثمّ قلْتَ لها إن أُصِبْتُ في سفري هذا فللفضل كذا وكذا ولعبد اللّه كذا وكذا ؟ قال : والذي بعثك بالحقّ ما علم بهذا أحد غيري وغيرها وإنّي لأعلم أنّك رسول اللّه. فقَدَى العبّاسُ نفسَه وابنَ أخِيه وحليفه . قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال : حدّثني إسماعيل ابن إبراهيم بن عقبة ابن أخي موسى بن عقبة عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال : قال رجل من الأنصار لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم: اثْذَنْ لنا فَلْنَترك لابن أخينا العباس بن عبد المطلب فداه ، فقال : لا ولا درهماً . قال : أخبرنا عليّ بن عيسى النوفلي عن أبيه عن عمّه إسحاق بن عبد الله عن عبد الله بن الحارث قال: فدى العبّاس نفسَه وابنَ أخيه عَقيلاً بثمانين أوقيّة ذهب، ويقال ألف دينار . قالوا : وخرج العبّاس إلى مكّة فبعث بفدائه وفداء ابن أخيه ولم يبعث بفداء حليفه فدعا رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، حسّانَ بن ثابت فأخبره ورجع أبو رافع فكان رسول العبّاس بفدائه فقال له العبّاس: ما قال لك ؟ فقصّ عليه الأمرَ فقال: وأيّ قول أشدّ من هذا ؟ احمل الباقي قبل أن تحُطّ رحلَك ، فحمله فقداهم العبّاسُ . 1 ١٤ قال : أخبرنا محمد بن كثير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس في قول الله، عزّ وجل: يا أيّها النّبيّ قُلْ لِمَنْ في أيْدِ يكُمْ مِنَ الأسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلوبِكُمْ خَيراً يُؤْتِكُمْ خَيراً ممّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؛ نزلت في الأسرى يومَ بدر ، منهم العبّاس بن عبد المطّلب ونوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب . وكان العبّاس من أُسر يومئذ ومعه عشرون أوقيّة من ذهب . قال أبو صالح مولى أمّ هانىء: فسمعتُ العباس يقول فأُخِذَتْ منّي فكلّمتُ رسولَ اللّه أن يجعلها من فِدايّ فأبَى عليّ، فأعقبي اللّهُ مكانها عشرين عبْداً كلّهم يُضْرَبُ بمالٍ مكان عشرين أوقيّة، وأعطاني زمزم وما أحبّ أنّ لي بها جميعَ أموال أهل مكة ، وأنا أرجو المغفرة من ربّي ، وكلّفني رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، فدى عقيل بن أبي طالب فقلتُ : يا رسول الله تركتني أسْأل الناس ما بقيتُ ، فقال لي : فأين الذهب يا عبّاس ؟ فقلتُ : أي ذهب ؟ قال : الذي دفعته إلى أمّ الفضل يومَ خرجتَ فقلتَ لها إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فهذا لك وللفضل ولعبد الله وعبيد اللّه وقُثَمَ، فقلتُ له: مَن أخبرك بهذا ؟ فوالله ما اطلع عليه أحد من النّاس غيري وغيرها ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اللّه أخبرني بذلك، فقلتُ له: فأنا أشهد أنّك رسول الله حقّاً وأنّك لصادق وأنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّك رسول اللّه، وذلك قول الله: إنْ يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلوبكُمْ خَيراً، يقول صِدْقاً، يُؤْتِكُمْ خيراً ممّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غفورٌ رَحِيمٌ". فأعطاني مكانَ عشرينَ أوقيّة عشرين عبداً وأنا أنتظر المغفرة من ربّ .. قال : أخبرنا هاشم بن القاسم أبو النّضْر قال : حدثنا سليمان بن المغيرة عن حُميد بن هِلال العَدَويّ أنّ العلاء بن الحَضْرمي بعث إلى رسول .. الله، صلى الله عليه وسلم، من البَحْرَين بثمانين ألفاً فما أتى رسولَ الله، صلى اللّه عليه وسلم، مال كان أكثر منه لا قبلُ ولا بعدُ ، فأمر بها فنُشرَت ١٥ على حصيرٍ ونوديَ بالصّلاة ، فجاء رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، فمثّلَ على المال قائماً وجاء الناس حين رأوا المال وما كان يومئذ عدد ولا وزن ، ما كان إلا قبضاً . فجاء العبّاس فقال: يا رسول اللّه إني أعطيتُ فِدايَ وفِدى عَقيل بن أبي طالب يومَ بدر ولم يكن لعقيل مال ، فأعْطِي من هذا المال ، فقال: خُذْ ، قال فحثا العبّاس في خميصة كانت عليه ثمّ ذهب ينهض فلم يستطع فرفع رأسه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه ارفع عليّ، فتبسّم رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، حتى خرج ضاحِكُه أو نابُه ، قال : ولكن أعِدْ في المال طائفةٌ وقُمْ بما تُطيق ، ففعل فانطلق بذلك المال وهو يقول : أمّا إحدى اللّتين وَعَدَنا اللّهُ فقد أنجزها ولا أدري ما يصنع في الأخرى، يعني قوله: قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأسْرَى إنْ يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ. فهذا خير ممّا أُخِذَ منّي ولا أدري ما يصنع في المغفرة . قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: أسلم كلّ مَن شهد بدراً مع المشركين من بني هاشم ، فادى العبّاس نفسَه وابنَ أخيه عقيلاً ثمّ رجعوا جميعاً إلى مكّة ثمّ أقبلوا إلى المدينة مهاجرين . قال : أخبرنا عليّ بن عيسى النوفليّ عن إسحاق بن الفضل عن أشياخه قال : قال عقيل بن أبي طالب للنبيّ ، عليه السلام ، من قبلتَ مِن أشرافهم ، أنحن فيهم ؟ قال فقال : قُتل أبو جهل ، فقال الآن صُفَّ لك الوادي . قال وقال له عقيل : إنّه لم يبق من أهل بيتك أحدٌ إلاّ وقد أسلم ، قال : فقُلْ لهم فَلْيَلْحَقوا بي. فلمّا أتاهم عقيل بهذه المقالة خرجوا وذُكر أنْ العبّاس ونوفلاً وعقيلاً رجعوا إلى مكّة ، أُمروا بذلك ليقيموا ما كانوا يقيمون من أمر السقاية والرفادة والرئاسة ، وذلك بعد موت أبي لهب . وكانت : ١٦ السقاية والرفادة والرئاسة في الجاهلية في بني هاشم ثمّ هاجروا بعد إلى المدينة فقدموها بأولادهم وأهاليهم . قال : أخبرنا عليّ بن عيسى بن عبد اللّه عن أخيه العبّاس بن عيسى ابن عبد الله قال: حدّثنا القُرشيون المكيون الشّيْبيون وغيرهم أنّ قدوم العباس بن عبد المطّلب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب على رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم ، من مكّة كان أيّام الخندق، وشَيّعَهُما ربيعةُ بن الحارث بن عبد المطلب في مخرجهما إلى الأبواء ثمّ أراد الرّجوع إلى مكّة فقال له عمه العبّاس وأخوه نوفل بن الحارث: أين ترجع إلى دار الشّرْك يقاتلون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويكذّبونَه وقد عزّ رسول اللّه، صلى الله عليه وسلّم، وكثف أصحابه ، امْضٍ معنا . فسار ربيعة معهما حتى قدموا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، مسلمين مهاجرين. قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني قال : حدثني أبي عن ابن عبّاس بن عبد الله بن معبد بن عبّاس أنّ جدّه عبّاساً قدم هو وأبو هريرة في رَكْبٍ يُقال لهم ركب أبي شِمْرِ فنزلوا الجُحْفة يومَ فَتْح النبيّ، صلى الله عليه وسلم، خَيْبَرّ فأخبروه أنّهم نزلوا الجُحْفَة وهم عامدون النبيّ ، صلى الله عليه وسلم، وذلك يوم فتح خيبر ، قال فقسم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، للعبّاس وأبي هُريرة في خيبر . قال محمد بن سعد : فذكرتُ هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: هذا عندنا وَهَلٌ لا يشكّ فيه أهلُ العلم والرواية، إنّ العبّاس كان بمكّة ورسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، بخيبر قد فتحها، وقدم الحجاج بن عِلاط السّلَمي مكّة فأخبر قريشاً عن رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، بما أحبّوا أنّه قد ظُفِر به وقُتِل أصحابُه فسُرّوا بذلك ، وأقطع العبّاسَ خبرُه وساءه وفتح بابه وأخذ ابنه قُثَمَ فجعله على صدره وهو يقول : يا قُتَمُ يا قُثَمُ يا شِبْهَ ذِي الكَرَمِ ٢-٤ ١٧ حتى أتاه الحجّاج فأخبره بسلامة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنّه قد فتح خَيْبَر وغنّمَهُ اللهُ تعالى ما فيها ، فسُرّ بذلك العبّاس ولبس ثيابه وغدا إلى المسجد فدخله وطاف بالبيت وأخبر قريشاً بما أخبره به الحجّاج من سلامة رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، وأنّه فتح خيبر وما غنّمه الله من أموالهم . فكُبتَ المشركون وساءهم ذلك وعلموا أنّ الحجّاج قد كان كذبهم في خبره الأول ، وسرّ ذلك المسلمين الذين بمكّة وأتوا العبّاس فهنّؤْوه بسلامة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ثمّ خرج العبّاس بعد ذلك فلحق بالنبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم، بالمدينة فأطعمه بخيبر مائّي وَسْق تمر في كلّ سنة، ثمّ خرج معه إلى مكة فشهد فتح مكة وحُنين والطائف وتَبُوكَ، وثبت معه يوم حُنين في أهل بيته حین انكشف الناس عنه . قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُويس قال : حدّثنا عبد العزيز بن محمّد عن محمّد بن عبد الله عن عمّه ابن شهاب عن كثير بن عبّاس ابن عبد المطّلب عن أبيه قال : شهدتُ مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يومَ حُنين فلزمتُه أنا وأبو سُفْيان بن الحارث بن عبد المطلب فلم تفارقه ، والنبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، على بغلة له بيضاء أهداها له فَرْوَةُ بن نُفاثة الجُذاميّ. فلمّا التقى المسلمون والكُفّار ولى المسلمون مُدْبِرين وطفق رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، يَرْكُضُ بغلته نحو الكُفَّار ، قال عبّاس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، أكُفّها إرادة أن لا تُسْرِعَ، وأبو سفيان آخِذٌ بركاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يا عبّاس نادٍ يا أصحاب السَّمُرة . قال عبّاس: وكنتُ رجلاً صَيّاً فقلتُ بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة ؟ قال فواللّه لَكَأنّ عَطْفَتّهم حين سمعوا صوتي عَطْفَةُ البقر على أولادها فقالوا : يا لبّيْكَ يا لبّيْك. قال فاقتتلوا هم والكُفّار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، ثمّ قَصُرَت ١٨ الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا : يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث . قال فنظر رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، وهو على بغلته وهو كالمتطاول عليها إلى قتالهم ، قال فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: هذا حين حَمِيَ الوطيسُ، قال ثمّ أَخذ حَصَيَاتٍ فرمى بهِنّ وجوهَ الكُفَّار. ثمّ قال: انهزموا وربّ محمّد ! قال فذهبتُ أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى ، قال فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بحصياته ثمّ ركب فإذا حَدّهم كَليلٌ وأمرهم مُدْبِرٍ حتى هزمهم الله. قال : أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال : حدّثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال : كان العبّاس بن عبد المطّلب يومَ حُنين إذا انهزم الناس بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له النبيّ، عليه السّلام: ناد الناسَ ، قال وكان رجلاً صَيّاً ، نادٍ يا مَعْشَرَ المهاجرين يا معشر الأنصار ، فجعل ينادي الأنصار فَخِذاً فَخِذاً فقال له النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم: فاد يا أصحاب السَّمُرة ، يعني شجرة الرضوان التي بايعوا تحتها ، يا أصحاب سورة البقرة . فما زال يُنادي حتى أقبل الناس عُنُّقاً واحداً . قال : أخبرنا زيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي قال : حدّثنا سعيد بن عبد العزيز عن أبي عبد الله الأيْليّ قال: جاء أسقف غَزّةَ إلى النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، بتَبَوكَ فقال : يا رسول اللّه هلك عندي هاشم وعبد شمس وهما تاجران وهذه أموالهما . قال فدعا النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، عبّاساً فقال : اقسم مالَ هاشم على كبراء بني هاشم ، ودعا أبا سفيان بن حرب فقال : اقسم مال عبد شمس على كبراء ولد عبد شمس . قال : أخبرنا عليّ بن عيسى بن عبد الله النوفلي" عن إسحاق بن الفضل عن سليمان بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنّ العبّاس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث لما قدما المدينة على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، مهاجرين آخى بينهما وأقطعهما جميعاً بالمدينة في موضع واحد وفرع بينهما ١٩ بحائط فكانا متجاورين في موضع وكانا شريكين في الجاهليّة متفاوضّين في المال متحابّين متصافيين ، وكانت دار نوفل التي أقطعه إيّاها رسولُ اللّه، صلى الله عليه وسلم ، في موضع رَحَبة الفضاء وما يليها إلى المسجد مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهي اليوم رَحَبة الفضاء وهي تقابل دارَ الإمارة التي يقال لها اليوم دار مروان . وكانت دار العبّاس بن عبد المطلب التي أقطعه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حديدها وهي التي في دار مروان إلى المسجد مسجد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، وهي دار الإمارة التي يقال لها اليوم دار مروان . وأقطع العبّاسَ أيضاً دارَه الأخرى التي بالسوق في الموضع الذي يُسمّى مُحْرِزَةَ ابن عبّاس . قال : أخبرنا أسباط بن محمّد عن هشام بن سعد عن عبيد الله بن عباس قال : كان للعبّاس ميزاب على طريق عمر فلبس عمر ثيابه يومَ الجمعة وقد كان ذُبحَ للعبّاسِ فَرْخَانِ، فلمّا وافى الميزاب صُبّ فيه ماءٌ فيه من دم الفرخَين فأصاب عمر فأمرّ عمر بقلعه ، ثمّ رجع عمر فطرح ثيابه ولبس غيرَها ثمّ جاء فصلّى بالناس ، فأتاه العبّاس فقال: والله إنّه للموضع الذي وضعه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر للعبّاس : فأنا أعزم عليك لما أصْعدتّ على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ففعل ذلك العبّاس. قال: أخبرنا محمّد بن ربيعة الكلابيّ وعبيد الله بن موسى العبسي قالا : حدثنا موسى بن عُبيدة عن يعقوب بن زيد أنّ عمر بن الخطّاب خرج في يوم جمعة وقطر عليه ميزابُ العبّاس ، وكان على طريق عمر إلى المسجد ، فقلعه عمر فقال له العبّاس: قلعتَ ميزابي، والله ما وضعه حيثُ كان إلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيده، قال عمر: لا جَرَمَ أن لا يكون لك سُلّم غيري ولا يضعه إلاّ أنتّ بيدك . قال فحمل عمر العبّاس على عُنُقِهِ فوضع رجليْه على مَنْكِبِّيْ عمر ثمّ أعاد الميزاب حيثُ كان ٢٠