النص المفهرس
صفحات 281-300
هل تَدْري ما مثلي ومثل هؤلاء ؟ قال : وما مثلك ومثلهم ؟ قال : مثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم ، فقالوا له : أنْفِقْ علينا ، فهل يتحلّ له أن يستأثر منها بشيء ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين ، قال : فكذلك مثلي ومثلهم . ثمّ قال عمر : إني لم أستعمل عليكم عُمّالي ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربّكم وسنّة نبيّكم ، فمن ظَلَمَه عاملُه بمظلمة فلا إذنَ له عليّ ليرفعها إليّ حتى أُقِصّه منه . فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين أرأيت إنْ أُدّبَ أميرٌ رجلاً من رعيته أتُقصّه منه ؟ فقال عمر : وما لي لا أُقِصّه منه وقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يُقِصّ من نفسه؟ وكتب عمر إلى أمراء الأجناد : لا تَضْرِبوا المُسلمين فتُذِلّوهم ولا تَحْرِموهم فَتُكْفِرُوهم ولا تُجمّرُوهم فتَفْتِنِوهم ولا تُنْزِلوهم الغياض فتُضيّعوهم. قالوا : إنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، لمّا تُوفي واسْتُخلف أبو بكر الصّدّيق كان يقال له خليفةُ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فلمّا توفي أبو بكر، رحمه الله، واستُخلف عمر بن الخطّاب قيل لعمر خليفة خليفة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال المسلمون : فمن جاء بعد عمر قيل له خليفة خليفة خليفة رسول الله ، عليه السلام ، فيطول هذا ، ولكن أجْمِعُوا على اسم تدعون به الخليفة يُدْعَ به مَنْ بعده من الخلفاء ، فقال بعض أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: نحن المؤمنون وعمر أميرنا ، فدُعي عمر أمير المؤمنين فهو أوّل من سُمّي بذلك ، وهو أوّل من كتب التأريخ في شهر ربيع الأوّل سنة ستّ عشرة فكتبه من هجرة النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم، من مكّة إلى المدينة، وهو أوّل من جمع القرآن في الصّحُف، وهو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان وجَمَعَ الناس على ذلك وكتب به إلى البلدان ، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة ، وجعل للناس بالمدينة قارئّين ، قارئاً يُصلّي بالرّجال وقارِئاً يصلي بالنساء، وهو أوّل ٢٨١ من ضرب في الخمر ثمانين واشتدّ على أهل الرّيَب والتّهَم وأحرق بيت رُويشد الثقفي وكان حافوتاً وغَرّبَ ربيعة بن أُميّة بن خلف إلى خيبر وكان صاحب شراب ، فدخل أرضَ الرّوم فارتدّ، وهو أوّل من عَسّ في عمله بالمدينة وحمل الدِّرّة وأدّبَ بها، ولقد قيل بعده لَدِرَةُ عمر أهْيَبُ من سيفكم ، وهو أوّل من فتح الفتوح وهي الأرضون والكُوّر التي فيها الخراج والفيءُ ، فتح العراق كلّه، السواد والجبال ، وأذربيجان وكور البصرة وأرضها وكور الأهواز وفارس وكور الشأم ما خلا أجنادين فإنّها فتحت في خلافة أبي بكر الصّديق، رحمه الله . وفتح عمر كور الجزيرة والموصل ومصر والإسكندريّة ، وقُتِل، رحمه اللّه، وخَيْلُه على الريّ وقد فتحوا عامّتها ، وهو أول من مسح السواد وأرض الجبل ووضع الخراج على الأرضين والجزية على جماجم أهل الذمة فيما فتح من البلدان ، فوضع على الغني ثمانيةً وأربعين درهماً وعلى الوسط أربعةً وعشرين درهماً وعلى الفقير اثني عشر درهماً، وقال : لا يُعْوِزُ رجلاً منهم درهمٌ في شهر ، فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر ، رحمه الله ، مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف وافٍ ، والواف درهم ودانقان ونصف ، وهو أوّل من مصّر الأمصار : الكوفة والبصرة والجزيرة والشأم ومصر والموصل ، وأنزلها العرب ، وخط الكوفة والبصرة خططاً للقبائل ، وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار ، وهو أوّل من دوّن الديوان وكتب الناس على قبائلهم وفرض لهم الأعْطِيَةَ من الفيء وقَسَمَ القسوم في الناس ، وفرض لأهل بدر وفَضّلَهم على غيرهم ، وفرض للمسلمين على أقدارهم وتَقَدُّمهم في الإسلام ، وهو أوّل من حمل الطعام في السّفُن من مصر في البحرِ حتى ورد البحرِ ثم حمل من الجار إلى المدينة. وكان عمر ، رضي الله عنه، إذا بعث عاملاً له على مدينة كتب ماله ، وقد قاسم غير واحدٍ منهم ماله إذا عزله ، منهم سعد بن أبي وقّاص وأبو هريرة ، وكان يستعمل رجلاً من أصحاب رسول اللّه ، عليه السلام، مثل عمرو ٢٨٢ ابن العاص ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة ، ويَدَعُ مَن هو أفضل منهم مثل عثمان وعليّ وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ونظرائهم لقوّة أولئك على العمل والبَصَر به ، والإشراف عمر عليهم وهيبتهم له ، وقيل له : مالك لا تُوَلّي الأكابر من أصحاب رسول اللّه ، عليه السلام ؟ فقال : أكره أن أدنّسهم بالعمل . واتخذ عمر دار الرقيق ، وقال بعضهم الدقيق ، فجعل فيها الدقيق والسويق والتمر والزبيب وما يُحتاج إليه يُعين به المُنقطع به والضيف ينزل بعمر ، ووضع عمر في طريق السّبُلِ ما بين مكّة والمدينة ما يُصْلِح مَنْ ينقطع به ويحمل من ماء إلى ماء، وهَدَمَ عمرُ مسجد رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلم ، وزاد فيه وأدخل دار العبّاس بن عبد المطّلب فيما زاد، ووسّعه وبناه لمّا كَثْرَ النّاسُِ بالمدينة ، وهو أخرج اليهود من الحجاز وأجلاهم من جزيرة العرب إلى الشأم ، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة ، وكان عمر خرج إلى الجابية في صفر سنة ستّ عشرة فأقام بها عشرين ليلة يقصّر الصلاة ، وحضر فتح بيت المقدس ، وقسم الغنائم بالجابية ، وخرج بعد ذلك في جمادى الأولى سنة سبع عشرة يريد الشأم فبلغ سَرْغَ فبلغه أنّ الطّاعون قد اشتعل بالشأم فرجع من سرغ ، فكلّمه أبو عبيدة بن الجرّاح وقال : أَتَفِرّ من قدر الله ؟ قال: نعم إلى قدر الله . وفي خلافته كان طاعون عمواس في سنة ثماني عشرة . وفي هذه السنة كان أوّل عام الرّمادة أصابَ النّاسَ محلٌ وجَدْبٌ ومجاعة تسعة أشهر ، واستعمل عمر على الحجّ بالنّاس أول سنة اسْتُخْلِفِ، وهي سنة ثلاث عشرة ، عبد الرحمن بن عوف فحجّ بالنّاس تلك السنة ثمّ لم يزل عمر بن الخطّاب يحجّ بالناس في كلّ سنة خلافته كلّها فحجّ بهم عشر سنين ولاءً ، وحجّ بأزواج النبيّ ، عليه السلام ، في آخر حجّة حجّها بالناس سنة ثلاثٍ وعشرين ، واعْتَمَرَ غمر في خلافته ثلاث مرّات ، عُمرة في رجب سنة سبع عشرة ، ٢٨٣ وعمرة في رجب سنة إحدى وعشرين ، وعمرة في رجب سنة اثنتين وعشرين ، وهو أخّرّ المقام إلى موضعه اليوم ، كان ملصقاً بالبيت . قال : أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري قال : حدّثني الأشعث عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب مصّرّ الأمصار : المدينة والبصرة والكوفة والبحرين ومصر والشام والجزيرة قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن يونس عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب قال: هانَ شيءٌ أُصْلِيحُ به قوماً أنْ أُبَد لهم أميراً مكان أمير . قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ ابن زيد عن عبد الله بن إبراهيم قال : أوّل من ألقى الحصى في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطّاب، وكان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيْديَهم فأمر عمر بالحصى فجيء به من العقيق فبُسِطَ في مسجد النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم . قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن زيد قال : أخبرنا أيّوب عن محمد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطّاب: لأعْزِلَنّ خالد ابن الوليد والمثنى مثنى بني شيبان حتى يعلما أنّ اللّه إنّما كان ينصر عباده وليس إيّاهما كان ينصر . قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة قال : أخبرنا كثير أبو محمّد عن عبد الرحمن بن عجلان أنّ عمر بن الخطّاب مَرّ بقوم يرتمون فقال أحدهم: أسَيْتَ، فقال عمر: سُوءُ اللّحن أسْوَأْ مِنْ سُوءِ الرّمْي . قال : وأخبرنا سليمان بن حرب قال : أخبرنا جرير بن حازم عن يتَعْلى ابن حكيم عن نافع قال: قال عمر : لا يسألني الله عن ركوب المسلمين البحر أبداً . ٢٨٤ قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال : كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص يسأله عن ركوب البحر ، قال فكتب عمرو إليه يقول : دُود على عود فإن انكسر العود هلك الدود . قال فكره عمر أن يحملهم في البحر ، قال هشام وقال سعيد بن أبي هلال : فأمسك عمر عن ركوب البحر قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال : أخبرنا داود بن أبي الفرات قال : أخبرنا عبد الله بن بُرَيْدة الأسلمي قال : بينا عمر بن الخطّاب يَنَعُسّ ذات ليلة إذا امرأةٌ تقول: هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشرَبَها، أم هل سبيلٌ إلى نصرٍ بن حجّاج ؟ فلمّا أصبح سأل عنه ، فإذا هو من بني سُلَيْم فأرسل إليه فأتاه فإذا هو من أحسن النّاس شَعراً وأصبحهم وجهاً، فأمره عمر أن يَطُمّ شعره ففعل ، فخرجت جبهته فازداد حسناً ، فأمره عمر أن يَعْتَمّ ففعل ، فازداد حسناً ، فقال عمر : لا والذي نفسي بيده لا تُجامعُني بأرض أنا بها ! فأمر له بما يُصْلحه وسيره إلى البصرة قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال : أخبرنا داود بن أبي الفرات قال : أخبرنا عبد الله بن بُرَيْدة الأسلمي قال: خرج عمر بن الخطّاب يَعُسّ ذات ليلة فإذا هو بنسوة يتحدّن ، فإذا هنّ يقلن : أيّ أهل المدينة أُصْبَحُ ؟ فقالت امرأة منهنّ : أبو ذئب . فلما أصبح سأل عنه فإذا هو من بني سُليم ، فلمّا نظر إليه عمر إذا هو من أجمل الناس ، فقال له عمر : أنت واللّه ذِئْبُهُنّ، مرّتين أو ثلاثاً ، والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أنا بها ! قال : فإن كنتَ لا بُدَّ مُسَيّرني فسيرني حيث سَيّرَتَ ابن عمّي ، يعني نصر بن حجّاج السلمي ، فأمر له بما يُصْلحه وسيّره إلى البصرة . قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن ابن عون عن محمّد أنّ بُرَيْداً قَدمَ على عُمر فنثر كنانته فبدرت صحيفة فأخذها فقرأها ٢٨٥ فإذا فيها : ألا أبْلِغْ أبا حفصٍ رَسُولاً فِدى لك من أخي ثِقة إزاري شُغِلْنَا عَنكُمُ زَمَنَ الحِصَارِ قَلائصَنا ، هداك الله، إنّا قَفَا سَلْعِ بٌمُخْتَلِفِ البِحارِ فِما قُلُصٌ وُجِدْنَ مُعَقَّلاتِ وأسْلَمَ أو جُهَيْنَةَ أو غِفَارِ قلائصُ من بني سعد بن بکړٍ يُعَقَلْهُنّ جعدةُ مِنْ سُلَيْمٍ مُعيداً يَبْتَغِي سَقَطَ العذارِ فقال: ادْعوا لي جَعْدَةَ من سُلَيَم . قال فدعوا به فجُلِدَ مائةً معقولاً ونهاه أن يدخل على امرأة مُغيبة . قال : أخبرنا عمرو بن عاصم قال : أخبرنا عاصم بن العبّاس الأسديّ قال : سمعتُ سعيد بن المسيّب يقول: كان عمر بن الخطّاب يُحِبّ الصلاة في كبدِ الليل ، يعني وسط الليل . قال : أخبرنا عمرو بن عاصم قال : أخبرنا أبو هلال عن محمّد بن سيرين قال : كان عمر بن الخطّاب قد اعتراه نسيانٌ في الصلاة فجعل رجلٌ خلفه يُلقّنُه ، فإذا أومأ إليه أن يسجد أو يقوم فعل . قال : أخبرنا المُعلّى بن أسد قال : أخبرنا وُهيب بن خالد عن يحيى ابن سعيد عن سالم بن عبد اللّه أنّ عمر بن الخطّاب كان يُدْخِلُ يده في دَبَرَةِ البَغير ويقول: إني لخائفٌ أن أُسْأل عَمّا بك. قال : أخبرنا خالد بن مُخَلّد البَجني قال : أخبرنا عبد الله بن عمر. عن الزهريّ قال : قال عمر بن الخطّاب في العام الذي طُعِنَ فيه : أيّها الناس إنّي أكلمكم بالكلام فمن حفظه فليحدّث به حيث انتهت به. راحلتُه، ومن لم يحقظه فأُحتَرَجُ باللّه على امرىءٍ أنْ يقولَ عليّ ما لم أقلْ . قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال : أخبرنا سفيان عن مَعْمَر عن ٢٨٦ الزهريّ قال : أراد عمر بن الخطّاب أن يكتب السُّنَنَ فاسْتَخَارَ اللّه شَهْراً ثمّ أصبح وقد عُزِمَ له فقال: ذكرتُ قوماً كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتابَ الله . قال : أخبرنا محمد بن مصعب القرقساني قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن راشد بن سعد أنّ عمر بن الخطّاب أُتِيَ بمالٍ فجعل يَقْسِمُهُ بين الناس فازدحموا عليه ، فأقبل سعد بن أبي وقّاص يُزاحمُ النّاس حتى خلص إليه فعلاه عمر بالدِّرّة وقال: إنّك أقبلتَ لا تهابُ سلطان اللّه في الأرض فأحببتُ أنْ أعلّمَكَ أنّ سلطان اللّه لن يهابك. قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّي قال : أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن عكرمة أنّ حَجّاماً كان يقصّ عمر بن الخطّاب وكان رجلاً مهيباً ، فَتَنَحْتَحَ عمر فأحدث الحجّام ، فأمر له عمر بأربعين درهماً ، والحجّام هو سعيد بن الهيلم . قال : أخبرنا اسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثنا أبي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن عمر بن الخطّاب أنّه قال في ولايته : من وَليّ هذا الأمر بعدي فليعلم أن سيُريدُه عنه القريبُ والبعيد ، وايْمُ اللّه ما كنتُ إلاّ أُقاتل الناسَ عن نفسي قتالاً . قال : أخبرنا مطرّف بن عبد الله قال : أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن معمر بن محمد عن أبيه محمد بن زيد قال : اجتمع عليّ وعثمان وطلحة والزّبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد ، وكان أجْرَأُهم على عمر عبد الرحمن بن عوف ، فقالوا : يا عبد الرحمن لو كلّمتَ أمير المؤمنين للناس فإنّه يأتي الرّجلُ طالب الحاجة فتَمْنَعُهُ مَيْبَتُكَ أنْ بكلّمك في حاجة حتى يرجع ولم يَقْضِ حاجته . فدخل عليه فكلّمه فقال: يا أمير المؤمنين لِنْ للناس فإنّه يَقْدَمُ القادم فتمنعه هيبتُك أن يُكلّمك في حاجته حتى يرجع ولم يُكلّمْك. قال: يا عبد الرحمن أنْشُدُك الله أعليّ وعثمان ٢٨٧ وطلحة والزبير وسعد أسروك بهذا ؟ قال : اللّهمّ نعم ، قال : يا عبد الرحمن والله لقد لِنْتُ للنّاس حتى خشيت اللّه في اللين ثمّ اشتددت عليهم حتى خشيت اللّه في الشدّة، فأينَ المَخْرَجُ؟ فقام عبد الرحمن يبكي يَجُرّ رِداءَه يقول بيده : أُفّ لهم بعدك ، أَفّ لهم بعدك! . قال : أخبرنا سعيد بن منصور قال : أخبرنا سفيان عن عاصم بن كُليبٍ عن أبيه عن ابن عبّاس قال: كان عمر بن الخطّاب كُلّما صلّى ء صلاةً جلس للناس ، فمن كانت له حاجة نظر فيها . فصلّى صلوات لا يجلس فيها فأتيتُ الباب فقلتُ : يا يَرْفا ، فخرج علينا يَرْفا ، فقلت : أبأمير المؤمنين شَكْوَى ؟ قال : لا ، فبينا أنا كذلك إذ جاء عثمان فدخل يرفا ثم خرج علينا فقال : قم يا ابن عفّان ، قم يا ابن عبّاس ، فدخلنا على عمر وبين يديه صُبْرٌ من مال، على كلّ صُبْرة منها كَتِفٌ ، فقال : إني نظرتُ فلم أجِدْ بالمدينة أكثر عشيرة منكما ، خُذا هذا المال فاقْسماه بين النّاس ، فإن فَضَلَ فَضْلٌ فِرُدّاً. فأمّا عثمان فحثا وأما أنا فجثيتُ لُرُكْبَتَيّ فقلتُ: وإن كان نقصاناً رددتَ علينا؟ فقال: شنْشِنَةٌ مِنْ أَخْشَنَ ، قال سفيان : يعني حجراً من جبل ، أما كان هذا عند اللّه إذ محمد، صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون القدّ ؟ قلتُ : بلى ولو فُتح عليه لَصَنَعَ غير الذي تَصْنَعُ قال : وما كان يصنع ؟ قلت : إذاً لأكل وأطعمنا . قال: فرأيتُه نَشج حتى اختلفت أضلاعه وقال : تَوَددْتُ أني خرجتُ منه كفافاً لا عَلَيّ ولا لي قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد ابن المسيّب قال: أصيب بعيرٌ من المال زعم يحيى من الفيء فنحره عمر وأرسل إلى أزواج النبيّ منه وصنع ما بقي فدعا عليه من المسلمين وفيهم يومئذ العباس بن عبد المطلب ، فقال العباس: يا أمير المؤمنين لو صنعت لنا كلّ يوم مثل هذا فأكلنا عندك وتحدّثنا ، فقال عمر : لا أعود لمثلها ، إنّه ٢٨٨ مضى صاحبان لي ، يعني النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر عملا عملاً وسلكا طريقاً وإني إنْ عَمِلْتُ بغير عملهما سُلك بي طريقٌ غير طريقهما. قال : أخبرنا عبد الله بن مسلم بن قَعْنَب الحارثي قال : أخبرنا مالك ابن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب خرج فقعد على المنبر فثاب الناس إليه حتى سمع به أهل العالية فنزلوا فعلّمهم حتى ما بقي وجهٌ إلاّ عَلّمَهُم، ثمّ أتى أهلَه وقال: قد سمعتم ما نهيتُ عنه وإني لا أعرف أنّ أحداً منكم يأتي شيئاً ممّا نهيتُ عنه إلا ضاعفتُ له العذاب ضِعْفَيْن ، أو كما قال . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني معمر عن الزهريّ عن سالم ابن عبد الله عن أبيه قال: كان عمر إذا أراد أن يَنْهَى الناس عن شيء تقدّم إلى أهله فقال: لا أَعْلَمَنّ أحداً وَقَعَ في شيء ممّا هيتُ عنه إلا أضعفتُ له العقوبة. قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عروة قال : كان عمر إذا أتاه الخصمان برك على رُكْبَتَيْه وقال: اللّهُمّ أعِنّي عليهما فإنّ كلّ واحد منهما يريدني عن ديني . قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ وهوذة بن خليفة قالوا : أخبرنا ابن عون عن محمّد بن سيرين قال : قال عمر ابن الخطّاب: ما بقي فيّ شيءٌ من أمر الجاهلية إلا أني لستُ أُبالي إلى أيّ الناس نَكَحْتُ وأيّهم أنْكَحْتُ . قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا القاسم بن الفضل قال : حدّثني معاوية بن قُرّة عن الحكم بن أبي العاص الثقفيّ قال : كنت قاعداً مع عمر بن الخطّاب فأتاه رَجُلٌ فسَلَمَ عليه فقال له عمر : بينك وبين أهل نجران قرابةٌ ؟ قال الرجل : لا ، قال عمر: بلى ، قال الرجل : لا ، ١٩-٣ ٢٨٩ ". قال عمر: بلى والله، أنْشُدُ اللّه كلّ رجلٍ من المسلمين يعلم أنّ بين هذا وبين أهل نجران قرابةٌ لِمَا تَكَلّمَ ، فقال رجل من القوم : يا أمير المؤمنين بلى بينه وبين أهل نجران قرابة من قِبَل كذا وكذا ، فقال له عمر: مَهْ فإنّا نقفو الآثار . قال : أخبرنا يعلى بن عبيد قال : أخبرنا سفيان عن أبي نَهيك عن زياد بن حُدير قال : رأيتُ عمر أكثر الناس صياماً وأكثرهم سواكاً . قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : أخبرنا زهير بن معاوية قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال : قال عمر ابن الخطّاب: لو كنتُ أُطيقُ مع الخِلّفَى لأذَنْتُ. قال : أخبرنا يعلى بن عبيد قال : أخبرنا مِسْعتر بن كدام عن حبيب ابن أبي ثابت عن يحيى بن أبي جَعْدة قال : قال عمر بن الخطّاب : لولا أنْ أسيرَ في سبيل اللّه أو أضع جبيني لله في التراب أو أجالس قوماً يلتقطون طيّب القول كما يُلتقط طيّب الثمر لأحْبَبْتُ أن أكون قد لحقتُ بالله. قال : أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال : أخبرنا عمر بن سليمان ابن أبي حَشْمة عن أبيه قال: قالت الشفاءُ ابنة عبد اللّه، ورأتْ فِتْاناً يقصدون في المشي ويتكلّمون رويداً فقالت : ما هذا؟ فقالوا : نُسّاكٌ ، فقالت : كان والله عمر إذا تكلّم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع ، وهو النّاسك حقّاً . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر عن أُمّ بكر بنت المِسْوَرَ عن أبيها المِسْوَر بن مخرمة قال : كنّا نلزم عمر بن الخطّاب نَتَعَلّمُ منه الوَرَعَ . قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى ، يعني ابن سعيد ، قال : قال عمر بن الخطّاب ما أبالي إذا اختصم إليّ رجلان لأيّهما كان الحقّ . ٢٩٠ قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا وُهيب بن خالد قال : أخبرنا خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك عن النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، قال : أشدّ أُمّي في أمر الله عمر . قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال : أخبرنا محمد بن قيس الأسديّ عن العلاء بن أبي عائشة أنّ عمر بن الخطّاب دعا بحَلاّق فحلقه بموسى ، يعني جسده ، فاستشرف له النّاسُ فقال: أيّها النّاس، إنّ هذا ليس من السّنّة ولكن النورة من النعيم فكّرِ هْتُها . قال : أخبرنا حَجّاج بن محمّد قال : أخبرنا أبو هلال الراسبيّ عن قتادة قال : كان الخلفاء لا يتنوّرون ، أبو بكر وعمر وعثمان . قال : أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العِجْلي قال : أخبرنا سعيد بن أبي عروبة بلغه عن عمر بن عبد العزيز أنّه قال: رأيتُ النبيّ، صلّى اللّه عليه وسلم ، في المنام وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فقال لي : يا عمر إِنْ وَليتَ من أمر الناس شيئاً فخُذْ بسيرة هذين. قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس المدني عن الزهريّ عن سالم قال : كان عمر بن الخطّاب وعبد الله ابن عمر لا يُعْرَفُ فيهما البِرّ حتى يقولا أو يفعلا، قال : قلتُ يا أبا بكر ما تعني بذلك ؟ قال : لم يكونا مُؤْنّثَين ولا مُتْماوِتين . قال : أخبرنا معن بن عيسى وعبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا : أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد اللّه بن عُشْبَة بن مسعود قال: كان البرّ لا يُعْرَفُ في عمر ولا في ابنه حتى يقولا أو يفعلا . قال : أخبرنا معن بن عيسى وعبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا : أخبرنا مالك بن أنس عن قَطَن بن وهب بن عُوَيمر بن الأجدع قال معن : إنّ عمر بن الخطّاب كان يسير ببعض طريق مكّة ، وقال عبد الله بن مسلمة عن قَطَن بن وهب عن عمّه إنّه كان مع عمر بن الخطّاب في سفرٍ فلمّا ٢٩١ كان قريباً من الروحاء ، قال معن وعبد الله بن مسلمة في حديثهما، فسمع صوت راع في جبل فعدل إليه فلما دنا منه صاح : يا راعيّ الغنم ، فأجابه الراعي فقال: يا راعيها ، فقال عمر : إني قد مررتُ بمكان هو أخصبُ من مكانك وإنّ كلّ راع مسؤول عن رعيته، ثمّ عدل صدورَ الركاب . قال : أخبرنا عبد الحميد بن عبد الرحمن الحِمّاني عن النعمان بن ثابت عن موسى بن طلحة عن ابن الحوتكيّة قال : سُئِل عمر عن شيءٍ فقال : لولا أني أكره أن أزيد في الحديث أو أنتقص منه لحدثتكم به . قال : أخبرنا معن بن عيسى ورَوْح بن عبادة قالا : أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: سمعتُ عمر بن الخطّاب يوماً وخرجتُ معه حتى دخل حائطاً فسمعتُه يقول ، وبيني وبينه جدارٌ وهو في جوف الحائط : عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين بَخْ واللّه بُنيّ الخطّاب لَتَتَفيَنَّ اللّهَ أو تَيُعَذّبَنّك. قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُويس قال : حدّثّي أبي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن عمر بن الخطّاب أنّه كان يقول : إنّ النّاس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أيمّتُهم وهُداتُهم. قال : أخبرنا عبد الله بن إدريس عن هشام بن حسّان عن الحسن قال : قال عمر بن الخطّاب: الرعيّة مُؤدّيَّةٌ إلى الإمام ما أدى الإمامُ إلى اللّه، فإذا رَتَعَ الإمامُ رتعوا . قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال : حدثني أبي عن عاصم بن محمّد عن زيد بن أسلم قال: أخبرني أسلم أبي أنّ عبد الله بن عمر قال : يا أسلم أخبرني عن عمر ، قال : فأخبرتُه عن بعض شأنه فقال عبد الله: ما رأيتُ أحداً قطّ بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من حينَ قُبض كان أَجَدّ ولا أجودَ حتى انتهى ، من عمر. قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا مِنْدَل بن عليّ عن عاصم ٢٩٢ قال : سمعتُ أبا عثمان النّهديّ يقول: والّذي لو شاء أنْ تَنْطِقَ قَناني نَطَقَتْ لو كان عمر بن الخطّاب ميزاناً ما كان فيه مَيْطُ شَعْرَةٍ . قال : أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأزرقيّ المكي قال : أخبرنا أبو عُمير الحارث بن عمير عن رجل أنّ عمر بن الخطّاب رقي المنبر وجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها النّاس لقد رأيتُني وما لي من أكال يَأكُلُه النّاس إلاّ أنّ لي خالاتٍ من بني مخزوم فكنتُ أستعذِبُ لهنّ الماءَ فيُقَبّضْنَ لي القبضات من الزبيب . قال ثمّ نزل عن المنبر فقيل له: ما أردتَ إلى هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : إني وجدتُ في نفسي شيئاً فأردتُ أن أطأطىءَ منها . قال : أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر قال : قال سفيان ، يعني ابن عيينة : قال عمر بن الخطّاب : أحبّ الناس إليّ من رفع إليّ عيوبي. - قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة قال : أخبرنا حميد عن أنس بن مالك أنّ الهرمزان رأى عمر بن الخطّاب مضطجعاً في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا والله المَلكُ الحَنِيءُ. قال : أخبرنا خالد بن مخلّد البَجَليّ قال : أخبرنا عبد الله بن عمر قال : أخبرني زيد بن أسلم عن أبيه قال : رأيتُ عمر بن الخطّاب يأخذ بأذن الفرس ويأخذ بيده الأخرى أذنه ثمّ ينْزُو على مَتْن الفرس . قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال : كان عمر بن الخطّاب بأمر عمّاله أن يوافوه بالموسم فإذا اجتمعوا قال : أيها النّاس ، إني لم أبعث عُمّالي عليكم ليُصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم ، إنّما بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فَيْثّكم بينكم ، فمن فُعل به غير ذلك فلْيَقُمْ . فما قام أحد إلا رجلٌ واحد قام فقال : يا أمير المؤمنين إنّ عاملك فلاناً ضربني مائة سوط. قال : فيمَ ضربته ؟ ٢٩٣ قم فاقتصّ منه ، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنّك إنْ فعلتَ هذا يَكْثر عليك ويكون سُنّةً يأخذُ بها مَن بعدك ، فقال : أنا لا أُقِيدُ وقد رأيتُ رسول اللّه يُقيد من نفسه، قال: فَدَعْنا فلنُرْضِه ، قال : دُونَكم فأُرْضوه . فافتدى منه بمائتي دينار ، كلّ سوط بدينارين . قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا الجريري عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال : كان عمر بن الخطّاب يَعُسّ المسجد بعد العشاء فلا يرى فيه أحداً إلا أخرجه إلاّ رجلاً قائماً يصلّي ، فمرّ بنفر من أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فيهم أبيّ بن كعب فقال : من هؤلاء ؟ قال أُبَّيّ : نفر من أهلك يا أمير المؤمنين ، قال : ما خلّفَكم بعد الصّلاة؟ قال: جلسنا نذكر اللّه، قال فجَلَسَ معهم ثمّ قال لأدْناهم إليه : خُذْ ، قال فدعا فاسْتَقْرَأهم رجلاً رجلاً يدعون حتى انتهى إلى وأنا إلى جنبه فقال: هات ، فحُصرتُ وأخذني من الرّعدة أَفْكَلٌ حتى جعل يجد مسّ ذلك منّي ، فقال: ولو أن تقول اللّهمّ اغفر لنا ، اللّهمّ ارحمنا ، قال ثمّ أخذ عمر فما كان في القوم أكثر دمعةً ولا أشدّ بكاءً منه ، ثمّ قال : إيهاً الآن فتفرقوا . قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا فَرَج بن فَضالة عن محمّد ابن الوليد الزّبيديّ عن الزهريّ قال : كان عمر بن الخطّاب يجلس متربّعاً ويستلقي على ظهره ويرفع إحدى رجليه على الأخرى . قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا فرج بن فضالة عن محمّد ابن الوليد عن الزهريّ قال : قال عمر بن الخطّاب إذا أطال أحدُكم الجلوس في المسجد فلا عليه أن يضع جنبه فإنّه أجدر أن لا يَمَلّ جلوسه. قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حماد بن زيد عن أيّوب وهشام عن محمد بن سيرين قال : قُتِلَ عمر ولم يجمع القرآن . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني عائذ بن يحيى عن أبي ٢٩٤ الحُويرث عن جُبير بن الحُويرث بن نُقيد أنّ عمر بن الخطّاب استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال له عليّ بن أبي طالب : تَقْمُ كلّ سنة ما اجتمع إليك من مال ولا تُمْسِكُ منه شيئاً ، وقال عثمان بن عفّان : أرى مالاً كثيراً يَسَعُ النّاسَ وإنْ لم يُحْصَوْا حتى تَعْرِفَ من أخَذ ممّن لم يأخذ، خشيتُ أن يَنْتَشِرَ الأمْرُ . فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة : يا أمير المؤمنين قد جئتُ الشأم فرأيتُ ملوكها قد دوّنوا ديواناً وجَنّدوا جنوداً فِدَوّنْ ديواناً وجَنّدْ جنوداً ، فأخذ بقوله فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجُبير بن مُطعم وكانوا من نُسّاب قريش فقال : اكتبوا الناس على منازلهم ، فكتبوا فبدؤوا ببني هاشم ثمّ أتْبعوهم أبا بكر وقوْمَه ، ثمّ عمر وقومه على الخلافة، فلمّا نظر إليه عمر قال: وددتُ واللّه أنّه هكذا ولكن ابْدؤوا بقرابة النبيّ، صلى الله عليه وسلم، الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدّه قال : رأيتُ عمر بن الخطّاب حين عُرِض عليه الكِتابُ ، وبنو تيم على أثر بني هاشم ، وبنو عديّ على أثر بني تيْم ، فأسْمَعُهُ يقول : ضّعوا عُمرَ موضعته وابْدؤوا بالأقرب فالأقرب من رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، فجاءت بنو عديّ إلى عمر فقالوا : أنت خليفة رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم ، أو خليفة أبي بكر وأبو بكر خليفة رسول اللّه ، عليه السلام ، قالوا : وذاك فلو جعلتَ نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم ، قال : بَخٍ بَخٍ بِي عَديّ ، أردتم الأكل على ظهري لأنْ أُذْهِبَ حَسناني لكم ، لا واللّه حتى تأتيكم الدّعوة وإنْ أُطْبِقَ عليكم الدفترُ ، يعني ولو أن تُكتبوا آخرَ النّاس، إنّ لي صاحبين سلكا طريقاً فإن خالفتُهما خولف بي ، واللّه ما أدركنا الفضل في الدنيا ولا ما نرجو من الآخرة من ثواب الله على ما عَمِلنا إلاّ بمحمّد، صلى الله عليه وسلّم، فهو شرفنا وقومه أشرف العرب ثمّ ٢٩٥ الأقرب فالأقرب ، إنّ العرب شَرُفَتْ برسول اللّه، ولو أن بعضنا يلقاه إلى آباء كثيرة وما بيننا وبين أن نلقاه إلى نسبه ثمّ لا تفارقه إلى آدم إلا آباء يسيرةً مع ذلك، والله لئن جاءتْ الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمّدٍ منّا يومَ القيامة، فلا ينظُرُ رجلٌ إلى القرابة ويعمل لما عند اللّه، فإنّ من قَصّرَ به عَمَلُه لا يُسْرِعُ بهِ نَسَبُه قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن يحيى بن عبد الله بن مالك عن أبيه عن جدّه ، قال محمّد بن عمر وأخبرنا سليمان بن داود بن الحصين عن أبيه عن عكرمة عن ابن عبّاس ، قال محمّد ابن عمر وأخبرنا عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد الأخنسيّ، قال محمد ابن عمر وأخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال : وحدّثني محمّد ابن عبد الله عن الزهريّ عن سعيد بن المسيّب، دخل حديث بعضهم في حديث بعض ، قالوا : لمّا أَجْمَعَ عمر بن الخطّاب على تدوين الديوان وذلك في المحرّم سنة عشرين بدأ بني هاشم في الدعوة، ثمّ الأقرب فالأقرب برسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، فكان القوم إذا اسْتَوَوْا في القرابة برسول الله، صلى الله عليه وسلم ، قَدّمَ أهْل السابقة حتى انتهى إلى الأنصار فقالوا : بمن نبدأ ؟ فقال عمر: ابْدؤُوا برهط سعد بن مُعاذ الأشهليّ ثمّ الأقرب فالأقرب بسعد بن معاذ . وفَرَضَ عمرُ لأهل الديوان ففضّلَ أهل السوابق والمشاهد في الفرائض ، وكان أبو بكر الصّدّيق قد سَوّى بين الناس في القَسْم فقيل لعمر في ذلك فقال: لا أجْعَلُ من قاتلَّ رسولَ اللّه، صلى الله عليه وسلم ، كمن قاتل معه . فبدأ بمن شهد بدراً من المهاجرين والأنصار ففرض لكلّ رجل منهم خمسة آلاف درهم في كلّ سنة ، حليفهم ومولاهم معهم بالسواء ، وفرض لمن كان له إسلامٌ كإسلام أهل بدر من مهاجرة الحبشةِ. ومَنْ شهد أُحُداً أربعة آلاف درهم لكلّ رجل منهم ، وفرض لأبناءِ البدريّين ألفين ألفين إلاّ حَسَناً وحُسَيْناً فإنّه ألحقهما بفريضة أبيهما ٢٩٦ ٠ لقرابتهما برسول الله، صلى الله عليه وسلم، ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف درهم ، وفرض للعبّاس بن عبد المطلب خمسة آلاف درهم لقرابته برسول الله، صلى الله عليه وسلم. قال : وقد روى بعضهم أنّه فرض له سبعة آلاف درهم ، وقال سائرهم: لم يُفَضّلْ أحداً على أهل بدر إلاّ أزواج النبيّ، صلى الله عليه وسلم ، فإنّه فرض لكلّ امرأةٍ منهنّ اثني عشر ألف درهم ، جويرية بنت الحارث وصَفِيّة بنتُ حُبِيّ فيهنّ ، هذا المجتمع عليه ، وفرض لمن هاجر قبل الفتح لكلّ رجل ثلاثة آلاف درهم ، وفرض لمسلمة الفتح لكلّ رجل منهم ألفين ، وفرض الغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمة الفتح ، وفرض لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف درهم ، فقال محمد بن عبد اللّه بن جحش: لِمَّ تُفَضّلُ عمرَ علينا فقد هاجر آباؤنا وشهدوا ؟ فقال عمر : أفَضّله لمكانه من النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم ، فليأتِ الّذي يَسْتَعْتِبُ بامّ مثل أُمّ سلمة أُعْتِبْه ، وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف درهم ، فقال عبد الله بن عمر: فَرَضْتَ لي ثلاثَةَ آلاف وفرّضتَ لأسامة في أربعة آلاف وقد شهدتُ ما لم يشهدْ أسامة، فقال عمر: زِدْتُه لأنّه كان أحَبّ إلى رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، منك وكان أبوه أحبّ إلى رسول اللّه، عليه السلام، من أبيك. ثمّ فرض للناس على منازلهم وقراءتهم للقرآن وجهادهم ، ثمّ جعل من بقي من النّاس باباً واحداً فألحق من جاءهم من المسلمين بالمدينة في خمسة وعشرين ديناراً لكلّ رجلٍ ، وفرض للمُحَرَّرين معهم ، وفرض لأهل اليمن وقيس بالشأم والعراق لكلّ رجلٍ ألفين إلى ألف إلى تسعمائة إلى خمسمائة إلى ثلثمائة لم يُنْقِصْ أحداً من ثلثمائة، وقال: لئنْ كَثُرَّ المال لأفْرِضَنّ لكلّ رجلٍ أربعة آلاف درهم ، ألف لسَفَرِه وألف لسلاحه وألف يُخَلّفُها لأهله وألف لفرسه وبَغْله، وفرض لنساء مُهاجراتٍ ، فَرَضَ لصَفِيّة بنت ٢٩٧ عبد المطّلب ستّة آلاف درهم، ولأسماءَ ابنة عُمَيَس ألف درهم، ولأمّ كلثوم بنت عقبة ألف درهم ، ولأمّ عبد الله بن مسعود ألف درهم . وقد رُوي أنّه فرض للنساء المُهاجرات ثلاثة آلاف درهم لكلّ واحدة ، وأمر عمر فكُتِبَ له عيالُ أهل العوالي فكان يُجري عليهم القُوت، ثمّ كان عثمان فوسّع عليهم في القوت والكسوة ، وكان عمر يفرض للمنفوس مائة درهم فإذا ترعرع بَلَغَ به مائتي درهم فإذا بلغ زاده ، وكان إذا أُني باللّقيط فرض له مائة درهم وفرض له رزقاً يأخذه وليّه كلّ شهر ما يُصْلِحُه ، ثمّ ينقله من سنة إلى سنة، وكان يوصي بهم خيراً ويجعل رضاعهم ونفقتهم من بيت المال . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني حزام بن هشام الكعبي عن أبيه قال : رأيتُ عمر بن الخطّاب يَحْمِلُ ديوان خُزاعة حتى ينزل قُديداً فتأتيه بقديد فلا يغيب عنه امرأةٌ بكر ولا تَيْبٌ فيُعْطيهنّ في أيديهنّ ثمّ يروح فينزل عُسْفان فيفعل مثل ذلك أيضاً حتى تُوفي . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن محمد بن زيد قال : كان ديوان حِمْيَرَ على عهد عمر على حَدّه . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني عبد الله بن عمر العمري عن جهم بن أبي جهم قال : قدم خالد بن عُرْفُطة العُذري على عمر فسأله عمّا وراءه فقال: يا أمير المؤمنين تركتُ مَنْ ورائي يسألون اللّه أن يزيد في عمرك من أعمارهم ، ما وطىء أحدٌ القادسيّة إلا عطاؤه ألفان أو خمس عشرة مائة، وما من مولود يولدُ إلاّ أُلحِقٍ على مائة وجَريبَين كلّ شهر ذكراً كان أو أنثى، وما يبلغ لنا ذَكَرٌ إلاَّ أُلْحِقَ على خمسمائة أو ستمائة، فإذا خرج هذا لأهلٍ بيت مِنْهُمْ مَن ◌ِيَأْكُلُ الطعام ومنهم من لا يأكُلُ الطعام ، فما ظنّك به؟ فإنّه ليُنْفِقُه فيما ينبغي وفيما لا ينبغي، قال عمر: فالله المستعان إنما ٢٩٨ هو حقّهم أُعْطوه وأنا أسْعَدُ بأدائه إليهم منهم بأخْذِهِ ، فلا تَحْمَدَنّي عليه فإنّه لو كان من مسال الخطّاب ما أُعطيتموه ولكنّي قد علمتُ أنّ فيه فضلاً ولا ينبغي أن أحْبِسَه عنهم ، فلو أنّه إذا خرجَ عطاءُ أحد هؤلاء العُرَيْبِ ابْتَاعَ منه غَنّماً فجعلها بسوادهم ثمّ إذا خرج العطاءُ الثانيةَ ابتاعَ الرأسَ فجعله فيها فإني، ويحك يا خالد بن عُرْفُطة ، أخاف عليكم أنْ يَلِيَكُم بعدي وُلاةٌ لا يُعَدّ العطاءُ في زمانهم مالاً، فإن بقيّ أحدٌ منهم أو أحدٌ من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه فَيَتْكثُونَ عليه، فإنّ نصيحتي لك وأنت عندي جالس كنصيحتي لمن هو بأقْصى ثَغْر من ثغور المسلمين وذلك لما طَوّقَني اللّه من أمرهم ، قال رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم: مَنْ ماتَ غَاشّاً لرعيّتِهِ لم يَرِحْ رائحةَ الجنّة . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني محمّد بن عمرو السُّمَيْعِيّ عن الحسن قال : كتب عمرُ إلى حذيفة أن أعْطِ الناس أعْطِيّتهم وأرزاقهم . فكتب إليه : إنّا قد فعلنا وبقي شيء كثير ، فكتب إليه عمر إنّه فيْؤهم الذي أفاءَ اللّه عليهم ، ليس هو لعمر ولا لآل عمر ، اقْسِمْه بينهم . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الزهريّ وعبد الملك بن سليمان عن اسماعيل بن محمّد بن سعد عن السائب بن يزيد قال : سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول : والذي لا إله إلا هو، ثلاثاً، ما من الناس أحدٌ إلاّ له في هذا المالِ حَقّ أُعْطِيَه أو مُنِعَهُ، وما أحَدٌ بأَحَقّ به من أُحَد إلا عبد مملوك، وما أنا فيه إلاّ كأحَدِهم ولكنّا على منازلنا من كتابٍ الله وقِسْمنا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فالرجل وبلاؤه في الإسلام ، والرجُل وقِدَمُه في الإسلام ، والرّجل وغَناؤه في الإسلام ، والرجل وحاجته، والله لئن بقيتُ لَيَأْتِيَنّ الراعيَ بجبل صنعاءَ حَظُّه من هذا المال وهو مكانه . قال إسماعيل بن محمّد : فذكرتُ ذلك لأبي فعرف الحديث . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني أسامة بن زيد الدّيني عن ٣٩٩ محمد بن المنكدر عن مالك بن أوس بن الحد ثان قال : سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول: ما على الأرض مسلمٌ لا يملكون رَقَبَتَهُ إلاّ له في هذا الفيء حق أُعطيَه أو مُنِعَه، ولَئن عِشْتُ لَيَأْتِيَنّ الراعيّ باليمن حَقّه قبل أن يُحْمَرْ وَجْهُه ، يعني في طلبه . قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنّه قدم على عمر من البحرين ، قال أبو هريرة : فلقيتُه في صلاة العشاء الآخرة فسلمتُ عليه فسألني عن النّاس ، ثمّ قال لي : ماذا جئتَ به ؟ قلتُ : جئتُ بخمسمائة ألف درهم ، قال : هل تدري ما تقول ؟ قلت : جئتُ بخمسمائة ألف درهم ، قال : ماذا تقول ؟ قال قلت : مائة ألف ، مائة ألف ، مائة ألف ، مائة ألف ، مائة ألف ، حتى عددت خمساً . قال : إنّك ناعس فارجع إلى أهلك فتَمْ فإذا أصبحتَ فأتي . فقال أبو هريرة : فغدوتُ إليه ، فقال : ماذا جئت به ؟ قلت : جئت بخمسمائة ألف درهم ، قال عمر : أَطَيّبٌ ؟ قلت : نعم لا أعلم إلا ذلك . فقال الناس: إنّه قد قدِمَّ علينا مالٌ كثير فإن شئتم أن نعدّ لكم عدداً وإن شئتم أن نكيله لكم كيلاً ، فقال له رجل : يا أمير المؤمنين إني قد رأيتُ هؤلاء الأعاجم يدوّنون ديواناً يُعطون الناس عليه، قال: فدَوّنَ الديوان وفرض للمهاجرين الأوّلين في خمسة آلاف خمسة آلاف ، وللأنصار في أربعة آلاف أربعة آلاف ، ولأزواج النبي ، عليه السلام ، في اثني عشر ألفاً . قال يزيد : قال محمّد بن عمرو وحدثني يزيد بن خُصَّيْفة عن عبد اللّه بن رافع عن بَرْزَةَ بنت رافع قالت: لما خَرَجَ العطاء أَرْسَلَ عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها ، فلمّا دخل عليها قالت : غفر اللّه لعمر ! غيري من أخَواني كان أقْوَى على قَسْم هذا مني ، فقالوا : هذا كلّه لك ، قالت : سبحان الله! واستمرت منه بثوب، قالت: صُبّوه واطْرَحوا عليه ثوباً، ثمّ قالت لي : أدخِلِي يَدَكِ فاقبضي منه قَبْضَةَ فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان، من ٣٠٠