النص المفهرس
صفحات 261-280
اللّه منك لأفْعَلَنّ. فلمّا كان يومُ صفّيْن جَعَلَ عمّار يحمل على الناس، فقيل هذا عمّارٌ ، فرأيتُ فُرْجة بين الرّئَتَين وبين الساقين، قال فحملتُ عليه قطعنتُه في ركبته ، قال : فوقع فقتلتُه ، فقيل قتلت عمّار بن ياسر . وأخبر عمرو بن العاص فقال : سمعتُ رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، يقول إنّ قاتله وسالبه في النّار، فقيل لعمرو بن العاص : هو ذا أنت تُقاتله ، فقال : إنّما قال قاتله وسالبه . قال : أخبرنا محمد بن عمر وغيره قالوا : لما استلحم القتالُ بصفّين وكادوا يتفانَوْنَ قال معاوية: هذا يومٌ تفانى فيه العرب إلا أنْ تُدركهم فيه خِفّةُ العَبْدِ ، يعني عمّار بن ياسر ، قال وكان القتال الشديد ثلاثة أيّام ولياليَهنّ، آخرُهنْ ليلةُ الهَرِير، فلِمَا كان اليومُ الثالث قال عمّار لهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص ومعه اللّواءُ يومئذٍ: اخْمِلْ فَدَاكَ أبي وأمّي ! فقال هاشم: يا عمّار رحمك الله إنّك رجلٌ تَسْتَخِفّكَ الحَرْبُ وإني إنّما أزحفُ بالدواء زّحفاً رجاءَ أن أبلغَ بذلك ما أريد ، وإني إن خَفَضْتُ لم آمَنِ الهَلَكَّةَ. فَلَمْ يَزَلْ به حتّى حَمَلَ فَنَهَضَ عمّارٌ في كتيبته فنهض إليه ذو الكلاع في كتيبته فاقتتلوا فقُتلا جميعاً واستُوصلت الكتيبتان ، وَحَمَلَ على عمّار حُوَيّ السّكْسَكِيّ وأبو الغادية المُزّني وقَّتَلاه. فقيل لأبي الغادية : كيْفَ قَتَلْتَه ؟ قال: لما دَلَفَ إلينا في كتيبته ودلفنا إليه ، نادى هل من مُبارزٍ ، فَبَرَزَ إليه رجلٌ من السكاسك فاضطربا بسيفيهما فقَتَلَ عِمَارُ السّكسكيَّ، ثمّ نادى مَنْ يُبَارِزِ، فَبَزَزَ إليه رجُل من حِمْرَ فاضطربا بسيفيهما فقتل عمّار الحميريَّ وأثْخَنَّه الحميريّ، ونادى مَنْ يُبَارِزُ، فبرزتُ إليه فاختلفنا ضَرْبَتَيْنِ، وقد كانت يده ضَعُفَتْ فَأنْتَحي عليه بضربة أُخرى فسقط فضربتُه بسيفي حتى بَرَدَ . قال ونادى الناسُ : قتلتَ أبا اليَقْظان قَتَلَك اللّه! فقلت اذْهَبْ إليكَ فوالله ما أُبالي من كنتَ، وبالله ما أعرفُه يومئذٍ. فقال له محمّد بن المُنْتشر: يا أبا الغادية خَصْمُك ٢٦١ يوم القيامة مازُنْدَرُ ، يعني ضخماً ، قال فضحك ، وكان أبو الغادية شيخاً كبيراً جسيماً أدْلَمّ ، قال: وقال عليّ حين قُتل عمّار: إنّ امْرأ من المسلمين لم يَعْظُمْ عليه قَتْلُ ابن ياسر وتَدْخُل به عليه المصيبةُ الموجعةُ لَغيرُ رَشيدٍ، رَحِمَ اللّهُ عمّاراً يومَ أسْلَمَ، ورحم الله عِمّاراً يومَ قُتِلَّ ، ورحم الله عمّاراً يومَ يُبْعَثُ حيّاً، لقد رأيتُ عمّاراً وما يُذْكَرُ من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أربعةٌ إلاّ كان رابعاً ولا خمسةٌ إلاّ كان خامساً، وما كان أحدٌ من قدماء أصحاب رسول اللّه يشكّ أنّ عمّاراً قد وَجَبَتْ له الجنّة في غير موطن ولا اثنين ، فهنيئاً لعمّار بالجنّة، ولقد قيل إنّ عمّاراً مع الحقّ والحقّ معه، يدورُ عمّار مع الحقّ أينما دار ، وقاتلُ عمّار في النّار . قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن إسماعيل بن أبي خالد عن يحيى ابن عابس قال : قال عمّار ادْفنوني في ثيابي فإني مخاصم . قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا شريك عن أبي إسحاق الشيباني عن مُشْنى العَبْدي عن أشياخٍ لهم شهدوا عمّاراً قال : لا تَغْسلوا عني دماً ولا تَحْثوا عليّ تُراباً فإني مخاصم . قال : أخبرنا عبد الله بن نُمير عن أشعث بن سَوّار عن أبي إسحاق أنّ عليّاً صلّى على عمّار بن ياسر وهاشم بن عتبة، رضي الله عنهما ، فجعل عمّار ممّا يليه وهاشماً أمام ذلك ، وكبّر عليهما تكبيراً واحداً خمساً أو ستّاً أو سبعاً ، والشكّ في ذلك من أشعث . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضَمْرَة أنّ عليّاً صلّى على عمّار ولم يَغْسِلْه. قال : أخبرنا عبيد اللّه بن موسى قال : أخبرنا عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال : قُتل عمّار يومَ قتل وهو مُجْتَمعُ العَقْلِ. قال : أخبرنا عبيد اللّه بن موسى والفضل بن دُكين قالا : أخبرنا ٢٦٢ سعيد بن أوس العبسي عن بلال بن يحيى العبسي قال : لما حضر حذيفة الموت ، وإنّما عاش بعد قتل عثمان أربعين ليلة، فقيل له يا أبا عبد الله إنّ هذا الرجل قد قُتل ، يعني عثمان ، فما ترى؟ قال: أمّا إِذْ أَبَيْتُم فأجْلسوني ، فأسْنَدوه إلى صدر رَجُلٍ ثُمّ قال: سمعتُ رسول الله، صلّى الله عليه وسلم ، يقول أبو اليَقْظان على الفِطْرة ، أبو اليقظان على الفطرة لن يَدَعَها حتى يموتَ أو يُنْسِيَهَ الهَرَمُ . قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا عبد الجبّار بن عبّاس عن أبي إسحاق قال : لمّا قُتل عمّار دخل خُزيمة بن ثابت فسطاطه وطرح عليه سلاحه وشَنّ عليه من الماء فاغتسل ثمّ قاتل حتى قُتل، رحمه الله. قال : أخبرنا معاذ بن مُعاذ قال : أخبرنا ابن عون عن الحسن قال : قال عمرو بن العاص : إني لأرجو ألا يكونَ رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، ماتَ يومَ ماتَ وهو يُحِبّ رجلاً فيُدْخلَه اللّهُ النّارَ، قال: فقالوا قد كنّا نَراهُ يُحِبّك وكان يستعملك ، قال فقال الله أعلمُ أحَبّني أم تألّفّي ، ولكنّا كنّا نراه يحبّ رجلاً ، قالوا : فمن ذلك الرجلُ ؟ قال : عمّار ابن ياسر ، قالوا : فذاك قتيلُكم يومَ صفّين ، قال : قد واللّه قتلناه . قال : أخبرنا يزيد بن هارون وموسى بن إسماعيل قالا : أخبرنا جرير ابن حازم قال : أخبرنا الحسن قال : قيل لعمرو بن العاص قد كان رسول اللّه يُحِبّك ويستعملك، قال: قد كان واللّه يفعل فلا أدري أحُبّ أم تَألفٌ يتألفني ولكنّ أَشْهَدُ على رجلين توفي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو يُحبّهما: عبد الله بن مسعود وعمّار بن ياسر . قالوا: فذاك والله قتيلُكم يومَ صفّين ، قال : صَدَقْتُمْ والله لقد قتلناه . قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا العوّام بن حَوْشَب عن عمرو بن مُرّة عن أبي وائل قال : رأى عمرو بن شُرَحْبيل أبو مَيْسَرَة ، وكان من أفاضل أصحاب عبد اللّه ، في المنام قال : رأيتُ كأنّي أُدْخِلتُ ٢٦٣ الجنّة فإذا قبابٌ مضروبة ، فقلت : لمن هذه ؟ قالوا : لذي الكَلاع وحوشَب ، وكانا ممّن قُتل مع معاوية ، قال قلت : فأين عمّار وأصحابه ؟ قالوا : أمامك ، قال قلت : وقد قَتَلَ بعضهم بعضاً ، قيل إنّهم لَقوا الله فوجدوه واسع الْمَغْفِرَة ، قلت : فما فعلَ أهلُ النّهر ؟ قيل: لَقُوا برْحاً . قال : أخبرنا قبيصة بن عقبة قال : أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي الضّحى قال : رأى أبو ميسرة في المنام روضة خضراء فيها قِبابٌ مضروبة فيها عمّار وقباب مضروبة فيها ذو الكلاع ، قال قلتُ : كيف هذا وقد اقتتلوا ؟ قال : فقيل لي وجدوا ربّاً واسع المغفرة . قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا عبد اللّه بن أبي عبيدة بن محمد بن عمّار عن أبيه عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمّار انّها وصفت لهم عمّاراً فقالت: كان رجُلاً آدَمَ طُوالاً ، مضطرباً ، أشْهَلَ العينين ، بعيدَ ما بين المنكبين ، وكان لا يُغيّرُ شيبه .. قال محمد بن عمر : والذي أُجْمِعَ عليه في قتل عمّار أنّه قُتل ، رحمه الله ، مع عليّ بن أبي طالب بصفّين في صفر سنة سبع وثلاثين ، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة ، ودُفن هناك بصفّين ، رحمه اللّه ورضي عنه . مُعتِّب بن عَوْف ابن عامر بن الفضل بن عفيف ، وهو الذي يُدْعِى عَيْهامة بن كُلیب ابن حُبْشِيّة بن سلول بن كعب بن عمرو بن عامر من خزاعة ، هكذا نسبه محمّد بن إسحاق في كتابه ، وهو الذي يقال له معتّب بن الحمراء ويكنى أبا عوف حليف لبني مخزوم ، وكان من مهاجرة الحبشة في الهجرة الثانية في رواية محمّد بن إسحاق ومحمّد بن عمر ، ولم يذكره موسى بن عقبة وأبو ٢٦٤ ١ معشر في من هاجر إلى أرض الحبشة . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا عمر بن عثمان عن أبيه قال : لما هاجر معتّب بن عوف من مكّة إلى المدينة نزل على مبشّر بن عبد المنذر . قالوا : آخى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، بين معتّب بن الحمراء وثعلبة بن حاطب ، وشهد معتّب بدراً وأُحُداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومات سنة سبع وخمسين وهو يومئذ خمسة نفر . ابن ثمان وسبعين سنة . ومن بني عديّ بن كعب بن لؤي : عمر بن الخطّاب رضي الله عنه وأرضاه ، ابن نُفَيل بن عبد العُزّى بن رياح بن عبد اللّه بن قُرْط بن رِزاح بن عديّ بن كعب ، ويكنى أبا حفص ، وأمّه حَنْتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وكان لعمر من الولد عبد الله وعبد الرحمن وحفصة وأمّهم زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب ابن حُذافة بن جُمَحٍ، وزيد الأكبر لا بقيّة له ، ورُقيّة وأمّهما أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمّها فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، وزيد الأصغر وعبيد اللّه قُتل يوم صفّين مع معاوية وأمّهما أمّ كلثوم بنت جَرْوَل بن مالك بن المسيّب بن ربيعة ابن أصْرَم بن ضَبيس بن حَرَام بن حُبْشِيّة بن سلول بن كعب بن عمرو من خزاعة ، وكان الإسلام فرق بين عمر وبين أمّ كلثوم بنت جرول ، وعاصم وأمّه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقْلَح واسمه قيس بن عِصْمة بن مالك بن أمّة بن ضُبَيعة بن زيد من الأوس من الأنصار ، وعبد الرحمن ٢٦٥ الأوسط وهو أبو المُجَبَّر وأمّه لُهَيّة أمّ ولد، وعبد الرحمن الأصغر وأمّه أمّ ولد ، وفاطمة وأمّها أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة. ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وزينب وهي أصغر ولد عمر وأمّها فُكيهة أمّ ولد ، وعياض بن عمر وأمّه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيل . قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدني قال : أخبرنا سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: غَيّرَ النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم ، اسم أمّ عاصم بن عمر وكان اسمها عاصية ، قال : لا بل أنت جميلة . قال محمد بن سعد : سألتُ أبا بكر بن محمّد بن أبي مُرّة المَكّيّ ، وكان عالماً بأمور مكة ، عن منزل عمر بن الخطّاب الذي كان في الجاهليّة بمكّة فقال : كان ينزل في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر ، وكان اسم الجبل في الجاهليّة العاقر فنُسب إلى عمر بعد ذلك ، وبه كانت منازل بني عديّ بن كعب . قال : أخبرنا يزيد بن هارون وعفّان بن مسلم وعارم بن الفضل قالوا : أخبرنا حمّاد بن زيد قال : أخبرنا يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار قال: مَرّ عمر بن الخطّاب بضجنان فقال: لقد رأيتُني وإني لأرعى على الخطّاب في هذا المكان وكان والله ما علمتُ فَظّاً غليظاً، ثمّ أصبحتُ إلى أمر أمّة محمد ، صلى الله عليه وسلم، ثمّ قال متمثّلاً : لا شَيْءَ فيما ترى إلاّ بَشَاشَتَهُ يَبْقَى الإلهُ ويودي المالُ والولدُ ثمّ قال لبعيره : حَوْبَ . قال : أخبرنا سعيد بن عامر وعبد الوهّاب بن عطاء قالا : أخبرنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال : أقبلنا مع عمر بن الخطّاب قافلين من مكّة حتى إذا كنّا بشعاب ضَجْنان وقف ٢٦٦ الناس فكان محمد يقول: مكاناً كثير الشجر والأشَب ، قال فقال : لقد رأيتُني في هذا المكان وأنا في إبلٍ للخطّب ، وكان فظاً غليظاً ، أحتطب عليها مرّة وأختبط عليها أُخرى، ثمّ أصبحتُ اليومِ يَضْرِبُ الناسُ بحَنباتي ليس فوقي أحَدٌ . قال ثمّ مثّل بهذا البيت: لا شَيْءَ فيما تَرَى إلا بَشَاشَتَهُ يَبْقَى الإِلهُ ويودي المالُ والوَلدُ قال : أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقديّ قال : أخبرنا خارجة ابن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أنّ النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، قال: اللّهمّ أَعِزّ الإسلامَ بِأحَبّ الرّجُلين إليك، بعمر بن الخطّاب أو بأبي جهل ابن هشام . قال فكان أحبهما إليه عمر بن الخطّاب . قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا خالد بن الحارث قال : أخبرنا عبد الرحمن بن حَرْمَلَة عن سعيد بن المسيّب قال : كان رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، إذا رأى عمر بن الخطّاب أو أبا جهل بن هشام قال : اللّهمّ اشْدُدْ دينك بأحبّهما إليك. فشَدّدَ دينه بعمر بن الخطّاب. قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال : أخبرنا أشعث بن سوّر عن الحسن عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم ، قال: اللّهمّ أعزّ الدّين بعمر بن الخطّاب . إسلام عمر ، رحمه الله قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال : أخبرنا القاسم بن عثمان البصريّ عن أنس بن مالك قال: خرج عمر متقلّدَ السيف فلقيه رجلٌ من بني زهرة قال : أين تَعْمِدُ يا عمر ؟ فقال : أريد أن أقتل محمّداً ، قال : وكيف تأمَنُ في بني هاشم وبني زهرة وقد قتلتَ محمداً ؟ قال فقال عمر : ما أراك إلاّ قد صبوتَ وتركتَ دينك الذي أنت عليه، قال : أفلا أدُلّك ٢٦٧ على العجب يا عمر ؟ إنّ ختنك وأختك قد صبوا وتركا دينك الذي أنتَ عليه . قال فمشى عمر ذامراً حتى أتاهما وعندهما رجلٌ من المهاجرين يقال له خَبَّاب. قال فلمّا سمع خَبّاب حِسّ عمر توارى في البيت ، فدخل عليهما فقال : ما هذه الهَيْنَمَةُ التي سمعتُها عندكم ؟ قال وكانوا يقرؤون طه فقالا : ما عدا حديثاً تحدّثناه بيننا ، قال : فلعلّكما قد صبوتما ؟ قال فقال له ختنه : أرأيت يا عمر إن كان الحقّ في غير دينك ؟ قال فوثب عمر على ختنه فوطئه وَطْأٌ شديداً فجاءت أختْهِ فدفعتهُ عن زوجها فنفحها بيده نفحةً فدمى وجهها فقالت وهي غضبى : يا عمر إن كان الحقّ في غير دينك اشْهَدْ أنْ لا إله إلاّ اللّه واشْهَدْ أنّ محمّداً رسول الله. فلمّا يئس عمر قال : أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه . قال وكان عمر يقرأ الكتب ، فقالت أخته : إنّك رجس ولا يمسّه إلاّ المطهّرون فقم فاغتسل أو توضّأ. قال فقام عمر فتوضأ ثمّ أخذ الكتاب فقرأ طه حتى انتهى إلى قوله: إنّني أنا اللّهُ لا إله إلاّ أنا فَاعبُدْنِي وَأَقِمِ الصّلاةَ لِذِكْري. قال فقال عمر : دُلوني على محمّد. فلمّا سمع خبّاب قولَ عمر خرج من البيت فقال: أَبْشِرْ يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوةُ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لك ليلة الخميس: اللّهمّ أعِزّ الإسلام بعمر بن الخطّاب أو بعمرو بن هشام ، قال ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في الدار التي في أصل الصفا . فانطلق عمر حتى أتى الدار ، قال وعلى باب الدار حمزة وطلحة وأناس من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلمّا رأى حمزةُ وَجَلَ القومِ من عمر قال حمزة: نعم فهذا عمر فإن يُرِدِ اللّهُ بعمر خيراً يُسلِمْ ويتبع النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم، وإنْ يُرِدْ غير ذلك يكن قتله علينا هيّناً . قال والنبيّ، عليه السلام، داخلٌ يُوحى إليه ، قال فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال: أما أنت منتهياً يا عمر حتى يُنْزِلَ اللّهُ بك من الخِزْي والنكال ٢٦٨ ما أنزل بالوليد بن المغيرة ؟ اللّهُمّ هذا عمر بن الخطّاب، اللّهُمْ أَعِزّ الدين بعمر بن الخطّاب ، قال فقال عمر : أشْهَدُ أنّكَ رسول الله . فأسلم وقال : اخْرُجْ يا رسول الله . قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثّني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين قال : وحدّني معمر عن الزهريّ قالا : أسلم عمر بن الخطّاب بعد أن دخل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم وبعد أربعين أو نيق وأربعين بين رجال ونساء قد أسلموا قبله ، وقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال بالأمس : اللّهمّ أيّدِ الإسلام بأحَبّ الرّجلين إليك: عمر بن الخطّاب أو عمرو بن هشام. فلما أسلم عمر نزل جبريل فقال : يا محمّد لقد استبشر أهلُ السّماءِ بإسلام عمر . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن سعيد بن المسيّب قال : أسلم عمر بعد أربعين رجلاً وعشر نسوة ؛ فما هو إلاّ أن أسلم عمر فظهر الإسلام بمكّة . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني عليّ بن محمّد عن عبيد الله ابن سلمان الأغَرّ عن أبيه عن صُهيب بن سنان قال : لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودُعي إليه علانية ، وجلسنا حول البيت حِلَقاً وطُفنا بالبيت وانتصفنا ممّن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي به . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني محمد بن عبد الله عن أبيه قال : ذكرتُ له حديث عمر فقال: أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير قال : أسلم عمر بعد خمسةٍ وأربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة . قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدّه قال : سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول: وُلدتُ قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع سنين . وأسلم في ذي الحجّة السنة السادسة من النبوّة ٢٦٩ وهو ابن ستّ وعشرين سنة . قال : وكان عبد اللّه بن عمر يقول : أسلم عمر وأنا ابن ستّ سنين . قال : أخبرنا عبد الله بن نُمير ويعلى ومحمّد ابنا عبيد قالوا : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال : سمعتُ عبد الله بن مسعود يقول : ما زِلْنا أعِزّةً منذ أسلم عمر . قال محمد بن عُبيد في حديثه : لقد رأيتُنا وما نستطيع أن نصلّي بالبيت حتى أسلم عمر ، فلمّا أسلم عمر قاتَلَهم حتى تركونا نصلّي . قال : أخبرنا يعلى ومحمد ابنا عبيد وعبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد اللّه الأسديّ قالوا : أخبرنا مِسْعَرُ عن القاسم بن عبد الرحمن قال : قال عبد الله بن مسعود : كان إسلام عمر فتحاً وكانت هجرته نصراً وكانت إمارته رحمةً ، لقد رأيتُنا وما نستطيع أن نصلّي بالبيت حتى أسلم عمر ، فلمّا أسلم عمر قاتَلَهم حتى تركونا فصلّنا . قال : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان قال : قال ابن شهاب : بلغنا أنّ أهل الكتاب كانوا أوّل من قال لعمر الفاروق ، وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم ولم يبلغنا أنّ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، ذكر من ذلك شيئاً، ولم يبلغنا أنّ ابن عمر قال ذلك إلا لعمر كان فيما يذكر من مناقب عمر الصالحة ويثني عليه ، قال : وقد بلغنا أنّ عبد الله بن عمر كان يقول: قال رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، اللّهمّ أيّدْ دينك بعمر بن الخطّاب. قال : أخبرنا أحمد بن محمّد الأزرقيّ المكي قال : أخبرنا عبد الرحمن ابن حسن عن أيوب بن موسى قال : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، إنّ اللّه جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه وهو الفاروق فرق الله به بين الحقّ والباطل . قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا أبو حزرةً يعقوب بن مجاهد ٢٧٠ عن محمد بن إبراهيم عن أبي عمرو ذكوان قال: قلت لعائشة مَنْ سَمّى عمر الفاروق ؟ قالت : النبيّ ، عليه السلام . ذكر هجرة عمر بن الخطاب وإخائه ، رحمه الله قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا محمّد بن عبد الله بن مسلم عن الزهريّ عن سالم عن أبيه وأخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني عمر بن أبي عاتكة وعبد الله بن نافع عن نافع عن ابن عمر قال : لما أذن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للناس في الخروج إلى المدينة جعل المسلمون يخرجون أرْسالاً يصطحب الرجال فيخرجون، قال عمر وعبد الله قلنا لنافع: مُشاةً أو رُكباناً ؟ قال: كلّ ذلك، أمّا أهل القوّة فركبان ويعتقبون وأمّا من لم يجد ظهراً فيمشون . قال عمر بن الخطّاب : فكنت قد اتّعدتُ أنا وعيّاش بن أبي ربيعة . وهشام بن العاص بن وائل التّناضب من إضاءة بني غفار وكنّا إنّما نخرج سرّاً فقلنا : أيّكم ما تخلف عن الموعد فلينطلق من أصبح عند الإضاءة . قال عمر : فخرجتُ أنا وعَيّاش بن أبي ربيعة واحتبس هشام بن العاص فضُتْنَ فيمن فتن، وقدمت أنا وعيّاش فلمّا كنّا بالعقيق عدلنا إلى العُصبة حتى أتينا قُباء فنزلنا على رُفاعة بن عبد المنذر فقدم على عيّاش بن أبي ربيعة أخواه لأمّه : أبو جهل والحارث ابنا هشام بن المغيرة وأمّهم أسماءُ ابنة مُخَرّبة من بني تميم ، والنبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، بعد بمكّة لم يخرج ، فأسرعا السير فنزلا معنا بقباءَ فقالا لغيّاش: إنّ أمّك قد نذَرت ألا يظلّها ظِلّ ولا يمسَ رأسَهَا دُهْنٌ حتى تراك. قال عمر فقلت لعيّاش: والله إِنْ يَرُدّاكِ إلاّ عن دينك فاحْذَرْ على دينك، قال عيّاش؛ فإنّ لي بمكّة ٢٧١ مالاً لعلّ آخذه فيكون لنا قوّة وأُبرّ قَسَمَ أُمّي . فخرج معهما فلمّا كانوا بضجنان نزل عن راحلته فنزلا معه فأوثقاه رباطاً حتى دخلا به مكّة فقالا : كذا يا أهل مكة فافعلوا بسفهائكم . ثمّ حبسوه . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال : آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، بين أبي بكر الصّدّيق وعمر بن الخطّاب . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا محمد بن صالح عن عاصم ابن عمر بن قتادة قال محمد بن عمرو : أخبرنا عبد الله بن جعفر عن سعد ابن إبراهيم قالا : آخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين عمر بن الخطّاب وعُويم بن ساعدة . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون قال : آخى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بين عمر بن الخطّاب وعِشْبان بن مالك ، قال محمّد بن عمر : ويقال بين عمر ومعاذ بن عفراء . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد اللّه عن الزهريّ عن عبيد الله بن عبد اللّه بن عتبة قال: منزل عمر بن الخطّاب بالمدينة خِطّة من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم. قالوا : شهد عمر بن الخطّاب بدراً وأُحْداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، وخرج في عدّة سرايا وكان أمير بعضها . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا أسامة بن زيد بن أسلم عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال : بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطّاب سريّة في ثلاثين رجلاً إلى عُجْزٍ هوازن بتُرَبَةَ في شعبان سنة سبع من الهجرة . ٢٧٢ قال : أخبرنا رَوْح بن عبادة قال : أخبرنا عوف عن ميمون أبي عبد اللّه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة الأسلمي قال: لما كان حيث نزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بحضرة أهل خيبر أعطى رسولُ اللّه، صلى الله عليه وسلم ، اللواء عمر بن الخطّاب قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الأسديّ قال : أخبرنا سفيان عن عاصم ابن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر قال: استأذن عمر النبيّ، صلى الله عليه وسلم ، في العُمْرة فقال : يا أخي أشْرِكْنا في صالح دعائك ولا تَنْسَنَا . قال : أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ وسليمان بن حرب قالا : أخبرنا شُعبة عن عاصم بن عبيد اللّه قال: سمعتُ سالم بن عبد اللّه عن أبيه عن عمر أنّه استأذن النبيّ، صلى اللّه عليه وسلّم، في العُمْرة فأذن له فقال له النبيّ : لا تَنْسَنًا يا أخي من دعائك . قال سليمان في حديثه قال فقال لي كلمةً ما يَسُرّني أنّ لي بها الدنيا ، قال سليمان قال شعبة: ثم لقيت عاصماً بعدُ بالمدينة فحدّثتُه فقال : قال أشْركْنا يا أخي في دعائك قال أبو الوليد : هكذا في كتابي عن ابن عمر . قال : أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفي عن المغيرة بن زياد الموصلي عن الوليد بن أبي هشام قال : استأذن عمر بن الخطّاب النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، في العمرة وقال إني أريد المشى . فأذن له ، قال فلما ولى دعاه فقال : يا أخي شُبْنا بشيءٍ من دعائك ولا تَنْسَنًا. قال : حدثنا عبد الله بن نُمير عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال : قال عبد الله: أفرسُ الناس ثلاثة ، أبو بكر في عمر، وصاحبة موسى حين قالتِ اسْتَأْجِرْهُ ، وصاحبة يوسف ١٨-٣ ٢٧٣ ذكر استخلاف عمر ، رحمه الله قال : أخبرنا سعيد بن عامر قال : أخبرنا صالح بن رستم عن ابن أبي مُليكة عن عائشة قالت : لما تَقُلَ أبي دخل عليه فلان وفلان فقالوا : يا خليفة رسول الله ماذا تقول لربّك إذا قدمت عليه غداً وقد استخلفت علينا ابن الخطّاب؟ فقال : أجْلِسوني ، أباللّه تُرْهِبوني؟ أقولُ إستخلفتُ عليهم خيرَهم . قال : أخبرنا الضحّاك بن مَخْلَد أبو عاصم النبيل قال : أخبرنا عبيد اللّه بن أبي زياد عن يوسف بن ماهَكَ عن عائشة قالت : لما حضرت أبا بكرِ الوفاةُ استخلف عمر فدخل عليه عليّ وطلحة فقالا : من استخلفت ؟ قال : عمر ، قالا: فماذا أنت قائلٌ لربّك؟ قال: أباللّه تُفرّقاني ؟ لأنا أعلم باللّه وبعمر منكما ، أقول استخلفتُ عليهم خيرَ أهلك . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أسامة بن زيد اللّيني عن محمّد بن حمزة بن عمرو عن أبيه قال : توفي أبو بكر الصّدّيق مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة فاستقبل عمر بخلافته يوم الثلاثاء صبيحة موت أبي بكر ، رحمه الله . قال : أخبرنا أسْباط بن محمّد عن أشعث عن الحسن قال فيما نظن أنّ أوّلَ خُطبة خطبها عمر حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد فقد ابتُليتُ بكم وابتُليتم بي وخلفتُ فيكم بعد صاحبيّ ، فمنْ كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا ومهما غابَ عَنّا وَلَيْنا أهلَ القوّة والأمانة، فمَنْ يُحْسِنِ نَزِدْهُ حُسناً ومن يُسىء نُعاقبه ويغفر الله لنا ولكم . قال : أخبرنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن جامع بن شدّاد عن أبيه قال : كان أوّل كلام تكلّم به عمر حين صعد المنبر أن قال : اللّهُمَ إني شديد فلَيّنّي وإني ضعيف فقوّني وإني بخيل فسَخّني . قال : أخبرنا وهب بن جرير قال : أخبرنا شعبة عن جامع بن شدّاد ٢٧٤ عن ذي قرابة له قال : سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول : ثلاث كلمات إذا قلتها فهيمنوا عليها : اللهمّ إني ضعيف فقوّني، اللّهُمّ إني غليظ فلَيّنّي، اللّهمّ إني بخيل فسخّتي . قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ووهب بن جرير قالا : أخبرنا جرير ابن حازم قال : سمعتُ حُميد بن هلال قال: أخبرنا مَن شَهِدَ وفاةً أبي بكر الصّدّيق فلمّا فرغ عمر من دفنه نفض يده عن تراب قبره ثمّ قام خطيباً مكانه فقال : إنّ اللّه ابتلاكم بي وابتلاني بكم وأبقاني فيكم بعد صاحبيّ، فوالله لا يَحْضُرُفي شيءٌ من أمركم فيَليَه أحدٌ دوني ولا يتغيّبُ عنّي فآلو فيه عن الجَزْءِ والأمانة، ولئِنْ أحْسنوا لأحْسِنَنَّ إليهم ولئن أساؤوا لأنَكّلَنّ بهم. قال الرجل: فوالله ما زاد على ذلك حتى فارق الدنيا . قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حماد بن سلمة قال : أخبرنا يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمّد قال : قال عمر بن الخطّاب : لِيَعْلَمْ من وَليَ هذا الأمر من بعدي أن سَيُريدُه عنه القريبُ والبعيدُ، إني لأقاتل الناس عن نفسي قتالاً ، ولو علمتُ أنّ أحداً من النّاس أقوى عليه منّي لكنتُ أقدَّمُ فَتُضْرَبُ عُنُقي أحبّ إليّ من أن ألِيَه . قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن أيّوب وابن عون وهشام، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، عن محمد بن سيرين عن الأحنف قال : كنّا جلوساً بباب عمر فمَرّتْ جاريةٌ فقالوا سُرّيّةُ أمير المؤمنين، فقالت : ما هي لأمير المؤمنين بسرّيّة وما تَحِلّ له ، إنّها من مال الله، فقلنا: فماذا يحلّ له من مال اللّه؟ فما هو إلا قَدْرُ أنْ بلغت وجاءَ الرسول فدعانا فأتيناه فقال : ماذا قلتم ؟ قلنا : لم نقل بأساً ، مرّت جاريةٌ فقلنا هذه سرّيّة أمير المؤمنين ، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرّيّة وما تَحِلّ له ، إنّها من مال اللّه، فقلنا: فماذا يحلّ له من مال اللّه ؟ فقال : أنا أُخْبركم ٢٧٥ بما أسْتَحِلّ منه، يَحِلّ لي حُلّتان، حلّة في الشّتاء وحلّة في القيظ، وما أحُجّ عليه وأعْتَمِرُ من الظّهْر ، وقوني وقوتُ أهلي كقوت رجلٍ من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم ، ثمّ أنا بعدُ رجلٌ من المسلمين يُصيبُني ما أصابهم. قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح وقبيصة بن عقبة قالا : أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مُضَرّب قال : قال عمر بن الخطّاب: إني أنزلتُ نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم ، إن استغنيتُ استعففتُ وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف . قال وكيع في حديثه : فإن أيْسَرْتُ قضيتُ. قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال : أخبرنا زكريّاءُ بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرّب عن عمر أنّه قال : إني أنزلتُ مال اللّه مني بمنزلة مال اليتيم ، فإن استغنيتُ عفَفْتُ عنه وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف . قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : أخبرنا زائدة بن قدامة عن الأعمش عن أبي وائل قال : قال عمر : إني أنزلتُ مال الله مني بمنزلة مال اليتيم ، من كان غنياً فَلْيَسْتَعْفِفْ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف. قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حماد بن سلمة عن هشام ابن عروة عن عروة أنّ عمر بن الخطّاب قال: لا يَحِلّ لي من هذا المال إلا ما كنتُ آكلاً من صُلْب مالي قال : أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : أخبرنا سلام بن مسكين قال : أخبرنا عمران أنّ عمر بن الخطّاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاسْتَقْرَضَه ، فربّما عَسُرَ فيأتيه صاحبُ بيت المال يتقاضاه فيَلْزَمُه فيحتال له عمر ، وربّما خرج عطاؤه فقضاه . قال : أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر قال : أخبرنا عيسى بن . حفص قال: حدّثني رجل من بني سلمة عن ابنٍ البراء بن مَعْرُور أنّ ٢٧٦ عمر خرج يوماً حتى أتى المنبر ، وقد كان اشتكى شكوى له فنُعتَ له العَسَلُ وفي بيت المال عُكّة فقال: إنْ أذنتم لي فيها أخذتها وإلاّ فإنّها عليّ حرام ، فأذنوا له فيها . قال : أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر قال : أرسل إليّ عمر يَرْفا فأتيتُه وهو في مُصَلاّه عند الفجر أو عند الظهر ، قال فقال: والله ما كنت أرى هذا المال يَحِلّ لي من قبل أن أليه إلا بحقه ، وما كان قطّ أحرم عليّ منه إذ وليتُه فعاد أماني وقد أنفقتُ عليك شهراً من مال الله، ولستُ بزائدك ولكني مُعينك بثمر مالي بالغابة فاجدده فبِعْه ثمّ اثْتِ رجلاً من قومك من تُجّارهم فقم إلى جنبه، فإذا اشترى شيئاً فاسْتَشْرِ كْه فاسْتَنْفِقْ وأنْفِقْ على أهلك . قال : أخبرنا عارم بن الفضل ، أخبرنا حماد بن سلمة عن حُميد عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب رأى جارية تطيش هُزالاً فقال عمر: من هذه الجارية ؟ فقال عبد الله : هذه إحدى بناتك ، قال : وأيّ بناتي هذه ؟ قال : ابني ، قال : ما بَلَغَ بها ما أرى؟ قال: عملك، لا تُنْفِقُ عليها ، فقال: إنّي والله ما أغُرّك من ولدك فأُوسعَ على ولدك أيّها الرجل قال : أخبرنا يزيد بن هارون وأبو أسامة حمّاد بن أسامة قالا : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن مصعب بن سعد قال : قالت حفصة بنت عمر لأبيها ، قال يزيد يا أمير المؤمنين ، وقال أبو أسامة يا أبتِ ، إنّه قد أوسع اللّهُ الرّزق وفتح عليك الأرض وأكثر من الخير فلو طَعِمْتَ طعاماً ألين من طعامك ولَبِسْتَ لباساً ألين من لباسك ، فقال : سأُخاصمُك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يَلْقَى من شدّة العيش؟ قال فما زال يُذكّرها حتى أبكاها، ثمّ قال: إني قد قلتُ لك إني والله لئن استطعتُ لأشاركَنّهما في عيشهما الشديد لَعَلّي أَلْفى معهما ٢٧٧ عيشهما الرخيّ . قال يزيد بن هارون : يعني رسول اللّه وأبا بكر. أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : أخبرنا أبو عَقيل قال الحسن : إنّ عمر بن الخطّاب أبى إلاَّ شدّةً وحَصْراً على نفسه فجاء اللّه بالسعة فجاء المسلمون فدخلوا على حفصة فقالوا : أبَى عمر إلاّ شدّةً على نفسه وحصراً وقد بسط اللّه في الرزق ، فَلْيَبْسُطْ في هذا الفيءِ فيما شاءَ منه وهو في حِلّ من جماعة المسلمين . فكأنّها قاربتهم في هواهم ، فلمّا انصرفوا من عندها دَخَلَ عليها عمر فأخبرته بالذي قال القوم فقال لها عمر : يا حفصة بنت عمر نَصَحْتِ قومك وغَشَشْتِ أباكِ، إنّما حقّ أهلي في نفسي ومالي فأمّا في ديني وأمانتي فلا . قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن زيد عن غالب ، يعني القطّان، عن الحسن قال: كَلَّموا حفصة أن تُكَلّمَ أباها أن يُلين من عيشه شيئاً فقالت : يا أبتاه ، أو يا أمير المؤمنين ، إنّ قومك كلّموني أن تُلين من عيشك ، فقال : غششتِ أباك ونصحتِ لقومك . قال : أخبرنا يحيى بن حمّاد والفضل بن عنبسة قالا : أخبرنا أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم أنّ عمر بن الخطّاب كان يتجر وهو خليفة . قال يحيى في حديثه : وجهّز عيراً إلى الشأم فبعث إلى عبد الرحمن ابن عوف ، وقال الفضل : فبعث إلى رجل من أصحاب النبيّ ، عليه السلام ، قالا جميعاً يستقرضه أربعة آلاف درهم ، فقال الرسول : قل له يَأخُذُها من بيت المال ثمّ ليرُدّها . فلمّا جاءه الرسول فأخبره بما قال شَقّ ذلك عليه فلقيه عمر فقال : أنت القائل ليأخذها من بيت المال ؟ فإن مِتّ قبل أن تَجيء قلم أخَذَها أمير المؤمنين دَعوها له وأُوخَذُ بها يومَ القيامة ، لا ولكن أردتُ أن آخذها من رجلٍ حريص شحيح مثلك فإن مِتّ أخَذَها ، قال يحيى من ميراثي ، وقال الفضل من مالي . قال : أخبرنا عبد الله بن نُمير ، قال إسماعيل بن أبي خالد قال : ٢٧٨ أخبرني سعيد بن أبي بُرْدَة عن يسار بن نمير قال : سألني عمرُ : كم أنفقنا في حجّتنا هذه ؟ قلت : خمسة عشر ديناراً . قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن سفيان عن يحيى بن سعيد عن شيخ لهم قال : خرج عمر بن الخطّاب إلى مكّة فما ضرب فُسطاطاً حتى رجع ، كان يستظلّ بالنّطْعِ .. قال : أخبرنا عارم بن الفضل ، قال حمّاد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : وأخبرنا الفضل بن دُكين وعبد الوهّاب ابن عطاء قالا : أخبرنا عبد الله العُمري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة قال: صَحِبْتُ عمر بن الخطّاب من المدينة إلى مكّة في الحجّ ثمّ رجعنا فما ضرب فسطاطاً ولا كان له بناءٌ يستظلّ به إنّما كان يُلقي نطعاً أو كساء على شجرة فيستظلّ تحته . قال : أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أسامة قال : حدّثني جرير بن حازم قال : سمعتُ الحسن يحدّث قال : قَدِمَ أبو موسى في وفد أهل البصرة على عمر ، قال : فقالوا كنّا ندخل كلّ يوم وله خُبَزَ ثلاث فربّما وافقناها مأدومةً بزيتٍ ، وربّما وافقناها بسمن ، وربّما وافقناها باللبن ، وربّما وافقناها بالقدائد اليابسة قد دُقّت ثمّ أُغلي بها ، وربّما وافقنا اللحم الغريض وهو قليل . فقال لنا يوماً : أيّها القوم إني والله لقد أرى تعذيركم وكراهيتكم لطعامي ، وإنّ والله لو شئتُ لكنتُ أطْيَبكم طعاماً وأرفعكم عيشاً، أما والله ما أجهلُ عن كراكرَ وأسْنمة وعن صَلاً وصناب وصلائق ، ولكني سمعتُ اللّه، جلّ ثناؤه، عَيّرَ قَوْماً بأمرٍ فعلوه فقال: أَذْهَبَتُمْ طَيّبَاتِكُمْ في حياتكم الدنيا واسْتَمْتَعْتُمْ بها، وإنّ أبا موسى كلّمنا فقال: لو كلّمتم أمير المؤمنين يَفْرِضُ لنا من بيت المال أرْزاقنا، فوالله ما زال حتى كلّمناه فقال : يا معشر الأمراء أمّا تَرْضَوْنَ لأنفسكم ما أرضاه لنفسي؟ قال قلنا : يا أمير المؤمنين إنّ المدينة أرضٌ العيشُ بها شديد ولا نرى طعامك بُعَشّي ٢٧٩ ولا يُؤْكَل، وإنّا بأرضِ ذات ريف، وإنّ أميرنا يُعشّ وإنّ طعامه يؤكل ، فنكت في الأرض ساعة ثمّ رفع رأسه فقال: فنَعَمْ فإني قد فرضتُ لكم كلّ يوم من بيت المال شاتين وجريبين فإذا كان بالغداة فضع إحدى الشاتين على أَحد الجريبين فكلْ أنت وأصحابك ثمّ ادْعُ بشرابك فاشْرَبْ، ثمّ اسقِ الذي عن يمينك، ثمّ الذي يليه، ثمّ قم لحاجتك، فإذا كان بالعشيّ فضع الشاة الغابرة على الجريب الغابر فكل أنت وأصحابك ، ثمّ ادْعُ بشرابك فاشرب ، ألا وأشْبعوا الناس في بيوتهم وأطعموا عيالهم فإنّ تحفينكم للنّاس لا يُحسّن أخلاقهم ولا يُشْبِعُ جائعهم، واللّه مع ذاك ما أظنّ رُسْناقاً يُؤْخَذُ منهِ كلّ يومٍ شاتان وجريبان إلا يُسْرِعَانِ في خرابه . قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن يونس عن حُميد بن هلال أنّ حمص بن أبي العاص كان يَحْضُرُ طعام عمر فكان لا يأكل ، فقال له عمر : ما يمنعك من طعامنا ؟ قال : إنّ طعامك جَشِبٌ غليظ وإني راجع إلى طعام ليّنٍ قد صُنع لي فاصيب منه ، قال : أتراني أعْجِزُ أَنْ آمُرَ بشاةٍ فَيُلْقِى عنها شَعْرُها وآمُرَ بدَقيقٍ فَيُسْخَلَ في خرقة ثمّ آمُرَ به فيُخْبَزَ خبزاً رقاقاً وآمُرَ بصاع من زبيب فيُقْذَف في سُعْنِ ثُمّ يُصَبّ عليه من الماء فيُصبحَ كأنّه دَمُ غزال؟ فقال: إني لأراك عالماً بطيب العيش، فقال: أجَلْ! والّذي نفسي بيده لولا أن تنتقض حَسَنَاتي لَشَارَ كْتُكم في لين عيشكم . قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي نَضْرة عن الربيع بن زياد الحارثي أنّه وفد إلى عمر بن الخطّاب فأعجبته هيئته ونحوه فشكا عمر طعاماً غليظاً أكله ، فقال الربيع : يا أمير المؤمنين إنّ أَحَقّ النّاس بطعامٍ لَيْنٍ ومركبٍ ليّنٍ وملبسٍ لَيْنِ لأنْتَ . فرفع عمر جريدة معه فضرب بها رأسه وقال : أما واللهِ ما أراك أُرَدتَ بها اللّه وما أردتَ بها إلاّ مقاربسي إن كُنْتُ لْأحْسِب أنّ فيك ويحك ٢٨٠