النص المفهرس

صفحات 221-240

الله العزيز بالله، فبات ورُسُلُه مختلف بها في سِكَكِ المدينة حتى أسْحَرَ
وما عنده منها درهم .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين عن سفيان بن عيينة عن مجالد عن عامر
عن قبيصة بن جابر قال : ما رأيتُ أحداً أعطى الجزيلِ مالٍ من غير مسألة
من طلحة بن عبيد الله .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي خالد
عن ابن أبي حازم قال : سمعتُ طلحة بن عبيد الله يقول، وكان يُعَدّ
من حُلماء قريش : إنّ أقلّ العيب على الرجل جلوسُه في داره .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا إسماعيل عن قيس قال :
قال طلحة بن عبيد اللّه: إنّ أقلّ العيب على المرء أنْ يَجْلِسَ في داره .
قال : حدّثنا محمد بن عمر قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي
سَبْرة عن مخرمة بن سليمان الوالبي عن عيسى بن طلحة قال : كان أبو
محمد طلحة يُغِلّ كلّ يومٍ من العراق ألفَ وافٍ درهمٍ ودانقين.
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم
عن أبيه قال : كان طلحة بن عبيد اللّه يُغِلّ بالعراق ما بين أربعمائة ألفٍ
إلى خمسمائة ألف، ويُغِلّ بالسراة عشرة آلاف دينار أو أقل أو أكثر ،
وبالأعراض له غلاّتٌ، وكان لا يدَعُ أحداً من بني تَيْم عائلاً إلاّ كفاه
مؤونته ومؤونة عياله وزوّج أياماهم وأخْدَمَ عائلهم وقضى دين غارمهم ،
ولقد كان يُرسل إلى عائشة إذا جاءت غلّته كلّ سنة بعشرة آلاف ، ولقد
قضى عن صُبيحة التيمي ثلاثين ألف درهم .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني إسحاق بن يحيى عن موسى
ابن طلحة أنّ معاوية سأله : كم ترك أبو محمد ، يرحمه الله، من العين ؟ قال:
ترك ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار ، وكان ماله
قد اغتيل ، كان يُغِلّ كلّ سنة من العراق مائة ألف سوى غلاّته من السراة
٢٢١

وغيرها ، ولقد كان يُدْخِلُ قُوتَ أهله بالمدينة سَنَّهم من مزرعة بقناة
كان يَزْرَعُ على عشرين ناضحاً ، وأوّلُ من زرع القمح بقناة هو ، فقال
معاوية : عاش حميداً سخيّاً شريفاً وقُتل فقيراً ، رحمه الله .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي
سَبْرَة عن محمد بن زيد بن المهاجر عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال :
كانت قيمة ما ترك طلحة بن عبيد الله من العقار والأموال وما ترك من النّاض
ثلاثين ألف ألف درهم ، ترك من العين ألفي ألف ومائتي ألف درهم ومائتي
ألف دينار ، والباقي عُروض .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني إسحاق بن يحيى عن جدّته
سُعْدَى بنت عوف المُرّيّة أمّ يحيى بن طلحة قالت : قُتْل طلحة بن عبيد
الله، يرحمه الله، وفي يد خازكه ألفا ألف درهم ومائتا ألف درهم ، وقُوّمت
أصولُه وعقارُه ثلاثين ألف ألف درهم .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أبو رجاء الأيلي عن يزيد
ابن أبي حبيب عن عليّ بن رباح قال: قال عمرو بن العاص حُدَّثْتُ أنّ
طلحة بن عبيد اللّه ترك مائة بُهار في كلّ بهار ثلاث قناطر ذهب، وسمعتُ
أنّ البُهارِ جِيْدُ ثور .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي
سبرة عن مخرمة بن سليمان الوالي عن السائب بن يزيد قال : صَحِبْتُ
طلحة بن عبيد الله في السفر والحضر فلم أُخْبَرْ أحداً أعَمّ سخاءً على الدرهم
والثوب والطعام من طلحة .
قال محمد بن سعد : وأخبرني من سمع إسماعيل بن أبي خالد يخبر
عن حكيم بن جابر الأحمسي قال : قال طلحة بن عبيد اللّه يوم الجمل:
إنّا دامنًا في أمر عثمان فلا نَجِدُ اليوم شيئاً أمْثَلَ منْ أَنْ تَبْذُلَ دماءَنا
فيه ، اللّهمّ خُذْ لعثمان مني اليوم حتى ترضى.
٢٢٢

قال: أخبرنا رَوْح بن عُبادة قال : أخبرنا عوف قال : بلغني أن
مروان بن الحكم رمى طلحة يوم الجمل وهو واقف إلى جنب عائشة بسهم
فأصاب ساقه ثمّ قال: والله لا أطلبُ قاتلَ عثمان بعدك أبداً. فقال طلحة
لمَوْلَى له : ابْغني مكاناً ، قال : لا أقدرُ عليه ، قال : هذا والله سهم أرسله
اللّه، اللّهُمّ خُذْ لعثمان مني حتى ترضى. ثمّ وَسّدَ حجراً فمات .
قال : أخبرنا رَوْح بن عُبادة قال : أخبرنا ابن عون عن نافع قال :
كان مروان مع طلحة في الخيل فرأى فُرْجة في درع طلحة فرماه بسهم
فقتله
قال : أخبرنا رَوْح بن عُبادة قال : أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن
قتادة قال : رُمِيَ طلحة فأعْنَقَ فَرَسُهُ فركض فمات في بني تميم فقال :
باللّهِ مَصْرَعُ شَيْخِ أُضيعَ .
قال : أخبرنا سليمان بن حرب قال : أخبرنا حمّاد بن زيد عن قُرّة
ابن خالد عن محمد بن سيرين أنّ مروان اعترض طلحةَ لما جال النّاس بسهم
فأصابه فقتله .
قال محمد بن سعد: أخبرني من سمع أبا حُباب الكلبي يقول حدّثني
شيخ من كلب قال: سمعتُ عبد الملك بن مروان يقول لولا أنّ أمير المؤمنين
مروان أخبرني أنه هو الذي قتل طلحة ما تركتُ من ولد طلحة أحداً إلاّ
قتلته بعثمان بن عفّان
قال : أخبرنا أبو أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد قال : أخبرني
قيس بن أبي حازم قال : رمى مروان بن الحكم طلحة يوم الجمل في رُكبته
فجعل الدم يغذو يسيل فإذا أمسكوه اسْتَمْسكَ وإذا تركوه سال ، قال :
واللّه ما بَلَغَتْ إلينا سهامُهم بَعْدُ، ثمّ قال: دَعُوه فإنّما هو سهمُ
أرسله الله. فمات فدفنوه على شطّ الكلاّء، فرأى بعضُ أهله أنّه قال:
ألا تُريحونني من هذا الماء فإني قد غَرِقْتُ ، ثلاثَ مرّات يقولها ، فنبشوه
٢٢٣

من قبره أخْضَرَ كأنّه السّلْق فنزفوا عنه الماءَ ثمّ استخرجوه فإذا ما يلي
الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض ، فاشتروا داراً من دور أبي بكرة
فدفنوه فيها .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم
ابن محمد بن طلحة عن محمد بن زيد بن المهاجر قال : قُتل طلحة بن عبيد
الله، يرحمه الله ، يوم الجمل ، وكان يوم الخميس لعشرٍ خلون من جمادى
الآخرة سنة ستّ وثلاثين ، وكان يومَ قُتِلَ ابنَ أربعٍ وستّين سنة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : قال لي إسحاق بن يحيى عن عيسى
ابن طلحة قال : قُتل وهو ابن اثنتين وستين سنة .
قال : أخبرنا أبو معاوية الضرير قال : أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن
أبي حَبيبة مَوْلَى لطلحة قال : دخل عِمْران بن طلحة على عليّ بعدما
فَرَغَ من أصحاب الجمل فرحّبَ به وقال : إني لأرجو أن يجعلني اللّه وإيّاك
من الذين قال الله: إخواناً على سُرُرٍ مُتَقابلينَ . قال ورجلان جالسان على
ناحية البساط فقالا : اللّهُ أعدَلُ من ذلك، تَقْتُلُهُم بالأمس وتكونون
إخْواناً على سُرُرٍ متقابلين في الجنّة ؟ فقال عليّ: قُوما أبْعَدَ أرْضٍ
وأسْحَقَهَا، فمَنْ هو إذاً إن لم أكنْ أنا وطلحة ؟ قال ثمّ قال لعمران :
كيف أهْلُكَ مَنْ بَقِيَ من أمهات أولاد أبيك؟ أما إنّا لم نَقْبِضْ أرضَكم
هذه السّنين ونحن نريد أن نأخذها ، إنّما أخذناها مخافةَ أنْ ينتهبها النّاسُ .
يا فلان اذْهَبْ معه إلى ابن قَرَظَة فمُرْهُ فَلْيَدْفَعْ إليه أرضه وغَلّةَ هذه
السنين ، يا ابن أخي وأتنا في الحاجة إذا كانت لك .
قال : أخبرنا عبد الله بن نُمير عن طلحة بن يحيى قال : أخبرني أبو
حبيبة قال : جاءّ عمران بن طلحة إلى عليّ فقال : تَعالَ هاهنا يا ابن أخي .
فأجلسه على طَنْفَسَتَه فقال: والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبو هذا ممن
قال الله: ونَزّعْنَا ما في صدُورِهم من غِلّ إخواناً على سُرُرٍ مُتُقابلينَ .
٢٢٤

فقال له ابن الكَوّاء : اللّه أَعْدَلُ من ذلك. فقام إليه بدرّته فضربه وقال :
أنت ، لا أمّ لك ، وأصحابُك تنكرون هذا ؟
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا أبان بن عبد الله السَجَلي
قال : حدّثّني نُعيم بن أبي هند قال : حدّثّي رِبْعِيّ بن حِراش قال : إني
لعند عليّ جالسٌ إذا جاء ابن طلحة فسلّم على عليّ، فرحّب به عليّ ، فقال :
تُرَحّبُ بي يا أمير المؤمنين وقد قَتَلْتَ والدي وأخذتَ مالي ؟ قال : أمّا
. مالك فهو معزول في بيت المال ، فاغْدُ إلى مالك فخذه ، وأمّا قولك قتلت
أبي فإني أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله: ونَزَعْنا ما في صُدورهم
مِنْ غِلّ إِخْواناً على سُرُرٍ مُتَقابلينَ . فقال رجل من همدان أعْور :
اللّه أعْذَلُ من ذلك. فصاح عليّ صيحة تداعى لها القصر، قال: فمَنْ
ذاك إذا لم نكن نحن أولئك ؟
قال : أخبرنا حفص بن عمر الحوْضي قال : أخبرنا عبيدة بن أبي
رَيْطَة قال : أخبرني أبو حُميدة عليّ بن عبد اللّه الظّاعني قال : لما قدم عليّ
الكوفة أرسل إلى ابنَيْ طلحة بن عبيد الله فقال لهما : يا ابي أخي انطلقا
إلى أرضكما فاقبضاها فإني إنّما قبضتها لئلاّ يَتَخَطّفَها الناس، إني لأرجو
أن أكون أنا وأبوكما ممن ذكر الله في كتابه: وَنَزَعْنا ما في صُدورهمْ
مِنْ غِلٍّ إِخْواناً على سُرُرٍ مُتَقابلينَ . قال الحارث الأعور الهَمْداني :
اللّهُ أَعْدَلُ من ذلك، فأخذ عليّ بمجامع ثيابه وقال: فمَنْ، لا أمّ لك.
مرّتين.
قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّيّ قال: أخبرنا عبيد الله بن عمرو
عن زيد بن أبي أُنيسة عن محمد الأنصاري عن أبيه قال : جاءَ رجل يومَ
الجمل فقال : اثْذَنوا لقاتل طلحة . قال فسمعتُ عليّاً يقول: بَشّرْه
بالنّار .
١٥-٣
٢٢٥

صھیْبُ بن سنان
٠٠٠
ابن مالك بن عبد عمرو بن عُقيل بن عامر بن جندلة بن خُزيمة بن
كعب بن سعد بن أسلم بن أوس مناة بن النّمِر بن قاسط بن هِنْب بن
أفْصى بن دُعْميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ، وأمّه سلمى بنت
قَعيد بن مهيض بن خُزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم ، وكان
أبوه سنان بن مالك ، أو عمه ، عاملاً لكسرى على الأبُلّة ، وكانت منازلهم
بأرض المَوْصِل ، ويقال كانوا في قرية على شط الفرات ممّا يلي الجزيرة
والموصل فأغارت الروم على تلك الناحية فسبّتْ صُهيباً وهو غلام صغير ،
فقال عمّه: أنْشُدُ اللّهَ، الغلامُ النّمِرِيّ دَجّ وأهلي بالشّيّ، قال: والتّيّ
اسم القرية التي كان أهله بها ، فنشأ صُهيب بالروم فصارَ ألْكَنَ فابتاعته
كلب منهم ثمّ قدمت به مكّة فاشتراه عبد اللّه بن جُدْعان التيميّ منهم فأعتقه
فأقام معه بمكّة إلى أن هلك عبد الله بن جُدْعان وبُعثَ النبيّ، صلّى الله
عليه وسلّم، لما أراد الله به من الكرامة ومَنّ به عليه من الإسلام . وأمّا
أهل صُهيب وولِدِه فيقولون بل هَرَّبَ من الروم حين بلغ وعَقَلَ فقدم
مكّة فحالف عبد اللّه بن جُدْعان وأقام معه إلى أن هلك ، وكان صُهيب
رجلاً أحمر شديد الحمرة ، ليس بالطويل ولا بالقصير ، وهو إلى القصر
أقرب ، وكان كثير شعر الرأس ، وكان يخضب بالحنّاء .
قال : أخبرنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا : أخبرنا حمّاد
ابن زيد عن معروف بن أبي معروف الجَزّريّ قال : سمعتُ محمد بن سيرين
يقول : صهيب من العرب من النّمِرِ بن قاسط .
قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال : قال
رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم : صُهيب سابق الروم.
قال : أخبرنا عبد الملك أبو عامر العقديّ وأبو حُذيفة موسى بن مسعود
٢٢٦

قالا: أخبرنا زهير بن محمد قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقيّ قال:
أخبرنا عبيد الله بن عمرو جميعاً عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن حمزة
ابن صُهيب عن أبيه أنّه كان يُكنى أبا يحيى ويقول إنّه من العرب ويُطْعِمُ
الطعامَ الكثيرَ، فقال له عمر بن الخطّاب: يا صُهيب مالك تُكنى أبا يحيى
وليس لك ولدٌ وتقول إنك من العرب وأنت رجل من الروم وتُطْعِمُ
الطعامَ الكثير وذلك سَرَفٌ في المال ؟ فقال صُهيب: إنّ رسول الله، صلّى
اللّه عليه وسلّم، كناني أبا يحيى، وأمّا قولك في النّسب وادّعائي إلى العرب
فإني رجل من النمر بن قاسط من أهل الموصل ولكن سُبِيتُ ، سَبَتْني
الرومُ غلاماً صغيراً بعد أن عَقَلْتُ أهلي وقومي وعرفتُ نسبي ، وأمّا
قولك في الطعام وإسرافي فيه فإنّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، كان
يقول إنّ خِيارَكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعامَ ورَدّ السلامَ ، فذلك الذي يحملني
على أن أُطْعِمَ الطّعام .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني عبد اللّه بن أبي عبيدة عن
أبيه قال عمار بن ياسر : لقيتُ صُهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول
الله، صلّى الله عليه وسلّم، فيها فقلت : ما تريد؟ فقال لي : ما تريد أنت ؟
فقلت : أردتُ أن أدخل على محمد فأسْمَعَ كلامه ، قال : وأنا أريد ذلك .
قال فدخلنا عليه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا ، ثمّ مكثنا يومنا على ذلك حتى
أمسينا ، ثمّ خرجنا ونحن مُستخفون، فكان إسلام عَمّار وصُهيب بعد
بضعة وثلاثين رجلاً .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا معاوية بن عبد الرحمن بن
أبي مُزَرّد عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال : كان صُهيب بن
سنان من المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا يعذَّبون في اللّه بمكّة .
قال : أخبرنا هَوْذةٍ بن خليفة قال : أخبرنا عوف عن أبي عثمان
النّهْديّ قال : بلغني أنّ صهيباً حين أراد الهجرة إلى المدينة قال له أهل مكة :
٢٢٧

أَتَيْتَنَا هاهنا صُعْلوكاً حقيراً فكَثُرَ مالُك عندنا وبلغتَ ما بلغتَ ثمّ تنطلق
بنفسك ومالك ؟ والله لا يكونُ ذلك. فقال: أرَأيْتُمْ إِنْ تركتُ مالي
تُخَلّونَ أَنتُم سبيلي؟ قالوا: نعم . فجعل لهم مالَه أجْمَعَ ، فبلغَ النبيّ ،
صلّى الله عليه وسلّم، فقال رَبَحَ صُهَيْبٌ ، رَبَحَ صهيب .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم وسليمان بن حرب وموسى بن إسماعيل
قالوا : أخبرنا حمّاد بن زيد قال : أخبرني عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب
قال : أقبل صهيب مهاجراً نحو المدينة واتّبعه نفرٌ من قريش فنزل عن راحلته
وانْتَثَلَ ما في كِنانته ثمّ قال: يا معشر قريش لقد عَلِمْتُم أني مِنْ
أَرْماكم رجلاً، وايْمُ اللّه لا تَصِلون إليّ حتى أرْميَ بكلّ سهم معي في
كنانتِي ثمّ أضْرِبَكُم بسيفي ما بقيَ في يدي منه شيءٌ ، فافعلوا ما شئْتُم ،
فإنْ شِئْتُم دَلَلتُكم على مالي وخلّيتُم سبيلي ، قالوا : نعم ، ففعل .
فلمّا قدم على النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، قال: رَبّحَ البَيْعُ أبا يحيّى،
رَبِّحَ البَيْعُ ، قال ونزلت: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضاةٍ
اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بالعباد .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني عاصم بن سُويد من بني
عمرو بن عوف عن محمد بن عمارة بن خُزيمة بن ثابت قال : قدِمَ آخرَ
الناس في الهجرة إلى المدينة عليّ وصُهيب بن سنان ، وذلك للنصف من شهر
ربيع الأوّل، ورسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، بقُباءَ لم يَرِمْ بعد .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني عبد الله بن جعفر عن عبد
الحكيم بن صُهيب عن عمر بن الحكم قال : قدم صهيبٌ على رسول اللّه،
صلّى الله عليه وسلّم، وهو بقباءَ ومعه أبو بكر وعمر وبين أيديهم رُطَبٌ
قد جاءَ هم به كلثوم بن الهِدْم أمّهاتُ جراذِين ، وصُهيب قد رَمِدَ بالطريق
وأصابته مجاعةٌ شديدة، فوقع في الرطب فقال عمر: يا رسول الله ألا ترى
إلى صُهيب يأكل الرطب وهو رَمِدٌ ؟ فقال رسول الله ، صلّى اللّه عليه وسلّم :
٢٢٨
:

تَأْكُلُ الرّطَبَ وأنْتَ رَمِدٌ ؟ فقال صُهيب: وإنّما آكُلُه بشِقّ عَيْني
الصحيحة ، فتبسم رسولُ الله، صلّى الله عليه وسلّم، وجعل صُهيب يقول
لأبي بكر : وَعَدْتَني أن تصطحب فخرَجتَّ وتركتني ، ويقول : وعدتَني
يا رسول اللّه أن تصاحبني فانطلقتَ وتركتني فأخذ تني قريشٌ فحبسوني
فاشتريتُ نفسي وأهلي بمالي . فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: رَبَحَ
البَيْعُ، فأنزلَ اللّهَ: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهَ ابْتِغَاءَ مَرْضاةٍ
اللّهِ. وقال صُهيب: يا رسول الله ما تزوّدتُ إلاّ مُدّاً من دقيق عَجَنْتُه
بالأبواء حتى قدمتُ عليك .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني محمد بن صالح عن عاصم
ابن عمر بن قتادة قال : لما هاجر صُهيب من مكة إلى المدينة نزل على سعد
ابن خَيْثَمَةَ، ونزل العُزّابُ من أصحاب رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم،
على سعد بن خَيْثَمَة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني موسى بن محمد بن إبراهيم
ابن الحارث التيمي عن أبيه قال : آخى رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ،
بين صُهيب بن سنان والحارث بن الصّمّة .
قال : وشهد صُهيب بدراً وأحُداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول
الله ، صلّى الله عليه وسلّم.
قال : أخبرنا سليمان بن حرب قال : أخبرنا جرير بن حازم عن يتَعْلى
ابن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله قال : كان صُهيب يقول: هَلُمّوا
نُحّدَئكم عن مغازينا فأمّا أن أقولَ قال رسول الله فلا .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني فُليح بن سليمان عن عامر
ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : قال عمر لأهل الشّورى فيما يوصيهم
به : وَلْيُصَلّ لكم صُهيبٌ .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني طلحة بن محمد بن سعيد
٢٢٩

عن أبيه عن سعيد بن المسيّب قال : لما توُفّي عمر نظر المسلمون فإذا صُهيب
يُصَلّي بهم المكتوباتِ بأَمْرٍ عُمَرَ فقدّموا صُهيباً فصلّى على عُمَرَ .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أبو حُذيفة رجل من ولد
صُهيب عن أبيه عن جده قال : توفي صُهيب في شوّال سنة ثمان وثلاثين وهو
ابن سبعين سنة بالمدينة ، ودفن بالبقيع . قال محمد بن عمر : وقد روى صُهيب
عن عمر رضي الله عنهما .
عامرُ بن فُهَيْرَة
مولى أبي بكر الصدّيق ويُكنى أبا عمرو .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدِّي مَعْمَرَ عن الزهريّ عن
عروة عن عائشة في حديث لها طويل قالت : وكان عامر بن فُهَيْرَة للطّفيل
ابن الحارث أخي عائشة لأمّها أمّ رومان ، فأسلم عامر فاشتراه أبو بكر
فأعتقه ، وكان يرعى عليه منيحة من غنم له .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني محمد بن صالح عن يزيد
ابن رُومان قال: أسلم عامر بن فُهيرة قبل أن يدْخُلَّ رسول الله، صلّى
الله عليه وسلّم ، دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا معاوية بن عبد الرحمن بن
أبي مزرّد عن يزيد بن رُومان عن عروة بن الزبير قال : كان عامر بن فُهيرة
من المستضعفين من المؤمنين ، فكان ممن يعذَّب بمكّة ليرجع عن
دينه .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا محمد بن صالح عن عاصم
ابن عمر بن قتادة قال : لمّا هاجر عامر بن فهيرة إلى المدينة نزل على سعد
٢٣٠

ابن خيثمة .
قالوا : آخى رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، بين عامر بن فهيرة
والحارث بن أوس بن معاذ، وشهِدَ عامر بن فُهيرة بدراً وأحداً ، وقُتل
يومَ بئرِ مَعُونة سنة أربعٍ من الهجرة ، وكان يومَ قُتل ابن أربعين سنة .
قال : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان
عن ابن شهاب قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك
ورِجالٌ من أهل العلم أنّ عامر بن فُهيرة كان من أولئك الرهط الذين قُتلوا.
يوم بئر معونة . قال ابن شهاب فزعم عروة بن الزبير أنّه قُتل يومئذٍ فلم
يوجد جسده حين دُفِنَ ، قال عروة : وكانوا يرون أنّ الملائكة هي
دَفَنَتْهِ .
قال : أخبرنا محمد بن عمر عن من سُمّي من رجاله في صدر هذا
الكتاب أنّ جبّار بن سُلْمى الكلبي طعن عامر بن فُهيرة يومئذٍ فأنفذه ،
فقال عامر : فُزْتُ واللّهِ! قال: وذُهِبَ بعامر عُلُوّاً في السماء حتّى ما
أراه. فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: فإنّ الملائكة وارَتْ جُنْتَه
وأُنْزِلَ عِلّيّينَ، وسألَ جَبّارُ بن سُلْمى ما قوله فُرْتٌ واللّهِ، قالوا :
الجنّة. قال فأسلم جبّار لِما رأى من أمر عامر بن فُهيرة فحَسُنْ
إسلامه .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني محمد بن عبد الله عن الزهريّ
عن عروة عن عائشة قالت : رُفع عامر بن فُهيرة إلى السماء فلم توجد جثّته ،
يرون أنّ الملائكة وارته .
٢٣١

بلال بن رباح
مولى أبي بكر ويكنى أبا عبد الله ، وكان من مُولّدي السراة واسم
أمّهُ حَمَامةُ ، وكانت لبعض بني جُمَحَ .
قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال : قال
رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: بلال يسابقُ الحَبّشة.
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا معاوية بن عبد الرحمن بن
أبي مزرّد عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال : كان بلال بن رباح
من المستضعفين من المؤمنين ، وكان يعذَّب حين أسلم ليرجع عن دينه ،
فما أعطاهم قطّ كلمة ممّا يريدون ، وكان الذي يُعذّبّه أميّة بن خَلَف.
قال : أخبرنا عثمان بن عمر ومحمد بن عبد الله الأنصاري قالا : أخبرنا
ابن عون عن عمير بن إسحاق قال : كان بلال إذا اشتدّوا عليه في
العذاب قال: أحَدٌّ أحَدٌ، فيقولون له: قُلْ كما نقول، فيقول: إنّ
لساني لا يُحْسِنه ..
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب
عن محمّد أنّ بلالاً أخذه أهله فمطوه وألْقَوْا عليه من البطحاء وجلدَ بقرة
فجعلوا يقولون : ربّك اللاّتُ والعُزَّى، ويقول: أحَدٌّ أحَدٌ . قال فأتى
عليه أبو بكر فقال : عَلامَ تُعَذّبون هذا الإنسان ؟ قال : فاشتراه بسبع
أواق فأعتقه، فذكر ذلك للنبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، فقال: الشّرِكَةَ
يا أبا بكر ، فقال : قد أعتقته يا رسول الله .
قال : أخبرنا عبد الله بن الزبير الحُميدي قال : أخبرنا سفيان بن عيينة
عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال : اشترى أبو بكر بلالاً بخمس
أواق .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين وعبد الملك بن عمرو العَقَديّ وأحمد
٢٣٢

ابن عبد اللّه بن يونس قالوا : أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمَة
عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنّ عمر كان يقول : أبو بكر
سَيِّدُنا وأعْشَقَ سَيّدَنا، يعني بلالاً .
قال : أخبرنا جرير بن عبد الحميد الضّبيّ عن ليث عن مجاهد في قوله
تعالى: مَا لّنا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدّهم مِنَ الأَشْرارِ أَنّخَذْنَاهُمْ
سُخْرِيّاً أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ ، قال : يقول أبو جهل أينَ بلالٌ
أين فلان أين فلان كنّا نعدّهم في الدّنيا من الأشرار فلا نراهم في النّار
أم هم في مكان لا نراهم فيه أم هم في النّار لا نرى مكانهم ؟
قال : أخبرنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد قال : أوّلُ
من أظهرَ الإسلام سبعة : رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، وأبو بكر ،
وبلال ، وخَبّاب، وصُهيب، وعَمّار، وسُمَيَّةُ أُمّ عمّار. قال :
فأمّا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فمنعه عمّه، وأمّا أبو بكر فمنعه
قومه، وأُخِذَ الآخرون فألبَسوهم أدراع الحديد ثمّ صَهروهم في الشّمس
حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ فأعطوْهم ما سألوا ، فجاء كلّ رجل منهم
قومَه بأنْطاع الأُدْمِ فيها الماءُ فألْقَوْهم فيه وحملوا بجوانبه إلاّ بلالاً.
فلمّا كان العشيّ جاء أبو جَهْل فجعل يَشْتُمُ سُمَّةَ ويَرْفُثُ، ثمّ
طعنها فقتلها فهي أوّلُ شهيدٍ استشهد في الإسلام إلاّ بلالاً فإنّه هانت عليه
نفسه في اللّه حتى ملّوه، فجعلوا في عنقه حبلاً ثمّ أمروا صبيانهم أنْ يشتدّوا
به بين أخْشَيْ مكة، فجعل بلالٌ يقول: أحَدٌّ أحَدٌ .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني محمد بن صالح عن عاصم
ابن عمر بن قتادة لما هاجر بلال إلى المدينة نزل على سعد بن خيثمة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني موسى بن محمد بن إبراهيم
عن أبيه قال : آخى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، بين بلال وبين عُبيدة
ابن الحارث بن المطّلب ، وقال محمد بن عمر : ويقال إنّه آخى بين بلال
٢٣٣

وبين أبي رُوَيحَة الخَلْعَميّ .
قال محمد بن عمر : وليس ذلك بثبت ولم يشهد أبو رُويحة بدراً .
وكان محمد بن إسحاق يُثبت مؤاخاة بلال وأبي رويحة عبد الله بن
عبد الرحمن الخثعمي ثمّ أحَدٍ الفُرْعِ ويقول: لما دَوّنَ عمرُ بن الخطّاب
الدواوين بالشأم خرج بلال إلى الشأم فأقام بها مجاهداً ، فقال له عمر : إلى
مَنْ تجعل ديوانك يا بلال ؟ قال : مع أبي رُويحة لا أفارقه أبدأ للأخوّة التي
كان رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، عقد بيني وبينه. فَضَمّه إليه وضَّمَ
ديوان الحَّبَشَة إلى خَشْعَمِ لمكانِ بلال منهم ، فهو في خثعم إلى هذا
اليوم بالشأم
قال : أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي والفضل بن دُكين قالا : أخبرنا
المسعوديّ عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أوّلُ من أُذّنَ بلال" .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني موسى بن محمد بن إبراهيم
ابن الحارث التيمي عن أبيه قال : كان بلال إذا فرغ من الأذان فأراد أن
يَعْلَمَ النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، أنّه قد أذّن وقف على الباب وقال :
حَيّ على الصلاة ، حتيّ على الفلاح ، الصلاة يا رسول الله .
قال محمد بن عمر : فإذا خرج رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ،
فرآه بلال ابتدأ في الإقامة .
قال : أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن جابر عن
عامر قال: كان لرسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ثلاثة مؤذّنين: بلال
وأبو مَجْذورة وعمرو بن أمّ مكتوم ، فإذا غاب بلال أذّن أبو محذورة ،
وإذا غاب أبو محذورة أذّن عمرو بن أمّ مكتوم .
أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن
ابن أبي مليكة أو غيره أنّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، أمر بلالاً
أن يؤذّن يوم الفتح على ظهر الكعبة فأذّن على ظهرها والحارث بن هشام
٢٣٤

وصَفْوان بن أمية قاعدان ، فقال أحدهما للآخر : انْظُرْ إلى هذا الحبشيّ،
فقال الآخر: إنْ يَكْرَهْهُ اللّهُ يُغَيّرْه.
( قال : أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النّهديّ قال : أخبرنا شريك
عن سماك بن حرب عن جابر بن سَمُرَة أنّ بلالاً كان يؤذّن حين يَدْحضُ
الشمس ويُؤخّر الإقامة قليلاً، أو قال: وربّما أخّرَ الإقامة قليلاً ولكن
لا يخرج في الأذان عن الوقت .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم وعارم قالا : أخبرنا حماد بن سلمة.
عن ثابت عن أنس بن مالك أنّ بلالاً صعد ليؤذّن وهو يقول : .
مالٍ بِلالاً ثَكَلَتْه أمُّه
وابْتَلّ منْ نَضْحِ دمِ جبينه
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني عبد الله بن عمر عن نافع
عن ابن عمر قال : كانت العَنَزَةُ تُحْمَلُ بين يدي رسول الله، صلّى
اللّه عليه وسلم، يوم العيد يحملها بلالٌ المؤذِّن ...
قال محمد بن عمر: فكان يَرْكُزُما بين يديه والمصلّى يومئذٍ فَضاءٌ.
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني إبراهيم بن محمد بن عمّار
ابن سعد القَرَظِ عن أبيه عن جدّه قال : كان بلالٌ يحمل العنزة بين يدي
رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يوم العيد والاستسقاء.
قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني قال : حدّثني
عبد الرحمن بن سعد بن عمّار بن سعد بن عَمّار بن سعد المؤذّن قال :
حدّثني عبد الله بن محمد بن عَمّار بن سعد وعمّار بن حفص بن عمر بن
سعد وعمر بن حفص بن عمر بن سعد عن آبائهم عن أجداده أنّهم أخبروه
(أنّ النجاشيّ الحبشيّ بعث إلى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ثلاث
عثرات فأمسك النبيّ ، صلّى الله عليه وسلم، واحدة لنفسه وأعطى عليّ
ابن أبي طالب واحدة وأعطى عمر بن الخطّاب واحدة ، فكان بلال يمشي
٣٣٥

بتلك العنزة التي أمسكها رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، لنفسه بين يدي
رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، في العيدين يوم الفطر ويوم الأضحى
حتى يأتي المُصَلّى فَيَرْكُزُها بين يديه فيصلّي إليها ، ثمّ كان يمشي بها
بين يدي أبي بكر بعد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، كذلك، ثمّ كان
سعد القَرَظِ يمشي بها بين يدي عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفان في العيدين
فيركزها بين أيديهما ويصلّان إليها . قال عبد الرحمن بن سعد : وهي هذه
العنزة التي يُمْشى بها اليوم بين يدي الولاة .
قالوا : ولما توفي رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، جاءَ بلال إلى
أبي بكر الصدّيق فقال له : يا خليفة رسول الله إني سمعتُ رسول اللّه،
صلّى الله عليه وسلّم ، وهو يقول أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله ،
فقال أبو بكر : فما تشاءُ يا بلال ؟ قال : أردتُ أن أرابط في سبيل الله حتى
أموت. فقال أبو بكر: أنْشُدُكَ اللّهَ يا بلال وحُرْمَي وحَقَي فقد كبرتُ
وضعفتُ واقترب أجَلي . فأقام بلال مع أبي بكر حتى توفي أبو بكر ، فلمّا
توفي أبو بكر جاءَ بلال إلى عمر بن الخطّاب فقال له كما قال لأبي بكر ،
فَرَدٌ عليه عمر كما ردّ عليه أبو بكر ، فأبى بلال عليه فقال عمر : فإلى
مَنْ ترى أن أجعلَ النداء ؟ فقال: إلى سعد، فإنّه قد أذّن لرسول اللّه،
صلّى الله عليه وسلّم ، فدعا عمر سعداً فجعل الأذان إليه وإلى عقبه من
بعده .
قال : أخبرنا محمد بن عمر عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث
التيمي عن أبيه قال: لما توفي رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أذّن بلال
ورسول الله، صلّ اللّه عليه وسلّم، لم يُقْبَرْ، فكان إذا قال أشْهَدُ أنّ
محمداً رسول الله انتحب الناس في المسجد . قال فلمّا دُفن رسول الله ،
صلّى الله عليه وسلّم، قال له أبو بكر: أذّنْ، فقال: إن كنتَ إنّما
أعْتَقْتّني لأن أكون معك فسبيل ذلك، وإن كنت أعتقتني لله فخلّي ومَنْ
٢٣٦

أعتقتّني له . فقال: ما أعتقتُك إلاّ اللّه. قال: فإني لا أُؤذّنُ لأحدٍ بعد
رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قال : فذاك إليك . قال فأقام حتى خرجتْ
بُعوثُ الشأم فسار معهم حتى انتهى إليها .
قال : أخبرنا رَوْح بن عبادة وعفّان بن مسلم وسليمان بن حرب
قالوا : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب أنّ
أبا بكر لمّا قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال : يا أبا بكر ، قال : لَبّيْك ،
قال: أَعْتَقْتَني للّه أو لنفسك؟ قال: للّه، قال: فأذَنْ لي حتى أغزوّ
في سبيل اللّه . فأذنَ له فذهب إلى الشأم فمات ثّم" .
قال : أخبرنا وهب بن جرير قال : أخبرنا شعبة عن مغيرة وأبي
سلمة عن الشعبي قال : خَطَبَ بلالٌ وأخوه إلى أهل بيت من اليمن فقال :
أنا بلال وهذا أخي، عَبْدانِ من الحَبَشَةِ كنّا ضالّين فهدانا اللّه وكنّا
عَبْدَين فأعتقنا الله، إنْ تُنْكِحونا فالحمدُ لله وإنْ تمنعونا فالله أكبر .
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا عبد الواحد بن زياد قال :
أخبرنا عمرو بن ميمون قال : حدّثّني أبي أنّ أخاً لبلال كان ينتمي إلى العرب
ويزعم أنه منهم فخَطَبَ امرأةً من العرب فقالوا: إن حَضَرَ بلالٌ زَوّجناك.
قال: فحضر بلالٌ فتشَهّدَ وقال : أنا بلال بن رباحٍ وهذا أخي وهو
امْرُؤْ سَوْءٍ فِي الْخُلُقَ والدين، فإنْ مَنتُم أن تُزَوّجوه وإن شئتُم أن تدعوا
فدَعَوا، فقالوا: مَنْ تكونُ أخاه نُزَوّجُه، فَزَوّجوه .
قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك عن هشام بن سعد عن
زيد بن أسلم أنّ بني أبي البُكير جاؤوا إلى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم،
فقالوا: زَوّجْ أخْتَنا فلاناً، فقال لهم: أيْنَ أَنْتُمْ عَنْ بِلالٍ؟ ثمّ جاؤوا
مَرّةً أُخرى فقالوا: يا رسول الله أنْكِحْ أختنا فلاناً ، فقال : أين أنتم
عن بلال ؟ ثمّ جاؤوا الثالثة فقالوا: أنكح أختنا فلاناً، فقال: أين أنتم عن
بلال ؟ أين أنتم عن رجلٍ من أهل الجنّة ؟ قال فأنْكحوه .
٢٣٧

قال : أُخبرنا معن بن عيسى قال : أخبرنا هشام بن سعد عن زيد بن
أسلم أنّ النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، زوّج ابنةَ أبي البُكير بلالاً.
قال: أخبرنا حجاج بن محمد عن أبي مَعْشَر عن المَقْبَريّ أنّ رسول
الله، صلّى الله عليه وسلّم، زوّج ابنة البُكير بلالاً .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا أبو هلال قال : أخبرنا
قتادة أنّ بلالاً تزوّج امرأةً عربيّة من بني زُهرة .
قال : أُخبِرْتُ عن أبي اليمان الحِمْصي عن جرير بن عثمان عن عبد
الرحمن بن ميسرة عن ابن مُراهن قال : کان أناس یأتون بلالاً فیذ کرون
فضله وما قسم اللّه له من الخير فكان يقول: إنما أنا حَبّشيّ كنت بالأمس
عبداً .
قال : أخبرنا محمد بن عُبيد الطنافسي قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي
خالد عن قيس قال : قال بلال لأبي بكر حين توفي رسول الله، صلّى الله
عليه وسلّم : إن كنت إنّما اشتريتني لنفسك فأمْسِكْني ، وإن كنت إنّما
اشتريتني للّه فذرني وعَمَلي لله .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم
ابن الحارث التيمي عن أبيه قال : توفي بلال بدمشق سنة عشرين ودفن عند
الباب الصغير في مقبرة دمشق وهو ابن بضع وستين سنة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر سمعتُ شُعيب بن طلحة من ولد أبي بكر
الصدّيق يقول: كان بلالٌ تِرْبَ أبي بكر . قال محمد بن عمر: فإن كان
هذا هكذا وقد توفي أبو بكر سنة ثلاث عشرة وهو ابن ثلاث وستين سنة
فبين هذا وبين ما رُوي لنا في بلال سبعُ سنين، وشُعيب بن طلحة أعلم
بميلاد بلال حين يقول هو تِرْبُ أبي بكر ، فالله أعلم .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني سعيد بن عبد العزيز عن
مكحول قال : حدّثني من رأى بلالاً رجلاً آدمَ شديد الأدمة ، نحيفاً ،
٢٣٨

طُؤالاً، أجْنَا، له شعرٌ كثيرٌ، خفيفَ العارضين، به شَمَطٌ كثيرٌ ،
لا يُغَيْرُ. قال محمد بن عمر: قد شَهِدَ بلالٌ بدراً وأحداً والخندق والمشاهد
خمسة نفر .
كلّها مع رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم.
ومن بني مخزوم بن بَقَظَّةَ بن مُرَّة بن كعب
ابن لُويَّ بن غالب أبو سَلَمَةً بن عبد الأسد
ابن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم أبي سَلَمَةَ عبد الله
وأُمّهَ بَرّةُ بنت عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بن قصي ، وكان لأبي
سلمة من الولد سَلَمَة وعُمَرُ وزينب ودُرّةُ وأمّهم أمّ سلمة واسمها
هند بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وولدت زينب
بأرض الحبشة في الهجرة إليها .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا محمد بن صالح عن يزيد بن
رُومان قال: أسْلَمَ أبو سلمة بن عبد الأسد قبل أن يدخل رسول الله ،
صلّى الله عليه وسلّم ، دار أرقم بن أبي الأرقم وقبل أن يدعو فيها .
قالوا : وكان أبو سَلَمةَ من مهاجرة الحبشة في الهجرتين جميعاً
ومعه امرأته أمّ سَلَمَةَ بنتُ أبي أمية فيهما جميعاً مُجْمَعٌ على ذلك في
الروايات
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا معمر عن الزهريّ عن أبي
أمامة بن سهل بن حُنيف قال : أوّلُ من قدم علينا من أصحاب رسول اللّه ،
صلّى الله عليه وسلّم ، المدينة للهجرة أبو سَلَمَةَ بن عبد الأسد .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني عاصم بن سُويد من بني
عمرو بن عوف عن محمد بن عُمارة بن خُزيمة بن ثابت قال : أوّل من
٢٣٩

قدم علينا في الهجرة من مكة إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد ، قدم لعشرٍ
خلون من المحرّم وقدم رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، المدينة لاثنتي
عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل ، فكان بين أوّل مَنْ قدم من المهاجرين ،
فنزلوا في بني عمرو بن عوف ، وبين آخِرٍ هم شهران .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي
سَبْرة عن موسى بن ميسرة عن أبي ميمونة قال: سمعتُ أمّ سَلَمَةَ تقول
ونزل أبو سلمة حين هاجر إلى المدينة بقُباء على مبشّر بن عبد المنذر .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم
ابن الحارث التيمي عن أبيه قال : آخى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم،
بين أبي سلمة بن عبد الأسد وسعد بن خيثمة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا محمد بن عبد اللّه عن الزهريّ
عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتَبة قال: لما أقطع رسول الله، صلّى الله عليه
وسلم ، الدور بالمدينة جعل لأبي سلمة موضع داره عند دار بني عبد العزيز
الزّهريّين اليوم ، كانت معه أمّ سلمة ، فباعوه بعدُ وتحوّلوا إلى بني كعب .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا عمر بن عثمان قال : حدّثّني
عبد الملك بن عُبيد عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن عمر بن أبي
سلمة أنّ أبا سلمة شهد بدراً وأحداً وكان الذي جرحه بأحد أبو أسامة الجُشمي
رماه بمَعْبَلَة في عَضُده فمكث شهراً يداويه فبَرَأْ فيما يُرَى ، وقد اندمل
الجُرْحُ على بَغْيِ لا يعرفه، فبعثه رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلّم ، في
المحرّمَ على رأس خمسةٍ وثلاثين شهراً من الهجرة سريّةً إلى بني أسد بقتطن ،
فغاب بضع عشرة ليلة ثمّ قدم المدينة فانتقض به الجرح فاشتكى، ثمّ مات
لثلاث ليالِ مضين من جمادى الآخرة ، فغُسّلَ من اليُسيرة بئر بني أميّة
ابن زيد بالعالية ، وكان ينزل هناك حين تحوّل من قباءَ ، غُسْلَ بين قرني
البئر وكان اسمها في الجاهليّة العَبير فسمّاها رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم،
٢٤٠