النص المفهرس

صفحات 181-200

قال : أخبرنا جعفر بن عون قال : أخبرنا أبو عُميس عتبة بن عبد
اللّه عن ابن أبي مليكة قال: سمعتُ عائشة وسُئلتْ: يا أمّ المؤمنين من كان
رسول اللّه مستخلفاً لو استخلف ؟ قالت : أبا بكر، ثمّ قيل لها : من بعد
أبي بكر ؟ قالت: عمر، ثمّ قيل لها : من بعد عمر ؟ قالت : أبا عبيدة
ابن الجرّاح ، قال ثمّ انتهت إلى ذا .
قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : أخبرنا أبو معشر
عن محمّد بن قيس قال : اشتكى رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، ثلاثة
عشر يوماً فكان إذا وجد خفّةً صلى وإذا ثَقُلَ صلّى أبو بكرٍ .
ذكر بيعة أبي بكر
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا العوّام عن إبراهيم التيميّ
قال : لمّا قُبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أتى عمرُ أبا عبيدة بن
الجرّاح فقال: ابْسُط يدك فَلأبايعك فإنّك أمين هذه الأمّة على لسان رسول
اللّه، فقال أبو عبيدة لعمر: ما رأيتُ لك فَهّةً قَبْلَها منذ أسلمتَ ، أتبايعني
وفيكم الصديقُ وثاني اثنين ؟
قال : أخبرنا معاذ بن مُعاذ ومحمّد بن عبد الله الأنصاريّ قالا : أخبرنا
أبو عون عن محمّد قال: لما توفي النبيّ، صلى الله عليه وسلّم ، أتوا أبا عبيدة
فقال: أتأتوني وفيكم ثالث ثلاثة؟ قال أبو عون : قلتُ لمحمّد ما ثالثُ
ثلاثة ؟ قال : ألم تر إلى تلك الآية إذ هما في الغار إذْ يقول لصاحبه لا تحزنْ
إنّ الله معنا؟
قال : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الزهريّ عن أبيه عن صالح بن كيسان
عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد اللّه بن عتبة عن عبد اللّه بن عباس:
١٨١

سمعتُ عمر بن الخطّاب، وذكر بيعة أبي بكر فقال : ولَيْسَ فيكم
مَنْ تُقْطَعُ إليه الأَعْنَاقُ مثلُ أبي بكر .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا شعبة عن الجريري قال :
لمَّا أَبْطَأ الناسُ عن أبي بكر قال: من أحقّ بهذا الأمر مني؟ ألَسْتُ
أوّلَ من صَلّى؟ ألَسْتُ ألستُ ؟ قال فذكر خصالاً فعلها مع النبيّ، صلّى
الله عليه وسلم .
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى
ابن سعيد عن القاسم بن محمّد أنّ النبيّ، صلى الله عليه وسلم، لمّا توفّي
اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن
الجرّاح، قال : فقام حُبّاب بن المُنْذر وكان بدرِيّاً فقال: مِنّا أميرٌ ومنكم
أميرٌ فإنّا واللّهِ ما نَنْفَسُ هذا الأمرَ عليكم أيّها الرهط ولكنّا نخاف أن
يَلِيَهَا، أو قال يَلِيَهُ، أَقْوَامٌ قتلنا آباءهم وإخْوَتَهم، قال: فقال له
عمر: إذا كان ذلك فمُتْ إن اسْتَطَعْتَ ، فتكلّمَ أبو بكر فقال: نحن الأمراءُ
وأنتم الوزراء وهذا الأمرُ بيننا وبينكم نصفين كَقَدَ الأُبْلُمَة ، يعني الخوصة ،
فبايعَ أَوّلَ النّاس بَشيرُ بن سعد أبو النعمان، قال : فلما اجتمعَ الناس على أبي
بكر قَسَمَ بين الناس قَسْماً فَبَعَثَ إلى عَجُوزِ من بني عَديّ بن النّجّار
بقِسْمِها مع زيد بن ثابت فقالت : ما هذا؟ قال : قِسْمٌ قَسَمَه أبو بكر
للنساء ، فقالت : أتُراشُوني عن ديني ؟ فقالوا : لا ، فقالت : أتخافون
أن أُدَعَ ما أنا عليه؟ فقالوا: لا، قالت: فوالله لا آخُذُ منه شيئاً أبداً .
فرجع زيد إلى أبي بكر فأخبره بما قالت فقال أبو بكر : ونحن لا نأخُذُ
ممّا أعطيناها شيئاً أبداً .
قال : أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال : أخبرنا هشام بن عروة ،
قال عبيد اللّه أظُنّه عن أبيه، قال: لمّا وَليّ أبو بكر خَطَبَ الناسَ فحمد
الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعدُ أيّها النّاس قد وَليتُ أمْرَكم ولستُ بخيْرٍ كم
١٨٢

وَلَكن نَزَلَ القُرآنُ وسنّ النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، السّنَنَّ فَعَلّمنا
فعَلَمْنَا، اعْلَموا أنّ أَكْسَ الكيس التّقْوَى وأنّ أحْمَقَ الْحُمْق
الفُجور، وأنّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخُذَ له بحقّه وأنّ أضعفكم
عندي القويّ حتى آخذَ منه الحقّ، أيّها النّاس إنّما أنا مُتّبِعٌ ولستُ
بِمُبْتَدِعٍ، فإنْ أحْسَنْتُ فأعينوني وإِنْ زُغْتُ فقَوّموني .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين وشُعيب بن حَرْب قالا : أخبرنا
مالك بن مِغْوَل عن طَلْحَة بن مصرِّف قال : سألتُ عبد اللّه بن أبي
أوْفى أوْصى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، قلتُ: فكيف
كَتَبَ على النّاس الوصيّة وأُمروا بها ؟ قال: أوصى بكتاب الله، قال :
وقال هُذَيْل: أكان أبو بكر يَتَأْمَرُ على وصيّ رسول اللّه ؟ لَوَدّ أبو بكر
أنّه وَجَدَ من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عَقْداً فَخَزَم أنْفه
بخزامة
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن أبي بكر الهُذلي عن الحسن قال :
قال عليّ لمّا قُبض النبيّ، صلى الله عليه وسلم، نظرنا في أمرنا فوجدنا النبيّ ،
صلى الله عليه وسلم، قد قدّمَ أبا بكر في الصلاة فَرَضينا لدنيانا مَنْ رضيَ
رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم ، لديننا فقدّمنا أبا بكر .
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح قال : أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق
عن الأرقم بن شُرَحْبيل عن ابن عبّاس أن النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ،
لما جاء إلى أبي بكر وهو يصلي بالناس في مرضه أخَذَ من حيثُ كان بَلَغَ
أبو بكر من القراءة .
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة
قال : قال رجل لأبي بكر : يا خليفة اللّه، فقال: لستُ بخليفة اللّه ولكنّي
خليفةُ رسول الله ، أنا راضٍ بذلك .
قال : أخبرنا عبد الله بن الزبير الحُميديّ المكيّ قال : أخبرنا سفيان
١٨٣

ابن عيينة قال: أخبرنا الوليد بن كثير عن ابن صَيّاد عن سعيد بن المسيب
قال : لمّا قُبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ارْتَجّتْ مكّةُ فقال أبو
قُحافة : ما هذا ؟ قالوا : قُبض رسول اللّه ، قال: فمن وَلِيَ النّاسَ بعده ؟
قالوا : ابنك ، قال : أَرَضِيَتْ بذلك بنو عبد شمس وبنو المغيرة ؟ قالوا :
نعم ؛ قال : فإنّه لا مانع لما أعطى اللّه ولا مُعْطي لما مَنَعَ اللّه، قال: ثم
ارْتَجّتْ مكّة برَجة هي دون الأولى فقال أبو قُحافة : ما هذا ؟ قالوا :
ابنك مات ، فقال أبو قُحافة : هذا خبرٌ جَليلٌ
قال : أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : أخبرنا هشام الدّسْتُوائيّ قال :
أخبرنا عطاء بن السائب قال : لما استُخلف أبو بكر أصبح غادياً إلى السوق
وعلى رَقَبَتِهِ أَثْوَابٌ يَتْجِرُ بها فِلَقِيَهُ عمرُ بن الخطّاب وأبو عبيدة بن
الجرّاح فقالا له : أين تريد يا خليفة رسول اللّه؟ قال: السوق، قالا :
تَصْنَعُ ماذا وقَدْ وليتَ أمرَ المسلمينَ ؟ قال : فمِنْ أين أُطْعِمُ عِيالي ؟
قالا له : انْطَلِقْ حتى نَفْرِضَ لكَ شيئاً، فانطلق معهما ففرضوا له كلّ
يوم شَطْرَ شاة وما كسوه في الرأس والبَطْن ، فقال عمر : إليّ القضاء ،
وقال أبو عُبيدة: وإليّ الفَيْءُ، قال عمر: فلقد كان يأتي عَلَيّ الشّهْرُ
ما يَخْتَصِمُ إليّ فيه اثْنَان.
قال : أخبرنا روح بن عُبادة ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ قالا:
أخبرنا ابن عون عن عمير بن إسحاق أنّ رجلاً رأى على عُنق أبي بكر
الصدّيق عباءةً فقال: ما هذا؟ هاتها أكْفيكها ، فقال: إليك عنّي
لا تَغُرَّني أنتَ وابنُ الخطّاب من عيالي .
قال : أخبرنا عفان بن مسلم قال : أخبرنا سليمان بن المغيرة عن حُميد
ابن هلال قال : لما وَليَ أبو بكر قال أصحاب رسول اللّه: افْرضوا خليفة
رسول اللّه ما يُغْنيه، قالوا: نَعَمْ، بُرْداه إذا أُخْلَقَهُما وَضَعَهما وأخذ
مثلَهما وظهره إذا سافر ونَفَقَتُه على أهله كما كان يُنْفِقُ قبل أن يُستخلف ،
١٨٤

قال أبو بكر : رضيت
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حماد بن زيد عن أيّوب
عن حُميد بن هلال أنّ أبا بكر لما استُخلف راح إلى السوق يَحْمل أبْراداً
له وقال : لا تَغُرّوني من عيالي .
قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّيّ قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو
عن معمر عن الزهريّ عن عروة عن عائشة قالت : لما وليّ أبو بكر قال : قد
عَلِمَ قومي أنّ حِرْفي لم تكن لتعجِزّ عن مؤونةِ أهْلي وقد شُغِلْتُ
بأمرِ المُسلمين وسأُحْتَرِفُ للمسلمين في مالهم وسيأكُلُ آلُ أبي بكر من
هذا المال
قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : أخبرنا أبو بكر بن
عياش عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال : لما استُخلف أبو بكر جعلوا له
ألفين فقال: زيدوني فإنّ لي عيالاً وقد شغَلْتُموني عن التجارة ، قال
فزادوه خمسمائة ، قال : إمّا أن تكون ألفين فزادوه خمسمائة أو كانت
ألفين وخمسمائة فزادوه خمسمائة .
ذكر بيعة أبي بكر ، رحمه الله
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي
سَبْرَة عن مروان بن أبي سعيد بن المعلّى قال : سمعتُ سعيد بن المسيّب
قال : وأخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن صبيحة
التيمي عن أبيه قال : وأخبرنا عبد الرحمن بن عمر عن نافع عن ابن عمر
قال : وأخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة قال :
وأخبرنا أبو قدامة عثمان بن محمّد عن أبي وَجْزَةَ عن أبيه قال: وغير هؤلاء
١٨٥

أيضاً قد حدّثني ببعضه فدخل حديث بعضهم في حديث بعض ، قالوا : بوبع
أبو بكر الصّدّيق يومَ قُبضَ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، يوم الاثنين
لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مُهاجَرٍ
رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان منزله بالسُّنْح عند زوجته حبيبة
بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير من بني الحارث بن الخزرج ، وكان قد
حجّر عليه حُجْرة من شَعْر فما زاد على ذلك حتى تحوّل إلى منزله بالمدينة
فأقام هناك بالسّنْح بعدما بويع له ستّة أشهر يغدو على رجليه إلى المدينة وربّما
ركب على فرس له وعليه إزارٌ ورداءٌ مُمَشَّقٌّ فيوافي المدينة فيصلّي الصلوات
بالناس فإذا صلّى العشاء رجع إلى أهله بالسنح ، فكان إذا حَضَرَ صلّى
بالنّاس وإذا لم يَحْضُرْ صلّى عمر بن الخطّاب، وكان يقيم يوم الجمعة
في صدر النهار بالسّنْح يصْبُغُ رأسَه ولحيته ثم يروح لقَدَرَ الجمعة فيُجَمّع
بالنّاس ، وكان رجلاً تاجراً فكان يغدو كلّ يوم السوق فيبيع ويبتاع ،
وكانت له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو نفسه فيها ورُبّما كُفيها
فرُعِيَتْ له ، وكان يَحْلُبُ للحيّ أغنامهم، فلمّا بويع له بالخلافة قالت جارية ..
من الحيّ : الآن لا تُحْلَبُ لنا منائحُ دارِنا، فسمِعتها أبو بكر فقال : بلى لعمري
لأحْلُبَنّها لكم وإني لأرجو أن لا يغيّرني ما دخلتُ فيه عن خُلُقٍ كنتُ
عليه ، فكان يحلُبُ لهم فربّما قال الجارية من الحيّ: يا جارية أتُحِبّين أنْ
أُرْغِيَ لكِ أو أُصَرَّحَ؟ فربّما قالت: أرْغِ، وربّما قالت: صَرّحْ،
فأيّ ذلك قالت فَعَلَ ، فمكث كذلك بالسّنح ستّة أشهر ثمّ نزل إلى المدينة
فأقام بها ونظر في أمره فقال: لا والله ما يُصْلِحُ أمرَ الناس التجارة وما يصْلُحُ
لهم إلاّ التفَرّغُ والنظر في شأنهم وما بدٌّ لعيالي ممّا يُصْلحهم، فترك التجارة
واستنفق من مال المسلمين ما يُصْلِحُهُ ويُصْلِحُ عياله يوماً بيومٍ ويَحُجّ ويعتمر،
وكان الذي فرضوا له كلّ سنة ستّة آلاف درهم ، فلمّا حضرته الوفاةُ
قال: رُدّوا ما عندنا من مال المسلمين فإنّي لا أُصيب من هذا المال شيئاً، وإنّ
١٨٦

أَرْضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبتُ من أموالهم . فدُفع ذلك
إلى عمر ولَقوحٌ وعَبْدٌ صَيْقَلٌ وقطيفةٌ ما يساوي خمسة دراهم فقال
عمر : لقد أثْعَبَ مَن بعده .
قالوا : واستعمل أبو بكر على الحج سنةَ إحدى عشرة عمر بن الخطّاب ،
ثمّ اعتمر أبو بكر في رجب سنة اثنتي عشرة فدخل مكّة ضَحْوَةً فأتى منزله
وأبو قُحافة جالس على باب داره معه فتيان أحداث يحدّهم إلى أن قيل له
هذا ابنك ، فنهض قائماً وعَجِلَ أبو بكر أن يُنيخ راحلته فنزل عنها وهي
قائمة فجعل يقول : يا أبتِ لا تقم ، ثمّ لاقاه فالتزمه وقبّل بين عينيْ أبي
قحافة وجعل الشيخ يبكي فرحاً بقدومه ، وجاءً إلى مَكّة عَتّاب بن أسيد
وسُهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام فسلّموا عليه :
سلامٌ عليك يا حليفة رسول اللّه ، وصافحوه جميعاً فجعل أبو بكر يبكي
حين يذكرون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثمّ سلموا على أبي قُحافة
فقال أبو قحافة : يا عتيقُ هؤلاء الملأ فأحسِنْ صُحْبَتهم ، فقال أبو بكر :
يا أبتِ لا حول ولا قوّة إلاّ بالله! طُوّقتُ عظيماً من الأمر لا قوّة لي به ولا
يُدانُ إلاّ بالله. ثمّ دخل فاغتسل وخرج وتبعه أصحابه فتحاهم ثمّ قال :
امْشوا على رِسْلكم . ولقيه الناس يتمشّون في وجهه ويُعزّونَه بنبيّ اللّه،
صلى الله عليه وسلم ، وهو يبكي حتى انتهى إلى البيت فاضطبع بردائه ثم
استلم الرّكن ثمّ طاف سبعاً وركع ركعتين، ثمّ انصرف إلى منزله، فلمّا
كان الظهر خرج فطاف أيضاً بالبيت ، ثمّ جلس قريباً من دار الندوة فقال:
هل من أحدٍ يتشكّى من ظلامة أو يطلب حقّاً ؟ فما أتاه أحدٌ وأثنى النّاس
على واليهم خيراً، ثمّ صلّى العصر وجلس فودّعه الناس، ثمّ خرج راجعاً
إلى المدينة ، فلمّا كان وقت الحجّ سنة اثنتي عشرة حجّ أبو بكر بالناس تلك
السنة وأفْرَدَ الحَجّ واستُخلف على المدينة عثمان بن عفّان .
١٨٧

ذ کر صفة ابي بكر
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد
عن قيس بن أبي حازم قال : دخلتُ مع أبي على أبي بكر وكان رجلاً نحيفاً
خفيف اللحم أبيض .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا شُعيب بن طلحة بن عبد
الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه عن عائشة أنّها نظرت إلى
رجل من العرب ماراً وهي في هَوْدَجها فقالت: ما رأيْتُ رجلاً أشبه بأبي
بكر من هذا ، فقلنا : صفي لنا أبا بكر ، فقالت : رجلٌ أبيض ، نحيف ،
خفيف العارضين ، أجْنَأْ لا يَسْتَمْسِكُ إزارَه يَسْتَرْخي عن حَقْوته ،
معروقُ الوجه ، غائر العينين ، ناتىء الجبهة ، عاري الأشاجع ، هذه
صفته .
قال محمّد بن عمر : فذكرت ذلك لموسى بن عمران بن عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي بكر فقال : سمعت عاصم بن عبيد اللّه بن عاصم يذكر
هذه الصفة بعينها .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا سفيان بن حسين عن الزهري
عن عروة عن عائشة أنّ أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم
قال : أخبرنا جعفر بن عون قال : أخبرنا عبد الرحمن بن زياد عن
عُمارة عن عمّه قال : مررتُ بأبي بكر وهو خليفة يومئذ ولحيته حمراء
قانیةٌ
قال : أخبرنا جعفر بن عون ومحمد بن عبد الله الأسديّ قالا : أخبرنا
مسعر عن أبي عون عن شيخ من بني أسد قال : رأيتُ أبا بكر في غزوة ذات
السلاسل كأنّ لحيته لُهاب العَرْفَج، شيخاً خفيفاً أبيض، على فاقة له
أدماء .
١٨٨

قال : أخبرنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن ثابت عن أبي جعفر
الأنصاريّ قال : رأيتُ أبا بكر الصّديق ورأسه ولحيته كأنّهما جَمْرُ الغَضا.
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا يحيى بن سعيد عن محمّد
ابن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن أنّ عبد الرّحمن بن الأسود بن
عبد يتغوث ، وكان جليساً لهم ، كان أبيض الرأس واللحية فغدا عليهم ذات
يوم وقد حمّرها فقال له القوم : هذا أحْسَنُ ، فقال: إنّ أمّي عائشة
أرسلتْ إليّ البارحة جاريتها نُخيلة فأقسمتْ عليّ لأَصْبُغَنّ وأخْبِرَتْني أنّ
أبا بكر كان يَصْبُغُ
قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس قال : حدثني سليمان
أبن بلال عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عُقبة عن ابن شهاب قال :
أخبرني عروة بن الزبير أنّ عائشة قالت صَبَغَ أبو بكر بالحنّاء والكتّم .
قال: أخبرنا عبد اللّه بن مَسْلَمَّة بن قَعْنَب الحارثي قال : أخبرنا
عبد العزيز بن محمّد عن عمرو بن أبي عمرو عن القاسم بن محمّد قال :
سمعتُ عائشة وذُكرَ عندها رجل يخضب بالحنّاء فقالت إنْ يَخْضِبْ فقد
خَضَبَ أبو بكر قبله بالحنّاء .
قال القاسم: لو علمتُ أنّ رسول اللّه خَضَبَ لَبَدَأْتُ برسول الله
فذكرتُه .
قال : أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: أخبرنا حُميد قال:
سُئل أنس بن مالك أخضب رسول الله ؟ فقال: لم يَشِنْه الشَّيْبُ ولكِنْ
خضب أبو بكر بالحنّاء وخضب عمرُ بالخنّاء .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا حُميد الطويل عن أنس
ابن مالك قال : خضب أبو بكر بالحنّاء والكتّم .
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير قال: أخبرنا عاصم الأحول عن ابن
سيرين قال : سألتُ أنس بن مالك بأيّ شيءٍ كان يختضب أبو بكر ؟ قال :
١٨٩

بالحنّاء والكتّم ، قال: قلتُ فعمرُ ؟ قال: بالحنّاء ، قال : قلت فالنبي ،
صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لم يُدْركْ ذاك.
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا همّام بن يحيى عن قتادة
عن أنس وأخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال : أخبرنا سعيد بن أبي عروبة
عن قتادة عن أنس بن مالك قال : وأخبرنا عبد الله بن نُمير قال : أخبرنا
عُبيد اللّه بن عمر عن حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال : خضب أبو
بكر بالحنّاء والكتّم .
قال : أخبرنا معن بن عيسى قال : أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن
شهاب عن عروة عن عائشة أنّ أبا بكر كان يَصْبُعُ بالحنّاء والكتّم .
قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن سماك
عن رجلٍ من بي خَيْثَمِ قال : رأيتُ أبا بكر قد خَضَب رأسه ولحيته
بالحناء.
قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا : أخبرنا
إسرائيل عن معاوية بن إسحاق قال : سألتُ القاسم بن محمّد أكان أبو بكر
يخضب ؟ قال : نعم قد كان يُغَيِّرُ.
قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن عمّار
الدُّهْني قال: جلستُ إلى أشياخ من الأنصار بمكّة فسألهم عُبيد بن أبي
الجَعْد أكان عمر يخضب بالحنّاء والكتم ؟ فقالوا : أخبرنا فلان أنّ أبا بكر
كان يخضب بالحنّاء والكتم .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا ابن عيينة عن الزهريّ
عن عروة عن عائشة أن أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم .
قال : أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال : أخبرنا أبو عُوانة عن
حصين عن المغيرة بن شُبيل البجلي عن قيس بن أبي حازم أنّ أبا بكر كان
يخرج إليهم وكأنّ لحيته ضرامُ عَرْفج من شدّة الحمرة من الحنّاء والكتم .
١٩٠

قال : أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قَطَن قال : أخبرنا شعبة عن قتادة
عن أنس قال : وأخبرنا سعيد بن منصور عن حمّاد بن زيد عن ثابت عن
أنس أنّ أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم .
قال : وأخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قَطَن قال : أخبرنا شعبة عن زياد
ابن علاقة عن رجل أظنّه قال من قومه أنّ أبا بكر خضَبَ بالحنّاء والكتم .
قال : أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال : أخبرنا محمّد
ابن حِمْيَرَ قال: أخبرنا إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ أنّ عقبة بن وَسّاج حدثه
عن أنسٍ خادم النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، قال : قدم رسول الله ، صلى
اللّه عليه وسلم ، المدينة وليس في أصحابه أشْمَطُ غير أبي بكر فغلّفَها
بالحنّاء والكتم.
قال : أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال : أخبرنا ابن جُرَيْج عن عثمان
ابن أبي سليمان عن نافع بن جُبير بن مطعم قال: قال رسول اللّه، صلى
الله عليه وسلم ، غيّروا ولا تَشبهوا باليهود ، قال: فصبَغّ أبوبكر بالحنّاء
والكتم ، وصبغ عمر فاشتَدّ صِبْغُه، وصفّر عثمان بن عفّان ، قال : فقيل
النافع بن جُبير: فالنبيّ ، صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان يَمَسّ السّدْرَ،
قال ابن جُريج وقال عطاء الخراساني إنّ النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، قال :
مِنْ أَجْمَلِ ما تُجَمَلُونَ به الجنّاء والكتم
قال : أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النهدي قال : أخبرنا إسرائيل
عن عاصم بن سليمان قال : سأل ابن سيرين أنس بن مالك هل كان أحد
من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، يخضب ؟ قال : أبو بكر ،
قال: حَسْبي

ذكر وصية أبي بكر
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح وعبد الله بن نُمير قالا: أخبرنا الأعمش
عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت : لما مرض أبو بكر مَرَضَه الذي
مات فيه قال : انظروا ما زاد في مالي منذ دخلتُ الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة
من بعدي فإنّي قد كنتُ أستحلّه، قال: وقال عبد الله بن نُمير أستصلحه
جَهْدي ، وكنتُ أصيبُ من الوَدَك نحواً ممّا كنتُ أصيب في التجارة ، قالت
عائشة: فلمّا مات نظرنا فإذا عَبْدٌ نوبيّ كان يحمل صبيانه وإذا ناضح
كان يَسْني عليه ، قال عبد الله بن نُمير : ناضح كان يسقي بُسْتاناً له ،
قالت فبعثنا بهما إلى عمر ، قالت فأخبرني جدّي أنّ عمر بكى وقال :
رحمة الله على أبي بكر لقد أتْعَبَ مَنْ بَعْدَه تَعَباً شديداً.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير ومحمّد بن عُبيد عن عبيد اللّه بن عمر
عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنّ أبا بكر حين حضره الموت
قال : إنّي لا أعلم عند أبي بكر من هذا المال شيئاً غير هذه اللقحة وغير
هذا الغلام الصّْقَل كان يعمل سيوف المسلمين ويَخْدُمنا فإذا مِتُّ فادْفَعِيه
إلى عمر، فلمّا دفعته إلى عمر قال: رحمَ اللّهُ أبا بكر لقد أتعَبَ مَنْ
بعده .
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال : أخبرنا سليمان بن المغيرة
عن ثابت عن أنس قال: أطفْنا بغرفة أبي بكر الصّدّيق في مَرْضَتِه التي
قُبض فيها ، قال : فقلنا كيف أصبح أو كيف أمسى خليفة رسول اللّه ،
صلى الله عليه وسلّم؟ قال: فاطّلع علينا اطلاعه فقال: ألَسْتُمْ تَرْضَوْنَ
بما أصْنَعُ ؟ قلنا : بلى قد رضينا ، قال : وكانت عائشة هي تُمَرّضُه ، قال
فقال: أما إني قد كنت حريصاً على أن أُوَفّرَ للمسلمين فَيْتَهم مع أني
قد أصبتُ من اللحم واللبن فانظروا إذا رجعتم منّي فانظروا ما كان عندنا
١٩٢

فأبلغوه عُمَرَ ، قال : فذاك حيث عرفوا أنّه استخلفَ عمر ، قال : وما كان
عنده دينارٌ ولا درهم ، ما كان إلا خادم ولقْحة ومِحْلَب ، فلمّا رأى
ذلك عمر يُحْمَلُ إليه قال: يرحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ مَنْ بَعدَه.
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا ابن عون عن محمّد قال :
توفّي أبو بكر الصديق وعليه ستّة آلاف كان أخذها من بيت المال ، فلمّا
حضرته الوفاة قال : إنّ عمرَ لم يَدَعْني حتى أصبتُ من بيت المال ستة
آلاف درهم وإن حائطي الذي بمكان كذا وكذا فيها ، فلمّا توفّي ذُكر
ذلك لعمر فقال : يرحم الله أبا بكر لقد أحَبّ أن لا يَدَعَ لأحَد بعده مقالاً
وأنا والي الأمر من بعده وقد رددتُها عليكم .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت
عن سُمَيّة عن عائشة أنّ أبا بكر قال لها : يا عائشة ما عندي من مال إلاّ
لِقْحَة وقَدَحٌ فإذا أنا مِتّ فاذهبوا بهما إلى عمر ، فلمّا مات ذهبوا بهما
إلى عمر فقال : يرحم الله أبا بكر لقد أثْعَبَ مَنْ بَعْدَه.
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد اللّه الأسديّ وقبيصة
ابن عُقبة عن سفيان عن السّرِيّ عن عبد خير عن عليّ قال ؛ يرحم الله أبا
بكر هو أوّل من جمع اللّوْحَين .
قال : أخبرنا خالد بن مَخْلّد قال : حدثني أسامة بن زيد بن أسلم
عن أبيه عن نيارٍ الأسلمي عن عائشة قالت : قسم أبي أوّل عامِ الفَيءَ
فأعطى الحُرّ عشرة وأعطى المملوك عشرة والمرأة عشرة وأمتها عشرة ،
ثمّ قسم في العام الثاني فأعطاهم عشرين عشرين.
قال : أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال : أخبرنا أبو عامر الخزّاز
صالح بن رُسْتَم قال : حدثني أبو عِمْران الجَوْني عن أسير قال : قال
سَلْمان دخلتُ على أبي بكر الصّدّيق في مرضه فقلت : يا خليفة رسول الله
اعْهَدْ إليّ عَهْداً فإنّي لا أراك تَعْهَدُ إليّ بعد يومي هذا، قال : أجل
١٣-٣
١٩٣

يا سلمان إنّها ستكون فتوحٌ فلا أعْرِفَنّ ما كان من حظّك منها ما جعلتَ
في بطنك أو ألقيته على ظهرك ، واعلم أنّه من صلّى الصلوات الخمس فإنّه
يُصْبِحُ فِي ذِمِّةِ اللّهِ ويُمسي في ذمّة اللّه، فلا تَقْتُلَنّ أحداً من أهل ذمة
اللّه فيَطْلُبَكَ اللّهُ بذمّته فيُكِبِّك الله على وجهك في النّار.
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح وكثير بن هشام عن جعفر بن بُرقان
عن خالد بن أبي عَزّة أنّ أبا بكر أوصى بخمس ماله ، أو قالٍ آخُذُ من
ما لي ما أخذَ اللّه من قَيءٍ المسلمين.
1
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم قال : أخبرنا همّام بن يحيى عن قتادة
قال : قال أبو بكر لي من مالي ما رَضي ربّي من الغنيمة، فأوْصى بالحُمس .
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن زيد عن إسحاق
ابن سُويد أنّ أبا بكر أوصى بالخمس .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا سفيان عن عُبينة عن
الزهريّ عن عروة عن عائشة قالت: لما حضر أبا بكر الوفاة جلس فتشهد ثمّ
قال: أمّا بعدُ يا بُنيّة فإنّ أحَبّ الناسِ غِنَى إليّ بعدي أنْتِ وإنّ أعَزّ
الناسِ عليّ فَقراً بعدي أنْتِ وإنّي كنتُ نَحَلْتُكِ جدادَ عشرين وسقاً
من مالي فوَدِدْتُ واللّهِ أنّكِ حُزْته وأخذته فإنّما هو مال الوارث وهما
أُخَوَاكِ وأخْتاكِ، قالت : قلتُ هذا أخَوَايَ فمَنْ أُخْتَايَ ؟ قال : ذات
بَطْنِ ابْنةِ خارجةَ فإنّ أظُنْها جاريةً .
قال : أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : أخبرنا القاسم بن الفضل قال :
أخبرنا أبو الكباش الكندي عن محمّد بن الأشعث أنّ أبا بكر الصدّيق لما
أنْ ثقُل قال لعائشة: إنّه ليس أحدٌ من أهلي أحبّ إليّ منك وقد كنتُ
أُقْطَعْتُكِ أَرْضاً بالبحرين ولا أراك رَزَأتِ منها شيئاً، قالت له : أجَلْ ،
قال : فإذا أنا مِتّ فابْعَي بهذه الجارية، وكانت تُرْضعُ ابْنَه، وهاتَين
اللَّفْحَتَّن وحالِبهما إلى عُمَرَ، وكان يسقي لَبَنَهما جُلساءَه، ولم يكن في
١٩٤

يده من المال شيءٌ . فلمّا مات أبو بكر بعثت عائشة بالغلام واللقحتين والجارية
إلى عمر فقال عمر: يرحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ من بعده . فقبل اللقحتين
والغلام وردّ الجارية عليهم ..
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم قال : أخبرنا همّام عن هشام بن عروة
عن أبيه عن عائشة أنّ أبا بكر لما حضرته الوفاةُ دعاها فقال : إنّه ليس في
أهْلي بعدي أحدٌ أحَبّ إليّ غِنَى منكٍ ولا أعزّ عليّ فَقْراً منك وإنّي
كنتُ نحلتُك من أرضٍ بالعالية جدادَ ، يعني صَرامَ ، عشرين وسبقاً فلو
كنتِ جَدَدَته تمراً عاماً واحداً انْحَازَ لكِ وإنّما هو مال الوارث وإنّما
هما أخَوَاكِ وأُخْتاك ، فقلت : إنّما هي أسماء ، فقال : وذات بطنِ
ابنة خارجة قد أُلقيَ في رُوعي أنّها جارية فاسْتَوْصي بها خيراً . فَوَلَدَتْ
أمّ كلثوم .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثني أفلح بن حُميد عن أبيه
قال : كان المال الذي نَحَلّ عائشة بالعالية من أموال بني النضير بئر حجر
كان النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، أعطاه ذلك المال فأصلحه بعد ذلك أبو
بكر وغرس فيه وَدِيّاً .
قال : أخبرنا أبو سهل نَضر بن باب عن داود بن أبي هِنْد عن عامر
أنّ أبا بكر الصّدّيق لما احتُضرَ قال لعائشة : أي بنيّة قد علمت أنّكِ كنتِ
أحبّ الناس إليّ وأعَزّهم وأني كنتُ نَحَلْتُكِ أرْضي التي تعلمين بمكان
كذا وكذا وأنا أُحِبّ أن تَرُدّيها عَلَيّ فيكون ذلك قسمة بين ولدي على كتاب
اللّه فألقى ربّ حين ألْقاه ولم أُفضّلْ بعضَ ولدي على بعض .
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح وأبو أسامة قالا : أخبرنا هشام بن عروة
عن أبيه عن عائشة قالت : ما ترك أبو بكر ديناراً ولا درهماً ضَرَبَ اللّهُ
سِكتَه .
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح وعبد الله بن نُمير ويَعْلى بن عُبيد
١٩٥

عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد اللّه البَهيّ مولى الزَّبير عن عائشة قالت:
لما حُضِرَ أبو بكر قلتُ كلمةً من قول حاتم :
تَعمرُكَ ما يُغني الثراءُ عن الفَتى إذا حشرَجَتْ يَوْماً وضاق بها الصدرُ
فقال: لا تقولي هكذا يا بُنيّة ولكن قولي: وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْت
بالحَقّ ذَلِكَ ما كنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، انْظُرُوا مُلَاءَتَيّ هاتَيْنِ فإذا
مِتّ فاغسلوهما وكفّتوني فيهما فإنّ الحيّ أحوج إلى الجديد من الميّت .
قال : أخبرنا يَعْلى ومحمد ابنا عُبيد قالا : أخبرنا موسى الجُّهَي
عن أبي بكر بن حفص بن عمر قال : جاءت عائشة إلى أبي بكر وهو يعالج
ما يُعالجُ الميّتُ ونفَسُهُ في صدره فتمثّلتُ هذا البيت :
لعمرُكَ ما يُغْني الثراءُ عن الفَتى إذا حشرَجَتْ يوماً وضاق بها الصّدرُ
فنظر إليها كالغضبان ثمّ قال: ليس كذاك يا أمّ المؤمنين ولكن
وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالْحَقّ ذَلكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ، إني قد كنتُ
نَحَلْتُكِ حائطاً وإنّ في نفسي منه شيئاً فرُدّيه إلى الميراث ، قالت : نعم
فرددتُه ، فقال : أما إنّا منذ وَلِينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً
ولكنّا قد أكلنا من جريشٍ طعامهم في بطوننا ولبسنا من خَشِنِ ثيابهم على
ظهورنا وليس عندنا من فيء المسلمين قليلٌ ولا كثيرٌ إلاّ هذا العبدَ الحَبَشيّ
وهذا البعير الناضح وجَرْدَ هذه القطيفة فإذا مِتّ فابْعْي بهنّ إلى عمر
وابْرَتَّي منهنّ . ففعلتُ ، فلمّا جاء الرسول عمرَ بكى حتى جعلت دموعه
تسيل في الأرض ويقول : رحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ من بعده ، رحم
الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، يا غلام ارفعهنّ . فقال عبد الرحمن
ابن عوف: سبحان اللّه تَسْلُبُ عيالَ أبي بكر عبداً حبشيّاً وبعيراً ناضحاً
وجَرْدَ قطيفةٍ ثَمَنَ خمسة الدراهم؟ قال: فما تأمُرُ ؟ قال: تَرُدّهنّ
" على عياله، فقال: لا والذي بعث محمّداً بالحقّ ، أو كما حلف ، لا يكون
١٩٦

هذا في ولايتي أبداً ولا خرج أبو بكر منهنّ عند الموت وأرُدّ هُنّ أنا
على عياله ، الموتُ أقربُ من ذلك .
قال : أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه
عن عائشة أنها قالت لما مرض أبو بكر :
مَنْ لاَ يَزَالُ دَمْعُه مُقَتَّعاً فَإنّه لا بُدّ مَرّةٌ مَدْفوقُ
فقال أبو بكر : ليس كذاك أي بُنيّة ولكن جاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ
بالحَقّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ.
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا هارون بن أبي إبراهيم
قال : أخبرنا عبد الله بن عُبيد أنّ أبا بكر أتته عائشة وهو يجود بنفسه فقالت :
يا أبتاه هذا كما قال حاتم :
إذا حَشْرَجَتْ يَوْماً وضاقَ بها الصّدْرُ
فقال: يا بُنيّة قول اللّه أصْدق، جاءت سكرةُ الموت بالحقّ ذَلكَ
ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، إذا أنا مِتّ فاغْسلي أخْلاقي فاجْعليها أكفاني ،
فقالت : يا أبتاه قد رزق الله وأحسن ، نُكَفّئُك في جديد، قال: إنّ الحَيّ
هو أحْوَجُ يَصُونُ نفسه ويُقَنّعُها من الميّت، إنّما يصير إلى الصّديد وإلى البلى.
قال : وأخبرنا رَوْح بن عُبادة قال : أخبرنا هشام بن حسّان عن بكر
ابن عبد اللّه المُزني قال: بلغني أنّ أبا بكر الصّدّيق لما مرض فثقل قعدت
عائشة عند رأسه فقالت :
كُلَّ ذِي إِيلِ موروثُها وكلّ ذِي سَكَبٍ مسلوب
فقال: ليس كما قلت يا بنتاه ولكن كما قال اللّه، وجاءت سَكْرَةُ.
المَوْتِ بالحَقّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ.
قال : أخبرنا عفّان قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد
١٩٧
١٠

عن القاسم بن محمّد عن عائشة أنّها تمثّلت بهذا البيت وأبو بكر يقضي :
وَأبيضُ يَستَسقي الغمامُ بُوَجهه رَبِيعُ اليتامى عصْمَةٌ لِلأرامِلِ
فقال أبو بكر : ذاك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
قال : أخبرنا عفان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة قال :
أخبرنا ثابت عن سُمَيّة أنّ عائشة قالت :
من لا يزالُ دِمْعُهُ مُقَنَّعاً فإنّه لا بدّ مَرّةً مدفوقُ
فقال أبو بكر: وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقّ ذَلِكَ ما كُنْتَ
مِنْهُ تَحِيدُ .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت
قال : كان أبو بكر يتمثل بهذا البيت :
لا تزالُ تَنْعِى حَبَيْباً حتى تكونَه وقَد يرجو الفتى الرّجا يموتُ دونه
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا مالك بن مغول عن أبي
السَّفْر قال : مرض أبو بكر فقالوا ألا ندعو الطّبيب ؟ فقال: قد رآني
فقال إني فَعّالّ لما أريد .
قال : أخبرنا رَوْح بن عبادة قال : أخبرنا هشام بن أبي عبد اللّه عن
قتادة قال : بلغني أنّ أبا بكر قال: وَدِدْتُ أني خضرة تَأْكُلُتي الدّواب .
قال : أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال : حدّثّني اللّيث
ابن سعد عن عقيل عن ابن شهاب أنّ أبا بكر والحارث بن كَلَدَة كانا
يأكلان خَزيرة أُهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر : ارْفَعْ يدك
يا خليفة رسول اللّه، والله إنّ فيها تَسَمّ سَنّةٍ وأنا وأنت نموت في يوم
واحد . قال فرفع يده فلم يَزّالا عَليدين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء
السنة .
١٩٨

قال : أخبرنا محمد بن حُميد العبدي عن معمر عن هشام بن عروة
عن أبيه قال : قال أبو بكر : لأنْ أَوصي بالحُمْس أحبّ إليّ من أن أوصي
بالربع، ولأن أوصي بالرّبع أحبّ إليّ من أن أوصي بالثلث ، ومَنْ أوْصى
بالثلث فلم يَتْركْ شيئاً .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي
سَبْرَة عن عبد المجيد بن سُهيل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : وأخبرنا
بَرَدان بن أبي النضر عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال : وأخبرنا
عمرو بن عبد الله بن عَنْبَسَة عن أبي النضر عن عبد الله البتهيّ ، دخل حديث
بعضهم في حديث بعض ، أنّ أبا بكر الصّدّيق لما استُعِزّ به دعا عبد الرحمن
ابن عوف فقال : أخبرني عن عمر بن الخطّاب ، فقال عبد الرحمن :
ما تَسْألني عن أمر إلا وأنت أعلم به منّي ، فقال أبو بكر : وإنْ ، فقال
عبد الرحمن: هو واللّه أفْضَلُ من رأيك فيه، ثمّ دعا عثمان بن عفّان فقال :
أُخْبِرْني عن عمر ، فقال : أنت أخبرُنا به ، فقال : على ذلك يا أبا عبد الله ،
فقال عثمان : اللّهُمّ عِلْمي به أنّ سريرته خير من علانيته وأنّه ليس فينا
مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تَرَكْتَه ما عَدَوْتُك. وشاوَرَ
معهما سعيد بن زيد أبا الأعور وأُسَيْدَ بن الحُضّير وغيرهما من المهاجرين
والأنصار فقال أُسَيْدٌ: اللهمّ أَعْلَمُهُ الخَيْرَةَ بعدك، يَرْضى للرّضى
ويَسْخَطُ للسّخْطِ ، الذي يُسِرّ خيرٌ من الذي يُعلنُ، ولم يَلِ هذا الأمر
أحَدٌ أقوى عليه منه . وسَمعَ بعضُ أصحاب النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ،
بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخَلْوَتِهِما به فدخلوا على أبي
بكر فقال له قائلٌ منهم : ما أنت قائلٌ لربّك إذا سألك عن استخلافك
عُمَرَ ؟ لَعُمَرَ علينا وقد تَرَى غِلْظَتَه ؟ فقال أبو بكر : أجْلِسوني،
أباللّه تُخَوّفوني؟ خابَ مَنْ تَزَوّدَ من أمركم بظُلم، أقولُ اللهمَّ
استخلفتُ عليهم خيرَ أهلك، أبْلِغ عني ما قلتُ لك مَنْ وَرَاءَك. ثمّ
١٩٩

اضطجع ودعا عثمان بن عفان فقال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ،
هذا ما عتَهِدَ أبو بكر بن أبي قُحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها وعند
أوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويَصْدُّقُ
الكاذب ، إني استخلفتُ عليكم بعدي عمر بن الخطّاب فاسمعوا له وأطيعوا ،
وإني لم آلُ اللّه ورسوله ودينَه ونفسي وإيّاكم خيراً، فإنْ عَدَل فذلك
ظَنّي به وعلمي فيه، وإنْ بدّل فلكلّ امرىء ما اكتَسَبَ من الإثم ،
والخير أردتُ ولا أعلم الغَيْبَ، سَيَعْلَمُ الّذينَ ظَلَموا أيّ مُنْقَلَبٍ
يَنْقَلِبُونَ، والسّلامُ عليكم ورحمةُ الله. ثمّ أمر بالكتاب فختمه ، ثم
قال بعضهم لما أمْلى أبو بكر صدرَ هذا الكتاب : بَقِيَ ذكرُ عُمَرَ فذُهِبَ به
قبل أنْ يُسَمَّيَ أحداً . فكتب عثمان : إني قد استخلفتُ عليكم عمرَ بن
الخطاب ، ثم أفاق أبو بكر فقال: اقْرَأْ عَلَيْ ما كَتَبْتَ، فقَرَأ عليه
ذِكْرَ عُمَرَ فَكَبِرَ أبو بكر وقال: أراك خِفْتَ إِنْ أقْبَلَتْ نفسي في غَشْيَّي
تلك يَخْتَلِفِ النّاسُ فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيراً، والله إنْ كنتَ
لها لأهْلاً. ثمّ أمره فخرج بالكتاب مختوماً ومعه عمر بن الخطّاب وأُسَيْد
ابن سعيد القُرّظيّ فقال عثمان للناس : أتبايعون لمن في هذا الكتاب ؟ فقالوا :
نعم ، وقال بعضهم : قد علمْنا به ، قال ابن سعد : عليّ القائل وهو عمر،
فَأَقَرّوا بذلك جميعاً ورَضوا به وبايعوا ثُمّ دعا أبو بكر عمر خالياً فأوصاه
بما أوصاه به، ثمّ خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مداً فقال: اللهمّ
إني لم أُرِدْ بذلك إلاّ صلاحهم وخِفْتُ عليهم الفتنةَ فعملتُ فيهم بما أنت
أَعْلَمُ به واجتهدتُ لهم رَأْيِي فوَلَيْتُ عليهم خَيْرَهم وأقواهم عليهم
وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حَضَّرَني من أمرِكَ مَا حضز فاخْلُفني
فيهم فَهُمْ عبادُك ونَواصيهم بيدك أصْلِحْ لهم وإليهم واجْعَلْه من خلفائك
الراشدين يَتّبِعْ هُدى نبيّ الرّحْمَةِ وهُدى الصالحين بعده وأصْلِيحْ له
رَعِبْتَه .
٢٠٠