النص المفهرس
صفحات 141-160
لأصحابه : إنّ هذا يوم قتال فأفْطرُوا . قال شبابة: قال شعبة لم يسمع عمرو بن دينار من عُبيد بن عُمير إلاّ ثلاثة أحاديث . أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العجْلي قال : أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قالا : لمّا كان يوم فتح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكّة كان عبد الله بن أمّ مكتوم بين يديه وبين الصّفا والمَرْوة وهو يقول : يَا حَبّذَا مَكّةُ مِنْ وَادي! أَرْضِّ بَهَا أَهْلي وعُوّادي أَرْضٌ بِهَا أَمْشِي بلا هَادي! أرْضِّ بَهَا تَرْسَخُ أوْ تَادي أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب : أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، أمر بقتل ابن أبي سَرْح يوم الفتح وفَرْتَنَا وابْن الزّبَعْرَى وابن خَطَل، فأتاه أبو بَرْزَة وهو متعلّق بأستار الكعبة فبقر بطنه ، وكان رجل من الأنصار قد نذر إن رأى ابن أبي سَرْح أن يقتله ، فجاء عثمان وكان أخاه من الرّضاعة فشفع له إلى النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، وقد أخذ الأنصاري بقائم السيف ينتظر النبيّ منى يومىء إليه أن يقتله ، فشفع له عثمان حتى تركه ؛ ثمّ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، للأنصاري : هلاّ وفيتَ بنذرك ؟ فقال : يا رسول الله ، وضعت يدي على قائم السيف أنتظر متى تومىء فأقتله ! فقال النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم : الإيماء خيانةٌ ! ليس لنبيّ أن يومىء . أخبرنا أحمد بن الحَجّاج الخُراساني ، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال : أخبرنا مَعْمَر عن الزهريّ عن بعض آل عمر بن الخطّاب قال : لمّا كان يوم الفتْح ورسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، بمكّة أرسل إلى صَفْوان بن أُميّة بن خَلَفَ وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام قال عمر : قلت قد أمكن اللّه منهم أعْرَفَهم بما صنعوا حتى قال النبيّ ، ١٤١ صلى الله عليه وسلم، مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته : لا تَشْرِيب عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْجَمُ الرّاحمينّ. قال عمر: فانفضحتُ حَيَاءَ من رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، كراهيةً لما كان منّي، وقد قال لهم رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم ، ما قال . أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنْعاني ، حدثني إبراهيم بن عقيل "ابن مَعْقل عن أبيه عن وهْب عن جابر: أنّ النّبيّ، صلى الله عليه وسلّم: أمر عمر بن الخطّاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبَةَ فَيَمْحُوّ كلّ صورةٍ فيها، ولم يدخلها النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم، حتى مُحيّت كل صورة فيها . أخبرنا موسى بن داود ، أخبرنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس عن الفَضْل: أنّ النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، دخل البيت فكان يسبّح ويكبّر ويدعو ولا يركع . أخبرنا خالد بن مخلد البجلي ، أخبرنا سليمان بن بلال ، حدّني عبد الرّحمن بن الحارث بن عيّاش عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال : جلس النبيّ ، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح على درج الكعبة فحمد الله وأثنى عليه وقال فيما تكلّم به : لا هجرة بعد الفتح . أخبرنا موسى بن داود بن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال : كان يومَ الفتح بمكّة دخانٌ، وهو قول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تّأتي السّمَاءُ بدُخَانِ مُبينٍ . أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي ، أخبرنا شعبة عن أبي إياس قال : سمعت عبد الله بن المغفّل قال : رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يوم فتح مكّة على ناقة وهو يسير ويقرأ سورة الفتح ويرجّع ويقول : لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع . أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا أبو معشر عن العبّاس بن عبد الله بن ١٤٢ .م مَعْبَد قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، الغَدَ من يوم الفتح: أذْهبوا عنكم عُبيّة الجاهليّة وفَّخْرَها بآبائها، النّاس كلّهم بنو آدم وآدم من تراب ! أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنعانيّ ، أخبرنا إبراهيم بن عَقيل ابن معقل عن أبيه عن وهب بن منبه ، قال : سألت جابر بن عبد الله هل غنموا يوم الفتح شيئاً ؟ قال : لا . أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن عليّ بن زيد بن جُدْ عان عن أبي نَضْرَة عن عمران بن حصين قال: شهدت مع النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم ، الفتح فأقام بمكّة ثماني عشرة ليلة لا يصلّي إلاّ ركعتين. أخبرنا الفضل بن دكين ، أخبرنا سفيان عن يحيى بن أبي إسحاق قال : سمعت أنس بن مالك قال : خرجنا مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، يَقْصُر حتى أتى مكّة وأقمنا بها عشراً يقصر حتى رجع . أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد اللّه بن عتبة قال: أقام رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم، عام الفتح بمكّة خمس عشرة ليلةً يقصر الصلاة حتى سار إلى حُنين . أخبرنا الفضل بن دكين ، أخبرنا المسعودي عن الحكم : أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج في رمضان من المدينة لستّ مَضَينَ فسار سبعاً يصلّي ركعتين حتى قدم مكّة فأقام بها نصف شهر يقصر الصّلاة، ثمّ خرج لليلتين بقيتا من شهر رمضان إلى حنين . أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا شَريك عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: أقام النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، بمكّة بعد الفتح سبعة عشر يوماً يصلي ركعتين . أخبرنا محمد بن حرب المكي ، أخبرنا بكر بن مُضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك: أنّ النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، صلّ بمكّة ١٤٣ عام الفتح خمس عشرة ليلةً يصلّي ركعتين ركعتين. أخبرنا سليمان بن حرب ، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن أبي نَضْرة عن عمران بن حصين قال: أقام رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، زمن الفتح بمكّة ثماني عشرة يصلّي ركعتين ركعتين . أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا وُهيب ، أخبرنا عُمارة بن غَزَيّة ، أخبرنا الرّبيع بن سَبْرَة الجُهسي عن أبيه قال : خرجنا مع رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، عام الفتح فأقام خمس عشرة من بين يوم وليلة . أخبرنا كثير بن هشام ، أخبرنا الفُراتِ بن سليمان عن عبد الكريم ابن مالك الجَزّري عن مُجاهد عن مولاةٍ لأمّ هانىءٍ: أنّ رسول اللّه، صلى الله عليه وسلّم، حين فتح مكّة دعَا بإنَّاءٍ فاغتسل ثمّ صلّى أربع ركعات . أخبرنا يحيى بن عبّاد ، أخبرنا فُليح بن سليمان : سمعت سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري قال : أخبرني أبو مرّة مولى أمّ هانىء أنّ أمّ هانىء أخبرته أنّها دخلت منزل رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، يوم الفتح تُكلّمه في رجل تستأمن له قالت : فدخل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقد وقع الغبار على رأسه ولحيته فسُتر بثوب فاغتسل، ثمّ خالف بين طَرَفَيْ ثوبه فصلّى الضّحى ثماني ركعات . أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا ليث بن سعد ، حدّثّني يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن أبي هند أنّ أبا مُرّة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنّ أُمّ هانىء بنت أبي طالب حدثته أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ... لمّا كان عام الفتح فرّ إليها رجلان من بني مخزوم فأجارتهما ، فدخل عليّ عليها فقال : لأقتلنّهما ! قالت : فلمّا سمعته يقول ذلك أتيت رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلّم، وهو بأعلى مكّة، فلمّا رآني رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، رحّب بي وقال : ما جاء بك يا أمّ هانىء؟ قلت: يا نبيّ اللّه ١٤٤ كنت قد آمنت رجلين من أحمائي فأراد عليّ قَتْلَهما ، فقال رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرْتٍ! ثمّ قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى غسله فسترته فاطمة بثوب ثمّ أخذ ثوبه فالتحف به ثمّ صلّى ثماني ركعات سُبْحَةَ الضحَى . أخبرنا أبو بكر بن محمّد بن أبي مُرّة المكي ، حدثني سعيد بن سالم المكّي عن رجل قد سمّاه قال : استعمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على سوق مكّة حين افتتحها سَعيدَ بن سعيد بن العاص بن أميّة ، فلمّا أراد النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، أن يخرج إلى الطائف خرج معه سعيد بن سعيد فاستُشهد بالطائف . أخبرنا أبو بكر بن محمد بن أبي مُرّة ، حدّثني مسلم بن خالد الزّنجي عن أبي جُريج قال: لمّا خرج النبيّ، صلى الله عليه وسلم، إلى الطائف في عام الفتح استخلف على مكّة هُبِيرة بن شبْل بن العَجْلان الثّقفي ، فلمّا رجع من الطائف وأراد الخروج إلى المدينة استعمل عَتّاب بن أسيد على مكّة وعلى الحجّ سنةَ ثمان . أخبرنا محمد بن عُبيد ، حدثني زكريّاء بن أبي زائدة عن عامر قال : قال الحارث بن مالك بن بَرْصاء : سمعتُ النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، يوم الفتح يقول : لا تُغْزَى بعدها إلى يوم القيامة .. سريّة خالد بن الوليد الى العُزى ثمّ سريّة خالد بن الوليد إلى العُزّى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم .. قالوا : بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، حين فتح مكّة خالد ابن الوليد إلى العُزّى ليهدمها ، فخرج في ثلاثين فارساً من أصحابه حتّى انتهوا ١٤٥ ١٠ -٢ إليها فهدمها ثمّ رجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، فأخبره فقال : هل رأيتَ شيئاً ؟ قال : لا ! قال : فإنّك لم تهدمها فارجعْ إليها فاهدمها ؛ فرجع خالد وهو متغيّظ فجرّد سيفه فخرجت إليه امرأةٌ عريانة سوداء ناشرة الرأسِ ، فجعل السادن يصيح بها ، فضربها خالد فجَزّلَها باثنين ورجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: نعمْ تلك العُزّى وقد يئستْ أن تُعْبَد ببلادكم أبداً ! وكانت بنخلة وكانت لقريش وجميع بني كنانة وكانت أعظم أصنامهم وكان سَدَنَّتَها بنو شيبان من بني سُلَيم . سريّة عمرو بن العاص الى سُواع ثمّ سريّة عمرو بن العاص إلى سُواع في شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم . قالوا : بعث النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، حين فتح مكة عمرو بن العاص إلى سُواع ، صنم هذيل ، ليهدمه . قال عمرو : فانتهيتُ إليه وعنده السادن فقال : ما تريد ؟ قلت : أمرني رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم ، أن أهدمه . قال : لا تقدر على ذلك. قلتُ: لمَ ؟ قال : تُمْنَعَ ! قلت : حتّى الآن أنت في الباطل ! وَيْحَك وهل يَسْمع أو يُبْصِر! قال : فدنوت منه فيكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئاً ، ثمّ قلت للسادن : كيف رأيتَ ؟ قال : أسلمتُ للّه . سريّة سعد بن زيد الأشْهَلي الى مناة ثمّ سريّة سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة في شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . ١٤٦ قالوا : بعث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حين فتح مكّة سعد ابن زيد الأشهلي إلى مناة ، وكانت بالمُشَلّل للأوس والخزرج وغسّان . فلمّا كان يوم الفتح بعث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، سعد بن زيد الأشهلي يهدمها فخرج في عشرين فارساً حتّى انتهى إليها وعليها سادن ، فقال السادن : ما تريد ؟ قال : هَدْمَ مَنَاةَ ! قال : أنت وذاك ! فأقبل سعد يمشي إليها وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها ، فقال السادن : مَنّاة دونَكِ بَعْضَ غَضّباتكِ ! ويضربها سعد بن زيد الأشهلي وقتلها ويُقبل إلى الصنم معه أصحابه فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئاً وانصرف راجعاً إلى رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، وكان ذلك لستّ بقين من شهر رمضان . سريّة خالد بن الوليد الى بني جذيمة من كنانة ثمّ سريّة خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة، وكانوا بأسفل مكّة على ليلة ناحيةَ يَلَمْلَم في شوال سنة ثمان من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو يوم الغُميصاء. قالوا : لمّا رجع خالد بن الوليد من هَدْم العُزّى ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم، مقيم بمكّةٍ بعثه إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام ولم يبعثه مقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سُليم ، فانتهى إليهم خالد فقال : ما أنتم ؟ قالوا : مسلمون قد صلّينا وصدّقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذّنّاً فيها ! قال : فما بالُ السلاح عليكم ؟ فقالوا : إنّ بيننا وبين قوم من العرب عداوةً فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح ! قال : فضَعُوا السلاحَ ! قال : فوضعوه ، فقال لهم : استأسروا ، ١٤٧ ? فاستأسر القوم ، فأمر بعضَهم فكتف بعضاً وفرّقهم في أصحابه ، فلمّا كان في السّحَر نادى خالد : من كان معه أسيرٌ فَلْيُدافّه! والمُدافَة الإجهاز عليه بالسيف ، فأمّا بنو سُليم فقتلوا من كان في أيديهم ، وأمّا المهاجرون والأنصار فأرسلوا أساراهم ، فبلغ النبيَّ ، صلى الله عليه وسلم ، ما صنع خالد فقال : اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد! وبعث عليّ بن أبي طالب فوَدَى لهم قَتْلاهم وما ذهب منهم ثمّ انصرف إلى رسول اللّه فأخبره . أخبرنا العبّاس بن الفضل الأزرق البصري ، أخبرنا خالد بن يزيد الجَوْني ، أخبرنا محمد بن إسحاق عن ابن أبي حَدْرَد عن أبيه قال : كنت في الخيل التي أغارت مع خالد بن الوليد على بني جذيمة يوم الغُميصاء ، فلحقنا رجلاً منهم معه نسوةٌ فجعل يقاتلنا عنهنّ ويقول : مَشْيَ حُبَيّاتٍ كَأنْ لَمْ تُفْزَمَنْ رَخّيْنَ أَذْبِالَ الحِقَاءِ وَأَرْبَعَنْ إِنْ يَمْنَعِ القَوْمَ ثَلاثٌ تُمْتَعَنْ قال : فقاتل ثلاثاً عنهنّ حتّى أصعدهنّ الجبل. قال: إذ لحقنا آخَرَ معه نسوة قال فجعل يقاتل عنهنّ ويقول : قَدْ عَلَمَتْ بَيْضاءُ حَمْراء الإِطِلْ يَحُوزُها ذُو ثَلّةٍ وَذُو إِيِلْ لْأغْنِيَنَّ الْيَوْمَ ما أَغْنَى رَجُلْ فقاتل عنهنّ حتّى أصعدهنّ الجبل . قال : إذ لحقنا آخَرَ معه نسوة فجعل يقاتل عنهنّ ويقول : قَدْ عَلَمَتْ بَيْضاءُ تُلْهِي العِرْسَا لا تملأ اللجين مِنْهَا نَهْسَا لِأَضْرِبَنّ الْيَوْمَ ضَرْباً وَعْسَا ضَرْبَ المُذِيدِينَ المَخاض القُعْسا. فقاتل عنهنّ حتّى أصعدهنّ الجبل فقال خالد : لا تتبعوهم . ١٤٨ 1 أخبرنا العبّاس بن الفضل ، أخبرنا سفيان بن عيينة ، حدثني عبد الملك ابن نَوْفَل بن مُساحق القرشي عن عبد الله بن عصام المُزّني عن أبيه قال : بعثنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوم بطن نخلة فقال : اقتلوا ما لم تسمعوا مؤذّناً أو تروا مسجداً ، إذ لحقنا رجلاً فقلنا له : كافرٌ أو مسلم ؟ فقال : إن كنتُ كافراً فَمَهْ! قلنا له : إن كنت كافراً قتلناك ! قال : دَعُوني أقضٍ إلى النسوان حاجةً! قال: إذ دنا إلى امرأة منهنّ فقال لها: اسلمي حُبَيْش عَلَى نَفَدَ العيش ! بحَلَْةَ أَوْ أَدْرَكْتُكُمْ بِالخَوانِقِ أُرَيْتَكِ إذْ طالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكم تَكلّفَ إِدْلاجَ السُّرَى والوّدائقِ ؟ أُما كانَ أَهْلاً أنْ يُنَوَّلَ عاشقٌ أثيبي بوُدّ قَبْلَ إحْدى الصّفائقِ ! فَلَا ذَنْبَ لي قَدْ قُلتُ إذْ نحنُ جِيرَةٌ وَيَنْأَى أميري بالحبيبِ الْمُفَارِقِ أثيبي بوُدّ قَبَلَ أن تَشحّطَ النّوى، فقالت : نعم حُيّيتَ عشراً وسبعاً وِتْرا وثمانياً تَتْرَى! قال : فقربناه فضربنا عنقه ؛ قال : فجاءت فجعلت ترشفه حتى ماتت عليه ! وقال سفيان : وإذا امرأة كثيرة النّحض ، يعني اللحم . غزوة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الی حتین ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى حُنين وهي غزوة هوازن في شوّال سنة ثمان من مُهاجَرَ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وحُنين وادٍ بينه وبين مكّة ثلاث ليال . قالوا : لمّا فتح رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، مكة مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض وحشدوا وبغوا ، وجمع أمرّهم مالك بن ١٤٩ عوف النّصري ، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة ، وأمرهم فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم حتى نزلوا بأوْطاس ، وجعلت الأمداد تأتيهم فأجمعوا المسير إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فخرج إليهم رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، من مكّة يوم السبت لستّ ليال خلون من شوّال في اثني عشر ألفاً من المسلمين : عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من أهل مكة . فقال أبو بكر : لا نُغْلَب اليومَ من قلّةٍ ! وخرج مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ناسٌ من المشركين كثير ، منهم صَفْوان بن أمية ، وكان رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، استعار منه مائةَ درع بأداتها، فانتهى إلى حُنين مَساء ليلة الثلثاء لعشر ليال خلون من شوّال ، فبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر أصحاب رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، فرجعوا إليه وقد تفرّقت أوصالهم من الرّعب . ووجّه رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، عبد" الله بن أبي حَدْرَد الأسْلَمي فدخل عسكرّهم فطاف به وجاء بخبرهم، فلمّا كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين فأوعز إليهم أن يحملوا على محمد وأصحابه حملةً واحدةً ، وعبّأ رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم ، أصحابَه في السّحَر وصفّهم صفوفاً ووضع الألوية والرايات في أهلها ، مع المهاجرين لواء يحمله عليّ بن أبي طالب وراية يحملها سعد بن أبي وقّاص وراية يحملها عمر بن الخطّاب ، ولواء الخزرج يحمله حُباب بن المنذر ، ويقال لواء الخزرج الآخر مع سعد بن عُبادة ولواء الأوس مع أسيد بن حُضير ، وفي كل بطن من الأوس والخزرج لواء أو راية يحملها رجل منهم مُسَمَى، وقبائل العرب فيهم الألوية والرايات يحملها قومٌ منهم مسمّون . وكان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، قد قدّم سُليماً من يوم خرج من مكّة واستعمل عليهم خالد بن الوليد ، فلم يزل على مقدّمته حتى ورد الجعرانة . وانحدر رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، في وادي الحُنين على تعبئة وركب بغلته البيضاء دُلْدُل ولبس دِرْعَين والمغفر والبيضة ، ١٥٠ فاستقبلهم من هوازن شيء لم يروا مثله قط من السّواد والكثرة ، وذلك في غَبَش الصبح ، وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملةً واحدةً وانكشفت الخيل خيل بني سُليم مولّةً وتبعهم أهل مكّة وتبعهم الناس منهزمين ، فجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يقول: يا أنصار اللّه وأنصارَ رسوله أنا عبد الله ورسوله ! ورجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم"، إلى العسكر وثاب إليه من انهزم وثبت معه يومئذ العبّاس بن عبد المطّلب وعليّ بن أبي طالب والفضل بن عبّاس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وأبو بكر وعمر وأسامة بن زيد في أناس من أهل بيته وأصحابه ، وجعل يقول للعبّاس : نادٍ يا معشر الأنصار يا أصحاب السّمُرة يا أصحاب سُورة البقرة ! فتادى ، وكان صَيّاً ، فأقبلوا كأنّهم الإبل إذا حنّت على أولادها يقولون : يا لَبّيْك يا لَبّيْك ! فحملوا على المشركين فأشرف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فنظر إلى قتالهم فقال: الآن حَميَ الوَطيسُ ! أنَا النّبيّ لا كَذِبْ، أنّا ابنُ عَبْد المُطَلبْ! ثمّ قال للعبّاس بن عبد المطّلب: ناوِلْي حَصَّيَاتٍ ، فناولتُه حصيات من الأرض ثمّ قال: شاهَتِ الوجوه ! ورمى بها وجوه المشركين وقال : انهزموا وربّ الكعبة! وقذف الله في قلوبهم الرّعب، وانهزموا لا يلوي أحد منهم على أحد ، فأمر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، أن يُقْتَل من قُدر عليه ، فحَنقَ المسلمون عليهم يقتلونهم حتى قتلوا الذّرّيّة ، فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنهى عن قتل الذّرّيّة، وكان سيماء الملائكة ، يومَ حُنين، عمائمُ حُمْرٌ قد أرخوها بين أكتافهم . وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلاً له عليه بيّنةٌ فله سَلَبُه. وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بطلب العدوّ فانتهى بعضهم إلى الطائف وبعضهم نحو نخلة وتوجه قوم منهم إلى أوْطاس ، فعقد رسول الله ، صلى ١٥١ اللّه عليه وسلم، لأبي عامر الأشعري لواءً ووجّهه في طلبهم ، وكان معه سلمة بن الأكوَع ، فانتهى إلى عسكرهم فإذا هم ممتنعون فقتل منهم أبو عامر تسعةٌ مُبَارَزَةً ثُمّ بَرَزَ له العاشر مُعْلماً بعمامة صفراء فضرب أبا عامر فقتله ، واستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعري فقاتلهم حتى فتح اللّه عليه وقتل قاتل أبي عامر ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم : اللهم اغفر لأبي عامر واجعله من أعْلَى أمتي في الجنّة ! ودعا لأبي موسى أيضاً . وقتل من المسلمين أيضاً أيْمَن بن عبيد بن زيد الخزرجي . وهو ابن أمّ أيمن أخو أسامة بن زيد لأمه، وسُراقة بن الحارث ورُقيم بن ثعلبة بن زيد بن لَوْذان، واستحرّ القتال في بني نَصْر بن معاوية ثمّ في بني رِباب فقال عبد الله بن قيس وكان مسلماً : هلكت بنو رباب ! وقال رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم: اللهمّ اجبرْ مصيبتهم! ووقف مالك بن عوف على ثنيّة من الثنايا حتى مضى ضُعفاء أصحابه وتتامّ آخرهم ثمّ هرب فتحصْن في قصر بليّة ، ويقال دخل حصن ثقيف ، وأمر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم. بالسبي والغنائم تُجْمَعَ، فجُمع ذلك كلّه وحدروه إلى الجعرانة فوُقف بها إلى أن انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، من الطائف وهم في حظائرهم يستظلون بها من الشمس ، وكان السبي ستّة آلاف رأس ، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير ، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة . وأربعة آلاف أوقيّة فضّة، فاستأنى رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم . بالسبي أن يقدم عليه وفْدُهم وبدأ بالأموال فقسمها وأعطى المؤلّفةَ قلوبهم أوّلَ النّاس فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقيّة ومائة من الإبل ؛ قال : ابني يزيد ؛ قال : أعطوه أربعين أوقيّة ومائة من الإبل ؛ قال : ابني معاوية ؛ قال : أعطوه أربعين أوقيّة ومائة من الإبل . وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ثمّ سأله مائة أخرى فأعطاه إيّاها ، وأعطى النصر بن الحارث بن كَلّدة مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية الثّقَفي مائة من الإبل ، ١٥٢ وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي خمسين بعيراً ، وأعطى مَخْرَمة بن نَوْفل خمسين بعيراً ، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل ، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل ، وأعطى صَفْوانَ بن أميّة مائة من الإبل ، وأعطى قيس بن عديّ مائة من الإبل ، وأعطى عثمان بن وَهْب خمسين من الإبل ، وأعطى سُهيل بن عمرو مائة من الإبل ، وأعطى حُويطب بن عبد العُزّى مائة من الإبل ، وأعطى هشام بن عمرو العامري خمسين من الإبل ، وأعطى الأفْرَع بن حابس التّميمي مائة من الإبل ، وأعطى عيينة بن حصْن مائة من الإبل ، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل ، وأعطى العبّاس بن مرْداس أربعين من الإبل ، فقال في ذلك شعراً فأعطاه مائة من الإبل . ويقال خمسين ، وأعطى ذلك كلّه من الخُمس وهو أثبت الأقاويل عندنا ، ثمّ أمر زيد بن ثابت بإحصاء النّاس والغنائم ثمّ فضّها على النّاس فكانت سهامهم لكلّ رجل أربع من الإبل وأربعون شاة ، فإن كان فارساً أخذ اثني عشر من الإبل وعشرين ومائة شاة ، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم له . وقدم وَفْدُ هوازن على النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم ، وهم أربعة عشر رجلاً ورأسهم زهير بن صُرَد، وفيهم أبو بُرْقان عمّ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، من الرضاعة فسألوه أن يَمُنّ عليهم بالسبي فقال : أبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم ؟ قالوا : ما كنّا نعدل بالأحساب شيئاً . فقال : أمّا ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وسأسألُ لكم النّاسَ ؛ فقال المهاجرون والأنصار : ما كان لنا فهو لرسول الله، صلى الله عليه وسلّم فقال الأقرع بن حابس : أمّا أنا وبنو تّميم فلا ! وقال عيينة بن حصن : أمّا أنا وبنو فَزارة فلا ! وقال العبّاس بن مرْداس : أمّا أنا وبنو سُليم فلا! وقالت بنو سُليم : ما كان لنا فهو لرسول الله، صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال العبّاس بن مرْداس: وهّنتموني! وقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: ١٥٣ إنّ هؤلاء القوم جاؤوا مسلمين ، وقد كنت استأنيت بسبيهم وقد خيّرْتُهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً ، فمن كان عنده منهم شيء فطابت نفسه أن يردّه فسبيل ذلك ، ومن أبَى فليردّ عليهم وليكن ذلك قَرْضاً علينا ستّ فرائض من أوّل ما يُفيء الله علينا . قالوا : رضينا وسلّمنا ، فردّوا عليهم نساءَهم وأبناءَ هم ولم يختلف منهم أحدٌ غير عيينة بن حصن ، فإنّه أبَى أن يردّ عجوزاً صارت في يده منهم ثمّ ردّها بعد ذلك . وكان رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قد كسا السّبِيَ قُبْطيّةَ قبطيّة . قالوا : فلمّا رأت الأنصار ما أعطى رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلّم ، في قريش والعرب تكلّموا في ذلك فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم : يا معشر الأنصار أما ترضون أن يرجع النّاس بالشاء والبعير وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم ؟ قالوا : رضينا يا رسول اللّه بك حَظّاً وقسْماً! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: اللهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ! وانصرف رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم، وتفرّقوا . وكان رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم، انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة فأقام بها ثلاث عشرة ليلة ، فلمّا أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة ليلاً ، فأحرم بعُمرة ودخل مكّة فطاف وسعى وحلق رأسه ورجع إلى الجعرانة من ليلته كبائتٍ ، ثمّ غدا يوم الخميس فانصرف إلى المدينة فسلك في وادي الجعرانة حتى خرج على سَرِف ثمّ أخذ الطريق إلى مَرّ الظّهْران ثمّ إلى المدينة، صلّى الله عليه وسلم. أخبرنا الضحّاك بن مَخْلَد الشيباني أبو عاصم النّبيل قال : أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يَعْلَّى بن كعب الثّقَفي وأخبرني عبد اللّه بن عبّاس عن أبيه: أنّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أتى هوازن في اثني ١٥٤ عشر ألفاً ، فقتل منهم مثل ما قتل من قريش يوم بدر وأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، تراباً من البطحاء فرمى به وجوهنا فانهزمنا . أخبرنا محمد بن حميد العَبْدي عن معمر عن الزهري عن كثير بن عبّاس بن عبد المطّلب عن أبيه قال : لمّا كان يوم حُنين التقى المسلمون والمشركون فولى المسلمون يومئذ ، فلقد رأيت رسول اللّه وما معه أحدٌّ إلاّ أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أخذ بغَرْز النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم، والنبيّ ما يألو ما أسرع نحو المشركين ، قال : فأتيته حتى أخذت بلجامه وهو على بَغْلَة له شَهْباء فقال : يا عبّاس نادٍ يا أصحاب السّمُرة ! قال : وكنت رجلاً صَيّاً فناديت بصوتي الأعلى أين أصحاب السّمُرة ؟ فأقبلوا كأنّهم الإبل إذا حنّت إلى أولادها : يا لبّيك ، يا لبّيك ، يا لبّيك! وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون . ونادت الأنصار : يا معشر الأنصار ! مرّتين ، ثم قصرت الدعوى في بني الحارث بن الخزرج فنادوا : يا بني الحارث بن الخزرج ! فنظر النبيّ وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس ، ثمّ أخذ بيده من الحصى فرماهم بها ثمّ قال: انهزموا وربّ الكعبة! قال: فوالله ما زال أمرهم مُدْبِراً وحَدّهم كليلاً حتى هزمهم الله فكأنّ أنظر إلى النّبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، يركض خلفهم على بغلة له . قال الزهري : وأخبرني ابن المسيّب أنّهم أصابوا يومئذ ستّة آلاف من السبي فجاؤوا مسلمين بعد ذلك فقالوا : يا نبيّ اللّه أنت خير النّاس وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا ! فقال : إن عندي من ترون وإن خير القول أصدقُه فاختاروا مني إمّا ذَرَارِيّكم ونساءكم وإمّا أموالكم ؛ قالوا : ما كنّا لنعدل بالأحساب شيئاً . فقام النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم ، خطيباً فقال : إنّ هؤلاء قد جاؤوا مسلمين وإنّا قد خيّرناهم بين الذّرَاري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً فمن كان عنده منهم شيء فطابت نفسه أن يردّه فسبيل ذلك، ومن لا فليُعْطَنا وَلْيَكُنْ قَرْضاً علينا حتّى نُصيب شيئاً فنعطيه ١٥٥ مكانه ؛ قالوا: يا نبيّ اللّه قد رضينا وسلّمنا؛ قال: إنّي لا أدري لعلّ فيكم من لا يرضى فمروا عُرفاءكم يرفعون ذلك إلينا ؛ فرفعت إليه العُرَفاء أن قد رضوا وسلّموا . أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا حمّاد بن سلمة ، أخبرنا يَعْلى بن عطاء عن أبي همّام عن أبي عبد الرحمن الفهري قال : كنّا مع رسول الله، صلّ اللّه عليه وسلّم ، في غزوة حُنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحرّ فنزلنا تحت ظلال الشجر ، فلمّا زالت الشمس لبستُ لأمتي وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو في فُسطاطه فقلت : السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة الله! حان الرّواح؟ فقال: أجَلْ، ثمّ قال: يا بلال ! فثار من تحت سَمْرة كأنّ ظلّه ظلّ طائر فقال: لبّيك وسَعْدَيْك وأنا فداؤك ! قال : أسْرِجْ لي فرسي ، فأخرج سرجاً دفّتاهُ من ليف ليس فيهما أشَر ولا بَطَر. قال: فأسرج فركب وركبنا فصاففناهم عشيّتنا وليلتنا فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين كما قال الله، فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، ثمّ قال: يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله، قال: ثمّ اقتحم رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، عن فرسه فأخذ كفّاً من تراب فأخبرني الذي كان أدنى إليه منّ أنّه ضرب به وجوههم وقال : شاهت الوجوه ! فهزمهم الله . قال يَعْلى بن عطاء : فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنّهم قالوا : لم يبقَ منّا أحدٌ إلا امتلأت عيناه وفوه تراباً، وسمعنا صَلْصَلة بين السماء والأرض کإمرار الحديد على الطّست الجديد . أخبرنا عفّان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابي قالا : أخبرنا همّم ، أخبرنا قتادة عن الحسن عن سَمُرة : أنّ يومٍ حُنين كان يوماً مَطيراً، قال : فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، منادياً فنادى: إنّ الصلاة في الرحال . ١٥٦ أخبرنا عمرو بن عاصم ، أخبرنا همّام ، أخبرنا قتادة وأخبرنا هاشم ابن القاسم ، أخبرنا شعبة قال قتادة أخبرني عن أبي المليح عن أبيه قال : أصابنا مطرٌ بحُنين فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، مناديه فنادى : إنّ الصلاة في الرحال . وأخبرنا عتّاب بن زياد ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، أخبرني عبد الرحمن المسعودي عن القاسم عن عبد الله بن مسعود قالوا : نودي في النّاس يوم حُنين يا أصحاب سورة البقرة ! فأقبلوا بسيوفهم كأنّها الشّهُب فهزم الله المشركين . سريّة الطفيل بن عمرو الدَّوْسي الى ذي الكَفَّين ثمّ سريّة الطفيل بن عمرو الدّوْسي إلى ذي الكفّين: صنم عمرو ابن حُمَمَة الدّوْسي في شوال سنة ثمان من مُهاجر رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلّم . قالوا : لمّا أراد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، السير إلى الطائف بعث الطّفيل بن عمرو إلى ذي الكفّين ، صنم عمرو بن حُمَمَة الدّوْسي ، يهدمه وأمره أن يستمدّ قومه ويوافيه بالطائف ، فخرج سريعاً إلى قومه فهدم ذا الكفّين وجعل يحشّ النار في وجهه ويحرقه ويقول : ميلادُنَا أَقْدمُ منْ ميلادكًا يَا ذَا الكَفَّيْنِ لَسْتُ من عُبَادِکا إنّ حَشَشْتُ النّارَ في فُؤَادٍكَا قال : وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعاً فوافوا النّبيّ، صلّى الله. عليه وسلّم ، بالطائف بعد مَقْدَمَه بأربعة أيّام ، وقدم بدَبّابة ومَنْجَنَيق ١٥٧ وقال : يا معشر الأزد من يحمل رايتكم ؟ فقال الطفيل : من كان يحملها في الجاهليّة النعمان بن بازية اللّهْبي ؛ قال : أصبتم . غزوة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، الطائف ثمّ غزوة رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، الطائف في شوّال سنة ثمان من مُهاجَره . قالوا : خرج رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، من حُنين يريد الطائف وقدّم خالد بن الوليد على مقدّمّته ، وقد كانت ثقيف رَمّوا حصنهم وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة ، فلمّا انهزموا من أوْطاس دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم وتهيأوا للقتال، وسار رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فنزل قريباً من حصن الطائف وعسكر هناك فرموا المسلمين بالنبل رَمْياً شديداً كأنّه رِجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة ، وقُتل منهم اثنا عشر رجلاً ، فيهم عبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة وسعيد بن العاص . ورُمي عبد الله بن أبي بكر الصدّيق يومئذ فاندمل الجرح ثمّ انتقض به بعد ذلك فمات منه فارتفع رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، إلى موضع مسجد الطائف اليومَ وكان معه من نسائه أمّ سلمة وزينب ، فضرب لهما قبّتين ، وكان يصلّي بين القبّتين حصارَ الطائف كلّه فحاصرهم ثمانية عشر يوماً ، ونصب عليهم المنجنيق ونثر الحَسَك سقبين من عيدان حول الحصن ، فرمتهم ثقيف بالنبل فقُتل منهم رجال ، فأمر رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، بقطع أعنابهم وتحريقها فقطع المسلمون قَطْعاً ذريعاً ثمّ سألوه أن يَدَعَها لله وللرّحِم، فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: فإنّي أدّعُها لله وللرّحِم! ونادى منادي رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم: أيّما عبد نزل من الحصن ١٥٨ وخرج إلينا فهو حرّ ! فخرج منهم بضعة عشر رجلاً منهم أبو بَكْرةَ نزل في بَكْرة فقيل أبو بكرة ، فأعتقهم رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ودفع كلّ رجل منهم إلى رجل من المسلمين يَمُونه ، فشقّ ذلك على أهل الطائف مشقّة شديدة ولم يؤذن لرسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، في فتح الطائف . واستشار رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، نَوْفَل بن معاوية الدّيلي فقال : ما ترى ؟ فقال: ثعلبٌ في جُحْر إن أقمتَ عليه أخذتَه وإن تركته لم يضرّك! فأمر رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، عمر بن الخطّاب فأذّن في النّاس بالرحيل فضجّ النّاس من ذلك وقالوا : نرحل ولم يُفْتَح علينا الطائف ؟ فقال رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلّم: فاغدوا على القتال ؛ فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم : إنّا قافلون إن شاء اللّه؛ فسُرّوا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يضحك . وقال لهم رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم : قُولوا لا إله إلاّ اللّه وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ؛ فلمّا ارتحلوا واستقلّوا قال : قولوا آئبون تائبونَ عابدون لربنا حامدون ! وقيل : يا رسول الله ادعُ اللّه على ثقيف، فقال: اللهمّ اهدٍ ثقيفاً وأتٍ بهم . أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي ، أخبرنا أبو الأشهب ، أخبرنا الحسن قال : حاصر رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أهل الطائف قال فرُمي رجل من فوق سورها فقُتل ، فأتى عمر فقال : يا نبيّ اللّه ادع على ثقيف! قال : إنّ اللّه لم يأذن في ثقيف، قال : فكيف نقتل في قوم لم يأذن الله فيهم ؟ قال : فارتحلوا ، فارتحلوا . أخبرنا قبيصة بن عقبة ، أخبرنا سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن مَكْحُول : أنّ النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوماً . ١٥٩ أخبرنا نَصْر بن باب عن الحجّاج ، يعني ابن أرْطَاة ، عن الحكم عن مِقْسَ عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يوم الطائف : من خرج إلينا من العبيد فهو حرّ ! فخرج عبيد من عبيدهم فيهم أبو بكرة فأعتقهم رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم . ثمّ بعث رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، المصدّقين قالوا: لمّا رأى رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، هلال المحرّم سنة تسع من مُهَاجَرَه بعث المصدّقين يصدّقون العرب فبعث عيينة بن حِصْن إلى بني تميم يصدّقهم وبعث بريدة بن الحُصيب إلى أسْلَم وغِفار يصدّقهم ، ويقال كعب بن مالك ، وبعث عبّاد بن بشر الأشهلي إلى سُليم ومُزينة . وبعث رافع بن متكيث إلى جُهينة . وبعث عمرو بن العاص إلى بني. فَزارة . وبعث الضحّاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب . وبعث بُسر ابن سفيان الكتَعْبي إلى بني كعب . وبعث ابن اللُّتْبيّة الأزدي إلى بني ذُبْيان. وبعث رجلاً من سعد هُذيم على صدقاتهم وأمر رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، مصدّقيه أن يأخذوا العفو منهم ويتوقّوا كرائمَ أموالهم . سريّة عيينة بن حصن الفزاري الى بني تميم ثمّ سريّة عيينة بن الحِصْن الفَزاري إلى بني تميم، وكانوا فيما بين السّقيا وأرض بني تميم ، وذلك في المحرّم سنة تسع من مُهاجر رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم . قالوا : بعث رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، عُبينة بن حِصْن الفَزاري إلى بني تميم في خمسين فارساً من العرب ليس فيهم مُهاجريّ ١٦٠