النص المفهرس
صفحات 61-80
غزوة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ذات الرقاع ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذات الرّقاع في المحرّم على رأس سبعة وأربعين شهراً من مُهاجَرَه ، قالوا : قدم قادمٌ المدينةَ يجلَبٍ له فأخبر أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، أن أنماراً وثعلبة قد جمعوا لهم الجموعَ ؛ فبلغ ذلك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فاستخلف على المدينة عثمان بن عفان وخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرّم في أربعمائة من أصحابه ، ويقال سبعمائة . فمضى حتى أتى محالّهم بذات الرّقاع ، وهو جبل فيه بُقَعُ حُمرَةٍ وسوادٍ وبياضٍ قريبٌ من النخيل بين السّعد والشّقرة ، فلم يجد في محالّهم أحداً إلاّ نسوة فأخذهنّ وفيهنّ جارية وضيئة ، وهربت الأعراب إلى رؤوس الجبال ، وحضرت الصّلاةُ فخاف المسلمون أن يُغيروا عليهم فصلّى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلاةَ الخوف فكان ذلك أوّلَ ما صلاّها . وانصرف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، راجعاً إلى المدينة فابتاع من جابر بن عبد اللّه في سَفَرَه ذلك جَمَلَهُ بأوقيّة وشرط له ظَهرَه إلى المدينة وسأله عن دين أبيه وأخبره به ، فاستغفر له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في تلك الليلة خمساً وعشرينَ مرّةً وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، جعال بن سُرَّاقة بشيراً إلى المدينة بسلامته وسلامة المسلمين ، وقدم صراراً يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرّم ، وصرار على ثلاثة أميال من المدينة ، وهي بئر جاهليّةٌ على طريق العراق ، وغاب خمس عشرة ليلة . أخبرنا عفّن بن مُسلم ، أخبرنا أبان بن يزيد وحدّتْني يحيى بن أبي كَثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: أقبلنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كنّا بذات الرّقاع كنّا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، قال : فجاء . وجل من المشركين وسيف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، معلّق بشجرة ٦١ فأخذه فاخترطه وقال لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أتخافني ؟ قال : لا . قال : فمن يمنعك منّي ؟ قال : اللّه يمنعني منك ! قال : فتهدّده أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأغمد السيفَ وعلّقه. قال: فنُودي بالصّلاة. قال : فصلّى بطائفة ركعتين ثمّ تأخّروا . وصلّى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم ، أربع ركعات والقوم ركعتان. غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دُومةَ الجَنْدل ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دُومَةَ الجندَل في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهراً من مُهاجَره . قالوا : بلغَ رسولَ اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، أنّ بدومة الجندل جمعاً كثيراً وأنّهُم يظلمون من مَرّ بهم من الضّافطة وأنّهم يريدون أن يدنوا من المدينة ، وهي طَرَف من أفواه الشأم بينها وبين دمشق خمس ليالٍ ، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ستّ عشرة ليلةً، فندب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الناس واستخلف على المدينة سباعَ بن عُرْفُطة الغفاري وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأوّل في ألف من المسلمين فكان يسير الليل ويكمن النهار ، ومعه دليلٌ له من بني عُذْرة يُقال له مذكور ، فلمّا دنا منهم إذا هم مغرّبون ، وإذا آثار النّعم والشاء فهجم على ماشیتھم ورُعاتهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كلّ وجه، وجاء الخبرُ أهلَ دومة فتفرّقوا ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، بساحتهم فلم يجد بها أحداً فأقام بها أيّامً وبثّ السرايا وفرّقها فرجعت ولم تُصِبْ منهم أحداً ، وأُخذ منهم رجل فسأله رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، عنهم فقال : هربوا حيث سمعوا أنّك أخذت نَعَمهم ، فعرض عليه الإسلام فأسلم ورجع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى المدينة ولم يلق ٦٢ كيداً لعشر ليال بقين من شهر ربيع الآخر . وفي هذه الغزاة وادع رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم، عُيَينة بن حصن أن يرعى بتغلَمَين وما والاه إلى المَرَاض ، وكان ما هناكَ قد أخصبَ وبلاد عُبينة قد أجدبت ، وتغلمين من المَرَاضِ على ميلين ، والمراض على ستّة وثلاثين ميلاً من المدينة على طريق الرّبذة. غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المريسيع ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، المريسيع في شعبان سنة خمس من مُهاجَره . قالوا : إنّ بَلَمُصْطَلِقٍ من خزاعة، وهم من حلفاء بني مُدْلج وكانوا ينزلون على بئر لهم يقال لها المُريسيع ، بينها وبين الفُرْع نحو من يوم ، وبين الفُرْع والمدينة ثمانية بُرُد ، وكان رأسهم وسيّدهم الحارث بن أبي ضرار فسار في قومه ومن قدر عليه من العرب فدعاهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجابوه وتهيّؤْوا للمسير معه إليه ، فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فبعث بريدة بن الحُصيب الأسلمي يعلم علم ذلك ، فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلّمه ورجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فأخبره خبرهم فندب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الناسَ إليهم فأسرعوا الخروج وقادوا الخيول وهي ثلاثون فرساً في المهاجرين منها عشرة ، وفي الأنصار عشرون ، وخرج معه بَشَرٌ كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قطّ مثلها ، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة وكان معه فَرَسان لزاز والظّرب . وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان . وبلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنّه قد قَتَلَ عَينَه الذي كان وجّهه ليأتيه بخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فسيء بذلك الحارث ومن معه وخافوا ٦٣ ٤ خوفاً شديداً وتفرّق عنهم من كان معهم من العرب ، وانتهى رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم، إلى المُريسيع وهو الماء فاضطرب عليه قبّتَه، ومعه عائشة وأمّ سلمة ، فتهيّوُوا للقتال وصفّ رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، أصحابه ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصّدّيق ، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة ، فرموا بالنبل ساعةً ثم أمر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أصحابه فحملوا حَملَةَ رجل واحدٍ ، فما أفلت منهم إنسان وقُتل عشرة منهم وأُسر سائرهم وسبى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الرجالَ والنساء والذرّيّة والنّعَم والشاءَ ولم يُقْتَلْ منَ المسلمين إلا رجل واحد، وكان ابن عمر يحدّث أن النبيّ، صلى الله عليه وسلم ، أغار عليهم وهم غارّون ونَعَمُهم تُسقَى على الماء فقتل مُقاتلتَهم وسبى ذراريّهم ، والأوّل أثبت ، وأمر بالأسارى فكُتفوا واستعمل عليهم بريدة بن الحُصيب وأمر بالغنائم فجُمعت واستعمل عليها شُقرانَ مولاه ، وجمع الذّريّة ناحيةً واستعمل على مقسم الخُمس وسُهمان المسلمين مَحْميَّةَ بن جزء ، واقتُسم السبيُ وفُرّق وصار في أيدي الرجال ، وقسم النعم والشاء فعُدلت الجزور بعشر من الغنم وبيعت الرَّة في من يزيد، وأُسهم للفَرَسِ سهمانٍ ولصاحبه سهم والراجل سهم ، وكانت الإبل ألفيْ بعير والشاء خمسة آلاف شاة ، وكان السبي مائتي أهل بيت وصارت جُويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس وابن عمّ له فكاتباها على تسع أواقي ذهبٍ فسألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، في كتابتها وأدّاها عنها وتزوّجها، وكانت جارية حلوة، ويقال: جعل صَداقَها عتقَ كلّ أسير من بني المصطلق ، ويقال : جعل صداقها عتقَ أربعين من قومها ، وكان السبي منهم مَن مَنّ عليه رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، بغير فداء، ومنهم مَن افتُدِي فافتُديَت المرأة والذّريّة بستّ فرائض ، وقدموا المدينة ببعض السبي فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلاّ رجعت إلى قومها ، وهو الثبت عندنا . وتنازع سنان بن وبر الجُهَني حليف بني سالم من ٦٤ الأنصار وجهجاه بن سعيد الغفاري على الماء فضرب جهجاه سناناً بيده فنادى ستان : يا للأنصار ! ونادى جهجاه : يا لَقُريش ! يا لكنانة ! فأقبلت قريش سراعاً وأقبلت الأوس والخزرج وشهروا السلاح ، فتكلم في ذلك ناسٌ من المهاجرين والأنصار حتى ترك سنان حقّه وعفا عنه واصطلحوا ، فقال عبد الله ابن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَ" الأعزّ منها الأذلّ؛ ثمّ أقبل على «ن حضر من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ؛ وسمع ذلك زيد بن أرقم فأبلغ النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، قولَه فأمر بالرحيل وخرج من ساعته وتبعه الناس ، فقدَمَ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ الناس حتى وقف لأبيه على الطريق ، فلمّا رآه أناخ به وقال : لا أفارقك حتى تزعم أنّك الذّليل ومحمد العزيز ، فمرّ به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: دَعه فَلَعمري لنُحسنْنّ صُحبته ما دام بين أظهرنا ! وفي هذه الغزاة سقط عقدٌ لعائشة فاحتبسوا على طلبه ، فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر . وفي هذه الغزاة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها . قال : وأنزل اللّه ، تبارك وتعالى ، براءتها . وغاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في غزاته هذه ثمانية وعشرين يوماً وقدم المدينة لهلال شهر رمضان . غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الخندق وهي غزاة الأحزاب ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الخندق، وهي غزوة الأحزاب في ذي القعدة سنة خمس من مُهاجَره . قالوا : لمّا أجلى رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم، بني النضير ساروا إلى خيبر ، فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكّة فألّبوا قريشاً ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وعاهدوهم وجامعوهم على ٥ - ٢ ٦٥ قتاله ووعدوهم لذلك موعداً ، ثمّ خرجوا من عندهم فأتوا غَطَفانَ وسُليماً ففارقوهم على مثل ذلك ، وتجهّزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف ، وعقدوا اللواء في دار الندوة وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس ، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير ، وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أميّة ووافتهم بنو سُليم بمرّ الظهران ، وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أميّة ، وهو أبو أبي الأعوّر السّلَمي الذي كان مع معاوية بصفّين ، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن خُويلد الأسدي ، وخرجت فَزارة فأوعبت ، وهم ألف بعير يقودهم عنبينة بن حصْن ، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رُخيلة ، وخرجت بنو مُرّة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف، وخرجمعهم غیر هم، وقد روى الزهري أن الحارث بن عوف رجع ببني مرّة فلم يشهد الخندق منهم أحدٌ ، وكذلك روت بنو مُرّة ، والأوّل أثبت أنّهم قد شهدوا الخندق مع الحارث ابن عوف ، وهجاه حسّان بن ثابت فكان جميع القوم الذين وافوا الخندقَ ممّن ذُكر من القبائل عشرة آلافٍ ، وهم الأحزاب ، وكانوا ثلاثة عساكر وعناجُ الأمر إلى أبي سفيان بن حرب ؛ فلمّا بلغ رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم ، فصولُهم من مكة ندبَ الناس وأخبرهم خبرَ عدوّهم وشاورهم في أمرهم ، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق ، فأعجب ذلك المسلمين وعسكر بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى سَفح سلع وجعل سَلعاً خلف ظهره ، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف ، واستخلف على المدينة عبدَ اللّه بن أمّ مكتوم ثمّ خَندَقَ على المدينة، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرونَ قدومَ عدوّهم عليهم وعمل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، معهم بيده لينشّط المسلمين، ووكّل بكل جانب منه قوماً فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلی ذُباب ، وكانت الأنصار يحفرون من ذُباب إلى جبل بني عُبيد ، وكان سائر المدينة مشبكاً بالبنيان فهي كالحصن ، وخَنّدَقَت بنو عبد الأشهل عليها مما يلي راتج ٦٦ إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد ، وخندقت بنو دينار من عند جُرْبًا إلى موضع دار ابن أبي الجنوب اليومَ ، وفرغوا من حفره في ستّة أيام ورفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام ، وخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الاثنين لثماني ليالٍ مضين من ذي القعدة ، وكان يحمل لواءه لواء المهاجرين زيدُ بن حارثة ، وكان يحمل لواء الأنصار سعدُ بن عُبادة ، ودسّ أبو سفيان ابن حرب حُييّ بن أخطب إلى بني قريظة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويكونوا معهم عليه، فامتنعوا من ذلك ثمّ أجابوا إليه، وبلغ ذلك النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم، فقال: حسبنا الله ونعمَ الوكيلُ ! قال : ونجم النّفاقُ وفشل النّاس وعظُم البلاء واشتدّ الخوف وخيف على الذّراريّ والنساء، وكانوا كما قال اللّه، تبارك وتعالى: إذْ جاؤوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأبصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجرَ. ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون وِجَاه العدوّ لا يزولون غير أنّهم يعتقبون خندقهم ويحرسونه . وكان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، يبعث سلمة بن أسلم في مائي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويُظهرون التكبير ، وذلك أنّه كان يخاف على الذراريّ من بني قريظة ، وكان عبّاد بن بشر على حرس قُبّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع غيره من الأنصار يحرسونه كلّ ليلة ؛ فكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوماً ويغدو خالد بن الوليد يوماً ويغدو عمرو ابن العاص يوماً ويغدو هُبيرة بن أبي وهب يوماً ويغدو ضرار بن الخطّاب الفهري يوماً ، فلا يزالون يُجيلون خَيَلَهم ويتفرّقون مرّةً ويجتمعون أخرى ويناوشونَ أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، ويقدّمون رُماتَهم فيرمون ؛ فرمى حبّان بن العَرِقَة سعدَ بن معاذ بسهم فأصاب أكحَلَه فقال: خُذْها وأنا ابن العَرِقَة ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: عرّقَ اللّه وجهكَ في النار ! ويقال: الذي رماه أبو أسامة الجُشَمي؛ ثمّ أجمع ٦٧ رؤساؤهم أن يغدوا يوماً فغدوا جميعاً ومعهم رؤساء سائر الأحزاب وطلبوا مضيقاً من الخندق يُقحمون منه خيلَهم إلى النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا : إنّ هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها ؛ فقيل لهم : إنّ معه رجلاً فارسيّاً أشار عليه بذلك. قالوا : فمنْ هناك إذاً ! فصاروا إلى مكان ضيق أغفله المسلمون فَعَبَر عكرمة بن أبي جهل ونَوْفَل بن عبد اللّه وضرار ابن الخطّاب وهُبيرة بن أبي وهب وعمرو بن عبد وُدّ ، فجعل عمرو بن عبد وُدّ يدعو إلى البراز ويقول : وَلَقَدْ بَحِحْتُ منَ النّداء لجمعهم: هلْ مِنْ مُبَارِزِ؟ وهو ابن تسعين سنة ، فقال عليّ بن أبي طالب : أنا أبارزُه يا رسول الله. فأعطاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سيفَه وعمّمه وقال: اللّهمّ أعنهُ عليه ؛ ثم برز له ودنا أحدهما من صاحبه وثارت بينهما غَبَرَةٌ وضربه عليّ فقتله وكبّر ، فعلمنا أنّه قد قتله وولى أصحابه هاربين وظفرت بهم خيولهم . وحمل الزّبير بن العوّام على نوفل بن عبد الله بالسيف فضربه فشقّه باثنين ، ثمّ اتعدوا أن يغدوا من الغد فباتوا يعبّئون أصحابهم وفرّقوا كتائبهم ونحوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، كتيبة غليظةً فيها خالد بن الوليد فقاتلوهم يومتهم ذلك إلى هُوِيّ من الليل ما يقدرون أن يزولوا من موضعهم ولا صلّى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه ظُهراً ولا عصراً ولا مغرباً ولا عشاءً حتى كشفهم الله فرجعوا متفرّقين إلى منازلهم وعسكرهم وانصرف المسلمون إلى قبّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقام أسيد بن الحضير على الخندق في مائتين من المسلمين وكرّ خالد بن الوليد في خيل من المشركين يطلبون غرّةً من المسلمين ، فناوشوهم ساعة ومع المشركين وَحَشِيّ ، فزرق الطّفيلَ بن النعمان من بَنِي سَلمَة بمزْرَاقه فقتله وانكشفوا وصار رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، إلى قبّته فأمر بلالاً فأذّنَ وأقام الظّهر فصلّى، ثمّ أقام ٦٨ بعد كلّ صلاة إقامةً إقامةً وصلّى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات وقال : شغلونا عن الصّلاة الوُسطى ، يعني العصر ، ملأ اللّه أجوافَهم وقُبورهم ناراً ! ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعاً حتى انصرفوا إلاّ أنّهم لا يدّعون يبعثون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة . وحُصر رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كلّ امرىء منهم الكَرْبُ ، فأراد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يصالح غَطفانَ على أن يعطيهم ثُلُثَ الثمرة ويخذّلوا بين الناس وينصرفوا عنه ، فأبت ذلك الأنصار فترك ما كان أراد من ذلك . وكان نُعيم بن مسعود الأشجعي قد أسلم فحسن إسلامه فمشى بين قُريش وقُريظة وغطفان وأبلغ هؤلاء عن هؤلاء كلاماً وهؤلاء عن هؤلاء كلاماً يُري كلّ حزبٍ منهم أنّه ينصح له، فقبلوا قوله وخَذّله عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واستوحش كلّ حزبٍ من صاحبه، وطلبت قُريظة من قريش الرهنَ حتى يخرجوا فيقاتلوا معهم ، فأبت ذلك قريش واتّهموهم واعتلت قُريظة عليهم بالسّبت وقالوا : لا نقاتل فيه لأنّ قوماً منّا عدوا في السبت فمُسِخُوا قِرَدَةً وخنازيرَ . فقال أبو سفيان بن حرب : ألا أراني أستعين بإخوةِ القِرَدّةِ والخنازير. وبعث اللّه الرّيحَ ليلة السبت ففعلت بالمشركين وتركت لا تُقِرّ لهم بناء ولا قِدْراً. وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم،" حُذيفة بن اليمان إليهم ليأتيه بخبرهم ، وقام رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يصلّي تلك الليلة ، فقال أبو سفيان بن حرب : يا معشر قريش إنكم لستم بدار مُقَامٍ ، لقد هلك الْحُفّ والحافر وأجدب الجناب وأخلفتنا بنو قريظة ولقد لقينا من الرّيح ما ترون فارتحلوا فإنّي مرتحل ؛ وقام فجلس على بعيره وهو معقول ،. ثم ضربه فوثب على ثلاث قوائم فما أطلق عقاله إلاّ بعدما قام ، وجعل الناس يرحلون وأبو سفيان قائم حتى خفّ العسكر ، فأقام عمرو بن العاص وخالد ابن الوليد في مائتي فارس ساقةً للعسكر ورِدْءاً لهم مخافةَ الطلب ، فرجع حُذيفة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فأخبره بذلك كلّه وأصبح رسول الله، ٦٩ صلى الله عليه وسلم، وليس بحضرته أحدٌ من العساكر قد انقشعوا إلى بلادهم فأذن النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، للمسلمين في الانصراف إلى منازلهم فخرجوا مبادرين مسرورين بذلك ، وكان فيمن قُتِل أيضاً في أيام الخندق أنّس بن أوس ابن عتيك من بني عبد الأشهل قتله خالد بن الوليد، وعبد الله بن سَهل الأشهَكيّ وثعلبة بن عنمة بن عديّ بن نابى قتله هُبيرة بن أبي وهب ، وكعب بن زيد من بني دينار قتله ضرار بن الخطّاب ، وقُتل أيضاً من المشركين عثمان بن مُنبّه ابن عُبيد بن السبّاق من بني عبد الدّار بن قُصيّ ، وحاصرهم المشركون خمس عشرة ليلة وانصرف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس . أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال : أخبرنا حُميد الطويل عن أنس ابن مالك قال : خرج المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق في غداة باردة فجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: اللهمّ إنّ الخيرَ خيرُ الآخرهْ فاغفرْ للأنصار والمهاجره، فأجابوه: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً. أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا حمّاد بن سلمة قال : أخبرنا ثابت عن أنس بن مالك : أنّ أصحاب النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، كانوا يقولون وهم يحفرون الخندق : نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً ، والنبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، يقول: اللهمّ إنّ الخير خيرُ الآخرهْ، فاغفرْ للأنصار والمهاجره". وأتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بخبز شعيرٍ عليه إهالةٌ سَنِخة فأكلوا منها وقال النبيّ ، صلى الله عليه وسلم : إنما الخير خير الآخرة . أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قَعنَب ، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال : جاءنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ونحن تحفر الخندق وننقل الترابَ على أكتافنا فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا عيشَ إلاّ عيش الآخرهْ، فاغفرْ للأنصار والمهاجره". أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء ، أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق الحمداني ٧٠ عن البراء بن عازب قال : كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يوم الأحزاب ينقل معنا التراب وقد وارى الترابُ بَيَاضَ بطنه ويقول : لاهُمّ لوْلا أنتَ مَا اهْتَدِيْنا، وَلا تَصَدَقْنَا ولا صَلّيْنَا، فأنزِلَلْ سَكِينَةَ عَلَيْنَا، وَتَبّتِ الْأقدَامَ ، إِنْ لاقَيْنَا إذا أرادوا فتنَةً أَبَينَا إنّ الأولى لَقَدْ بَغَوْا عَلَينا، أَبَينَا يرفع بها صوته ، صلى الله عليه وسلم . أخبرنا أبو الوليد الطيالسيّ ، أخبرنا أبو عَوانة عن أبي بشر عن سعيد ابن جُبير قال : كان يوم الخندق بالمدينة ، قال : فجاء أبو سفيان بن حرب ومَن معه من قريش ومن تبعه من كنانة ، وعُيينة بن حصن ومَن تبعه من غطنان ، وطُليحة ومَن تبعه من بني أسد ، وأبو الأعور ومَن تبعه من بني سُليم وقُريظة كان بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهدٌ فنقضوا ذلك وظاهروا المشركين فأنزل الله تعالى فيهم: وأنْزَلَ الّذينَ ظَاهَرُوهُمْ منْ أهلِ الكتابِ منْ صَّيَاصِيهمْ. فأتى جبريل ، عليه السلام ، ومعه الريح فقال حين رأى جبريلَ : ألا أبشروا ، ثلاثاً ، فأرسل الله عليهم الرّيح فهتكت القبابَ وكفأت القدور ودفنت الرحال وقطعت الأوتاد فانطلقوا لا يَلوي أحد على أحدٍ، فأنزل الله تعالى: إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيماً وجُنوداً لم تَرَوْهَا . فرجع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قال أبو بشر : وبلغني أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، لمّا رجع إلى منزله غسل جانب رأسه الأيمن وبقي الأيسر ، قال : فقال له ، يعني جبريل ، صلى الله عليه وسلم: ألا أراك تغسل رأسك فوالله ما نزلنا بعدُّ، انهضْ؛ فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن ينهضوا إلى بني قريظة . أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني هشام بن حسّان ، أخبرنا محمد بن سيرين ، أخبرنا عبيدة ، أخبرنا عليّ بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، ٧١ أنّ النبيّ، صلى الله عليه وسلم ، قال يوم الخندق: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما حبسونا عن الصّلاة الوسطى حتى غابت الشمس . أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي ، أخبرنا همّام بن يحيّى عن قتادة عن أبي حسّان عن عُبيدة عن عليّ بن أبي طالب ، رضي الله عنه، أنّهم لم يصلّوا يوم الأحزاب العصر حتى غربت الشمس ، أو قال : آبت الشمس ، فقال النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم: اللهمّ املأ بيوتهم ناراً كما حبسونا عن الصّلاة الوسطى حتى غابت الشمس ، أو قال : آبت الشمس ، قال : فعرفنا أنّ صلاة الوسطى هي العصر . أخبرنا عارم بن الفضل ، أخبرنا حمّاد بن زيد عن عاصم عن زِرّ بن حُبيش عن عليّ قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوم الخندق: ما لهم ملأ الله قبورهم ناراً كما شغلونا عن صلاة الوسطى ، وهي العصر . أخبرنا محمد بن معاوية النيسابوري ، أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عبد الله بن عوف عن أبي جُمعة وقد أدرك النبيّ، صلَى الله عليه وسلم، أنّ النبيّ، صلى الله عليه وسلم، عام الأحزاب صلّى المغرب فلمّا فرغ قال : هل عَلمَ أحد منكم أنّي صلّيت العصر ؟ قالوا : يا رسول الله، صلى الله عليك. ما صليناها، فأمر المؤذّن فأقام الصلاة فصلى العصر ثمّ أعاد المغرب. أخبرنا الحسن بن موسى ، أخبرنا زُهير ، أخبرنا أبو إسحاق عن المهلّب ابن أبي صُفرة قال : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، حين حفر الخندق وخاف أن يُبَيّتَه أبو سفيان فقال: إنْ بُيّتّم فإنّ دعواكم حم لا يُنصَرون. حدثنا الفضل بن دكين ، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن المهلّب ابن أبي صُفرة قال : حدثني رجل من أصحاب رسول الله . صلى الله عليه وسلم ، قال : قال النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم - ليلة الخندق : وإنّ لا أرى القوم إلاّ مُبَيّتيكم الليلة، كان شعاركم حم لا يُنصَّرون. ٧٢ مـ أخبرنا عارم بن الفضل ، أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال : قال سعيد بن المسيّب : حاصر النبيَّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، المشركون في الخندق أربعاً وعشرين ليلة . أخبرنا محمد بن حُميد العبدي عن معمر عن الزهري عن أبي المسيّب قال: لمّا كان يوم الأحزاب حُصر النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، وأصحابه بضع عشرة ليلةً حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكَرْب وحتى قال النبيّ ، صلى الله عليه وسلم : اللهمّ إنّي أنشُدُك عهدَك ووعدك، اللهمّ إنّك إن تشأ لا تُعبَد؛ فبينا هم على ذلك أرسل النبيُّ، صلى الله عليه وسلم، إلى عيينة بن حصن بن بدر: أرأيت إنْ جعلتُ لكم ثُلُثَ ثَمَرِ الأنصار أترجع بمن معك من غَطَفان وتخذّل بين الأحزاب ؟ فأرسل إليه عُبينة : إن جعلتَ ليَ الشّطرَ فعلت . فأرسل النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فأخبرهما بذلك فقالا : إن كنتَ أُمرْتَ بشيء فامضِ لأمرِ اللّه. قال : لو كنت أُمِرْتُ بشيء ما أستأمرُ بكما ولكنّ هذا رأيٌ أعرضُه عليكما ؛ قالا : فإنّا نرى أن لا نعطيهم إلاّ السيف . قال محمد بن حُميد ، قال معمر عن ابن أبي نجيح : فبينا هم على ذلك إذ جاء نُعيم بن مسعود الأشجعي ، وكان يأمنه الفريقان جميعاً ، فخذّل بين الناس فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال فذلك قوله : وكَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ القتّالَ . أخبرنا عُبيد الله بن عبد المجيد الحنّفي البصري ، أخبرنا كثير بن زيد قال : سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : سمعت جابر بن عبد الله قال: دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مسجد الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلثاء ويوم الأربعاء فاستُجيب له يومَ الأربعاء بين الصّلاتين الظهر والعصر. فعرفنا البشر في وجهه ، قال جابر : فلم ينزل بي أمر مهمّ غائظ إلاّ توخّيتُ تلك الساعة من ذلك اليوم فدعوت الله فأعرفُ الإجابة". ٧٣ أخبرنا عتّساب بن زياد ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، قال : أخبرنا. إسماعيل بن أبي خالد أنّه سمع عبد الله بن أبي أوْفَى يقول : دعا رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب على المشركين فقال: اللهمّ مُنزِلَ الكِتاب سَريعَ الحسابِ اهزم الأحزابَ ! اللهمّ اهزمهم وزلزِلهُم! غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بني قريظة ثمّ غزوة رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، بني قريظة في ذي القعدة سنة خمس من مُهاجَره . قالوا : لمّا انصرف المشركون عن الخندق ورجع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فدخل بيت عائشة أتاه جبريل فوقف عند موضع الجنائز فقال : عَذيرك من مُحارِب ! فخرج إليه رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم، فَزَعاً فقال: إنّ اللّه يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فإنّ عامدٌ إليهم فمزلزلٌ بهم حصونهم . فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، عليّاً، رضي الله عنه، فدفع إليه لواءه وبعث بلالاً فنادى في الناس أنّ رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، يأمركم ألا تصلوا العصر إلاّ في بني قريظة، واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم ثمّ سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف والخيل ستّة وثلاثون فرساً ، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة ، فحاصرهم خمسة عشر يوماً أشدّ الحصار ورموا بالنبل فانجحروا فلم يطلع منهم أحد ، فلمّا اشتدّ عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أرْسلْ إلينا أبا لُبابة بن عبد المُنذِر. فأرسله إليهم فشاوروه في أمرهم فأشار إليهم بيده أنّه الذّبح ثمّ ندم فاسترجع وقال : خُنتُ اللّهَ ورسولَه! فانصرف فارتبط في المسجد ولم يأت رسولَ اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم، حتى أنزل الله توبته، ثمّ نزلوا على حكم رسول اللّه، ٧٤ صلى الله عليه وسلم، فأمر بهم رسولُ اللّه، صلى الله عليه وسلم ، محمد بن مسلمة فكُتُفوا ونُحّوا ناحيةً وأُخرج النساء والذرّيّة فكانوا ناحيةً ، واستعمل عليهم عبدَ الله بن سلام وجمع أمتعَتَّهُم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب فوُجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفا رمح وألف وخمسمائة ترس وحَجَقة وخمرٌ وجرَارُ سَكَرٍ فأهرِيق ذلك كلّه ولم يُخَمّس، ووجدوا جمالاً نواضحَ وماشيةً كثيرة . وكلّمت الأوس رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، أن يهبهم لهم ، وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله- صلى اللّه عليه وسلم، الحكم فيهم إلى سعد بن مُعاذ فحكم فيهم أن يُقْتَل كلّ من جرت عليه المواسي وتُسبَى النساء والذريّة وتُقسّ الأموال ، فقال رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم: لقد حكمتَ بحكم اللّه من فوق سبعة أرْقعة. وانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الخميس لسبع ليالٍ خلون من ذي الحجّة ثمّ أمر بهم فأدْخلوا المدينة وحفر لهم أُخدوداً في السوق وجلس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومعه أصحابه وأخرجوا إليه رِسلاً رِسلاً فضُربت أعناقهم فكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة . واصطفى رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم ، ريحانة بنت عمرو لنفسه وأمر بالغنائم فجُمعت فأخرج الخمس من المتاع والسبي ، ثمّ أمر بالباقي فبيع في مَن يزيد وقسمه بين المسلمين، فكانت السّهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهماً، للفرس سهمان ولصاحبه سهمٌ، وصار الخمس إلى مَحميّة بن جَزْء الزّبَيْدي فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يُعتقُ منه ويهب منه ويُخدم منه من أراد ، وكذلك صنع بما صار إليه من الرِّنّة . أخبرنا كثير بن هشام ، أخبرنا جعفر بن بُرْقان ، أخبرنا يزيد ، يعني ابن الأصمّ، قال: لمّا كشفَ اللّه الأحزاب ورجع النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم، إلى بيته فأخذ يغسل رأسه أتاه جبريل ، عليه السلام ، فقال : عنا الله عنك! وضعتَ السّلاحَ ولم تَضَعه ملائكةُ اللّه، إنتنا عند حصن بني قريظة : فنادى ٧٥ ٠٠ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الناس أن ائتُوا حصنَ بني قريظة، ثمّ اغتسل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، فأتاهم عند الحصن . أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النهدي ، أخبرنا جُويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر أنّ الأحزاب لمّا انصرفوا نادى فيهم ، يعني النبيّ ، صلى الله عليه وسلم: لا يصلينّ أحدٌ الظهر إلاّ في بني قريظة؛ فتخوّف ناسٌ" فَوْتَ الصّلاةِ فصلوا وقال آخرون: لا نُصلّ إلاّ حيث أمرنا رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم ، وإن فات الوقت ، قال: فما عنف رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، واحداً من الفريقين . أخبرنا شهاب بن عَبّاد العبدي، أخبرنا إبراهيم بن حُميد الرّؤاسيّ عن إسماعيل بن أبي خالد عن البَهيّ وغيره أن النبيّ، صلى الله عليه وسلم ، لمّا أتى قريظة ركب على حمار عُرْيٍ والناس يمشون . أخبرنا موسى بن إسماعيل ، أخبرنا جرير بن حازم عن حُميد عن أنس بن مالك قال : كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زُقَاق بني غسَم موكب جبريل ، عليه السلام ، حين سار رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، إلى بني قريظة . أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة أخبرني عمّي الماجشُون قال : جاء جبريل ، عليه السلام ، إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب على فرس عليه عمامةٌ سوداء قد أرخاها بين كتفيه ، على ثناياه الغُبَارُ وتحته قطيفةٌ حمراء، فقال: أوَضَعتَ السّلاحَ قبل أن نضعه؟ إنّ الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة . أخبرنا عارم بن الفضل ، أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال : حاصر نبيّ الله، صلى الله عليه وسلم ، بني قريظة أربع عشرة ليلة . أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا سفيان وأخبرنا عمرو بن الهيثّم عن شعبة جميعاً عن عبد الملك بن عمير ، أخبرنا عطيّة القُرَظي قال: كنت فيمن ٧٦ : أُخذ يوم قريظة فكانوا يقتلون من أنبت ويتركون من لم يُنبت فكنت فيمن لم يُنيت. أخبرنا عمرو بن عاصم ، أخبرنا سليمان بن المُغيرة عن حُميد بن هلال قال: كان بين النبيّ ، صلى الله عليه وسلم، وبين قُريظة وَلْث من عهد، فلمّا جاءت الأحزاب بما جاؤوا به من الجنود ( نقضوا العهد وظاهروا المشركين على رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم) بعث الله الجنود والريح فانطلقوا هاربين وبقي الآخرون في حصنهم ، قال : فوضع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه السلاح فجاء جبريل ، صلى الله عليه وسلم، إلى النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم ، فخرج إليه ، فنزل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو متساند إلى لبان الفرس قال : يقول جبريل ما وضعنا السلاح بعدُ وإنّ الغُبارَ لعاصِبٌ على حاجبه ، انهَدْ إلى بني قريظة ؛ قال : فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : إنّ في أصحابي جهداً فلو أنظرتّهم أياماً ؛ قال : يقول جبريل ، عليه السلام، انهدْ إليهم، لأدخلنّ فرسي هذا عليهم في حصونهم ثمّ لأضعضعنها؛ قال : فأدبر جبريل ، عليه السلام ، ومن معه من الملائكة حتى سطع الغُبار في زقاق بني غَّم من الأنصار وخرج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فاستقبله رجل من أصحابه فقال : يا رسول اللّه اجلسْ فلنكفك ! قال : وما ذاك ؟ قال : سمعتهم ينالون منك . قال : قد أُوذِيَ موسى بأكثر من هذا . قال : وانتهى إليهم فقال : يا إخوة القِرَدَة والخنازير ، إيّاي إيّاي! قال : فقال بعضهم لبعض : هذا أبو القاسم ما عهدناه فحّاشاً . قال: وقد كان رُمي أكحلُ سعد بن مُعاذ فرقأ الجرح وأجلب ودعا اللّهَ أن لا يميتَه حتى يشفي صدره من بني قُريظة . قال : فأخذهم من الغمّ في حصنهم ما أخذهم فنزلوا على حكم سعد بن معاذ من بين الخلق . قال : فحكم فيهم أن تُقْتَل مقاتِلتُهم وتُسبَىّ ذَراريّهم . قال حُميد : قال بعضهم وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار . قال : فقالت الأنصار إخوتُنا كنّا معهم ؛ فقال : إنّي أحببت أن يستغنوا ٧٧ عنكم . قال: فلمّا فرغ منهم وحكم فيهم بما حكم مرّت عليه عَنَزٌ وهو مضطجع ، فأصابت الجرح بظلفها ، فما رقا حتى مات . وبعث صاحب دُومة الجَندَل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ببغلة وجُبّة من سُندُس فجعل أصحاب رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، يعجبون من حسن الجبّة، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لمناديل سعد بن مُعاذ في الجنّة أحسن، يعني من هذا . سرية محمد بن مسلمة إلى القُرّطاء ثمّ سريّة محمد بن مسلمة إلى القُرْطاء، خرج لِعَشر ليالٍ خلون من المحرّم على رأس تسعة وخمسين شهراً من مُهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، بعثه في ثلاثين راكباً إلى القُرَطاء ، وهم بطن من بني بكر من كِلاب وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضَرِيّة ، وبين ضَريّة والمدينة سبع ليال ، وأمره أن يشُنّ عليهم الغارة ، فسار الليل وكمنَ النهار وأغار عليهم فقتل نفرأ منهم وهرب سائرهم واستاق نعماً وشاءً ولم يعرض للطعن ، وانحدر إلى المدينة ، فخمس رسول الله- صلى الله عليه وسلم، ما جاء به وفضّ على أصحابه ما بقي فعدّلوا الجزور بعشر من الغنم ، وكانت النعم مائة وخمسين بعيراً والغنم ثلاثة آلاف شاة ، وغاب تسع عشرة ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرّم غزوة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بني حيان ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، بني لِحيان ، وكانوا بناحية عُسفان، في شهر ربيع الأوّل سنة ستّ من مُهاجَره . قالوا : وجد رسول اللّه ، ٧٨ صلى الله عليه وسلم ، على عاصم بن ثابت وأصحابه وجداً شديداً، فأظهر أنّه يريد الشأم وعسكر لِغِرّةٍ هلالَ شهر ربيع الأول في مائتي رجل ومعهم عشرون فرساً ، واستخلف على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم ثمّ أسرع السيرَ حتى انتهى إلى بطن غُران ، وبينها وبين عُسفان خمسة أميال حيث كان مُصاب أصحابه ، فترحّم عليهم ودعا لهم فسمعت بهم بنو لحيان فهربوا في رؤوس الجبال فلم يقدر منهم على أحد ، فأقام يوماً أو يومين فبعث السرايا في كلّ ناحية فلم يقدروا على أحد ، ثمّ خرج حتى أتى عُسفان ، فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرَهم ، فأتوا الغَميم ثمّ رجعوا ولم يلقوا أحداً ، ثمّ انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة وهو يقول: آئبون تائبون عابدون لربّنا حامدون ! وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة . أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق ، حدّثّني عاصم بن عمر وعبد الله بن أبي بكر: أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج في غزوة بني لحيان وأظهر أنّه يريد الشأم ليصيب منهم غرّة ، فخرج من المدينة فسلك على غُرابٍ ثُمّ على مَخيض ثمّ على البتراء ثمّ صفّق ذات اليسار ، فخرج على بَيين ثمّ على صُخيرات الثّمام ثمّ استقام به الطريق على السّيالة فأغذّ السير سريعاً حتى نزل على غُران ، هكذا قال ابن إدريس ، وهي منازل بني لحيان ، فوجدهم قد تمنّعوا في رؤوس الجبال ، فلمّا أخطأه من عدوّه ما أراد قالوا : لو أنّا هبطنا عُسفان فنُري أهل مكة أنّا قد جئناها ، فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عُسفان ثمّ بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كُراع الغَميم ثمّ كرّا وراح قافلاً؛ فكان جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم ، يقول: تائبون آئبون، إن شاء الله ، حامدون لربنا عابدون ! أعوذ بالله من وعشَاءِ السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال. أخبرنا رَوْح بن عُبادة ، أخبرنا حسين المعلّم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سعيد مولى المتهدي عن أبي سعيد الخُدري قال : بعث رسول الله، صلى ٧ الله عليه وسلم ، بعثاً إلى بني لحيان من هذيل وقال : لينبعث من كلّ رجلين أحدُهما والأجر بينهما . أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنعاني ، حدثني إبراهيم بن عقيل ابن مَعقيل عن أبيه عن وهب قال : أخبرني جابر بن عبد الله أنّه سمع رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، يقول أوّلَ ما غزا عسفانَ ثمَ رجع: آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون ! غزوة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الغابة ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الغابة" وهي على بريد من المدينة طريق الشأم في شهر ربيع الأول سنة ستّ من مُهاجَره . قالوا : كانت لقاح رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، وهي عشرون لَقحّة ترعى بالغابة، وكان أبو ذَرّ فيها ، فأغار عليهم عُبينة بن حصن ليلة الأربعاء في أربعين فارساً فاستاقوها وقتلوا ابن أبي ذَرّ ، وجاء الصريخ فنادى : الفَزّعَ الفَزّعَ ! فنُودي : يا خيل الله اركبي ، وكان أوّل ما نُودي بها، وركب رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فخرج غداةَ الأربعاء في الحديد مقنّعاً فوقف ، فكان أوّلَ من أقبل إليه المقداد بن عمرو وعليه الدرع والمغفر شاهراً سيفه ، فعقد له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، لواءً في رمحه وقال : امضِ حتى تلحقك الخيول ، إنّا على أثّرِك. واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة . قال المقداد : فخرجتُ فأدركتُ أُخريات العدوّ وقد قتل أبو قتادة مسعدة فأعطاه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فرسَه وسلاحه، وقتل عكّاشة بن محصن أثار بن عمرو بن أثار ، وقتل المقداد بن عمرو حبيب ٨٠