النص المفهرس
صفحات 41-60
المشركين يضربونهم حتّى نَغَضّت صفوفُهم ، ثمّ حمل لواءَهم عثمان بن أبي طلحة أبو شيبة وهو أمام النسوة يرتجز ويقول : إِنّ عَلَى أهلِ اللّواءِ حَقّا أنْ تُخْضَبَ الصّعْدَةُ أَوْ تَنْدَقّا وجمل عليه حمزة بن عبد المطّلب فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكَتِفَه حتى انتهى إلى مُؤْتَزَرِهِ وبدا سُحرُه ، ثمّ رجع وهو يقول : أنا ابن ساقي الحجيج ، ثمّ حمله أبو سعد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقّاص فأصاب حَنجَرَتَه فأدلع لسانَه إدْلاعَ الكلب فقتله ، ثمّ حمله مُسافِع بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتله ، ثمّ حمله الحارث ابن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت فقتله ، ثم حمله كلاب بن طلحة ابن أبي طلحة فقتله الزبير بن العوّام ، ثمّ حمله الجُلاس بن طلحة بن أبي طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله، ثمّ حمله أرطاة بن شُرَحبِيل فقتله عليّ بن أبي طالب ، ثمّ حَمله شريح بن قارظ فلسنا ندري مَن قتله ، ثمّ حمله صُواب غلامهم وقال قائل : قتله سعد بن أبي وقاص ، وقال قائل : قتله عليّ بن أبي طالب ، وقال قائل : قتله قُزْمان ، وهو أثبتُ القول . فلمّا قُتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء ، ونساؤهم يدعون بالويل ، وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاؤوا حتى أجهضوهم عن العسكر ، ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم ، وتكلّم الرّماة الذين على عَيَنَين واختلفوا بينهم ، وثبت أميرهم عبد الله بن جُبير في نفر يسير دون العشرة مكانهم ، وقال : لا أجاوز أمر رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، ووعظَ أصحابَه وذكّرهم أمرَ رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا: لم يُرِدْ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، هذا، قد انهزم المشركون فما مُقامنا هاهنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر ينتهبون معهم وخلّوا الجبل ، ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلّة أهله فكرّ بالخيل وتبعه عكرمة ٤ ابن أبي جهل فحملوا على من بقي من الرّماة فقتلوهم، وقُتل أميرهم عبد الله إبن جُبير، رحمه الله، وانتقضت صفوف المسلمين واستدارَت رَحاهم وحالتٍ الرّيح فصارت دَبُوراً، وكانت قبل ذلك صباً . ونادى إبليس لعنه الله أنّ محمداً قد قُتِلُ . واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غيرِ شعار ويضرب بعضهم بعضاً ما يشعرون به من العَجَلَة والدّهَش، وقُتل مصعب بن عمير فأخذ اللواءَ مَلَكٌّ في صورة مُصعَب ، وحضرت الملائكة يومئذ ولم تُقاتل ، ونادى المشركون بشعارهم: يا للعُزّى! يا لَهُبَل ! وأوجعوا في المسلمين قتلاً ذريعاً ، وولّ من ولّ منهم يومئذ وثبت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ما يزول يرمي عن قوسه حتى صارت شظايا ويرمي بالحجر ، وثبت معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلاً : سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصدّيق ، رضي اللّه عنه ، وسبعة من الأنصار ، حتى تجاجزوا ونالوا من رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم، في وجهه ما نالوا ، أُصيبَت رَبَاعِيته وكُلِم في وجنتيه وجبهته وعلاه ابن قميئة بالسيف فضربه على شقّه الأيمن ، واتّقاه طلحة بن عبيد الله بيده فشلّت إضبعه ، وادّعى ابن قَميئة أنّه قد قتله ، وكان ذلك ممّا رعّب المسلمين وكسرهم . من قُتْل من المسلمين يوم أحد وقُتل يومئذ حمزة بن عبد المطلب ، رحمه اللّه ، قتله وخشيّ ، وعبد الله ابن جحش ، قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شَريق ، ومصعب بن عمير ، قتله ابن قَمِيئة ، وشمّاس بن عُثمان بن الشّريد المخزومي ، قتله أُبيّ بن خلف الجُمَحي ، وعبد الله وعبد الرّحمن ابنا الهُبيب من بني سعد بن ليث ، ووهب ٠٠ ابن قابوس المُزّني ، وابن أخيه الحارث بن عُقبة بن قابوس. ٤٢ . وقُتل من الأنصار سبعون رجلاً ، فيهم عمرو بن معاذ أخو سعد بن مُعَاذ ، واليمان أبو حُذيفة ، قتله المسلمون خطأً ، وحنظلة بن أبي عامر الراهب ، وخيثمة أبو سعد بن خيثمة ، وخارجة بن زيد بن أبي زهير صهر أبي بكر ، وسعد بن الربيع، ومالك بن سنان أبو أبي سعيد الخُدْري ، والعبّاس بن عُبادة ابن تَضْلة ، ومجذّر بن ذياد ، وعبد الله بن عمرو بن حرام ، وعمرو ين الجموح في ناس كثير من أشرافهم . وقُتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلاً ، فيهم حَمَلَة اللواء وعبد الله. ابن حُميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العُزَّى، وأبو عزيز بن عُمير، وأبو الحكم بن الأخنس بن شَريق الثقفي ، قتله عليّ بن أبي طالب ، وسباع ابن عبد العُزّى الخزاعي، وهو ابن أمّ أنمار قتله حمزة بن عبد المطلب ، رضي الله عنه ، وهشام بن أبي أمية بن المغيرة ، والوليد بن العاص بن هشام ، وأُميّة ابن أبي حُذيفة بن المُغيرة، وخالد بن الأعلم العُقيلي ، وأُبيّ بن خَلف الجُمَحي قتله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيده، وأبو عَّزّة الجمحي واسمه عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جُمّح ، وقد كان أُسِر يوم بدر فمَنّ عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: لا أكثِر عليك جمعاً ، ثمّ خرج مع المشركين يوم أُحُد فأخذه رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، أسيراً ولم يأخذ أسيراً غيره فقال: مُنّ عليّ يا محمد ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: إنّ المؤمن لا يُلدَغُ من جُحرٍ مرّتين، لا ترجع إلى مكّة تمسح عارضَّيك تقول : سَخِرْتُ بمحمد مرّتين، ثمّ أمر به عاصم بن ثابت ابن أبي الأقلح فضرب عنقه . فلمّا انصرف المُشركون عن أُحُد أقبل المسلمون على أمواتهم وأُتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، بحمزة بن عبد المطلب فلم يغسله ولم يغسل الشهداء وقال : لُفِّهم بدمائهم وجراحهم، أنا الشهيد على هؤلاء، ضَعوهم . فكان حمزة أوّلَ من كبّر عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أربعاً ثمّ جُمع إليه الشهداء، ٤٣ فكان كلّما أُني بشهيد وُضع إلى جنب حمزة فصلّى عليه وعلى الشهيد حتى صلّ عليه سبعين مرّة ، وقد سمعنا من يقول : لم يصلّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، على قَتَلَى أُحُد . وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : احفروا وأعمِقوا وأوسِعِوا وقَدّموا أكثرَهم قرآناً. فكان ممّن نعرف أنّه دُفن في قبر واحد عبد الله بن عمرو بن حرام ، وعمرو بن الجموح في قبر ، وخارجة ابن زيد وسعد بن الرّبيع في قبر ، والنعمان بن مالك وعبدة بن الحَسحاس في قبر واحد ، فكان النّاس أو عامّتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم في نواحيها . فنادى منادي رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رُدّوا القتلى إلى مضاجعهم . فأدرك المنادي رجلاً واحداً لم يكن دُفن فَرُدّ ، وهو شَمّاس بن عثمان المخزومي . ثمّ انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يومئذ فصلى المغرب بالمدينة وشمِتَ ابن أُبيّ والمُنافقون بما نيل من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، في نفسه وأصحابه ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : لن ينالوا منّا مثل هذا اليوم حتى نستلم الرّكن ، وبكت الأنصار على قتلاهم فسمع ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: لكنّ حمزة لا بواكي له. فجاء نساء الأنصار إلى باب رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فبكين على حمزة فدعا لهنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمرهنّ بالانصراف؛ فهنّ إلى اليوم إذا مات الميّت من الأنصار بدأ النساء فبكين على حمزة ثمّ بكين على ميتهنّ. أخبرنا جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن الشعبيّ قال : مكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أُحُد بالمشركين، وكان ذلك أوّل يوم مکر فیه . أخبرنا هُشيم بن بشير قال : أخبرنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك أنّ النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم، كُسرَت رَبَاعيتهُ يوم أُحُد وشُجّ في جبهته حتى سال الدم على وجهه ، صلوات الله عليه ورضوانه ورحمته وبركاته . فقال : ٤٤ كيف يُفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم ؟ فنزلت هذه الآية : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإنّهُمْ ظَالِمُونَ. أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : لمّا كان يوم أُحُد هُزم المشركون فصاح إبليس : أي عباد الله أُخراكم . قال : فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم ، فنظر حُذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال : عبادَ الله، أبي ! أبي! قالت: والله ما احتجزوا حتى قتلوه ، فقال حُذيفة: غفر اللّه لكم . قال عروة: فوالله ما زال في حذيفة منه بقيّةُ خیرٍ حتى لحق بالله . أخبرنا عفّانِ بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن أبي الزّبير عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت كأنّي في درع حصينة ورأيت بقراً منحّرة فأوّلتُ أنّ الدّرع المدينة والبقر نَفَرٌ ، فإن شئّم أقمنا بالمدينة ، فإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها . فقالوا : والله ما دخلت علينا في الجاهليّة فتدخلَ علينا في الإسلام . قال : فشأنكم إذاً ، فذهبوا فلبس رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، لأمته . فقالوا: ما صنعنا ؟ رددنا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأيَهُ. فجاؤوا فقالوا: شأنَك يا رسولَ الله. فقال: الآن ليس لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل . حدّثنا محمد بن حُميد العبدي عن معمر عن قتادة : أنّ رباعية النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، أصيبت يوم أُحُد ، أصابها عتبة بن أبي وقاص وشجّه في جبهته ، فكان سالم مولى أبي حُذيفة يغسل عن النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، الدم والنبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، يقول : كيف يُفْلِح قوم صنعوا هذا بنبيّهم؟ فأنزل الله، تبارك وتعالى: لَيسَ لَكَ من الأمرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ ( إلى آخر الآية ) . أخبرنا محمد بن حُميد عن معمر عن الزهري أنّ الشيطان صاح يوم ٤٥ أُحُد : إنّ محمّداً قد قُتل. قال كعب بن مالك: فكنت أنا أوّلّ من عرف النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، عرفت عينيه تحت المغفر فناديت بصوتي الأعلى : هذا رسول اللّه! فأشار إليّ أن اسْكُتْ فأنزل الله، تعالى جدّه: ومَا مُحَمّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ ( الآية ). أخبرنا قُتيبة بن سعيد البلخي ، أخبرنا ليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب أن أُبيّ بن خلف الجُمَحِي أُسِر يوم بدر ، فلمّا افتدي من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال لرسول اللّه، صلى الله عليه وسلم : إنّ عندي فرساً أعلِفُها كلّ يومٍ فَرَقَ ذُرَةٍ لعلّي أقتلك عليها ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : بل أنا أقتلك عليها إن شاء اللّه، فلمّا كان يوم أُحُد أقبل أُبيّ بن خلف يركض فرسه تلك حتى دنا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه فقال لهم ٦ رسول الله، صلى الله عليه وسلم: استأخِروا استأخِروا! فقام رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، بحَرْبَةٍ في يده فرمى بها أُبيّ بن خلف فكسرت الحربةُ ضلعاً من أضلاعه ، فرجع إلى أصحابه ثقيلاً فاحتملوه حتى ولّوا به وطفقوا يقولون له : لا بأس بك ! فقال لهم أُبيّ: ألم يقُلْ لي : بل أنا أقتلك إن شاء اللّه ؟ فانطلق به أصحابه فمات ببعض الطريق فدفنوه . قال سعيد بن المسيّب : وفيه أنزل اللّه، تبارك وتعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَّى (الآية). أخبرنا عتّاب بن زياد ، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة عن يزيد بن خُصيفة عن السائب بن يزيد أو غيره قال : كانت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يوم أُحُد درعان . أخبرنا عتّاب بن زياد ، أخبرنا ابن المبارك قال : أخبرنا سفيان بن عيينة قال: لقد أصيب مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوم أُحُد نحو من ثلاثين كلّهم يجيء احتى يحثو بين يديه، أو قال : يتقدّم بين يديه ، ثمّ يقول : وجهي لوجهك الوفاء ونفسي لنفسك الفداء وعليك سلام الله غير مودّع. ٤٦ أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب وعمرو بن خالد المصري قالا : أخبرنا زُهير بن مُعاوية، أخبرنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب قال : لما كان يوم أحُد جعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على الرماة، وكانوا خمسين رجلاً، عبد الله بن جُبير الأنصاري ووضعهم موضعاً وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطّيرُ فلا تبرحوا مكانَكُم حتى أرسل إليكم ، وإن رأيتمونا قد هَزَمنا القومَ وظهرنا عليهم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم ، قال : فهزمهم رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل قد بدت أسوقهنّ وخَلاخِلهُنّ رافعات ثيابهن، فقال أصحابُ عبد الله بن جُبير: الغنيمةَ ! أَيْ قومِ الغنيمة" ! قد ظهر أصحابكم فما تنظرون ؟ فقال عبد الله بن جُبير أنَّسِيتُم ما قال لكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: إنّا والله لنأتين الناس فلنُصيبنّ من الغنيمة. قال: فلمّا أتوهم صُرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين ، فذلك إذ يدعوهم الرسول في أُخراهم فلم يبق مع رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، غير اثني عشر رجلاً فأصابوا منّا سبعين رجلاً . وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة : سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً ، فأقبل أبو سفيان فقال : أفي القوم محمد ؟ ثلاث مرّات ، قال : فنهاهم رسول اللّه، صلى الله عليه وسلّم، أن يجيبوه، ثم قال : أفي القوم ابن أبي قُحافة ؟ أفي القوم ابن أبي فُحافة ؟ أفي القوم ابن أبي قُحافة ؟ أفي القوم ابن الخطّاب ؟ أني القوم ابن الخطّاب؟ أفي القوم ابن الخطّاب ؟ قال أبو إسحاق : اتّهم ، قال الحسن بن موسى أي ليس فوقهم أحد . ثمّ أقبل أبو سفيان على أصحابه فقال : أمّا هؤلاء فقد قُتلوا وقد كُفيتموهم ، فما ملك عمرُ نفسه أن قال: كذبتَ والله يا عدوّ اللّه! إنّ الذين عددت الأحياء" كلّهم وقد بقي لك ما يسوءك . قال: فقال يومٌ بيوم بدر والحربُ سِجالٌ ثمّ إنّكم ستجدون في القوم مُثْلَةً لم آمُرْ بها ولم تَسُؤني. ثمّ جعل يرتجز ويقول : أعلُ هُبَل، أعلُ هُبَل! فقال رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم : ألا تجيبونه ؟ ٤٧ قالوا : يا رسول اللّه بماذا نجيبه؟ قال: قولوا اللّهُ أعلى وأجل". قال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم ! فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه ؟ قالوا : وبماذا نجيبه يا رسول الله ؟ قال: قولوا اللّهُ مولانا ولا مولى لكم . أخبرنا خالد بن خداش . أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم ، حدّثّني أبي عن سهل بن سعد قال: كُسِرَتْ رَبَاعِيةُ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يومَ أُحُد وجُرح وجهه وكُسرت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة عليها السلام. تغسل جُرْحَه وعليّ يسكب الماءَ عليها بالمِجنّ يعني الترس . فلمّا رأت فاطمة أنّ الماء لا يزيد الدمَ إلاّ كثرَةً أخذت فاطمة قطعةَ حَصيرٍ فأحرقته فألصقته عليه فاستمسك الدم" . أخبرنا خالد بن خداش ، أخبرنا الفضل بن موسى السيناني عن محمد ابن عمرو عن سعد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي : أنّ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، خرج يوم أُحُد حتى إذا جاوز ثنيّةَ الوداع إذا هو بكتيبة خَشِناءَ فقال : مَن هؤلاء ؟ قالوا : هذا عبد اللّه بن أبيّ بن سَلُول في ستّمائة من مواليه من اليهود من أهل قينقاع ، وهم رهط عبد الله بن سلام . قال : وقد أسلموا ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : قولوا لهم فليرجعوا فإنّا لا نستعين بالمشركين على المشركين . أخبرنا أبو المنذر البزّاز ، أخبرنا سفيان الثوري عن حُصين عن أبي مالك : أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلى على قَتَلَى أُحُد. غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حمراء الأسد ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حمراء الأسد يوم الأحد لثماني ليال خلون من شوّال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من مُهاجَره . قالوا : ٤٨ لمّا انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أُحُد مساء يوم السبت بات تلك الليلة على بابه ناسٌ من وجوه الأنصار وبات المسلمون يداوون جراحاتهم ، فلمّا صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، الصبح يوم الأحد أمر بلالاً أن ينادي أنّ رسول الله يأمركم بطلب عدوّكم ولا يخرج معنا إلاّ مَن شهِدَ القِتال بالأمس ، فقال جابر بن عبد الله : إن أبي خلّفي يومَ أُحُد على أخواتٍ لي فلم أشهَد الحرب فَأذَنْ لي أن أسير معك، فأذن له رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يخرج معه أحدٌ لم يشهد القتالَ غيره . ودعا رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم ، بلوائه وهو معقودٌ لم يُحَلّ فدفعه إلى عليّ بن أبي طالب ، ويقال إلى أبي بكر الصّدّيق ، رضي الله عنهما، وخرج وهو مجروح في وجهه ومشجوج فِي جَبَهته ورباعيتُه قد شَطِيَتْ وشفتُهُ السَّفلى قد كُلمت في باطنها ، وهو متوهّنٌ منكبَه الأيمَنَ من ضربة ابن قميئة وركبتاه مجحوشتان ، وحشد أهل العوالي ونزلوا حيث أتاهم الصريخ وركب رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، فرسه وخرج الناس معه فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم ، فلحق اثنان منهم القومَ بحمراء الأسد ، وهي من المدينة على عشرة أميال طريقَ العقيق متياسرةً عن ذي الحُليفة إذا أخذتَها في الوادي، وللقوم زَجَلٌ وهم يأتمرون بالرّجوع وصفوان بن أُميّة ينهاهم عن ذلك، فبصروا بالرّجُلين فعطفوا عليهما فَعَلَوْهُما ومضوا ومضى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد ، فدفن الرجلين في قبر واحد ، وهما القرينان ، وكان المسلمون يوقدون ،، تلك الليالي ، خمسمائة نارٍ حتى تُرى من المكان البعيد ، وذهب صوتُ مُعسكرهم ونيرانهم في كلّ وجه، فَكَبَتَ الله، تبارك وتعالى، بذلك عدوّهم . فانصرف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة وقد غاب خمس ليال ، وكان استخلف على المدينة عبدَ اللّه بن أمّ مكتوم . ٤ - ٢: ٤٩ سريّة أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ثمّ سريّة أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى قَطَن، وهو جبل بناحية فيد به ماءٌ لبني أسد بن خُزيمة ، في هلال المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . وذلك أنّه بلغ رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، أنّ طُليحة وصَلمة ابني خُويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا سلمة وعقد له لواءً وبعث معه مائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وقال : سِرْ حتى تنزل أرضَ بني أسد فأغِرْ عليهم قبل أن تتلاقى عليك جموعهم ، فخرج فأغذّ السير ونكّبَ عن سَنّن الطريق وسبق الأخبارَ وانتهى إلى أدنى قَطَن، فأغار على سَرْح لهم فضمّوه وأخذوا رِعاءً لهم مماليك ثلاثةً ، وأفلت سائرُهم فجاؤوا جَمعَهم فحذّروهم فتفرّقوا في كلّ ناحية ، ففرّق أبو سلمة أصحابه ثلاثَ فرق في طلب النّعَم والشاء فَآبوا إليه سالمين قد أصابوا إبلاً وشاءً ولم يلقوا أحداً ، فاتحدر أبو سلمة بذلك كلّه إلى المدينة . سریة عبد الله بن أنيس ثمّ سريّة عبد الله بن أنيس إلى سُفيان بن خالد بن نُبيح الهُذَلي بعُرَنَة. خرج من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، وذلك أنّه بلغ رسولَ اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، أنّ سفيان بن خالد الهُذَلي ثم اللّحياني وكان ينزل عُرَنَةَ وما والاها في ناس من قومه وغيرهم، قد جمع الجموع الرسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد الله ابن أنيس ليقتله فقال : صفه لي يا رسول اللّه، قال: إذا رأيتَه هِبتَه وفرِقت منه وذكرتَ الشيطان ، قال : وكنت لا أهاب الرجال ، واستأذنت رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم ، أن أقُول فأذنَ لي فأخذت سيفي وخرجت أعتزي إلى خُزاعة حتى إذا كنت ببطن عُرَنَة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش ومن ضوى إليه ، فعرفته بِنَعْتِ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وهبته فرأيتني أقطُر فقلت : صدق الله ورسوله، فقال: مَن الرّجل؟ فقلت: رجلٌ من خُزراعة سمعتُ بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك . قال : أجلْ إنّي لأجمع له ، فمشيت معه وحد ثته واستحلى حديثي حتى انتهى إلى خبائه وتفرّق عنه أصحابه حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررتُه فقتلتُه وأخذت رأسه ثمّ دخلت غاراً في الجبل وضربَتِ العنكبوتُ عليّ ، وجاء الطّلبُ فلم يجدوا شيئاً فانصرفوا راجعين. ثمّ خرجت فكنت أسير اللّيلَ وأتوارى بالنّهار حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المسجد فلمّا رآني قال: أفلَحَ الوجهُ ! قلت : أفلَحَ وجهُك يا رسول الله ! فوضعت رأسه بين يديه وأخبر ته خبري فدفع إليّ عصاً وقال : تخصّرْ بهذه في الجنّة! فكانت عنده ، فلمّا حضرته الوفاةُ أوصى أهله أن يُدرجوها في كَفَنِهِ ففعلوا، وكانت غيبتَه ثماني عشرة ليلة وقدم يوم السبت لسبع بقينَ من المحرّم . سرية المنذر بن عمرو ثمّ سريّة المنذر بن عمرو الساعدي إلى بئر مَعُونة في صفر على رأس ستّة وثلاثين شهراً من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قالوا : وقدم عامر بن مالك بن جعفر أبو براء مُلاعِب الأسِنّة الكلابيّ على رسول اللّه ، ٥١ : صلى الله عليه وسلم ، فأهدى له فلم يقبل منه وعرض عليه الإسلام فلم يُسلِم ولم يُبعد وقال : لو بعثتَ معي نفراً من أصحابك إلى قومي لرجوتُ أن يجيبوا دعوتَك ويتبعوا أمرك ، فقال : إني أخافُ عليهم أهلَ نَجدٍ . فقال : أنا لهم جارٌ إن يعرض لهم أحدٌ . فبعث معه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، سبعين رجلاً من الأنصار شَبَبَةً يُسمّونَ القُرّاء وأمر عليهم المُنذر بن عمرو الساعدي، فلمّا نزلوا بيئر معونة ، وهو ماء من مياه بني سُليم وهو بين أرض بني عامر وأرض بني سُليم ، كلا البَلَدَين يُعدّ منه وهو بناحية المعدن ، نزلوا عليها وعسكروا بها وسرحوا ظَهرَهم وقدّمُوا حَرامَ بن ملحان بكتاب رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم ، إلى عامر بن الطّفيل فوثب على حرام فقتله واستصرخ عليهم بني عامر فأبوا وقالوا : لا يُخفَر جوار أبي بَراء ، فاستصرخ عليهم قبائل من سُلَيِم عُصَيّةَ ورِعلاً وَذَكوان فنفروا معه ورأسوه . واستبطأ المسلمون حراماً فأقبلوا في أثره فلقيهم القوم فأحاطوا بهم فكاثروهم فتقاتلوا فقُتِل أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفيهم سليم بن ملحان والحكم بن كيسان في سبعين رجلاً ، فلمّا أحيط بهم قالوا : اللهمّ إنّا لا نجد من يُبلِغ رسولك منّا السلامَ غيرَك فأقرئه منّا السلامَ . فأخبره جبرائيلُ ، صلى الله عليه وسلم ، بذلك فقال : وعليهم السلام ؛ وبقي المنذر بن عمرو فقالوا : إن شئت آمنّاك ، فأبَى وأتى مصرَعَ حرام فقاتلهم حتى قُتِل فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : أعنَقَ ليموت ، يعني أنّه تقدّم على الموت وهو يعرفه ، وكان معهم عمرو بن أميّة الضَّمري فقُتلوا جميعاً غيرَه ، فقال عامر بن الطّفيل : قد كان على أُمّي نَسَمَةٌ فأنت حُرّ عنها ، وجزّ ناصيتَه . وفقد عمرو بن أميّة عامر ابن فُهَيَرَة من بين القتلى فسأل عنه عامر بن الطّفيل فقال : قتله رجل من بني كلاب يُقال له جبّار بن سُلُمَى، لمّا طعنه قال: فزتُ واللّه! ورُفع إلى السماء عُلُوّاً . فأسلم جبّار بن سُلمى لما رأى مِن قتل عامر بن فُهيرة وَرَفعِهِ وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنّ الملائكة وَارَتْ جُثْتَهُ وأُنزل عِلَيّينَ . ٥٢ ١ وجاء رسولَ الله، صلى اللّه عليه وسلم ، خبر أهل بئر معونة، وجاءه تلك الليلة أيضاً مُصاب خُبيب بن عديّ ومَرْتَد بن أبي مرتد وبعث محمد بن مسلمة فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: هذا عملُ أبي براء، قد كنت لهذا كارهاً. ودعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قَتَلَتهم بعد الركعة من الصبح فقال : اللهمّ اشدُدْ وطأتَك على مضر! اللهمّ سِنِينَ كسِي يُوسُفُ! اللهم عليك بيني لِحيان وعَضَلَ والقارة وزِغب ورِعل وذكوان وعُصَيّة فإنّهُم عصوا الله ورسوله . ولم يجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قَتَلَى ما وجد على قَتَلَى بئر معونة ، وأنزل الله فيهم قرآنً حتى نُسِخ بعدُ: بَلَغوا قَوْمَنَا عَنّا أنّا لَقِيْنَا رَبّنَا فَرَضِيَ عَنّا وَرَضِينَا عِنْهُ. وقال رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم : اللهمّ اهدٍ بني عامر واطلبْ خُفرتي من عامر بن الطّفيل. وأقبلى عمرو بن أميّة سار أربعاً على رجليه ، فلمّا كان بصدور قناة لقي رجلين من بني كلاب قد كان لهما من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمانٌ فقتلهما وهو لا يعلم ذلك ثمّ قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فأخبره بمقتل أصحابٍ بئر معونة ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أبتَ من بينهم . وأخبر النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، بقتل العامريّين فقال: بئس ما صنعتَ! قد كان لهما منّي أمانٌ وجوار ، لأديّنّهما، فبعث بدِيَتِهِما إلى قومهما . أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبَة عن قتادة عن أنس بن مالك : أنّ رِعْلاً وذكوان وعُصَيّة وبني لِحيان أتوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستمدّوه على قومهم فأمدّهم سبعين رجلاً من الأنصار ، وكانوا يُدْعَون فينا القُرّاء ، كانوا يخطبون بالنهار ويصلّون باللّيل ، فلمّا بلغوا بئر معونة غدروا بهم فقتلوهم ، فبلغ ذلك نبيّ اللّه، صلى الله عليه وسلم ، فقنت شهراً في صلاة الصّبح يدعو على رِعل وذكوان وعُصَيّة وبي لحيان. قال : فقرأنا بهم قرآناً زماناً ثمّ إنّ ذلك رُفع أو نُسي: بَلْغُوا عنّا قَوْمَنَا أَنّا لَقِيِنَا رَبّنَا فَرَضِيَ عَنّا وَأَرْضَانَا . ٥٣ أخبرنا يحيى بن عَبّاد ، أخبرنا عمارة بن زاذان ، حدّثني مكحول قال : قلت لأنس بن مالك : أبا حمزة القرّاء ، قال : ويحك قُتلوا على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، كانوا قوماً يستعذبون لرسول الله، صلى الله عليه وسلم ، ويحطبون حتى إذا كان اللّيل قاموا إلى السّواري للصّلاة. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب ، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم : أنّ المنذر بن عمرو الساعدي قُتل يوم بئر معونة ، وهو الذي يقال له : أعنَقَ ليموت، وكان عامر بن الطفيل استنصر لهم بني سُليم فنفروا معه فقتلوهم غيرَ عمرو بن أميّة الضّمري ، أخذه عامر بن الطفيل فأرسله ، فلمّا قدم على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال له رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم : أُبتَ من بينهم . وكان من أولئك الرهط عامر بن فُهيرة ، قال ابن شهاب : فزعم عروة بن الزّبير أنّه قُتل يومئذ فلم يوجد جسده حين دُفنوا . قال عروة : كانوا يرون أنّ الملائكة هي دفنته .. أخبرنا عتّاب بن زياد ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، قال : أخبرنا مالك ابن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال : أُنزل في الذين قُتلوا ببئر معونة قرآن حتى نُسخ بعد: بَلّغُوا قَوْمَنَا أَنّا قَدْ لَقِينَا رَبّنَا فَرَضِيَ عَنّا وَرَضِينَا عَنْهُ . ودعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على الذين قتلوهم ثلاثين غداة ، يدعو على رِعل وذكوان وعُصّيّة عصت الله ورسوله . أخبرنا الفضل بن دكين ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم قال : سمعت أنس بن مالك قال : ما رأيت رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة . ٥٤ سريّة مَرْقَد بن أبي مرئد : ثم سريّة مرثد بن أبي مرثد الغَنَّوي إلى الرّجيع في صفر على رأس ستّة وثلاثين شهراً من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . أخبرنا عبد الله بن إدريس الأوْدي ، أخبرنا محمد بن إسحاق عن عاصم ابن عمر بن قتادة بن النعمان الظّفري ، وأخبرنا معن بن عيسى الأشجعي ، أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عمر بن أسيد بن العلاء بن جارية ، وكان من جلساء أبي هريرة ، قال : قدم على رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، رهط من عَضَل والقارة وهم إلى الهُون بن خُزيمة فقالوا: يا رسول اللّه إنّ فينا إسلاماً فابعثْ معنا نفراً من أصحابك يفقهونا ويُقرئونا القُرآن ويُعلّمونا شرائع الإسلام . فبعث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، معهم عشرة رهط : عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ومرثد بن أبي مرثد وعبد الله بن طارق وخُبيب ابن عديّ وزيد بن الدّئِنَة وخالد بن أبي البُكير ومعتّب بن عُبيد ، وهو أخو عبد الله بن طارق لأمّه وهما من بليّ حليفان في بني ظَفَر ، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت ، وقال قائل : مرثد بن أبي مرثد ، فخرجوا حتى إذا كانوا على الرّجيع، وهو ماء لهُذَيل بصدور الهَدَةِ، والهَدَة على سبعة أميال منها، والهَدَة على سبعة أميال من عُسفان ، فغدروا بالقوم واستصرخوا عليهم هذيلاً ، فخرج إليهم بنو لحيان فلم يَرُعِ القومَ إلاّ الرّجال بأيديهم السيوفُ قد غشوهم ، فأخذ أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، سيوفَهم فقالوا لهم : إنّا والله ما نريد قتالكم إنّما نريد أن نصيب بكم ثمناً من أهل مكة ولكم العهدُ والميثاقُ ألا نقتلكم . فأمّا عاضم بن ثابت ومرثد بن أبي مرثد وخالد بن أبي البُكير ومُعَتّب بن عُبيد فقالوا : والله لا نقبل من مُشرك عهداً ولا عقداً أبداً، فقاتلوهم حتى قُتلوا . وأمّا زيد بن الدّثِنة وخُبيب بن عديّ وعبد الله بن طارق فاستأسروا وأعطوا بأيديهم ، وأرادوا رأس عاصم ليبيعوه من سُلافة ٥٥ بنت سعد بن شُهيد ، وكانت نذرت لتشرين" في قِحف عاصم الخمرَ ، وكان قتل ابنيها مُسافِعاً وجُلاساً يوم أُحُد، فَحَمَتَهُ الدّبرُ فقالوا : أمهلوه حتى تُمسي ، فإنّها لو قد أمست ذهبت عنه .. فبعث الله الوادي فاحتمله وخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمرّ الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القِران وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه ، فقبره بمرّ الظهران ، وقدموا بحُبيب وزيد مكّة . فأمّا زيد فابتاعه صَفوانُ بن أميّة فقتله بأبيه ، وابتاع حُجير بن أبي إهاب خُبيبَ بن عديّ لابن أخته عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحُرُم ثمّ أخرجوهما. إلى التّنعيم فقتلوهما ، وكانا صلّيا ركعتين ركعتين قبل أن يُقْتّلا ، فخُبيب أوّل من سَنّ ركعتين عند القتل. أخبرنا عبد الله بن إدريس ، حدثني عمرو بن عثمان بن عبد الله بن مَوْهّب مولى الحارث بن عامر قال : قال موهب قال لي خُبيب وكانوا جعلوه عندي: يا مَوْهَب أطلب إليك ثلاثاً : أن تسقيني العَذْبَ وأن تَجنُبَني ما ذُبح على النُّصُب وأن تُؤْذِنِّي إذا أرادوا قَتلي . أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة : أنّ نفراً من قريش فيهم أبو سفيان حضروا قتل زيد فقال قائل منهم : يا زيد أنشُدك اللّهَ، أتُحبّ أنّكَ الآن في أهلك وأنّ محمداً عندنا مكانَك نضرب عنقه؟ قال: لا والله ما أحبّ أنّ مُحمّداً يُشاك في مكانه بشوكة تؤذيه وأنّ جالس في أهلي ؛ قال : يقول أبو سفيان والله ما رأيت من قوم قطّ أشدّ حبّاً لصاحبهم من أصحاب محمد له . ٥٦ غزوة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، بني النضير ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بني النضير في شهر ربيع الأوّل سنة أربع على رأس سبعة وثلاثين شهراً من مُهاجَرَه ، وكانت منازل بني النضير بناحية الغَرْس وما والاها مقبرةُ بني خَطمة اليومَ فكانوا حلفاء لبني عامر . قالوا : خرج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، يوم السبت فصلّى في مسجد قُباء ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم أتى بني النضير فكلّمهم أن يُعينوه في ديّة الكلابيّين اللّذين قتلهما عمرو بن أميّة الضّمري فقالوا : نفعل يا أبا القاسم ما أحببت . وخلا بعضهم ببعض وهمّوا بالغدْر به . وقال عمرو بن جحاش بن كعب بن بَسيل النّضَري : أنا أظهر على البيت فأطرحُ عليه صخرةً ، فقال سلاّم بن مِشكّم: لا تفعلوا واللّه ليُخبَرَنَ بما هممتم به وإنّه لنقضُ العهدِ الذي بيننا وبينه. وجاء رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم ، الخبرُ بما هموا فنهض سريعاً كأنّه يريد حاجةً، فتوجّه إلى المدينة ولحقه أصحابه فقالوا : أقُمتَ ولم نَشعُر ؟ قال : همّت يهودُ بالغدر فأخبرني الله بذلك فقمت . وبعث إليهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، محمد بن مَسلّمة أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتُكم عشراً، فمن رُئِيَ بعد ذلك ضَرَبَتُ عُنقَه ، فمكثوا على ذلك أيّاماً يَتَجَهزون وأرسلوا إلى ظَهرٍ لهم بذي الجدر وتكاروا من ناس من أشجع إبلاً ، فأرسل إليهم ابن أبيّ : لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم فإنّ معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم وتُمدّكم قُريظةُ وحلفاؤكم من غَطَفَان . فطمع حُييّ فيما قال ابن أبيّ فأرسل إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إنّا لا نخرج من ديارنا فاصنعْ ما بدا لك. فأظهر رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، التكبيرَ وكَبْرَ ٥٧ سب المسلمون لتكبيره وقال : حاربت يهود ، فصار إليهم النبيّ ، صلى الله عليه " وسلم ، في أصحابه فصلّى العصرَ بفَضاء بني النضير وعليّ، رضي اللّه عنه، يحمل رايته، واستخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم، فلمّا رأوا رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، قاموا على حصونهم معهم النبلُ والحجارة واعتزلتهم قريظة فلم تُعِنَّهُمْ ، وخذلهم ابن أبيّ وحلفاؤهم من غطفان فأيسوا من نصرهم ، فحاصرهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقطع نخلهم فقالوا: نحن نخرج عن بلادك ، فقال : لا أقبله اليومَ ولكن اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلاّ الحَلقَةِ .. فنزلت يهود على ذلك ، وكان حاصرهم خمسة عشر يوماً ، فكانوا يُخرّبون بيوتهم بأيديهم، ثمّ أجلاهم عن المدينة وولّى إخراجهم محمّد ابن مَسلمَة ، وحملوا النساء والصبيان وتحمّلوا على ستّمائة بعير ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش ، فلحقوا بخيبر وحزن المنافقون عليهم حزناً شديداً ، وقبض رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الأموال والحلقة فوجد من الحلقة خمسين درعاً وخمسين بيضة وثلاثمائة سيف وأربعين سيفاً . وكانت بنو النضير صفيّاً لرسول الله، صلى الله عليه وسلم ، خالصةً له حَبساً لنوائبه ولم يخمّسها ولم يُسهِم منها لأحد ، وقد أعطى ناساً من أصحابه ووسع في الناس منها ، فكان ممن أعطي ممّن سُمّي لنا من المهاجرين أبو بكر الصّدّيق بئرَ حجر وعمر بن الخطّاب بئر جرم وعبد الرحمن بن عوف سوالة وصُهيب بن سنان الضراطة والزّبير بن العوّام وأبو سلمة بن عبد الأسد البُويلة وسهل بن حُنيف وأبو دُجانة مالاً يقال له مال ابن خَرَشَة . أخبرنا محمد بن حرب المكي وهاشم بن القاسم الكناني قالا : أخبرنا الليث بن سعد عن نافع عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، حرّق نخل النضير، وهي البُويرة، فأنزل الله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ" مِنْ لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا . ٥٨ : أخبرنا مَوْذة بن خليفة ، أخبرنا عوف عن الحسن : أنّ النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، لمّا أجلى بني النّضير قال: امضوا فإن هذا أوّل الحشر وأنا على الأثر . غزوة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، بدر الموعد ثمّ غزوة رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، بدرَ الموْعد وهي غير بدر القتال وكانت لهلال ذي القعدة على رأس خمسة وأربعين شهراً من مُهاجَرَه . قالوا : لمّا أراد أبو سُفيان بن حرب أن ينصرف يوم أُحُد نادى: الموعدُ بيننا وبينكم بدرُ الصّفراء رأس الحول نلتقي بها فنقتل . فقال رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم، لعمر بن الخطّاب: قُلْ نَعَمْ إن شاء الله. فافترق الناس على ذلك ثمّ رجعت قريش فخبّروا مَن قبّلَهم بالموعد وتهيّؤوا للخروج . فلمّا دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج وقدم نُعيم بن مسعود الأشجعي مكّةَ فقال له أبو سفيان : إنّي قد واعدتُ محمداً وأصحابه أن نلتقي ببدر ، وقد جاء ذلك الوقت ، وهذا عَامٌ جَدْبٌ وإنّما يُصلحنا عامٌ خصْبٌ غَيْدَاق وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج فيجترئء علينا فنجعل لك عشرين فريضةٌ يضمنها لك سُهيل بن عمرو على أن تقدم المدينةَ فتُخَذّل أصحابَ محمد ، قال : نعم . ففعلوا وحملوه على بعير فأسرعَ السّيرَ فقدم المدينة فأخبرهم بجمع أبي سفيان لهم وما معه من العُدّة والسّلاح. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأخر جنّ وإن لم يخرج معي أحدٌ ! فنصر الله المسلمين وأُذْهبَ عنهم الرّعبَ . فاستخلفَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة عبد الله بن رواحة وحمل لواءه عليّ بن أبي طالب وسار في المسلمين. وهم ألف وخمسمائة ، وكانت الخيل عشرة أفراس ، وخرجوا ببضائع لهم ٥٩ ١ وتجارات ، وكانت بدر الصفراء مجتمعاً يجتمع فيه العرب وسوقاً تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان تخلو منه ثمّ يتفرّق الناس إلى بلادهم ، فانتهوا إلى بدرٍ ليلةَ هلال ذي القعدة وقامت السوق صبيحةَ الهلال فأقاموا بها ثمانية أيّام وباعوا ما خرجوا به من التجارات فربحوا للدرهم درهماً وانصرفوا ، وقد سمع الناس بسَيرهم ، وخرج أبو سفيان بن حرب من مكّة في قريش وهم ألفان ومعهم خمسون فَرَساً حتى انتهوا إلى مَجَنّة، وهي مَرّ الظهران ، ثمّ قال: ارجعوا فإنّه لا يُصلحنا إلاّ عامٌ خصْبٌ غَيَداقٌ نرعى فيه الشجرَ ونشرب فيه اللبنّ . وإنّ عامكم هذا عامٌ جَدْبٌ فإنّي راجع فارجعوا . فسمى أهل مكّة ذلك الجيشَ جيشَ السّويق، يقولون: خرجوا يشربون السويق. وقدم معبد بن أبي معبد الخزاعي مكة بخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وموافاته بدراً في أصحابه فقال صفوان بن أميّة لأبي سفيان : قد نهيتك يومئذٍ أن تَعدَ القومَ وقد اجترؤوا علينا ورأوا أن قد أخلفناهم ثمّ أخذوا في الكيد والنّفَقة والتّهيّوْ لغزوة الخندق . أخبرنا حجّاج بن محمد عن ابن جُريج عن مجاهد: الّذين قَالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قد جَمَعُوا لكم ، قال هذا أبو سفيان ، قال يوم أُحُد : يا محمد موعدُكم بدرٌ حيث قتلم أصحابنا ! فقال محمد ، صلى الله عليه وسلم : عسى ! فانطلق النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، لموعده حتى نزلوا بدراً فوافقوا السوقَ ، فذلك قول الله تبارك وتعالى: فَانقَلْبُوا بنعْمَةٍ منَّ اللّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ . والفضل ما أصابوا من التجارة ، وهي غزوة بدر الصغرى . ٦