النص المفهرس

صفحات 301-320

أقسمْتُ لا أطعُنُ إلا فارسًا إذا الكماةُ لبسوا القَوانِسَا"
قال أبو نفيع : فقلت نجوتم يا معشر الرّجّالة سائر اليوم، فأدرك العُقيلي
رجلاً من بني عبيد بن رُؤاس، يقال له المُحْرِسُ بن عبد الله بن عمرو
ابن عبيد بن رؤاس ، فطعنه في عضده فاختلها ، فاعتنق المُحرسُ فرسه وقال :
يا آل رؤاس ! فقال ربيعة : رؤاس خيل أو أناس ؟ فعطف على ربيعة عمرو
ابن مالك فطعنه فقتله ، قال: ثمّ خرجنا نسوق النعمّ ، وأقبل بنو عقيل في
طلبنا حتى انتهينا إلى تُرَبَّةَ ، فقطع ما بيننا وبينهم وادي تربة، فجعلت بنو
عقيل ينظرون إلينا ولا يصلون إلى شيء ، فمضينا ، قال عمرو بن مالك :
فأسقط في يديّ وقلتُ قتلتُ رجلاً وقد أسلمتُ وبايعتُ النبيّ ، صلى اللّه عليه
وسلم ، فشددت يدي في غُلّ إلى عنقي ثمّ خرجت أريد النبيّ ، صلى الله عليه
وسلّم ، وقد بلغه ذلك، فقال : لَئِنْ أتاني لأضْرِبَنّ مَا فَوْقَ الغُلّ مِنْ
يَده، قال: فأطلقت يدي ثمّ أتيته فسلمت عليه فأعرض عني ، فأتيته عن
يمينه فأعرض عني ، فأتيته عن يساره فأعرض عني ، فأتيته من قِبَل وجهه
فقلت : يا رسول اللّه إن الرّب ليُترضى فيرضى فارضَ عي ، رضي الله عنك ،
قال: قَدْ رَضِيتُ عَنْكَ.
وفد عقيل بن كعب
قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب ، أخبرنا رجل من بني عقيل
عن أشياخ قومه قالوا : وفد منّا من بني عقيل على رسول الله ، صلى اللّه
عليه وسلّم ، ربيع بن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل ، ومطرف بن
عبد الله بن الأعلم بن عمرو بن ربيعة بن عقيل، وأنس بن قيس بن المنتفق
٣٠١

ابن عامر بن عقيل ، فبايعوا وأسلموا وبايعوه على من وراءَهم مِن قومهم
فأعطاهم النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، العقيق عقيق بني عقيل ، وهي أرض
فيها عيون ونخل ، وكتب لهم بذلك كتاباً في أديم أحمر: بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ
الرّحِيمِ. هَذَا مَا أعْطَى مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ، صلى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ،
رَبِيعاً وَمُطَرّفاً وَأنَساً، أعْطَاهُمُ العَقِيقَ مَا أَقَامُوا الصّلاةَ وَآتَوا الزّكاة
وَسَمِعُوا وَأَطَاعُوا، ولم يعطهم حقّاً لمسلم ، فكان الكتاب في يد مطرّف،
قال : ووفد عليه أيضاً لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل وهو أبو رزين ،
فأعطاه ماءً يقال له النّظيم وبايعه على قومه ، قال : وقدم عليه أبو حرب بن
خويلد بن عامر بن عقيل ، فقرأ عليه رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ،
القرآن وعرض عليه الاسلام ، فقال: أما وايم الله لقد لقيتَ اللّهَ أو لقيتَ من
لقيَه ، وإنّك لتقول قولاً لا نحسن مثله ، ولكني سوف أضرب بقداحي هذه
على ما تدعوني إليه وعلى ديني الذي أنا عليه ، وضرب بالقداح فخرج عليه
سهم الكفر ثمّ أعاده فخرج عليه ثلاث مرات، فقال لرسول الله، صلى الله
عليه وسلّم : أبى هذا إلاّ ما ترى ، ثمّ رجع إلى أخيه عقال بن خويلد فقال له :
قلّ خَيَسُك! هل لك في محمد بن عبد الله يدعو إلى دين الإسلام ويقرأ القرآن
وقد أعطاني العَقيق إن أنا أسلمتُ ؟ فقال له عقال: أنا والله أُخِطْك أكثر
ممّا يُخُطّك محمد ! ثمّ ركب فرسه وجرّ رمحه على أسفل العقيق فأخذ أسفله
وما فيه من عين ، ثمّ إن عقالاً قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلّم،
فعرض عليه الاسلام وجعل يقول له : أتَشْهَدُ أنّ مُحَمّداً رَسُولُ اللّه ؟
فيقول : أشهد أن هبيرة بن النُّفاضة نعم الفارس يوم قَرْنَيْ لَبان، ثمّ قال :
أَتَشْهَدُ أَنّ مُحَمّداً رَسُولُ اللهِ؟ قال : أشهدُ أنّ الصريح تحت الرغوة ،
ثمّ قال له الثالثة : أتشهد ؟ قال : فشهد وأسلم ؛ قال : وابن النفاضة هبيرة
ابن معاوية بن عبادة بن عقيل ، ومعاوية هو فارس الحَرّار ، والهَرّار اسم
فرسه ، ولَبان هو موضع ، خيسك خيرك .
٣٠٢

قالوا : وقدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، الحصين بن المعلّى
ابن ربيعة بن عقيل وذو الجوشن الضبابي فأسلما .
٠
وفد جعدة
قال : أخبرنا هشام بن محمد عن رجل من بني عقيل قال : وفد إلى رسول
الله، صلى الله عليه وسلّم، الرّقّاد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة بن كعب،
وأعطاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالفَلْج ضيعة وكتب له كتاباً،
وهو عندهم .
وفد قشير بن كعب
قال : أخبرنا هشام بن محمد عن رجل من بني عقيل ، وأخبرنا علي بن
محمد القرشي قالا : وفد على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، نفر من قشير ،
فيهم ثور بن عروة بن عبد الله بن سلمة بن قشير فأسلم ، فأقطعه رسول اللّه ،
صلى الله عليه وسلم ، قطيعة وكتب له بها كتاباً ، ومنهم حيدة بن معاوية بن
قشير ، وذلك قبل حجة الوداع وبعد حُنّين ، ومنهم قُرّة بن هبيرة بن سلمة
الخير بن قشير فأسلم ، فاعطاه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، وكساه
بُرداً وأمره أن يتصدّق على قومه ، أي يلي الصدقة ؛ فقال قرة حين رجع :
حباها رسولُ اللّهِ إذ نزلتْ به وأمكنها من نائِلٍ غير مُنْفَدٍ
فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة وقد أنجحت حاجاتها من محمدٍ
عليها فتّ لا يُردِفُ الذمَّ رِحلَه تَرُوكٌ لأمر العاجز المتردّد
٣٠٣

وفد بني البكاء
قال : أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال : حدّثني عبد اللّه بن عامر
عن عبد الله بن عامر البكّائي من بني عامر بن صعصعة قال : وحدثني
محرز بن جعفر عن الجعد بن عبد الله بن عامر البكّائي من بني عامر بن صعصعة
عن أبيه قالا : وفد من بني البكاء على رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ،
سنة تسع ثلاثة نفر : معاوية بن ثور بن عُبادة بن البكاء ، وهو يومئذ ابن مائة
سنة ، ومعه ابن له يقال له بشر ، والفُجَيع بن عبد الله بن جندح بن البكاء ،
ومعهم عبد عمرو البكائي ، وهو الأصم ، فأمر لهم رسول الله ، صلى الله
عليه وسلّم ، بمنزل وضيافة ، وأجازهم ورجعوا إلى قومهم ، وقال معاوية
للنبيّ ، صلى الله عليه وسلم : إني أتبرك بمسّك ، وقد كبرت وابني هذا برّ
بي فامسح وجهه ، فمسح رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، وجه بشر بن
معاوية وأعطاه أعنزاً عفراً وبرّك عليهن ، قال الجعد : فالسنة ربّما أصابت
بي البكاء ولا تصيبهم ؛ وقال محمد بن بشر بن معاوية بن ثور بن عبادة
ابن البكاء :
وأبي الذي مسح الرسولُ برأسه ودعا له بالخير والبركاتِ
أعطاه أحمدُ إذ أتاه أعتزاً عفراً نواجل ليس باللجباتِ
يملأن وفد الحيّ كلّ عشيّة ويعود ذاك المَلْءُ بِالغَدَوَاتِ
بوركن من مَنْحٍ وبورك مانحاً وعليه مني ما حييتُ صلاتي
أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال : كتب رسول الله ، صلى
اللّه عليه وسلم، للفمُجَيع كتاباً: مِنْ مُحَمّدٍ النّبيّ لِلْفُجَيْعِ ومَنْ تَبِعَه
وَأسلم وَأقام الصّلاةَ، وآتى الزكاةَ، وَأَعْطَى اللّهَ وَرَسُولَهُ وَأعطى مِن المَغانِمِ
٣٠٤

جُمْسَ اللّهِ، وَنَصَرَ النّبيّ وَأَصْحَابَهُ، وَأَشْهَدَ عَلَى إِسْلامِهِ، وَفَارَقَ
الْمُشْرِكِينَ، فَإنّهُ آمِنٌ بأمَانِ اللّهِ وَأمَانِ مُحَمّدٍ. قال هشام: وسمى
رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، عبد عمرو الأصمّ عبد الرحمن وكتب له
بمائه الذي أسلم عليه ذي القَصّة ، وكان عبد الرحمن من أصحاب الظّة ،
يعني الصّفّة صفة المسجد .
وفد كنانة
قال : أخبرنا عليّ بن محمّد القرشي عن أبي معشر عن يزيد بن رومان
ومحمّد بن كعب وعن أبي بكر الهذلي عن الشعبي وعن عليّ بن مجاهد وعن
محمّد بن إسحاق بن الزهري وعكرمة بن خالد بن عاصم بن عمرو بن قتادة
وعن يزيد بن عياض بن جعدبة عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وعن مسلمة
ابن علقمة عن خالد الحذّاء عن أبي قلابة ، في رجال آخرين من أهل العلم
يزيد بعضهم على بعض فيما ذكروا من وفود العرب على رسول الله ، صلّى
اللّه عليه وسلّم ، قالوا : وفد واثلة بن الأسقع الليّي على رسول الله، صلّ
الله عليه وسلّم ، فقدم المدينة ورسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يتجهّز
إلى تبوك فصلّى معه الصبح، فقال له : ما أنْتَ وَمَا جَاءَ بِكَ وَمَا حَاجَتُكَ ؟
فأخبره عن نسبه وقال : أتيتك لأُ ومن بالله ورسوله ، قال : فَبَايِعْ عَلى
ما أحْبَبْتُ وَكَرِهْتُ ، فبايعِه ورجع إلى أهله فأخبرهم ، فقال له أبوه :
والله لا أكلمك كلمة أبداً، وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته ، فخرج
راجعاً إلى رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، فوجده قد صار إلى تبوك ،
فقال : من يحملني عُقبه وله سهمي ؟ فحمله كعب بن عجرة حتى لحق برسول
اللّه، صلّى الله عليه وسلم، وشهد معه تبوك، وبعثه رسول الله، صلّى الله
٢٠-١
٣٠٥

عليه وسلّم ، مع خالد بن الوليد إلى أكيدر ، فغنم فجاء بسهمه إلى كعب بن
عجرة ، فأبى أن يقبله وسوّغه إيّاه وقال : إنّما حملتك الله .
وفد بني عبد بن عدي
قالوا : وقدم على رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، وفد بني عبد
ابن عدي ، وفيهم الحارث بن أُهبان وعُويمر بن الأخرم وحبيب وربيعة
ابنا مُلّة ومعهم رهط من قومهم ، فقالوا : يا محمّد نحن أهل الحرم وساكنه
وأعزّ من به ونحن لا نريد قتالك ، ولو قاتلت غير قريش قاتلنا معك ولكنّا
لا نقاتل قريشاً ، وإنّا لنحبّك ومن أنت منه، فإن أصبت منّا أحداً خطأ"
فعليك ديته ، وإن أصبنا أحداً من أصحابك فعلينا ديته ، فقال : نَعَمْ ،
فأسلموا .
وفد أُشجع
قالوا : وقدمت أشجع على رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، عام
الخندق ، وهم مائة رأسهم مسعود بن رخيلة ، فنزلوا شعب سلع ، فخرج
إليهم رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، وأمر لهم بأحمال التمر ، فقالوا :
يا محمّد لا نعلم أحداً من قومنا أقرب داراً منك منّا ، ولا أقلّ عدداً، وقد
ضقنا بحربك وبحرب قومك ، فجئنا ذُوادعك ، فوادعهم ، ويقال بل قدمت
أشجع بعدما فرغ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، من بني قريظة، وه)
سبعمائة ، فوادعهم ثمّ أسلموا بعد ذلك .
٣٠٦

وفد باهلة
قالوا : وقدم على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، مُطَرّف بن
الكاهن الباهلي بعد الفتح وافداً لقومه فأسلم وأخذ لقومه أماناً ، وكتب له
رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، كتاباً فيه فرائض الصدقات ، ثمّ قدم
نهشل بن مالك الوائلي من باهلة على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وافداً
لقومه فأسلم ، وكتب له رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، ولمن أسلم من
قومه كتاباً فيه شرائع الإسلام ، وكتبه عثمان بن عفان ، رضي الله عنه .
وفد سليم
قالوا : وقدم على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، رجل من بني
سُليم يقال له قيس بن نُسَيْبَةَ ، فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه ووعى
ذلك كلّه ، ودعاه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، إلى الإسلام فأسلم ،
ورجع إلى قومه بني سُلَيم فقال : قد سمعت ترجمة الروم ، وهينمة فارس ،
وأشعار العرب ، وكهانة الكاهن ، وكلام مقاول حمير ، فما يشبه كلامٌ
محمد شيئاً من كلامهم ، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه . فلمّا كان عام
الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فلقوه بقُديد
وهم تسعمائة ، ويقال كانوا ألفاً ، فيهم العبّاس بن مرداس وأنس بن عياض
ابن رِعل وراشد بن عبد ربّه ، فأسلموا وقالوا : اجعلنا في مقدمتك ، واجعل
لواءنا أحمر ، وشعارنا مقدم ، ففعل ذلك بهم ، فشهدوا معه الفتح والطائف
وحُنيناً .
وأعطى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، راشد بن عبد ربّه رهاطاً
٣٠٧

وفيها عين يقال لها عين الرسول ، وكان راشد يسدن صنماً لبني سليم ، فرأى
يوماً ثعلبين يبولان عليه فقال :
أربٌّ يبول الثعلبان برأسه! لقد ذلّ من بالت عليه الثعالبُ
ثمّ شدّ عليه فكسره، ثمّ أتى النبيَّ، صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال له :
ما اسْمُكَ ؟ قال : غاوي بن عبد العزّى، قال : أنْتَ راشِدُ بنُ عَبْد
رَبّهِ ، فأسلم وحسن إسلامه وشهد الفتح مع النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ،
وقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: خَيْرُ قُرَّى عَرَبِيّةٍ خَيْبَرُ، وَخَيْرُ
بَنِي سُلَيْمٍ راشِدٌ ، وعقد له على قومه .
قال : أخبرنا هشام بن محمّد قال : حدّثّني رجل من بني سُليم من بني
الشريد قال: وفد رجلٌ منّا يقال له قِدْر بن عمّار على النبيّ، صلّى اللّه
عليه وسلّم ، بالمدينة فأسلم وعاهده على أن يأتيه بألف من قومه على الخيل
وأنشد يقول :
شددتُ يميني إذا أتيتُ محمّداً بخيرِ يدِ شُدّتْ بحُجِزَةٍ مِنْزَرٍ
وأعطيته ألف امرىء غيرَ أعسرٍ
وذاك امرؤ قاسمته نصف دينه
ثمّ أتى إلى قومه فأخبرهم الخبر فخرج معه تسعمائة وخلّف في الحي
مائة ، فأقبل بهم يريد النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، فنزل به الموت ، فأوصى
إلى ثلاثة رهط من قومه إلى العبّاس بن مرداس وأمّره على ثلاثمائة ، وإلى
جبّار بن الحكم، وهو الفرّار الشريدي، وأمّره على ثلاثمائة، وإلى الأخنس
ابن يزيد وأمّره على ثلاثمائة ، وقال : ائتوا هذا الرجل حتى تقضوا العهد
الذي في عنقي ، ثمّ مات، فمضوا حتى قدموا على النبيّ، صلّى الله عليه
وسلّم، فقال: أينَ الرّجُلُ الحَسَنُ الوَجْهِ الطِّيلُ اللّسانِ الصّادِقُ
الإيمانِ ؟ قالوا : يا رسول اللّه دعاه الله فأجابه، وأخبروه خبره ، فقال :
٣٠٨

أينَ تَكْمِلَةُ الأَلْفِ الّذينَ عَاهَدَنِي عَلَيْهِمْ؟ قالوا : قد خلّف مائة
بالحي مخافة حرب كان بيننا وبين بني كنانة ، قال : ابْعَثُوا إِلَيْهَا فَإِنّهُ
لا يَأتيكُمْ في عامِكُمْ هَذا شَيءٌ تَكْرَهُونَهُ، فبعثوا إلَيْها فأتته بالهَدّة
وهي مائة عليها المنقّع بن مالك بن أميّة بن عبد العُزّى بن عَمَل بن كعب
ابن الحارث بن بُهثة بن سُليم ، فلمّا سمعوا وئيد الخيل قالوا : يا رسول
اللّه أُتينا، قال: لا بَلْ لَكُمْ لا عَلَيْكُمْ، هَذِهِ سُلَيْمُ بنُ مَنْصورٍ
قَدْ جاءتْ! فشهدوا مع النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم ، الفتح وحُنيناً ؛
وللمنقع يقول العبّاس بن مِرْداس القائد :
القائدُ المائة التي وفّى بها تِسْعَ المئين فَمّ أَلْفٌ أقْرَعُ
وفد هلال بن عامر
قال : رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمّد القرشي ، قالوا : وقدم
على رسول الله ، صلّ اللّه عليه وسلّم ، نفر من بني هلال فيهم عبد عوف
ابن أصرم بن عمرو بن شُعيبة بن الهُزَم من رُؤيْبَة فسأله عن اسمه فأخبره
فقال : أنْتَ عَبْدُ اللّهِ ، وأسلم ، فقال رجل من ولده :
جدّي الذي اختارت هوازنُ كلّها إلى النبيّ عَبَدُ عَوْف وافدا
ومنهم قبيصة بن المخارق قال : يا رسول اللّه إني حملت عن قومي
حَمَالة فأعنّي فيها ، قال: هِيَ لَكَ في الصّدَقَاتِ إذا جاءَتْ.
قال : أخبرنا هشام بن محمّد ، أخبرنا جعفر بن كلاب الجعفري عن
أشياخ لبني عامر قالوا : وفد زياد بن عبد الله بن مالك بن بُجير بن الهُزَم
ابن رُؤيْبَة بن عبد الله بن هلال بن عامر على النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم،
٣٠٩

فلمّا دخل المدينة توجّه إلى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبيّ ، صلّى
اللّه عليه وسلّم، وكانت خالة زياد أمّه غُرّة بنت الحارث ، وهو يومئذ شابٌ،
فدخل النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، وهو عندها ، فلمّا أتى رسول اللّه،
صلّى الله عليه وسلّم ، غضب فرجع، فقالت: يا رسول اللّه هذا ابن أختي !
فدخل إليها ثمّ خرج حتى أتى المسجد ومعه زياد فصلّى الظهر، ثمّ أدنى
زياداً فدعا له ووضع يده على رأسه ثمّ حدّرها على طرف أنفه ، فكانت
بنو هلال تقول : ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد ؛ وقال الشاعر لعلي
ابن زياد :
ودعا له بالخير عند المسجد
يا ابن الذي مسح النبيّ برأسه
من غائرٍ أو مُتْهِمٍ أو مُنْجِد
أعني زياداً لا أريد سواءَه
حتى تبوّا بيته في المُلْحَد
ما زال ذاك النور في عرفينه
وفد عامر بن صعصعة
قال: ثمّ رجع الحديث إلى محمّد بن عليّ القرشي ، قالوا : وقدم
عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب وأربد بن ربيعة بن مالك بن
جعفر على رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال عامر: يا محمّد ما لي إن
أسلمتُ ؟ فقال: لَكَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْكَ ما عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، قال:
أتجعل لي الأمر من بعدك ؟ قال : لَيْسَ ذاكَ لَكَ وَلا لِقَوْمِكَ ، قال :
أفتجعل لي الوبر ولك المدر؟ قال : لا وَلَكِي أجْعَلُ لَكَ أعِنّةَ الخَيْلِ
فَإنّكَ امْرُؤٌ فَارِسٌ، قال: أوَلَيَست لي؟ لأملأنّها عليك خيلاً ورجالاً !
ثمّ ولّيَا، فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: اللّهُمَّ اكفِيهما، اللّهُمْ
وَاهْدٍ بَني عامِرٍ وَأَغْنِ الإسْلامَ عَنْ عامِرٍ ، يعني ابن الطفيل ، فلط
٣١٠
أ

اللّه، تبارك وتعالى ، على عامر داءً في رقبته فاندلع لسانه في حنجرته كضرع
الشاة فمال إلى بيت امرأة من بني سلول وقال : غدّة كغدّة البكر وموت
في بيت سلوليّة ، وأرسل اللّه على أربد صاعقة فقتلته ، فبكاه لبيد بن ربيعة ،
وكان في ذلك الوفد عبد اللّه الشّخّير أبو مُطَرّف فقال: يا رسول اللّه أنت
سيدنا وذو الطّول علينا ، فقال: السّيّدُ اللّهُ لا يَسْتَهْوِيَنْكُمُ الشّيْطانُ.
قالوا : وقدم على رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، علقمة بن عُلاثة
ابن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب وهوذة بن خالد بن ربيعة وابنه ،
وكان عمر جالساً إلى جنب رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، فقال له رسول
اللّه: أَوْسِعْ لِعَلْقَمَةَ، فأوسع له ، فجلس إلى جنبه ، فقصّ عليه رسول
الله، صلّى الله عليه وسلّم، شرائع الإسلام وقرأ عليه قرآناً، فقال: يا محمّد
إن ربّك الكريم وقد آمنت بك وبايعت على عكرمة بن خَصَفَةَ أخي قيس ،
وأسلم هوذة وابنه وابن أخيه وبايع هوذة على عكرمة أيضاً .
قال : أخبرنا هشام بن محمّد عن إبراهيم بن إسحاق العبدي عن الحجّاج
ابن أرْطاة عن عون بن أبي جُحيفة السّوائي عن أبيه قال : قدم وفد بني
عامر وكنت معهم إلى النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم، فوجدناه بالأبطح
في قبّة حمراء فسلمنا عليه فقال: مَنْ أنْتُمْ؟ قلنا : بنو عامر بن صعصعة ،
قال: مَرْحَباً بكُمْ أَنْتُمْ مِنِّي وأنَا مِنْكُمْ، وحضرت الصلاةُ فقام
بلال فأذّن وجعل يستدير في أذانه ، ثمّ أتى رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ،
بإناء فيه ماء فتوضأ وفَضَلَت فضلة من وضوئه فجعلنا لا نألو أن نتوضأ ممّا
بقي من وضوئه ، ثمّ أقام بلال الصلاة فصلّى بنا رسول الله، صلّى الله عليه
وسلّم ، ركعتين ثمّ حضرَتِ العصرُّ فقام بلال فأذّن فجعل يستدير في أذانه ،
فصلى بنا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، ركعتين .
٣١١

وفد ثقيف
قال : أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي عن عبد الله بن أبي يحيى الأسلمي
عمّن أخبره قال : لم يحضر عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة حصار
الطائف ، كانا يجُرَش يتعلّمان صنعة العرّادات والمنجنيق والدّبابات فقدما وقد
انصرف رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم . عن الطائف فنصبا المنجنيق
والعرّادات والدّبابات وأعدّاً للقتال، ثمّ ألقى الله في قلب عُروة الإسلام
وغيّره عمّا كان عليه فخرج إلى رسول الله ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأسلم ،
ثمّ استأذن رسولَ الله، صلّى الله عليه وسلّم، في الخروج إلى قومه ليدعُوّهم
إلى الإسلام فقال: إنّهُمْ إذاً قاتِلوكَ ، قال : لأنا أحبّ إليهم من أبكار
أولادهم ، ثمّ استأذنه الثانية ثمّ الثالثة فقال: إنْ شِئْتَ فَاخْرُجْ، فخرج
فسار إلى الطائف خمساً فقدم عشاءً فدخل منزله فجاء قومه فحيّوه بتحيّة
الشرك ، فقال : عليكم بتحيّة أهل الجنّة السلام ، ودعاهم إلى الإسلام ،
فخرجوا من عنده يأتمرون به ، فلمّا طلع الفجر أوفى على غرفة له فأذّن
بالصلاة فخرجت ثقيف من كلّ ناحية ، فرماه رجل من بني مالك يقال له
أوس بن عوف فأصاب أكحله فلم يرقأ دمه ، وقام غيلان بن سلمة وكنانة
ابن عبد ياليل والحكم بن عمرو بن وهب ووجوه الأحلاف فلبسوا السلاح
وحشدوا ، فلمّا رأى عروة ذلك قال : قد تصدقت بدمي على صاحبه لأصلح
بذاك بينكم ، وهي كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها اللّه إليّ، وقال:
ادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، ومات
فدفنوه معهم ، وبلغ رسولَ الله، صلّى الله عليه وسلّم، خبره فقال: مَثَلُهُ
كَمَثَلِ صاحِبٍ ياسِينَ دَعا قَوْمَهُ إلى اللّهِ فَقَتَلُوهُ. ولحق أبو المليح
ابن عروة وقارب بن الأسود بن مسعود بالنبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ،
فأسلما ، وسأل رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، عن مالك بن عوف فقالا :
٣١٢

تركناه بالطائف ، فقال: خَبّروهُ أنّه إنْ أتاني مُسْلِماً رَدَدْتُ إلَيْهِ
أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَأَعْطَيْتُهُ مائَةً مِنَ الإِبِلِ ، فقدم على رسول الله، صلّى
الله عليه وسلّم، فأعطاه ذلك، وقال: يا رسول الله أنا أكفيك ثقيفاً أُغير
على سَرْحهم حتى يأتوك مسلمين ، فاستعمله رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ،
على من أسلم من قومه والقبائل ، فكان يُغير على سرح ثقيف ويقاتلهم
فلمّا رأت ذلك ثقيف مشوا إلى عبد ياليل وأتمروا بينهم أن يبعثوا إلى رسول
الله، صلّى الله عليه وسلّم، نفراً منهم وفداً، فخرج عبد ياليل
وابناه كنانة وربيعة وشرحبيل بن غيلان بن سلمة والحكم بن عمرو بن وهب
ابن معتّب وعثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف ونُمير بن خَرَشَةَ بن
ربيعة فساروا في سبعين رجلاً وهؤلاء الستّة رؤساؤهم ، وقال بعضهم :
كانوا جميعاً بضعة عشر رجلاً ، وهو أثبت ، قال المغيرة بن شعبة : إني
لفي ركاب المسلمين بذي حُرُض ، فإذا عثمان بن أبي العاص تلقاني يستخبرني ،
فلمّا رأيتهم خرجت أشتدّ أبشر رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، بقدومهم ،
فألقى أبا بكر الصديق ، رضي الله عنه ، فأخبرته بقدومهم ، فقال : أقسمت
عليك لا تسبقني إلى رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، بخبرهم ! فدخل فأخبر
رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، فسُرّ بمقدمهم ، ونزل من كان منهم من
الأحلاف على المغيرة بن شعبة فأكرمهم ، وضرب النبيّ ، صلّى الله عليه
وسلّم ، لمن كان فيهم من بني مالك قُبّة في المسجد ، فكان رسول اللّه ،
صلّى الله عليه وسلّم، يأتيهم كلّ ليلة بعد العشاء فيقف عليهم ويحدثهم حتى
يراوح بين قدميه ، ويشكو قريشاً ويذكر الحرب التي كانت بينه وبينهم ،
ثمّ قاضى النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، ثقيفاً على قضيّة، وعُلموا القرآن،
واستعمل عليهم عثمان بن أبي العاص ، واستعفت ثقيف من هدم اللات والعزّى
فأعفاهم ، قال المغيرة : فكنت أنا هدمتها ، قال المغيرة : فدخلوا في الإسلام
٣١٣

فلا أعلم قوماً من العرب بني أب ولا قبيلة كانوا أصحّ إسلاماً ولا أبعد أن
يوجد فيهم غِشّ لله ولكتابه منهم .
وفود ربيعة : عبد القيس
قال : أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي قال : حدّثّني قُدامة بن موسى
عن عبد العزيز بن رُمّانة عن عروة بن الزبير قال : وحدّني عبد الحميد
ابن جعفر عن أبيه قالا : كتب رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلّم، إلى أهل
البحرين أن يقدم عليه عشرون رجلاً منهم ، فقدم عليه عشرون رجلاً رأسهم
عبد الله بن عوف الأشجّ ، وفيهم الجارود ومُنْقِذ بن حيّان، وهو ابن أخت
الأشجّ ، وكان قدومهم عام الفتح ، فقيل: يا رسول اللّه هؤلاء وفد عبد
القيس ، قال: مَرْحَبَّاً بِهِمْ نِعْمَ القَوْمُ عَبْدُ القَيْسِ ! قال : ونظر
رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، إلى الأفق صبيحة ليلة قدموا وقال :
لَيَأْتِيَنّ رَكْبٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ لَمْ بُكْرَهوا عَلَى الإسلامِ قَدْ أنْضوا
الرّكَابَ وَأَفْنَوا الزادَ، بصاحِبِهِمْ عَلامَةٌ ، اللّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ القَيْسِ
أَتَوْني لا يَسْألُوني مالاً هُمْ خَيَرُ أهْلِ الْمَشْرِقِ؛ قال : فجاؤوا في
ثيابهم ورسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، في المسجد فسلموا عليه، وسألهم
رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: أيّكُمْ عَبْدُ اللّهِ الأشَجّ؟ قال: أنا
يا رسول الله، وكان رجلاً دميماً، فنظر إليه رسول الله، صلّى الله عليه
وسلّم ، فقال : إنّه لا يُستسقى في مسوك الرجال إنّما يُحتاج من الرجل إلى
أصْغريه لسانه وقلبه ، فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: فيكَ خَصْلَتَان
يُحِبّهُما الله، فقال عبد الله: وما هما ؟ قال: الْحِلْمُ وَالأناةُ ، قال:
أشَيءٌ حدَث أم جُبلتُ عليه ؟ قال: بَلْ جُبِلْتَ عَلَيْهِ ؛ وكان الجارود
٣١٤

نصرانياً فدعاه رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، إلى الإسلام فأسلم ، فحسن
إسلامه ، وأنزل وفد عبد القيس في دار رملة بنت الحارث ، وأجرى عليهم
ضيافة، وأقاموا عشرة أيّام، وكان عبد الله الأشجّ يُسائل رسول الله، صلّى
الله عليه وسلّم ، عن الفقه والقرآن ، وأمر لهم بجوائز ، وفضّل عليهم عبد
اللّه الأشجّ فأعطاه اثنتي عشرة أوقيّة ونشّاً، ومسح رسول الله، صلّى الله
عليه وسلّم ، وجه منقذ بن حيّان .
وفد بكر بن وائل
قال: ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمّد بن عليّ القرشي بإسناده
الأوّل ، قالوا : وقدم وفد بكر بن وائل على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم،
فقال له رجل منهم : هل تعرف قُس بن ساعدة ؟ فقال رسول الله، صلّى
الله عليه وسلّم: لَيْسَ هُوَ مِنْكُمْ هَذَا رَجُلٌ مِنْ إِيَادِ تَحَنّفَ في
الجاهِلِيّةِ فَوافى عُكَاظَ وَالنّاسُ مُجْتَمِعِونَ فَيُكَلّمُهُمْ بِكَلامِهِ
الذي حُفِظَ عَنْهُ. وكان في الوفد بشير بن الخصاصيّة ، وعبد الله بن مَرْتَد ،
وحسّان بن حَوْط ؛ وقال رجل من ولد حسان :
أنا ابن حسان بن حَوْطٍ وأبي رسول بَكرٍ كلّها إلى النبي
قالوا : وقدم معهم عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف بن عمرو
ابن الحارث بن سدوس على رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، وكان ينزل
اليمامة ، فباع ما كان له من مال باليمامة وهاجر وقدم على رسول الله ، صلّى
الله عليه وسلّم ، بجراب من تمر فدعا له رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم،
بالبركة .
٣١٥

وفد تغلب
قال : أخبرنا محمّد بن عمر الأسلميّ قال : حدّثني أبو بكر بن عبد
اللّه بن أبي سَبرة عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال : قدم على رسول الله ،
صلّى الله عليه وسلّم ، وفد بني تغلب ستّة عشر رجلاً مسلمين ونصارى
عليهم صلب الذهب ، فنزلوا دار رملة بنت الحارث ، فصالح رسول اللّه ،
صلّى الله عليه وسلّم ، النصارى على أن يقرّهم على دينهم على أن لا يصبغوا
أولادهم في النصرانيّة ، وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم .
وفد حنيفة
قال : أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي قال : حدّني الضحّاك بن عثمان
عن يزيد بن رومان ، قال محمّد بن سعد : وأخبرنا عليّ بن محمّد القرشي
عن مَن سمّ من رجاله قالوا : قدم وفد بني حنيفة على رسول الله ، صلّ
اللّه عليه وسلّم، بضعة عشر رجلاً، فيهم رَحَال بن عُنْفُوّة، وسلمى
ابن حنظلة السُّحَيْمي ، وطلْقَ بن عليّ بن قيس ، وحُمران بن جابر من
بِي شَمير ، وعليّ بن سنان ، والأقعس بن مسلمة ، وزيد بن عبد عمرو ،
ومُسَيْلمَة بن حبيب ، وعلى الوفد سلمى بن حنظلة ، فأنزلوا دار رَمَلة
بنت الحارث ، وأجريت عليهم ضيافة ، فكانوا يُؤْتَوْنَ بغداء وعشاء مرّة
خبزاً ولحماً ومرّة خبزاً ولبناً ومرّة خبزاً وسمناً ومرّة تمراً نثر لهم ، فأتوا
رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، في المسجد فسلّموا عليه وشهدوا شهادة
الحقّ، وخلّفوا مُسيلمة في رحلهم، وأقاموا أيّاماً يختلفون إلى رسول اللّه،
صلّى الله عليه وسلّم، وكان رحّال بن عُنْفُوة يتعلّم القرآن من أبيّ بن كعب ،
٣١٦

فلمّا أرادوا الرجوع إلى بلادهم أمر لهم رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ،
بجوائزهم خمس أواق لكلّ رجل، فقالوا : يا رسول الله إنّا خلّفنا صاحباً
لنا في رحالنا يُبصرها لنا ، وفي ركابنا يحفظها علينا ، فأمر له رسول اللّه.
صلّى الله عليه وسلّم، بمثل ما أمر به لأصحابه وقال: لَيْسَ بِشَرّكُمْ
مكاناً لِحِفْظِهِ رِكابَكُمْ وَرِحَالَكُمْ، فقيل ذلك لمسيلمة ، فقال: عرف
أن الأمر إليّ من بعده ، ورجعوا إلى اليمامة وأعطاهم رسول الله، صلّى اللّه
عليه وسلّم ، إداوةً من ماء فيها فضل طهور ، فقال : إذا قدمتم بلدكم فاكسروا
بيعتكم وانضحوا مكانها بهذا الماء واتّخذوا مكانها مسجداً ، ففعلوا ، وصارت
الإدارة عند الأقعس بن مسلمة ، وصار المؤذن طَلْق بن عليّ ، فأذّن فسمعه
راهب البيعة فقال: كلمة حقّ، ودعوة حقّ! وهرب، فكان آخر العهد
به ، وادعى مسيلمة ، لعنه الله، النبوة، وشهد له الرحال بن عنفوة أن رسول
الله، صلّى الله عليه وسلّم، أشركه في الأمر فافتتن الناس به.
وفد شيبان
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا عبد الله بن حسّان أخو بني كعب
من بَلْعَنْبَر أنّه حدثته جدتاه صفية بنت عُليبة ودُحيبة بنت عليبة حدثتاه
عن حديث قيلة بنت مخرمة ، وكانتا ربيبتيْها ، وقيلة جدّة أبيهما أمّ أمّه ،
أنّها كانت تحت حبيب بن أزهر أخي بني جناب ، وأنّها ولدت له النساء ،
ثمّ توفي في أوّل الإسلام فانتزع بناتها منها عمهن أثوب بن أزهر ، فخرجت
تبتغي الصحابة إلى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، في أوّل الإسلام، فبكت
جُويرية منهن حُديباء ، وكانت أخذتها الفرصة ، عليها سُبَيّج من صوف ،
قال : فذهبت بها معها ، فبينا هما تُرتكان الجمل إذ انتفجت الأرنب ، فقالت
٣١٧

الحديباء القَصِيّة: والله لا يزال كعبك أعلى من كعب أثوب في هذا الحديث
أبداً ! ثمّ سنح الثعلب فسمّته باسم نَسِيه عبد الله بن حسّان، ثمّ قالت فيه مثل"
ما قالت في الأرنب ، فبينما هما ترتكان الجمل إذ برك الجمل ، فأخذته رِعدة ،
فقالت الحديباء : أدركتك والأمانةِ أُخذَةُ أَثوْب، فقلتُ واضطررتُ إليها :
ويحكِ فما أصنع ؟ فقالت : اقلبي ثيابك ظهورها لبطونها ، وادّحرجي ظهرك
لبطنك ، واقلبي أحلاس جملك ، ثمّ خلعت سبيجها فقلبته، ثمّ ادّحرجت ظهرها
لبطنها ، فلمّا فعلت ما أمرتني به انتفض الجمل ثمّ قام ففاجٌ وبال، فقالت :
أعيدي عليك أداتك ، ففعلتُ ، ثمّ خرجنا نرتك ، فإذا أُثوب يسعى وراءنا
بالسيف صلتاً ، فوألنا إلى حواء ضخم ، قد أراه حين ألقى الجمل إلى رواق
البيت الأوسط جملاً ذلولاً ، واقتحمت داخله وأدركني بالسيف ، فأصابت
ظُبته طائفة من قروني ، ثمّ قال : ألقي إليّ بنت أخي يا دفار ! فرميتُ بها
إليه فجعلها على منكبه فذهب بها ، وكانت أعلم به من أهل البيت ، وخرجتُ
إلى أخت لي ناكح في بني شيبان أبتغي الصحابة إلى رسول الله، صلّى اللّه
عليه وسلّم ، فبينما أنا عندها ليلة من الليالي تحسبني نائمة إذ جاء زوجها من
السامر فقال : وأبيك لقد وجدت لقيلة صاحب صدق ، فقالت أختي : من
هو ؟ قال : حريث بن حسان الشيباني غادياً ، وافد بكر بن وائل إلى رسول
اللّه، صلّى الله عليه وسلّم، ذا صباح، فغدوت إلى جملي وقد سمعتُ ما قالا ،
فشددتُ عليه ثمّ نشدتُ عنه فوجدته غير بعيد ، فسألته الصحبة فقال : نعم
وكرامة ، وركابهم مناخة ، فخرجت معه صاحب صِدْق ، حتى قدمنا على
رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، وهو يصلّي بالناس صلاة الغداة ، وقد
أقيمت حين انشقّ الفجر والنجوم شابكة في السماء ، والرجال لا تكاد تَعَارف
مع ظلمة الليل ، فصففتُ مع الرجال وكنت امرأة حديثة عهد بجاهلية ، فقال
لي الرجل الذي يليني من الصف : امرأة أنتِ أم رجل ؟ فقلت : لا بل امرأة ،
فقال : إنّك قد كدتِ تفتنيني ، فضلّ مع النساء وراءك ، وإذا صفّ من
٣١٨

نساء قد حدث عند الحُجُرات لم أكن رأيته حين دخلت ، فكنت فيهن حتى
إذا طلعت الشمس دنوتُ فجعلتُ إذا رأيت رجلاً ذا رُواء وذا قشر طمع
إليه بصري لأرى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، فوق الناس ، حتى جاء
رجل وقد ارتفعت الشمس فقال : السلام عليك يا رسول اللّه ، فقال رسول
الله، صلّى الله عليه وسلّم: وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَ كَاتُهُ.
وعليه ، تعني النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، أسمال ملبّبتين كانتا بزعفران فقد
نفضتا ، ومعه عسيب نخلة مقشور غير خوصتين من أعلاه ، وهو قاعد القرفصاء ،
فلمّا رأيت رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، متخشعاً في الجلسة أُرعدتُ
من الفَرَّق ، فقال جليسه : يا رسول الله ، أُرعدت المسكينة ، فقال رسول
اللّه، صلّى الله عليه وسلّم، ولم ينظر إليّ وأنا عند ظهره: يا مِسْكِينَةُ
عَلَيْكِ السّكينَة، فلمّا قالها رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلّم، أذهب الله
ما كان أدخل قلبي من الرعب ، وتقدم صاحبي أوّل رجل ، فبايعه على الإسلام
عليه وعلى قومه ، ثمّ قال: يا رسول اللّه اكتب بيننا وبين بني تميم بالدهناء
لا يجاوزها إلينا منهم إلاّ مسافر أو مجاور، فقال: يا غُلامُ اكتُبْ لَهُ
بالدّهْنَاءِ ؛ فلمّا رأيته أمر له بأن يَكْتُبَ له بها شُخص بي وهي وطني
وداري ، فقلت : يا رسول الله إنّه لم يسألك السويّة من الأرض إذا سألك ،
إنّما هذه الدهناء عندك مُقيّد الجمل ومرعى الغنم ، ونساء تميم وأبناؤها
وراء ذلك! فقال: أَمْسِكْ يا غُلامُ، صَدَقَتِ المِسْكِينَةُ، المُسْلِمُ أَخُو
المُسْلِمِ يَسَعُهُمَا المَاءُ وَالشّجَرُ وَيَتَعَاوَنَانِ عَلَى الفَتّانِ . فلمّا رأى
حُريث أن قد حيل دون كتابه ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال : كنت
أنا وأنت كما قيل حتفها تحمل ضأنٌ بأظلافها، فقلت: أما والله إن كنت
لدليلاً في الظلماء ، جواداً بذي الرحل ، عفيفاً عن الرفيقة ، حتى قدمتُ
على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ولكن لا تلُمني على حظّي إذ سألتَ
حظّك ، فقال : وما حظّك في الدهناء لا أبا لك ؟ فقلت : مقيّد جملي تسأله
٣١٩

الجمل امرأتك ؟ فقال : لا جرم إني أشهد رسول اللّه أني لك أخ ما حييت
إذ أثنيت هذا عليّ عنده ، فقلت : إذ بدأتَها فلن أضيّعها ، فقال رسولُ
الله، صلّى الله عليه وسلم: أيُلامُ ابنُ ذِهِ أنْ يَفْصِلَ الخطَّةَ وَيَنْتَصِرَ
مِنْ وَرَاءِ الحُجْرَةِ؟ فبكيت ثمّ قلت: قد والله كنت ولدتُه يا رسول
اللّه حازماً، فقاتل معك يومَ الرّبَدَّة ، ثمّ ذهب يميرني من خيبر ، فأصابته
حُمّاها وترك عليّ النساءَ، فقال: وَالّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَوْ
لَمْ تَكُوني مِسْكِينَةَ الحَرَرْنَاكِ اليَوْمَ عَلَى وَجْهِكِ، أَوْ لِحُرِرْتِ
عَلَى وَجْهِكِ، شك عبد اللّه، أيُغْلَبُ أُحَيْدُ كُمْ أنْ يُصَاحِبَ صُوَيَحِبَهُ
في الدّنْيا مَعْروفاً فَإذا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَنْ هُوَ أَوْلِى بِهِ مِنْهُ اسْتَرْجَعَ؟ .
ثمّ قال: رَبّ أنْسِي ما أمْضَيَتَ وَأعِنّي عَلَى مَا أَبْقَيْتَ، وَالّذي نفسُ
مُحَمّدٍ بِيَدِهِ إِنّ أُحَيْدَكُمْ لَيَبْكِي فَيَسْتَعْبِرُ إِلَيْهِ صُوَيَحِبُهُ،
فَيّا عِبَادَ اللّه لا تُعَذّبوا إخوانَكُمْ . وكتب لها في قطعة من أديم أحمر
لقيلة والنسوة بنات قيلة أن لا يُظلمن حقّاً، ولا يُكْرَهن على منكح، وكلّ
مؤمن مسلم لهنّ نصير، أحْسِنّ ولا تُسِئْنَ.
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا عبد الله بن حسان قال : حدّثّني
حيّان بن عامر ، وكان جدّي أبا أمّي ، عن حديث حَرْمَلة بن عبد الله،
جده أبي أمّه الكعبي من كعب بَلْعَنْبَرّ ، قال : وحدّثني جدتاي صفية
بنت عُليية ودُحيبة بنت عليبة ، وكان جدهما حَرْمَلة ، أن حرملة خرج
حتى أتى رسولَ الله، صلّى الله عليه وسلّم، وكان عنده حتى عرّفه رسول
اللّه، صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ ارتحل، قال: فلُمتُ نفسي فقلت: والله
لا أذهب حتى أزداد من العلم عند رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، فأقبلتُ.
حتى قُمتُ فقلتُ : يا رسول الله ما تأمرني أعمل ؟ فقال: يا حَرْمَلَةُ
اثْتِ الْمَعْرُوفَ وَاجْتَنِبِ الْمُنْكَرَ؛ وانصرفتُ حتى أتيتُ راحلتي، ثمّ
رجعتُ حتى قمت مقامي أو قريباً منه ، ثمّ قلت: يا رسول اللّه ما تأمرني
٣٢٠