النص المفهرس

صفحات 201-220

ابن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والنّضر بن الحارث ، ومنبه بن الحجّاج ،
وزُهير بن أبي أميّة ، والسائب بن صَيْفيّ بن عابد، والأسود بن عبد الأسد ،
والعاص بن سعيد بن العاص، والعاص بن هاشم ، وعُقبة بن أبي معيط ،
وابن الأصْدى الهُذلي ، وهو الذي نطحته الأرْوَى ، والحكم بن أبي العاص .
وعديّ بن الحمراء ، وذلك أنهم كانوا جيرانه ، والذين كانت تنتهي عداوة
رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، إليهم : أبو جهل، وأبو لهب، ومعُقبة
ابن أبي مُعَيْط ، وكان عُتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب أهل
عداوة ولكنهم لم يُشْخَصوا بالنبيّ ، صلى الله عليه وسلّم، كانوا كَنَّحْو
قريش ، قال ابن سعد : ولم يُسلم منهم أحد إلاّ أبو سفيان
والحكم .
أخبرنا محمد بن عمر ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام
ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم:
كُنْتُ بَيَنَ شَرّ جَارَيْنِ، بَيْنَ أَبِي لَهَبٍ وَعُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطِ إِنْ
كَانَا لَيَأْتِيَانِ بِالْفَرُوثِ فَيَطْرَ حَانِهَا عَلَى بَابِي حَتّى إنّهُمْ لَأْتُونَ
بِبَعْضِ مَا يَطْرَحُونَ مِنَ الأَذَى فَيَطْرَحُونَهُ عَلَى بَابي ، فيخرج به
رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، فيقول: يَا بَنِي عَبْدٍ مَّنَافٍ أيّ جِوَارٍ
هَذَا! ثُمّ يُلْقِهِ بالطّرِيقِ.
ذكر تمْشى قريش إلى أبي طالب في أمره، صلى الله عليه وسلم
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدّثّني محمد بن لوط النّوْفَليّ عن
عون بن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: وحدّثني عائذ بن يحيَّى
عن أبي الحُوَيْرث قال: وحدثني محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري عن
٢٠١

أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير العُذريّ ، دخل حديث بعضهم في حديث
بعض ، قالوا : لمّا رأت قريش ظهور الاسلام وجلوس المسلمين حول الكعبة
سُقِط في أيديهم ، فمشوا إلى أبي طالب حتى دخلوا عليه فقالوا : أنْتِ
سيّدنا وأفضلنا في أنفسنا ، وقد رأيت هذا الذي فعل هؤلاء السّفهاء مع ابن
أخيك من تركهم آلهتنا وطعنهم علينا وتسفيههم أحلامنا ، وجاؤوا بعمارة
ابن الوليد بن المغيرة فقالوا : قد جئناك بفى قريش جمالاً ونسباً ونَهادة
وشعراً ندفعه إليك فيكون لك نصره وميراثه وتدفع إلينا ابن أخيك فنقتله ،
فإنّ ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مَغَبّةً، قال أبو طالب :
والله ما أنصفتموني ، تُعطونني ابنكم أغذُوه لكم وأعطيكم ابن أخي تقتلونه ؟
ما هذا بالنّصَف ، تسومونني سوم العرير الذليل ! قالوا: فأرْسِلْ إليه
فلنعطه النّصّف ، فأرسل إليه أبو طالب ، فجاء رسول الله ، صلى الله عليه
وسلم ، فقال : يا ابن أخي هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا
ينصفونك ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: قُولُوا أَسْمَعْ، قالوا:
تدعنا وآلهتنا ، وندعك وإلهك ، قال أبو طالب : قد أنصفك القوم فاقبل منهم ،
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: أرَأيْتُمْ إنْ أعْطَيْتُكُمْ هَذه
هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيّ كَلِمَةً إنْ أنْتُمْ تَكَلّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمْ بِهَا
العَرَبَ وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا العَجَمُ؟ فقال أبو جهل: إنّ هذه الكلمة
مُرْبحة، نعم وأبيك لنقولنّها وعشر أمثالها، قال: قُولُوا لا إلَهَ إلاّ اللّهُ،
فاشمأزّوا ونقَرُوا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون : اصبروا على آلهتكم ،
إن هذا لشيء يراد ، ويقال: المتكلّم بهذا عقبة بن أبي مُعَيْط ، وقالوا :
لا نعود إليه أبداً، وما خير من أن يُغْتَالَ محمّد، فلمّا كان مساء تلك الليلة
فُقد رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله
فلم يجدوه ، فجمع فتياناً من بني هاشم وبني المطّلب ثمّ قال : ليأخذْ كلّ
واحد منكم حديدة صارمة ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد ، فلينظر كلّ فتى
٢٠٢

منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحنظليّة ، يعني أبا جهل ،
فإنّه لم يغب عن شرّ إن كان محمّد قد قُتل ، فقال الفتيان : نفعل ، فجاء زيد
ابن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال ، فقال : يا زيد أحسست ابن أخي ؟
قال : نعم كنت معه آنفاً ، فقال أبو طالب : لا أدخل بيتي أبداً حتى أراه ،
فخرج زيد سريعاً حتى أتى رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم، وهو في بيت
عند الصّفا ومعه أصحابه يتحدّثون، فأخبره الخبر ، فجاء رسول الله، صلّى
الله عليه وسلّم، إلى أبي طالب ، فقال: يا ابن أخي أين كنت ؟ أكنت
في خير ؟ قالَ : نَعَمْ ، قال: ادخل بيتك ، فدخل رسول الله، صلى الله
عليه وسلّم ، فلمّا أصبح أبو طالب غدا على النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم،
فأخذ بيده فوقف به على أردية قريش ، ومعه الفتيان الهاشميون والمطلبيون ،
فقال : يا معشر قريش هل تدرون ما هممت به ؟ قالوا : لا ، فأخبرهم
الخبر ، وقال للفتيان : اكشفوا عمّا في أيديكم، فكشفوا، فإذا كل رجل
منهم معه حديدة صارمة ، فقال : والله لو قتلتموه ما بقّيت منكم أحداً
حتى نتفانى نحن وأنتم ، فانكسر القوم وكان أشدّهم انكساراً أبو جهل .
ذكر هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله ، صلى
الله عليه وسلم ، إلى أرض الحبشة في المرّة الاولى
أخبرنا محمد بن عمر ، أخبرنا هشام بن سعد عن الزهريّ قال : لما
كثر المسلمون وظهر الإيمان وتُحُدّث به ثارَ ناسٌ كثيرٌ من المشركين
من كفّار قريش بمن آمن من قبائلهم فعذبوهم وسجنوهم وأرادوا فتنتهم
عن دينهم ، فقال لهم رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: تَفَرَقُوا
في الأرْضِ ، فقالوا : أين نذهب يا رسول الله؟ قال: هَهُنّا، وأشار
٢٠٣

إلى الحبشة ، وكانت أحبّ الأرض إليه أن يهاجر قِبَلَهَا ، فهاجر ناس ذوو
عدد من المسلمين منهم من هاجر معه بأهله ، ومنهم مَن هاجر بنفسه ، حتى
قدموا أرض الحبشة .
أخبرنا محمد بن عمر ، أخبرنا يونس بن محمّد الظّفَري عن أبيه
عن رجل من قومه قال : وأخبرنا عُبيد الله بن العبّاس الهذلي عن الحارث
ابن الفضيل قالا: فخرجوا متسلّلين سرّاً وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع
نسوة حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي ووفّق الله تعالى المُسلمين
ساعةَ جاؤوا سفينتين للتّجّار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار ،
وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حين نُبِىء رسول الله ، صلى
اللّه عليه وسلم ، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤو+ البحر حيث ركبوا
فلم يُدركوا منهم أحداً ، قالوا : وقدمنا أرض الحبشة فجاوَرْنا بها خير جار
أمينًا على ديننا وعَبَدْنَا اللّه لا نُؤذَى ولا نسمع شيئاً نكرهه.
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني يونس بن محمّد عن أبيه قال :
وحد ثني عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حَبّان قال : تسميةُ
القوم الرجال والنّساء : عثمان بن عفان معه امرأته رُقيّة بنت رسول اللّه .
صلى الله عليه وسلّم ، وأبو حُذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امرأته سَهْلة بنت
سُهيل بن عمرو ، والزّبير بن العوام بن خويلد بن أسد، ومُصعب بن عمير
ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف
ابن عبد بن الحارث بن زهرة، وأبو سَدَمَة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد
الله بن مخزوم معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة ، وعثمان بن مظعون
الجُمحي ، وعامر بن ربيعة العَنْزي حاليف بني عديّ بن كعب معه امرأته
ليلى بنت أبي حَثْمَة، وأبو سَبرة بن أبي رُهْم بن عبد العُزَى العامريّ ،
وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وسُهيل بن بيضاء من بني الحارث بن
فهر ، وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة .
٢٠٤

ذكر سبب رجوع أصحاب النبي ، صلى
الله عليه وسلم ، من أرض الحبشة
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني يونس بن محمّد بن فُضالة الظّفَري
عن أبيه قال : وحدّني كثير بن زيد عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطب
قالا : رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من قومه كفّاً عنه، فجلس
خالياً فتمنّى فقال: لَيْتَهُ لا يَنْزِلُ عَلَيّ شَيْءٌ يُنَفّرُهُمْ عَنّي! وقارب
رسولُ الله-، صلى الله عليه وسلم ، قومه ودنا منهم ودنوا منه ، فجلس يوماً
مجلساً في ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم : والنّجْمِ إذَا هَوَى ؛
حتى إذا بَلَغَ: أَفَرَأيْتُمُ اللآّتَ والعُزْى ومَنَاةَ الثّالِثَةَ الْأخْرَى؛ ألقى
الشّيْطانُ كلمتين على لسانه : تلك الغَرَانيقُ العُلَى، وإن شفاعتهن لتُرتجى ،
فتكلّم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بهما ، ثمّ مضى فقرأ السورة كلّها
وسجد وسجد القوم جميعاً ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد
عليه ، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود، ويقال: إنّ أبا أُحَيحَة
سعيد بن العاص أخذ تراباً فسجد عليه رفعه إلى جبهته ، وكان شيخاً كبيراً ،
فبعض الناس يقول إنّما الذي رفع التراب الوليد ، وبعضهم يقول أبو أُحيحة ،
وبعضهم يقول كلاهما جميعاً فعل ذلك ، فرضُوا بما تكلّم به رسول اللّه ،
صلى الله عليه وسلم، وقالوا: قد عرفنا أنّ اللّهَ يُحيي ويُميت ويخلق
ويَرزق، ولكنّ آلهتنا هذه تشفع لنا عنده ، وأمّا إذ جعلتَ لها نصيباً فنحن
معك ، فكبُر ذلك على رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، من قولهم حتّى
جلس في البيت ، فلمّا أمسى أتاه جبريل ، عليه السّلام ، فَعرض عليه
السورة ، فقال جبريل : جئتك بهاتين الكلمتين ، فقال رسول الله ، صلى
اللّه عليه وسلّم: قُلْتُ عَلَى اللّهِ مَا لَمْ يَقُلْ، فَأَوْحَى اللّه إليه: وَإن
٢٠٥

كادُّوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكْ لِتَفْتَرِيّ عَلَيْنَا غَيْرَهُ
وَإِذاً لا تَخَذُوكَ خَلِيلاً؛ إلى قوله: ثُمّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا
نَصيراً ..
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّي محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن
أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : فَشَتْ تِلْكَ السّجدة في .
النّاس حتى بلغت أرض الحبشة ، فبلغ أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه
وسلّم ، أنّ أهل مكة قد سجدوا وأسلموا حتى إنّ الوليد بن المغيرة وأبا
أُحيحة قد سجدا خلف النبيّ، صلى الله عليه وسلم ، فقال القوم : فمن
بقي بمكّة إذا أسلم هؤلاء ؟ وقالوا : عشائرنا أحبّ إلينا ، فخرجوا راجعين
حتى إذا كانوا دون مكنة بساعة من نهار لقوا رَكْباً من كنانة فسألوهم عن
قريش وعن حالهم ، فقال الركب : ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ ،
ثمّ ارتدّ عنها فعاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشرّ، فتركناهم على ذلك،
فَأتمر القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة ثمّ قالوا : قد بلغْنا ندخل فنظر ما فيه
قريش ويُحْدِثُ عَهْداً مَن أراد بأهله ثمّ يرجع .
أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدّني محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن
أبي بكر بن عبد الرحمن قال : دخلوا مكّة ولم يدخل أحد منهم إلاّ بجوار ،
إلاّ ابن مسعود فإنّه مكث يسيراً ثمّ رجع إلى أرض الحبشة.
قال محمّد بن عمر : فكانوا خرجوا في رجب سنة خمس فأقاموا
شعبانَ وشهرَ رمضان وكانت السجدةُ في شهر رمضان وقدموا في شوّال
سنة خمس .
٢٠٦

ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال : حدّثني سيف بن سليمان
عن ابن أبي نجيح قال : وحدّثني عتبة بن جَبيرة الأشهني عن يعقوب بن
عمر بن قتادة قال : سمعت شيخاً من بني مخزوم يحدّث أنه سمع أمّ سلمة
قال : وحدّثنا عبد الله بن محمد الجمحي عن أبيه عن عبد الرحمن بن سابط
قالوا : لمّا قدم أصحاب النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم، مكّة من الهجرة الأولى
اشتدّ عليهم قومهم وسَطَت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذِّى شديداً ، فَأذنَ
لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، في الخروج إلى أرض الحبشة مرة
ثانية ، فكانت خرجتهم الآخرة أعظمهما مشقّة ولقوا من قريش تعنيفاً
شديداً ونالوهم بالأذى، واشتدّ عليهم ما بلغهم عن النّجاشيّ من حُسْنٍ
جواره لهم ، فقال عثمان بن عفّان : يا رسول اللّه فهجرتنا الأولى وهذه
الآخرة إلى النجاشيّ ولستَ معنا ؟ فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم :
أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ إلى اللّهِ وَإِلَيّ، لَكُمْ هَاتَانِ الهِجْرَتَانِ جَمِيعاً.
قال عثمان : فَحَسْبُنَا يا رسولَ اللّه؛ وكان عدّة من خرج في هذه الهجرة
من الرّجال ثلاثة وثمانين رجلاً، ومن النساء إحدى عشرةَ امرأةً قرشيّة ،
وسبع غرائب ، فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشيّ بأحسن جوار ،
فلمّا سمعوا بمهاجَر رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلّم، إلى المدينة رجع
منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً ، ومن النساء ثماني نسوة ، فمات منهم رجلان
بمكّة، وحُبس بمكّة سبعةُ نفر ، وشهد بدراً منهم أربعة وعشرون رجلاً ،
فلمّا كان شهر ربيع الأوّل سنة سبع من هجرة رسول الله، صلى اللّه عليه
وسلّم ، إلى المدينة كتب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى النجاشيّ
كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام ، وبعث به مع عمرو بن أميّة الضّمْري ، فلمّا
قُرِىء عليه الكتاب أسلم وقال : لو قدرت أن آتيَه لأتيته ، وكتب إليه
٢٠٧

رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، أن يزوّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن
حرب ، وكانت فيمن هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جّحْش
فتنصّر هناك ومات، فزوّجه النجاشيّ إيّاها وأصدق عنه أربعمائة دينار.
وكان الذي ولي تزويجها خالد بن سعيد بن العاص ، وكتب إليه رسول اللّه .
صلى الله عليه وسلّم ، أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه ويحملهم ،
ففعل وحَملهم في سفينتين مع عمرو بن أميّة الضمري . فأَرْسَوْا بهم إلى
ساحل بَوْلا وهو الجار ، ثم تكاروا الظّهر حتى قدموا المدينة فيجدون رسول
الله، صلى الله عليه وسلّم، بخيير ، فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خيبر ،
فكلّمَ رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، المسلمين أنْ يُدْخِلُوهم في
سُهْمَانهم ، ففعلوا .
ذكر حصر قريش رسول الله ، صلى
الله عليه وسلم ، وبني هاشم في الشُّعْب
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد قال : حدثني أبو بكر بن عبد الله بن
أبي سَبْرة عن إسحاق بن عبد الله عن أبي سلمة الحضرمي عن ابن عبّاس.
وحد ثني معاذ بن محمد الأنصاري عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وحدّثنا
محمّد بن عبد اللّه عن الزهريّ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام قال: وحدّثنا عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جُبير بن مطعم
عن أبيه ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض ، قالوا : لمّا بلغ قريشاً
فِعْلُ النجاشي لجعفر وأصحابه وإكرامه إياهم كبر ذلك عليهم وغضبوا .
على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ، وأجمعوا على قتل رسول
اللّه، صلى الله عليه وسلّم ، وكتبوا كتاباً على بني هاشم ألاّ يناكحوهم ، ولا
٢٠٨

يبايعوهم ، ولا يخالطوهم ، وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عكرمة
العَبْدَري ، فشَلّت يده ، وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وقال
بعضهم : بل كانت عند أمّ الجُلاس بنت مُخَرِّبة الحنظليّة خالة أبي جهل ،
وحصروا بني هاشم في شِعْب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين
تنبّى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وانحاز بنو المطّلب بن عبد مناف
إلى أبي طالب في شعبه مع بني هاشم ، وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم
على بني هاشم وبني المطلب ، وقطعوا عنهم الميرة والمادة ، فكانوا لا يخرجون
إلاّ من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم من وراء
الشعب ، فمن قريش من سرّه ذلك ومنهم من ساءه وقال : انظروا ما أصاب
منصور بن عكرمة ، فأقاموا في الشعب ثلاث سنين ، ثمّ أطلع الله رسوله
على أمر صحيفتهم وأن الأرضَةَ قد أكلت ما كان فيها من جَوْر وظلم وبقي
ما كان فيها من ذكر الله عزّ وجلّ
أخبرنا عبيد اللّه بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن زياد بن فيّاض
عن عكرمة قال : كتبت قريش بينهم وبين رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم،
كتاباً وختموا عليه ثلاثة خواتيم، فأرسل اللّه، عزّ وجلّ ، على الصحيفة
دابة فأكلت كلّ شيء إلاّ اسم الله عزّ وجلّ .
أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمد
ابن عليّ وعكرمة قالا : أكل كلّ شيء كان في الصحيفة إلاّ باسمك
اللّهم
أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر قال :
حد ◌ّي شيخ من قريش من أهل مكة ، وكانت الصحيفة عند جدّه ، قال :
أُكل كلّ شيء كان في الصحيفة من قطيعة غير باسمك اللهمّ ؛ رجع الحديث
إلى حديث محمد بن عمر الأوّل ، قال: فذكر ذلك رسول الله، صلّى اللّه
عليه وسلم ، لأبي طالب ، فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وخرجوا إلى المسجد ،
١٤ - ١
٢٠٩

فقال أبو طالب لكفّار قريش : إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني قط
أنّ اللّه قد سلّط على صحيفتكم الأرضة فلحست كلّ ما كان فيها من جَوْر أو
ظلم أو قطيعة رحم وبقي فيها كلّ ما ذُكر به اللّه ، فإن كان ابن أخي صادقاً
نزعتم عن سوء رأيكم ، وإن كان كاذباً دفعتُه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه ،
قالوا : قد أنصفتنا ، فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها فإذا هي كما قال رسول
الله، صلّى الله عليه وسلم، فسُقط في أيديهم ونُكسوا على رؤوسهم ، فقال
أبو طالب : علامَ نُحبس ونُحصر وقد بان الأمر ؟ ثمّ دخل هو وأصحابه
بين أستار الكعبة والكعبة فقال : اللهمّ انصرنا ممن ظلمنا وقطع أرحامنا ،
واستحلّ ما يحرم عليه منّا، ثمّ انصرفوا إلى الشعب، وتلاوم رجال من
قريش على ما صنعوا بني هاشم ، فيهم : مطعم بن عديّ ، وعدي بن قيس ،
وزمعة بن الأسود ، وأبو البَخْتَري بن هاشم ، وزهير بن أبي أمية ، ولبسوا
السلاح ثمّ خرجوا إلى بني هاشم وبني المطّلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم
ففعلوا ، فلمّا رأت قريش ذلك سُقط في أيديهم وعرفوا أن لن يسلموهم ،
وكان خروجهم من الشّعب في السنة العاشرة .
أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمّد
ابن علي قال : مكث رسول الله، صلّى الله عليه وسلم ، وأهله في الشّعب
سنتين ، وقال الحكم : مكثوا سنين .
ذكر سبب خروج رسول الله ، صلى
الله عليه وسلم، إلى الطائف
أخبرنا محمّد بن عمر عن محمّد بن صالح بن دينار وعبد الرحمن بن
عبد العزيز والمنذر بن عبد اللّه عن بعض أصحابه عن حكيم بن حزام قال :
٢١٠

وحدثنا محمد بن عبد الله عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير قالوا : لما
توفي أبو طالب وخديجة بنت خويلد ، وكان بينهما شهر وخمسة أيّام ،
اجتمعت على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، مصيبتان فلزم بيته وأقلّ
الخروج ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع به ، فبلغ ذلك أبا لهب
فجاءه فقال: يا محمّد امضٍ لما أردت وما كنت صانعاً إذ كان أبو طالب حيّاً
فاصنعه ، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت ! وسَبّ ابنُ الغيطلة النبيّ ،
صلّى الله عليه وسلّم ، فأقبل عليه أبو لهب فنال منه ، فولّى وهو يصيح :
يا معشر قريش صبأ أبو عتبة ! فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب،
فقال : ما فارقت دين عبد المطلب ولكني أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضيّ
لما يريد ، قالوا : قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم ؛ فمكث رسول اللّه،
صلّى الله عليه وسلّم ، كذلك أيّاماً يذهب ويأتي لا يعترض له أحد من
قريش ، وهابوا أبا لهب ، إلى أن جاء عُقبة بن أبي معيط وأبو جهل بن هشام
إلى أبي لهب فقالا له : أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك ؟ فقال له أبو لهب :
يا محمّد أين مدخل عبد المطلب ؟ قال : مَعَ قَوْمِهِ ، فخرج أبو لهب إليهما
فقال : قد سألته فقال مع قومه ، فقالا : يزعم أنّه في النّار ، فقال : يا محمّد
أيدخل عبد المطّلب النّار؟ فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: نَعَمْ،
وَمَنْ مَاتَ عَلَى مِثْلِ مَا مَاتَ عَلَيْهِ عَبْدُ المُطْلِبِ دَخَلَ النّارَ ،
فقال أبو لهب : والله لا برحتُ لك عدوّاً أبداً ، وأنت تزعم أن عبد المطلب
في النّار ! فاشتدّ عليه هو وسائر قريش .
أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن
أبي الحُوَيَرث عن محمد بن جبير بن مُطعم قال: لما توفي أبو طالب تناولت
قريش من رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، واجترؤوا عليه فخرج إلى
الطائف ومعه زيد بن حارثة ، وذلك في ليال بقين من شوّال سنة عشر من
حين نبىء رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قال محمّد بن عمر بغير هذا
٢١١

الإسناد ، فأقام بالطائف عشرة أيّام لا يدع أحداً من أشرافهم إلاّ جاءه
وكلّمه ، فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم فقالوا : يا محمّد اخرج من بلدنا
والحق بمُجابك من الأرض، وَأَغْرَوْا به سفهاءهم ، فجعلوا يرمونه بالحجارة
حتى إن رجليْ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، لتّدميان وزيد بن حارثة
يقيه بنفسه ، حتى لقد شُج في رأسه شجاج ، فانصرف رسول الله، صلّى
الله عليه وسلّم ، من الطائف راجعاً إلى مكة وهو مخزون لم يستجب له رجل
واحد ولا امرأة ، فلمّا نزل نخلة قام يصلّي من الليل فصُرف إليه نفر من
الجنّ، سبعة من أهل نَصيبين، فاستمعوا عليه وهو يقرأ سورة الجنّ ولم
يشعر بهم رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، حتى نزلت عليه: وإذْ صَرَفْنَا
إِلَيْكَ نَفَرَأَ مِنَ الجِنّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ ؛ فهم هؤلاء الذين كانوا
صُرفوا إليه بنخلة ، وأقام بنخلة أيّاماً ، فقال له زيد بن حارثة : كيف
تدخل عليهم، يعني قريشاً، وهم أخرجوك؟ فقال: يَا زَيْدُ إنّ اللّهَ
جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرَجاً وَمَخْرَجاً وَإنّ اللّهَ نَاصِرُ دِينِهِ وَمُظْهِرُ
نَبِيّةِ ، ثمّ انتهى إلى حراء، فأرسل رجلاً من خزاعة إلى مطعم بن عديّ :
أدْخُلُ في جِوَارِكَ ؟ فقال: نعم ، ودعا بنيه وقومه فقال: تلبّوا السلاح
وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمّداً ، فدخل رسول الله، صلّى
الله عليه وسلّم ، ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام ، فقام
مُطعم بن عديّ على راحلته فنادى : يا معشر قريش إني قد أجرتُ محمّداً
فلا يَهِجْه أحد منكم ، فانتهى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، إلى الركن
فاستلمه وصلّى ركعتين وانصرف إلى بيته ، ومطعم بن عديّ وولده
مطيفون به .
٢١٢

ذكر المعراج وفرض الصلوات
أخبرنا محمد بن عمر عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة وغيره
من رجاله قالوا : كان رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، يسأل ربّه أن يربه
الجنّة والنّار ، فلمّا كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل
الهجرة بثمانية عشر شهراً ، ورسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، نائم في بيته
ظهراً ، أتاه جبريل وميكائيل فقالا : انطلق إلى ما سألت اللّه، فانطلقا به إلى
ما بين المقام وزمزم ، فأُتي بالمعراج فإذا هو أحسن شيء منظراً ، فعرجا به
إلى السماوات سماءً سماءً ، فلقي فيها الأنبياء ، وانتهى إلى سدرة المنتهى ،
وأري الجنّة والنّار، قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: وَلَمَا انْتَهَيْتُ
إلى السّمَاءِ السَّابِعَةِ لَمْ أَسْمَعْ إلاّ صَرِيفَ الأقْلامِ؛ وَفُرِضَت عليه
الصلوات الخمس ، ونزل جبريل ، عليه السلام ، فصلّى برسول الله، صلّى
الله عليه وسلّم ، الصلوات في مواقيتها .
ذ کر ليلة أسري برسول الله ، صلى
الله عليه وسلم ، إلى بيت المقدس
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال : حدّثني أسامة بن زيد الليّي عن
عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدّه قال : وحدّثني موسى بن يعقوب الزمعيّ
عن أبيه عن جدّه عن أمّ سلمة ، قال موسى : وحدّثني أبو الأسود عن عُروة
عن عائشة ، قال محمّد بن عمر : وحدّثني إسحاق بن حازم عن وهب بن
كيسان عن أبي مرة مولى عقيل عن أمّ هانىء ابنة أبي طالب ، وحدّثني عبد
اللّه بن جعفر عن زكريّاء بن عمرو عن ابن أبي مليكة عن ابن عبّاس،
٢١٣

وغيرهم أيضاً قد حدّثني ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض ، قالوا :
أُسري برسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، ليلة سبع عشرة من شهر ربيع
الأوّل قبل الهجرة بسنة ، من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس ، قال رسول
الله، صلّى الله عليه وسلّم: حُمِلْتُ عَلَى دَابّةٍ بَيْضَاءَ بَيْنَ الحِمَارِ
وَبَيْنَ الْبَغْلَةِ فِي فَخِذَيْهَا جَنَاحَانِ تَحْفِزُ بِهِمَا رِجْلَيْهَا، فَلَمَا
دَنَوْتُ لِأَرْكَبَهَا شَمَسَتْ فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى مَعْرَفَتِهَا ثُمّ
قَالَ: ألا تَسْتَحْيِينَ يَا بُرَاقُ مِمّا تَصْنَعِينَ؟ وَاللّهِ مَا رَكِبَ عَلَيْكِ
عَبْدٌ لِلّهِ قَبْلَ مُحَمّدٍ أَكْرَمُ عَلَى اللّهِ مِنْهُ! فَاسْتَحْيَتْ حَتَّى
ارْفَضّتْ عَرَقاً ثُمّ قَرَتْ حَتّى رَكِبْتُهَا فَعَمِلَتْ بِأُذُنَيْهَا وَقُبِضَتِ
الأرْضُ حَتّى كَانَ مُنْتَهَى وَقْعِ حَافِرِهَا طَرَفُهَا وَكَانَتْ طَوِيلَةَ
الظّهْرِ طَوِيلَةَ الْأُذُنَيْنِ، وَخَرَجَ مَعِي جِبْزِيلُ لا يَفُوتُنِي وَلا أفُوتُهُ
حَتّى انْتَهَى بي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَانْتَهَى البُرَاقُ إلى مَوْقِفِهِ
الّذِي كَانَ يَقِفُ فَرَبَطَهُ فِيهِ ، وكان مربط الأنبياء قبل رسول اللّه ،
صلّى الله عليه وسلّم، قال: وَرَأيْتُ الْأنْبِيَاءَ جُمِعُوا لي فَرَ أيْتُ إِبْرَاهِيمَ
وَمُوسَى وَعِيسَىَ فَظَنَنْتُ أَنْهُ لا بُدّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ إِمَامٌ
فَقَدّمَني جِبْرِيلُ حَتّى صَلّيْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَسَأَلْتُهُمْ فَقَالُوا :
بُعِثْنَا بالتّوْحِيدِ، وقال بعضهم: فُقد النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم ، تلك
الليلة فتفرّقت بنو عبد المطّلب يطلبونه ويلتمسونه ، وخرج العبّاس بن عبد
المطّلب حتى بلغ ذا طوّى فجعل يصرخ: يا محمّد يا محمّد ! فأجابه رسول
الله، صلّى الله عليه وسلّم: لَبّيْكَ! قال؛ يا ابن أخي عَنَّيْت قومك
منذ الليلة فأين كنت؟ قال: أتَيْتُ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ ، قال : في
ليلتك! قال: نَعَمْ ، قال : هل أصابك إلاّ خير ؟ قال: مَا أصَابَني
إلاّ خَبْرٌ، وقالت أمّ هانىء ابنة أبي طالب: ما أُسري به إلاّ من بيتنا ،
نام عندنا تلك الليلة صلّى العشاء ثمّ نام ، فلمّا كان قبل الفجر أنبهناه للصبح ،
٢١٤

فقام فلمّاً صلّى الصبح قال: يَا أمّ هَانىء لَقَدْ صَلّيْتُ مَعَكُمُ العِشَاءُ
كَمَا رَأيْتِ بهَذا الوَادِي ثُمّ قَدْ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَيْتُ
فِيهِ ثُمَّ صَلّيْتُ الغَدَاةَ مَعَكُمْ، ثمّ قام ليخرج فقلتُ: لا تحدّث
هذا الناسَ فيكذبوك ويؤذوك، فقال: وَاللّهِ لَأحَدَّثَنّهُمْ، فأخبرهم ،
فتعجّبوا وقالوا : لم نسمع بمثل هذا قط! وقال رسول الله ، صلّى الله عليه
وسلّم، لجبريل: يَا جِبْرِيلُ إنّ قَوْمي لا يُصَدَّقُونَني، قَالَ: يُصَدَّقُكَ
أبُو بَكْرٍ وَهُوَ الصّدّيقُ، فَأَتَيْتُ نَاساً كَثِيراً كانوا قَدْ صَلّوا وَسَلّمُوا
وَقُمْتُ في الحِجْرِ فَخُيّلَ إليّ بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ
عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَمْ لِلْمَسْجِدِ
مِنْ بَابٍ؟ وَلَمْ أَكُنْ عَدَدْتُ أَبْوَابَهُ ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إلَيْهَا
وَأَعُدَّهَا بَاباً بَاباً وَأعلمُهُمْ وَأَخْبَرْتُهُمْ عَنْ عِيَرَاتٍ لَهُمْ فِي
الطّرِيقِ وَعَلامَلتِ فِيهَا فُوَجَدُوا ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرْتُهُمْ، وَأنزل الله.
عزّ وجلّ، عليه: وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتي أَرَيْنَاكَ إلاّ فِتْنَةً للنّاسِ :
قال : كانت رؤيا عين رآها بعينه .
أخبرنا حُجين بن المثنى، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة
عن عبد الله بن الفضيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه.
صلّى الله عليه وسلّم: لَقَدْ رَأيْتُني في الحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْألْنِي عَنْ
مَسْرَايَ فَسَأَلُوني عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أَثْبِتْهَا فَكُرِبْتُ
كَرْباً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطْ فَرَفَعَهُ الله إليّ أَنْظُرُ إلَيْهِ مَا يَسْألُوني
عَنْ شَيْءٍ إلاّ أنْبَأْتُهُمْ بِهِ. وَقَدْ رَأيْتُني في جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ
فَإِذَا مُوسَى قَائِمْ يُصَلّ فَإذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأنّهُ مِنْ رِجَالٍ
شَنُوءَةَ وَإِذَا عِيسَى بن مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلّ أقْرَبُ النّاسِ بِهِ شَبَهَاَ
عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودِ الثّقَفِي وَإذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلَّ أَشْبَهُ النّاسِ.
بِهِ صَاحِبُكُمْ، يعني نفسه، فَحَانَتِ الصّلاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمّا فَرَغْتُ
٢١٥

مِنَ الصّلاةِ قَالَ لي قَائِلٌ: يَا مُحَمّدُ هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النّارِ
فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَالتَّفَتّ إلَيْهِ فَبْدَ أني بِالسّلامِ
ذكر دعاء رسول الله، صلى الله عليه
وسلم ، قبائل العرب في المواسم
أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثّني أيّوب بن النعمان عن أبيه عن
عبد الله بن كعب بن مالك قال: وحدّثنا محمّد بن عبد اللّه عن الزهريّ
قال : وحد ثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رُومان ،
وغير هؤلاء أيضاً قد حدّثني ، قالوا : أقام رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ،
بمكّة ثلاث سنين من أوّل نبوّته مستخفياً ، ثمّ أعلن في الرابعة فدعا الناس
إلى الإسلام عشر سنين ، يُوافي المواسم كلّ عام يتّبع الحاجّ في منازلهم في
المواسم بعكاظ ومَجنّنّة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يُبَلّغَ
رسالات ربّه ولهم الجنّة ، فلا يجد أحداً ينصره ولا يجيبه ، حتى إنّه ليسأل
عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: بنا أيّهَا النّاسُ قُولُوا لا إلَهَ إلاّ
اللّهُ تُفْلِحُوا وَتَمْلِكُوا بِهَا العَرَبَ وَتَذِلّ لَكُمُ العَجَمُ وَإذا آمَنْتُمْ
كُنْتُمْ مُلُوكاً في الجَنّةِ، وأبو لهب وراءهُ يقول: لا تُطيعوه فإنّه صابىء
كاذب ، فيردّون على رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلّم، أقبح الردّ ،
ويؤذونه ويقولون : أسرتك وعشيرتك أعلمُ بك حيث لم يتبعوك ، ويكلّمونه
ويجادلونه ويكلمهم ويدعوهم إلى اللّه ويقول: اللّهُمّ لَوْ شِئْتَ لَمْ
يَكُونُوا هَكَذًا ، فكان من سُمّي لنا من القبائل الذين أتاهم رسول اللّهِ ،
صلّى الله عليه وسلّم ، ودعاهم وعرض نفسه عليهم : بنو عامر بن صعصعة ،
ومحارب بن خَصَفّة ، وفزارة ، وغسّان، ومُرّة ، وحنيفة، وسُلّيم.
٢١٦

وعبس ، وبنو نضر ، وبنو البكاء ، وكندة ، وكلب ، والحارث بن كعب ،
وعُذْرة ، والحضارمة ، فلم يستجب منهم أحد .
ذكر دعاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الأوس والخزرج
أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدثني نافع بن كثير عن عبد الرحمن
ابن القاسم بن محمّد عن أبيه عن عائشة قال : وحدثنا إسحاق بن إبراهيم
ابن أبي منصور عن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت عن أمّ سعد بنت سعد
ابن ربيع قال : وحدثنا داود بن عبد الرحمن العطار عن عبد اللّه بن عثمان
ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال : وحدّثنا هشام بن سعد عن زيد بن
أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطّاب قال : وحد ثني أسامة بن زيد بن أسلم عن
نافع اني محمّد قال : سمعتُ أبا هريرة قال: وحدثني عُبيد بن يحيّى عن
معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه عن جدّه قال: وحدثني محمّد بن صالح
عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد ، دخل حديث بعضهم في
حديث بعض ، قالوا : أقام رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، بمكّة ٠)
أقام يدعو القبائل إلى الله ويعرض نفسه عليهم كل سنة بمَجنّة وعكاظ
ومِنَّى أن يؤووه حتى يبلّغ رسالة ربّه ولهم الجنة . فليست قبيلة من العرب
تستجيب له ويُؤْذَى ويُشْتَم حتى أراد الله إظهار دينه ونصر نبيه وإنجاز
ما وعده ، فساقه إلى هذا الحيّ من الأنصار لما أراد الله به من الكرامة
فانتهى إلى نفر منهم وهم يحلقون رؤوسهم. فجلس إليهم فدعاهم إلى الله
وقرأ عليهم القرآن . فاستجابوا لله ولرسوله فأسرعوا وآمنوا وصدّقوا وآووا
ونصروا وواسَوْا ، وكانوا واللّه أطول الناس ألْسِنّةً . وأحدّهَم سيوفاً ،
فاختلف علينا في أوّل من أسلم من الأنصار وأجاب فذكروا الرجل بعينه .
٢١٧

وذكروا الرجلَيْنِ . وذكروا أنّه لم يكن أحد أوّل من الستّة ، وذكروا
أن أُوّل من أسلم ثمانية نفر، وكتَبْنَا كلّ ذلك، وذكروا أنّ أوّل مَن
أسلم من الأنصار أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس ، خرجا إلى مكّة
يتنافران إلى عتبة بن ربيعة فقال لهما : قد شغلنا هذا المُصَلّي عن كلّ شيءٍ ،
يزعم أنّه رسول اللّه ، قال : وكان أسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التّيهان
يتكلّمان بالتوحيد بيثرب ، فقال ذكوان بن عبد قيس لأسعد بن زرارة حين
سمع كلام عتبة : دُونك هذا دينك ، فقاما إلى رسول الله، صلّى الله عليه
وسلّم ، فعرض عليهما الإسلام فأسلما ثمّ رجعا إلى المدينة ، فلقي أسعد أبا
الهيثم بن التيهان فأخبره بإسلامه وذكر له قول رسول الله ، صلّى الله عليه
وسلّم ، وما دعا إليه ، فقال أبو الهيثم : فأنا أشهد معك أنّه رسول
اللّه ، وأسلم
ويقال : إن رافع بن مالك الزُّرَقيّ ومُعاذ بن عفراء خرجا إلى مكّسة
معتمرين فذُكر لهما أمر رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، فأتياه ، فعرض
عليهما الإسلام فأسلما ، فكانا أوّل من أسلم ، وقدما المدينة ، فأوّل مسجد
قرىء فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زريق
ويقال: إنّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، خرج من مكة فمرّ
على نفر من أهل يثرب نُزُولٍ بمنّ ثمانية نفر ، منهم: من بني النّجّار
معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة ، ومن بني زريق رافع بن مالك وذَكوان
ابن عبد قيس ، ومن بني سالم عبادة بن الصامت وأبو عبد الرحمن يزيد بن
ثعلبة ، ومن بني عبد الأشهل أبو الهيثم بن التّيّهان حليف لهم من بليّ ، ومن
بني عمرو بن عوف عويم بن ساعدة ، فعرض عليهم رسول الله ، صلّى الله
عليه وسلّم ، الإسلام فأسلموا ، وقال لهم رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم :
تَمْتَعُونَ لي ظَهْرِي حَتّى أَبَلّغَ رِسَالَةَ ربّي ؟ فقالوا: يا رسول الله
نحن مجتهدون لله ولرسوله، نحن، فاعلمْ، أعداءٌ متباغضون، وإنّما كانت
٢١٨

وقعة بُعاث ، عام الأوّل، يوم من أيّامنا اقتتلنا فيه فإن تَقْدَمْ ونحن كذا
لا يكون لنا عليك اجتماع ، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعلّ اللّه يُصْلح
ذات بيننا ، وموعدك الموسم العام المقبل.
ويقال : خرج رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، في الموسم الذي
لقي فيه الستّة النّفر من الأنصار ، فوقف عليهم فقال : أحُلَفَاءَ يَهُود ؟
قالوا : نعم ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن
فأسلموا ، وهم : من بني النجّار أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث بن
عفراء ، ومن بني زريق رافع بن مالك ، ومن بني سلمة قُطبة بن عامر بن
جديدة، ومن بني حرام بن كعب عقبة بن عامر بن نابىء ، ومن بي
عُبيد بن عديّ بن سلمة جابر بن عبد الله بن رِئاب ، لم يكن قبلهم أحد ؛
قال محمّد بن عمر: هذا عندنا أثبت ما سمعنا فيهم وهو المُجْتَمَعُ
علیه
أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدثني زكريّاء بن زيد عن أبيه قال :
هؤلاء الستّة فيهم أبو الهيثم بن التيهان، ثمّ رجع الحديث إلى الأوّل،
قالوا : ثمّ قدموا إلى المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام فأسلم من أسلم ، ولم
يبقَ دار من دور الأنصار إلاّ فيها ذكْرٌ من رسول الله، صلّى الله عليه
وسلّم كثيراً
ذكر العقبة الأولى الاثني عشر
ليس فيهم عندنا اختلاف ، أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثّي محمّد
ابن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال : وحدّثنا
يونس بن محمّد الظّفَريّ عن أبيه قال : وحدثني عبد الحميد بن جعفر عن
٢١٩

أبيه وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الرحمن بن عُسَيْلَة
الصُّناجي عن عبادة بن الصامت قالوا : لما كان العام المقبل من العام الذي
لقي فيه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، النفر الستّة لقيه اثنا عشر رجلاً
بعد ذلك بعام ، وهي العقبة الأولى ، من بي النّجّار أسعد بن زرارة ، وعَوْف
ومُعاذ وهما ابنا الحارث ، وهما ابنا عَفْراء ، ومن بني زريق ذكوان بن
عبد قيس ورافع بن مالك ، ومن بني عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت
ويزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن ، ومن بني عامر بن عوف عبّاس بن عُبادة
ابن نَضْلة ، ومن بني سلمة عُقْبة بن عامر بن نابى ، ومن بني سواد قُطْبة
ابن عامر بن حديدة ، فهؤلاء عشرة من الخزرج ، ومن الأوس رجلان أبو
الهيثم بن التّيّهان من بليّ حليفٌ في بني عبد الأشهل ، ومن بني عمرو بن عوف
عُويم بن ساعدة ، فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء ، على أن لا نُشرك بالله
شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتيّ بيُهتان نفتريه بين أيدينا
وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، قال: فَإِنْ وَفّيْتُمْ فَلَكُمُ الجَنّةُ
وَمَنْ غَشِيَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً كَانَ أَمْرُهُ إلى اللّهِ إِنْ شَاءَ عَذِّبَهُ
وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، ولم يُفرض يومئذ القتال، ثمّ انصرفوا إلى المدينة
فأظهر اللّه الإسلام، وكان أسعد بن زرارة يُجَمَعُ بالمدينة بمن أسلم
وكتبت الأوس والخزرج إلى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم : ابعث إلينا
مقرئاً يُقرئنا القرآن ، فبعث إليهم مصعب بن عمير العَبْدَريّ فنزل على
أسعد بن زرارة فكان يقرئهم القرآن ، فروى بعضهم أن مصعباً كان يُجَمّع
بهم ثمّ خرج مع السبعين حتى وافوا الموسم مع رسول الله، صلّى الله
عليه وسلّم .
٢٢٠