النص المفهرس

صفحات 81-100

وقالت الشفاء بنت هاشم ترتي أباها :
واسفحي الدمعَ الجواد الكريم
عَيْنِ جُودي بِعَبَرَةٍ وَسُجُومِ
لأبيكِ المسَوَّدِ الْمَعْلومِ
· عينٍ واسْتُعبري وَسُحِّي وَجُمّي
وَرَبِيعٍ لِلْمُجْتَدِينَ وَحِرْزٍ
وذي الباعِ والندى والصّميمِ
هاشمِ الخيرِ ذي الجلالةِ والمَجْدِ
ولَزازٍ لكلّ أمْرٍ عَظِيمِ
شامخُ البيتِ مِن سَرَاةِ الأديمِ
شِمَّرِيٍ نَماهُ للعِزّ صَقْرٌ
أرْبجيٍ مِثْلِ القَنَاةِ وَسَيمٍ
شيْظَمِيُّ مُهَذَّبٍ ذِي فُضُولِ
باسقِ المجدِ مَضْرَحِيٌّ حَليم
غالِبِيّ سَمَيْدَعٍ أحْوَذِيّ
ماجد الجدّ غیرِ نِکس ذميم
صادقِ النّاسِ فِي المَوَاطِنِ شِهْمٍ
ذكر عبد المطلب بن هاشم
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال : كان المطلب بن عبد مناف
ابن قُصيّ أكبر من هاشم ومن عبد شمس ، وهو الذي عقد الحلف لقريش
من النّجاشيّ في متجرها ، وكان شريفاً في قومه مطاعاً سيّداً ، وكانت
قريْش تسمّه الفَيْضَ لسماحته ، فولي بعْد هاشم السّقاية والرّفادة ؛
وقال في ذلك :
بما قدْ فَعَلْنا ولم نُؤْمَرٍ
أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَي هاشِمٍ
م إذْ تُرِكَ المجدُّ لمْ يُؤْثَرِ
أَقَمْنَا لِنَسْقِي حَجِيجَ الحَرَا
كَأنّهُمُ بَقَرٌ تُحْشَر
نَسُوقُ الحَجِيجَ لْأبْيَاتنَا
٦-١
٨١

قال : وقدم ثابت بن المنذر بن حرام ، وهو أبو حسّان بن ثابت الشاعر ؟
مكة معتمراً فلقي المطّلب وكان له خليلاً ، فقال له : لو رأيت ابن أخيك
شيبة فينا لرأيت جمالاً وهيبة وشرفاً ، لقد نظرت إليه وهو يناضل فتْياناً
من أخواله فيُدخل مِرْماتَّه جميعاً في مثل راحتي هذه ويقول كلما خَسَقَ :
أنا ابن عَمْرٍو العُلى ، فقال المُطلب : لا أُمسي حتى أخرج إليه فأقدم به ،
فقال ثابت : ما أرى سلمى تدفعه إليك ولا أخواله ، هم أضَنّ به من ذلك
وما عليك أن تَدَعَه فيكون في أخواله حتى يكون هو الذي يقدم عليك إلى ما
ههنا راغباً فيك ، فقال المطّلب : يا أبا أوس ما كنْتُ لأدعه هناك ويترك
مآثر قومه وَسِطَتّه ونسبه وشرفه في قومه ما قد علمت ، فخرج المطّلب فورد
المدينة فنزل في ناحية وجعل يسأل عنه حتى وجده يرمي في فتيانٍ من أخواله ،
فلمّا رآه عرف شبْه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمّه إليْه وكساه حُلّة يمانيّة
وأنشأ يقول :
عَرَفْتُ شَيْبَةَ وَالنّجَارُ قدْ حَقَلَتْ أبناؤها حوله بالنّبْلِ تَنْتَضِلُ
عرفْتُ أَجْلاده منّا وشيمتَهُ ففاضَ منّي عليه وابلٌ سَبَلُ
فأرسلت سلمى إلى المُطَلب فدعتْه إلى النّزول عليها ، فقال : شأني
أخفّ من ذلك، ما أريد أن أحُل عقدة حتى أقبض ابن أخي وأُلحِقه ببلده
وقومه ، فقالت: لسْتُ بِمُرْسِلَتِه معك، وغلظت عليه ، فقال المطّلب:
لا تفعلي فإني غیر منصرف حتى أخرج به معي ، ابن أخي قد بلغ وهو غريب
في غير قومه ونحن أهلُ بيتٍ شرفُ قومِنا ، والمقام ببلده خير له من المقام .
ههنا وهو ابنكِ حيث كان، فلمّا رأت أنّه غير مُقَصّر حتى يخرج به
استنظرته ثلاثة أيام ، وتحوّل إليهم فنزل عندهم فأقام ثلاثاً ثمّ احتمله وانطلقا
جميعاً ، فأنشأ المطّلب يقول كما أنشدني هشام بن محمد عن أبيه :
٨٢
٠

أنَّ مِنْهُمْ وَابْنُهُمْ وَالخميسِ
أَبْلِغْ بِي النّجّارِ إِنْ جِئْتَهُمْ
هَوُوا لِقائِي وَأحَبّوا حَسيسي
رَأَيْتُهُمْ قَوْماً إذا جِئْتَهُمْ
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر، قال: ودخل به المطّلب
مكّة ظُهْراً ، فقالت قريش : هذا عبد المطّلب ، فقال : ويحكم ! إنّما
هو ابن أخي شيبة بن عمرو ، فلمّا رأوه قالوا : ابنه لعمري ! فلم يزل عبد
المطّلب مقيماً بمكّة حتى أدرك ، وخرج المطّلب بن عبد مناف تاجراً إلى
أرض اليمن فهلك برَدْمَانَ من أرض اليمن ، فولي عبد المطلب بن هاشم
بعده الرفادة والسّقاية ، فلم يزل ذلك بيده يطعم الحاجّ ويسقيهم في حياض
من أدَم بمكّة ، فلمّا سُقي زمزم ترك السقي في الحياض بمكّة وسقاهم من
زمزم حين حفرها ، وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم ، وكانت
زمزم سُقْيا من الله، أُتي في المنام مَرّات فأُمر بحفرها ووُصف له موضعها
فقيل له : احفر طَيْبَة ، قال : وما طيبة ؟ فلمّا كان الغد أتاه فقال : احفر
بَرّة ، قال : وما بَرّة ؟ فلمّا كان الغد أتاه وهو نائم في مَضْجَعِهِ ذلك
فقال: احفر المَضُّْونَة ، قال : وما المضونَة ؟ أبِنْ لي ما تقول ، قال :
فلمّا كان الغد أتاه فقال : احفر زمزم ، قال : وما زمزم ؟ قال: لا تُنْزَحُ
ولا تُذَمّ ، تَسْفي الحَجِيجَ الأعْظَم ، وهي بين الفَرْث والدم عِند
نُقْرَةِ الغُرابِ الأعْصم ؛ قال : وكان غراب أعْصم لا يبرح عند الذبائح
مكان الفرث والدم ؛ وهي شرب لك ولولدك من بعدك ، قال : فغدا عبد
المطّلب بِمِعْوَلَه وَمِسْحَاتِهِ معه ابنه الحارث بن عبد المطلب ، وليس له
يومئذٍ ولد غيره ، فجعل عبْد المُطلب يحفر بالمعْول ويغرف بالمسحاة في
المِكْتَل فيحمله الحارث فيلقيه خارجاً ، فحفر ثلاثةَ أيام ثمّ بَدا لَه الطّوِيّ
فكبّر وقال : هذا طويّ إسماعيل ، فعرفت قريش أنّه قد أدرك الماء فأتوه
فقالوا : أَشْرِكْنا فيه ، فقال: ما أنا بفاعل، هذا أمْرٌ خُصِصْتُ به دونكم
٨٣

فاجْعْلوا بيْنَنا وبيْنَكم مَن شِئْتُم أُحاكمْكم إليه ، قالوا : كاهنة بني سعد
هُديم ، وكانت بمُعان من أشراف الشأم ، فخرجوا إليها وخرج مع عبد
المطّلب عشرون رجلاً من بني عبد مناف، وخرجت قريْش بعشرين رجلاً
من قبائلها ، فلمّا كانوا بالفَقير من طريق الشأم أو حَذْوه فَنِيَ ماء القَوم
جميعاً فعطشوا فقالوا لعبد المطّلب : ما ترى ؟ فقال : هو الموت ، فليحفر
كلّ رجل منكم حُفرة لنفسه فكُلّما ماتَ رجُل دفنه أصحابه حتى يكون
آخرهم رجلاً واحداً فيموت ضِيعَةً أيْسَرُ من أن تموتوا جميعاً ، فحفروا
ثمّ قعدوا ينتظرون الموت، فقال عبد المطّلب: والله إنّ إلقاءنا بأيدينا هكذا
لَعَجْزٌ ، ألا نضرب في الأرض فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض هذه البلاد !
فارتحلوا ، وقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها ، فلمّا انبعثت به انفجر تحت
حُفّهَا عينُ ماءِ عَذْبٍ، فكبّر عبد المطلب وكبّر أصحابه وشربوا جميعاً،
ثمّ دعا القبائل من قريش فقال: هلموا إلى الماء الرّواء فقد سقانا الله، فشربوا
واستقوا وقالوا : قد قُضي لك علينا ، الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو
الذي سقاك زمزم ، فوالله لا نخاصمك فيها أبداً ! فرجعٍ ورجعوا معه ولم
يصلوا إلى الكاهنة وخلّوا بينه وبين زمزم .
قال : أخبرنا خالد بن خداش ، أخبرنا معتمر بن سليمان التيميّ قال :
سمعتُ أبي يحدّث عن أبي مِجْلز: أن عبد المُطْلب أُني في المنام فقيل له :
احتفِرْ ، فقال : أين ؟ فقيل له : مكان كذا وكذا ، فلم يحتفر ، فأُتي فقيل
له : احتفِرْ عند الفرث عند النمل عند مجلس خزاعة ونحوه ، فاحتفر ، فوجد
غزالاً وسلاحاً وأظفاراً ، فقال قومه لما رأوا الغنيمة : كأنهم يريدون أن
يغازوه ، قال : فعند ذلك نذر لئن وُلد له عشرة لينحرنّ أحدهم ، فلمّا
ولد له عشرة وأراد ذبح عبد اللّه منعتْه بنو زُهرة وقالوا : أقرع بينه وبين
كذا وكذا من الإبل ، وإنّه أقرع فوقعت عليه سبع مرات وعلى الإبل مرة ،
قال : لا أدري السبع عن أبي مجلز أم لا ؟ ثمّ صار من أمره أن ترك ابْنه
٨٤

ونحر الإبل .
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمّد بن عمر، قال: وكانت جُرْهُم
حين أحسّوا بالخروج من مكّة دفنوا غزالين وسبعة أسياف قلعيّة وخمسة
أدراع سوابغ فاستخرجها عبد المطلب ، وكان يَتَأَلَّهُ ويعظّم الظّلم والفجور ،
فضرب الغزالين صفائح في وجه الكعبة ، وكانا من ذهب ، وعلّق الأسياف
على البابّين يُريد أن يُحْرز به خزانةَ الكعبة، وجعل المِفْتاح والقفل
من ذهب .
وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال :
كان الغزال لجُرْهم ، فلمّا حفر عبد المطّلب زمزم استخرج الغزال وسيوفاً
قلعيّة فضرب عليها بالقداح فخرجت للكعبة فجعل صفائح الذهب على باب
الكعبة ، فغدا عليه ثلاثة نفر من قريْش فسرقوه .
قال : وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ عن أبيه وعَنْ عَبْد
المجيد بن أبي عَبْس وأبي المقوّم وغيرهم قالوا : وكان عبد المطّلب أحسن
قريْش وجهاً وأمدّه جسماً وأحلمه حلماً وأجوده كفّاً وأبْعد النّاس من كلّ
موبقة تُفسد الرجال ، ولم يره ملك قطّ إلاّ أكرمه وشفّعه ، وكان سيّد قريش
حتى هلك ، فأتاه نفرٌ من خزاعة فقالوا : نحن قوم متجاورون في الدار ،
هلمّ فلنحالفك ، فأجابهم إلى ذلك وأقبل عبد المطّلب في سبعة نفر من بني
عبد المطّلب والأرقم بن نضلة بن هاشم والضحّاك وعمرو ابْنَيْ أبي صَيْفِيّ
ابن هاشم ، ولم يحضره أحد من بني عبد شمس ولا نوفل ، فدخلوا دار النّدوة
فتحالفوا فيها على التّناصر والمواساة وكتبوا بينهم كتاباً وعلّقوه في الكعبة ؛
وقال عبدُ المطَّب في ذلك :
بإمْساكِ ما بيني وبين بني عَمْرٍو
سَأُوصي زُبَيْراً إِنْ تَوَافَتْ مَنْيّي
ولا يُلحدَن فيه بظلمَ وَلَا غَدْرِ
وأن يحفّظ الحلْفَ الذي سَنّ شیخُهُ
٨٥

همُ حفِظوا الإلّ القديم وحالفوا أباك فكانوا دون قومك من فِهْرِ
قال : فأوصى عبد المطّلب إلى ابنه الزّبير بن عبد المطلب ، وأوصى
الزبير إلى أبي طالب ، وأوصى أبو طالب إلى العبّاس بن عبد المطلب.
قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب قال : حدّثني محمّد بن عبد
الرحمن الأنصاري عن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مَخْرَمَة
الزهريّ عن أبيه عن جدّه قال: كان عبد المطّلب إذا ورد اليمن نزل على
عظيم من عُظماء حِمْيَرَ ، فنزل عليه مرّة من المَرّ فوجد عنده رجلاً من
أهل اليمن قد أُمهل له في العمر ، وقد قرأ الكتب ، فقال له : يا عبد المطّلب !
تأذن لي أن أفتّش مكاناً منك ؟ قال : ليس كلّ مكان مني آذن لك في تفتيشه ، .
قال : إنّما هو مَنْخِرَاكَ ، قال : فدونك ، قال : فنظر إلى يار ، وهو
الشعر في منخريه ، فقال : أرى نبوة وأرى مُلْكاً ، وأرى أحدهما في بني
زُهرة ، فرجع عبد المطلب فتزوّج هالة بنت وُهيب بن عبد مناف بن زهرة
وزوّج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فولدت محمّداً ،
صلى الله عليه وسلّم ، فجعل الله في بني عبد المطلب النبوّة والخلافة، واللّه
أعلم حیث وضع ذلك .
قال : أخبرنا هشام بن محمد قال : حدّثّني أبي ، قال هشام : وأخبر ني
رجل من أهل المدينة عن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مَخْرَمَة عن
أبيه قالا : كان أوّل مَن خَضَبَ بالوَسِمَة من قريش بمكة عبد الملك بن
هاشم ، فكان إذا ورد اليمن نزل على عظيم من عُظماءِ حِمْيَر فقال له :
يا عبد المطلب ! هل لك أن تغيّر هذا البياض فتعود شاباً؟ قال : ذاك إليك ،
قال : فأمر به فخُضِبَ بحنّاء ، ثمّ عُلّي بالوَسِمة ، فقال له عبد المطّلب:
زَوّدنا من هذا ، فزوّده فأكثر ، فدخل مكّة ليلاً ثمّ خرج عليهم بالغداة
كأنّ شعره حَلَك الغراب، فقالت له نُتَيْلَة بنت جناب بن كُليب أم
٨٦

العبّاس بن عبد المطّلب : يا شيبة الحمد ! لو دام هذا لك كان حسناً ، فقال
عبد المطلب :
لوْ دام لي هذا السّوادُ حَمِدْتُهُ فكان بديلاً مِن شَبَابِ قَدِ انصَرَمُ
تَمَتّعْتُ مِنْهُ وَالحَيَاةُ قَصيرَةٌ ولا بدّ من موتٍ، نُتَيْلَةُ، أَوْ هَرّم
ونعْمتُهُ ، يَوْماً إذا عَرْشُهُ انْهَدَم
وماذا الذي يُجدي على المَرْءِ خَفْضُه
فموتٌ جَهِيزٌ عاجلٌ لا شَوَى لَهُ أحبّ إليّ مِن مقالِهِمُ حَكَمْ
قال : فَخَضَبَ أهلُ مكّة بالسواد .
قال : وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال : أخبرني
رجل من بني كنانة يقال له ابن أبي صالح ورجل من أهل الرقّة مولى لبني
أسد وكان عالماً قالا : تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أميّة إلى النّجاشيّ
الحبشيّ فأبى أن ينفّر بينهما ، فجعلا بينهما نُفيل بن عبد العُزّى بن رباح
ابن عبد الله بن قُرط بن رزاح بن عدي بن كعب ، فقال لحرب : يا أبا
عمرو أتنافر رجلاً هو أطول منك قامة ، وأعظم منك هامة ، وأوسم منك
وسامة ، وأقلّ منك لامة ، وأكثر منك ولداً، وأجزل منك صَفّداً ، وأطول
منك مذْوداً ؟ فنفّرّه عليه ، فقال حرب : إن من انتكاث الزّمان أن جعلناك
حكماً .
قال : وأخبرنا هشام بن محمّد عن أبيه قال : كان عبد المطّلب نديماً
لحرب بن أميّة حتى تنافرا إلى نُفيل بن عبد العزّى جدّ عمر بن الخطّاب ،
فلمّا نفر نُفيل عبد المطّلب تفرّقا ، فصار حرب نديماً لعبد الله بن
جُدْعان .
قال : أخبرنا هشام بن محمد عن أبي مسكين قال : كان لعبد المطلب
ابن هاشم ماء بالطائف يقال له ذو الهَرِم وكان في يدي ثقيف دهراً ثمّ طلبه
٨٧

عبد المطلب منهم ، فأبوا عليه ، وكان صاحب أمر ثقيف جندب بن الحارث
ابن حُبيّب بن الحارث بن مالك بن حُطيط بن جُشتم بن ثقيف ، فأبى عليه
وخاصمه فيه ، فدعاهما ذلك إلى المنافرة إلى الكاهن العذريّ ، وكان يقال
له عُزّى سَلَمَة ، وكان بالشأم ، فتنافرا على إبل سموها ، فخرج عبد
المطّلب في نفر من قريش ومعه ابنه الحارث ، ولا ولد له يومئذ غيره ، وخرج
جُنْدُب في نفر من ثقيف ، فَنَقِد ماء عبد المطّلب وأصحابه ، فطلبوا إلى
الثقفيّين أن يسقوهم ، فأبوا ، ففجّر الله لهم عيناً من تحت جران بعير عبد
المطّلب، فحمد الله، عزّ وجلّ، وعلم أنّ ذلك منّة ، فشربوا ريّهم
وحملوا حاجتهم ، ونفد ماء الثقفيّين فبعثوا إلى عبد المطّلب يستسقونه فسقاهم ،
وأتوا الكاهن فنفّر عبد المطلب عليهم ، فأخذ عبد المطّلب الإبل فنحرها ،
وأخذ ذا الهرم ورجع وقد فضّله عليه وفضّل قومه على قومه .
ذكر نذر عبد المطلب أن ينحر ابنه
قال : أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي ، أخبرنا محمد بن عبد
الله عن الزهريّ عن قبيصة بن ذؤيب عن ابن عبّاس؛ قال الواقديّ: وحدّثنا
أبو بكر بن أبي سَبْرَة عن شيبة بن نِصاح عن الأعرج عن محمّد بن ربيعة
ابن الحارث وغيرهم ، قالوا : لما رأى عبد المطّلب قلّة أعوانه في حفر زمزم ،
وإنّما كان يحفر وحده وابنه الحارث هو بِكره ، نَذَر لَئِن أكَل
الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم ، فلمّا تكاملوا عشرة ،
فهُم : الحارث والزّبير وأبو طالب وعبد الله وحمزة وأبو لهب والغيداق
والمقوّم وضِرار والعبّاس، جمعهم ثمّ أخبرهم بِنَذْره وَدَعاهُمْ إلى الوفاء
اللّه به ، فما اختلف عليه منهم أحد وقالوا : أوفِ بنَذَرك وافعل ما شِئْتَ ،
٨٨

فقال : ليكتب كل رجل منكم اسمه في قدحه ، ففعلوا ، فدخل عبد المطلب
في جوف الكعبة وقال للسّادن : اضرب بقداحهم ، فضرب ، فخرج قدح
عبد الله أوّلها ، وكان عبد المطّلب يحبّه، فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه
المدية، فبكى بنات عبد المطلب، وكنّ قياماً، وقالت إحداهنّ لأبيها:
أعْذِرِ فيه بأن تضرب في إبلك السوائم التي في الحرم ، فقال للسادن : اضرب
عليه بالقداح وعلى عشر من الإبل ، وكانت الدية يومئذ عشراً من الإبل ،
فضرب ، فخرج القدح على عبد الله، فجعل يزيد عشراً عشراً، كلّ ذلك
يخرج القدح على عبد اللّه حتى كملت المائة ، فضرب بالقداح فخرج على الإبل ،
فكبّر عبد المطّلب والنّاس معه، واحتمل بنات عبد المطلب أخاهن" عبد الله،
وقدّم عبد المطلب الإبل فنحرها بين الصفا والمروة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّي سعيد بن مسلم عن يعلى بن
مسلم عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس قال: لما نحرها عبد المطّلب خلّى
بينها وبين كلّ مَن وردها من إنْسِيّ أو سَبُع أو طائر لا يذُّبَ عنها أحداً
ولم يأكل منها هو ولا أحد من ولده شيئاً .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني عبد الرحمن بن الحارث
عن عكرمة عن ابن عبّاس قال : كانت الدية يومئذ عشراً من الإبل ، وعبد
المطّلب أوّل مَن سَنّ دية النّفس مائة من الإبل، فجرت في قريش والعرب
مائة من الإبل، وأقَرّهَا رسولُ الله، صلّى اللهُ عليْهُ وسَلّم، على
ما كانت عليه .
قال : أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ قال : حدّثني الوليد
ابن عبد الله بن جميع الزهريّ عن ابن لعبد الرحمن بن مَوْهَب بن رباح
الأشعري حليف بني زُهرة عن أبيه قال : حدّني مَخْرَمَة بن نوفل الزهريّ
قال : سمعتُ أمّي رُقَيْقة بنت أبي صيفيّ بن هاشم بن عبد مناف تحدّث ،
وكانت لدَةَ عبد المطلب، قالت: تتابعتْ على قريش سنون ذهبن بالأموال
٨٩

وأشفين على الأنفس ، قالت : فسمعتُ قائلاً يقول في المنام : يا معشر قريش !
إنّ هذا النبيّ المبعوث منكم، وهذا إبّان خروجه، وبه يأتيكم الحَيّا
والخِصْبُ ، فانظروا رجُلاً من أوسطكم نسباً طُوالاً عُظاماً أبيض مقرون
الحاجبين أهدب الأشفار جَعْداً سَهْلَ الحَدّيْن رقيق العِرْنِين، فليخرج
هو وجميع ولده ، وليخرج منكم من كلّ بطن رجل ، فتطهّروا وتطيّبوا
ثمّ استلِمِوا الرّكن، ثمّ ارْقَوْا رأس أبي قُبيس، ثمّ يتقدّم هذا الرجل
فيستسقي وتُؤمنون فإنّكم سَتُقَون ، فأصبحت فقصّت رؤياها عليهم ،
فنظروا فوجدوا هذه الصّفة صفة عبد المطلب ، فاجتمعوا إليه ، وخرج من
كلّ بطن منهم رجل، ففعلوا ما أمرتهم به، ثمّ عَلَوْا على أبي قُبَيْس ومعهم
النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، وهو غُلام، فتقدّم عبدُ المطّلب وقال:
لاهُمّ هؤلاء عَبيدك وبنو عبيدك ، وإماؤك وبنات إمائك ، وقد نزل بنا
ما ترى ، وتتابعتْ علينا هذه السّنون فذهبت بالظّف والحُفّ وأشْفتْ
على الأنْفُس ، فأذهِبْ عنّا الجَدْب وائتنا بالحيا والخِصْب ! فما برحوا
حتى سالت الأودية ، وبرسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، سُقُوا؛ فقالت
رُقَيّقة بنت أبي صيْفيّ بن هشام بن عبد مناف:
وقَدْ فَقَدْنَا الحَيَا واجْلَوْذَ المطرُ
بِشَيْبَةِ الحَمْدِ أسْقَى اللّهُ بَلْدَتَنَا
دَانٍ فعاشَتْ بهِ الأنعام والشّجَرُّ
فَجَادَ بالماءِ جَوْنِيٌّ له سَبَلْ
وخيرٍ مَنْ بُشْرَتْ يوماً بِهِ مُضَرُ
مَنّاً منَ اللّهِ بالميمونِ طائره
ما في الأنامِ لهُ عِدْلٌ ولا خَطَرُ
مبارَكِ الأمْرِ يُسْتَسْقَى الغَمامُ بِهِ
قال : أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي ، أخبرنا عبد الله بن
عثمان بن أبي سليمان عن أبيه قال : وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن البَيْلماني
عن أبيه قال : وحدّثنا عبد اللّه بن عمرو بن زهير الكعبي عن أبي مالك
٩٠
١

الحِمْيَري عن عطاء بن يَسَار قال : وحدّثنا محمد بن سعيد الثقفي عن يعلى
ابن عطاء عن وكيع بن عُدُّس عن عمه أبي رَزين العُقَيْلي قال : وحدّثنا
سعید بن مسلم عن عبد الله بن کثیر عن مجاهد عن ابن عباس ، دخل حديث
بعضهم في حديث بعض ، قالوا : كان النجاشي قد وجّه أرياط أبا أصحم
في أربعة آلاف إلى اليمن فأداخها وغلب عليها فأعطى الملوك واستذلّ الفقراء ،
فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكسوم فدعا إلى طاعته فأجابوه ،
فقتل أرياط وغلب على اليمن ، فرأى الناس يتجهّزون أيّام الموسم للحجّ
إلى بيت الله الحرام ، فسأل : أين يذهب الناس؟ فقال: يحجّون إلى بيت الله
بمكّة ، قال : ممّ هو ؟ قالوا : من حجارة ، قال : وما كِسْوَتَه ؟ قالوا :
ما يأتي من ههنا، الوصائل، قال: والمسيحِ لأبْنِيَنّ لكم خيراً منْه !
فبنى لهم بيتاً عمله بالرّخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود وحلاّه بالذهب
والفضّة، وحفّه بالجوهر ، وجعل له أبواباً عليها صفائح الذّهّب ، ومسامير
الذهب ، وفصّل بينها بالجوهر ، وجعل فيها ياقوتة حمْراء عظيمة وجعل
له حجاباً ، وكان يوقد فيه بالمَنْدليّ، ويلطّخ جُدُرَهُ بالمسْك فيسودٌ حتى
يغيب الجوهر ، وأمر النّاس فحجّوه ، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين ،
ومكث فيه رجال يتعبّدون ويتألهون ونسكوا له ، وكان نُفَيْل الخثعميّ
يُوَرّضُ له ما يكره ، فأمهل ، فلمّا كان ليلة من الليالي لم يرَ أحداً يتحرك
فقام فجاء بِعَذِرَةٍ فلطّخ بها قبلتَه وجمع جِيفاً فألقاها فيه ، فأُخبر أبرهةُ
بذلك فغضب غضباً شديداً وقال : إنّما فعلت هذا العرب غضباً لبيتِهِمْ ،
لأنقضنّه حجراً حجراً ! وكتب إلى النّجاشيّ يخبره بذلك ويسأله أن يبعث
إليه بفيله محمود ، وكان فِيلاً لم يُرّ مثله في الأرض عظماً وجسماً وقُوّة ،
فبعث به إليه ، فلمّا قدم عليه الفيل سار أبرهةُ بالنّاس ومعه مَلِكُ حِمْيَر
ونُفَيْل بن حبيب الخثعميّ ، فلمّا دنّا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على
نَعَمِ النّاس، فأصابوا إبلاً لعبد المطلب، وكان نُفَيْل صديقاً لعبد المطلب
٩١

فكلّمه في إبله فكلم نفيلٌ أبْرهة فقال: أيّها الملِكُ قد أتاك سيّد العَرب
وأفضلهم وأعظمهم شرفاً يحمل على الجياد ويُعطي الأموال ويُطعم ما هبّت
الرّيح ، فأدخله على أبرهة ، فقال له : حاجتك ؟ قال : تردّ عليّ إيلي ؛
قال : ما أرى ما بلغني عنك إلاّ الغرور وقد ظننتُ أنّك تُكلّمني في بيتكم
هذا الذي هو شرفكم ! قال عبد المطّلب: ارددْ عليّ إلي ودونك والبيت
فإنّ له ربّاً سيمنعه! فأمر بردّ إبله عليه، فلمّا قبضها قلدها النّعال وأشعرها
وجعلها هَدْياً وبثّها في الحرمِ لكي يُصابّ منها شيء فيغضب ربّ الحرم، وأوفى
عبد المطلب على حِراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومُطْعِم بن
عديّ وأبو مسعود الثقفيّ فقال عبد المطلب:
لاهُمّ إنّ المرْءَ بمنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلالَكْ
غَدْواً مِحالَكْ
لا يَغْلِبَنْ صَلَيْبُهُمْ وَمَِحالُهُم
فأمْرٌ ما بدا لَكْ
إن كُنْتَ تَارِكَهُمْ وَقِبْلَتْنَا
قال : فأقبلت الطّيرُ من البحر أبابيل مع كلّ طائرٍ ثلاثة أحجار ،
حجران في رجليه ، وحجر في منقاره ، فقذفت الحجارة عليهم لا تصيب
شيئاً إلاَّ هشمتْه وإلاّ نَفِطَ ذلك الموضع، فكان ذلك أوّل ما كان الجُدَريّ
والحَصْبَة والأشجار المُرّة فأهمدنهم الحجارة وبعث اللّه سَيْلاً أنيّاً فذهب
بهم فألقاهم في البحر ، قال: وولّى أبرهة ومن بقي معه هُرّاباً ، فجعل
أبرهة يسقط عضواً عضواً ، وأمّا محمود الفيل، فيل النجاشيّ، فربض ولم
يشجع على الحرم فنجا ، وأمّا الفِيل الآخر فشجع فحُصب ، ويُقال : كانت
ثلاثة عشر فيلاً ، ونزل عبد المطلب من حراء فأقبل عليه رجلان من الحبشة
فقبّلا رأسه وقالا له : أنت كنت أعلم .
قال : أخبرنا هشام بن محمّد بن السّائب الكلبيّ عن أبيه قال: وَلَدَ
عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف اثني عشر رجلاً وستّ نسوة : الحارث ،
٩٢

وهو أكبر ولده وبه كان يكنّ ومات في حياة أبيه ، وأمّه صفيّة بنتُ
جُنيدب بن حُجير بن زبّاب بن حبيب بن سُؤاءَة بن عامر بن صعصعة ،
وعبدَ اللّه أبا رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، والزّبَيْرَ، وكان شاعِراً
شريفاً ، وإليه أوصى عبد المطلب ، وأبا طالب واسمه عبد مناف ، وعبدَ
الكعبة ، مات ولم يُعقِبْ، وأمّ حكيم ، وهي البيضاء ، وعاتكة ، وبرّة ،
وأميمَةَ ، وأَرْوَى ، وأمّهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم
ابن يَقَظَة بن مرة بن كعب بن لؤي ، وحمزة ، وهو أسد الله وأسد رسوله
شهد بدراً واستُشهد يوم أُحُد ، والمقوّم، وحَجْلاً واسمه المغيرة ، وصفية ،
وأمّهم هالة بنت وُهَيْب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ، وأمّها العَيّلة
بنت المطّلب بن عبد مناف بن قُصيّ، والعبّاسَ، وكان شريفاً عاقلاً مهيباً،
وضراراً ، وكان من فتيان قريش جمالاً وسخاءً ، ومات أيام أوحى الله إلى
النبي ، صلى الله عليه وسلّم ، ولا عَقِبَ له ، وقُثَمَ بن عبد المطّلب لا عقب
له ، وأمّهم نُتَيْلَة بنت جناب بن كُليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد
مناة بن عامر ، وهو الضّحْيان بن سعد بن الخزرج بن قيم اللّه بن النمر بن
قاسط بن هنب بن أفصى بن دُعْميّ بن جدیلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن
معدّ بن عدنان ، وأبا لهب بن عبد المطلب واسمه عبد العزّى ويكنى أبا عُتبة ،
كنّاه عبد المطّلب أبا لهب لحسنه وجماله، وكان جواداً، وأمّه ◌ُبْتى بنت
هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حُبْشِيّة بن سلول بن كعب بن عمرو
من خُزَاعَة ، وأمّها هند بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة ،
وأمّها السوداء بنت زهرة بن كلاب ، والغَيْداقَ بن عبد المُطلَب ، واسمه
مُصعب، وأمّه ممنّعة بنت عمرو بن مالك بن مؤمّل بن سوَيْد بن أسْعد
ابن مشنوء بن عبد بن حَبْتر بن عديّ بن سلول بن كعب بن عمرو من خزاعة ،
وأخوه لأمّه عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زُهرة أبو عَبد الرحمن
ابن عوف .
٩٣

قال الكلبيّ ؛ فلم يكن في العرب بنو أب مثل بني عبد المطلب أشرف
منهم ولا أجسم ، شُيّ العرانين ، تشرب أنوفهم قبل شفاههم ؛ وقال فيهم
قُرّة بن حَجْل بن عبد المطلب :
اعدُدْ ضِراراً إن عدَّدَتَ فتى نَدِّى واللّيثَ حَمْزَةَ واعدُدِ العبّاسا
وَالصّنْمَ حَجُلاً والفتى الرّأ آَسَا
واعدُدْ زُبَيْراً والمُقوّمَ بعدَه
وأبا عُتَيْبَةَ فاعْدُدَنْهُ ثامناً
والقرْمَ عبد مناف والحسّاسا
سادوا على رغم العدوّ النّاسا
والقرْمَ غَيْداقاً تَعُدّ جَحاجِحاً
والحارثَ الفيّاضَ وَلَّى ماجِداً أيام نازعه الهُمامُ الكاسَا
ما في الأنام عمومَةٌ كعمومتي خَيْراً ولا كأناسنا أُنّاسَاً
قال : فالعَقِب من بني عبد المطلب للعبّاس ، وأبي طالب ، والحارث ،
وأبي لهب ، وقد كان لحمزة ، والمقوّم، والزّبير، وحَجْل بني عبد المطلب
أولاد لأصلابهم فهلكوا والباقون لم يُعْقبوا ، وكان العدد من بني هاشم في -
بني الحارث ثم تحوّل إلى بني أبي طالب ثمّ صار في بني العبّاس.
ذكر تزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت
وهب أمّ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم
قال : حدّثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال : حدّثني عبد اللّه
ابن جعفر الزهريّ عن عمّته أمّ بكر بنت المِسْوَر بن مَخْرَمَة عن أبيها
قال : وحدّني عمر بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عَن يحيى بن
شبل عن أبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين قالا : كانت آمنة بنت وهب
٩٤

ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب في حجر عمّها وُهيب بن عبد مناف بن
زهرة ، فمشى إليه عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ بابنه عبد
الله بن عبد المطلب أبي رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، فخطب عليه
آمنة بنت وهب فزوّجها عبد الله بن عبد المطّلب، وخطب إليه عبد المطلب
ابن هاشم في مجلسه ذلك ابنته هالة بنت وُهيب على نفسه فزوّجه إيّاها ، فكان
تَزَوّجُ عبد المطلب بن هاشم وتزوّج عبد الله بن عبد المطلب في مجلس واحد ،
فولدت هالة بنت وهيب لعبد المطّلب حمزة بن عبد المطلب ، فكان حمزة
عمّ رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، في النّسب وأخاه من الرّضاعة.
قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ عن أبيه وعن أبي
الفيّاض الخثعميّ قالا: لمّا تزوّج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب
أقام عندها ثلاثاً ، وكانت تلك السُنّة عندهم إذا دخل الرّجل على امرأته
في أهلها .
ذكر المرأة التي عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطّلب
وقد اختلف علينا فيها ، فمنهم من يقول : كانت قُتيلة بنت نوفل
ابن أسد بن عبد العُزّى بن قُصيّ أخت ورقة بن نوفل ، ومنهم من يقول :
كانت فاطمة بنت مُرّ الخثعمية .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلميّ قال : حدثني محمّد
ابن عبد الله ابن أخي الزهريّ عن الزهريّ عن عُروة قال: وحدّثنا عُبيد الله
ابن محمد بن صفوان عن أبيه ، وحدّثنا إسحاق بن عبيد اللّه عن سعيد بن
محمد بن جُبير بن مطعم ، قالوا جميعاً : هي قُتيلة بنت نوفل أخت ورقة
ابن نوفل ، وكانت تنظر وتعتاف ، فمرّ بها عبد الله بن عبد المطّلب فدعتْه
٩٥

يستبضع منها ولزمت طرف ثوبه ، فأبى وقال : حتى آتِيَكِ، وخرج سريعاً.
حتى دخل على آمنة بنت وهب فوقع عليها ، فحملت برسول الله ، صلى الله
عليه وسلّم ، ثمّ رجع عبد الله بن عبد المطلب إلى المرأة فوجدها تنظره،
فقال : هل لك في الذي عرضت عليّ ؟ فقالت: لا ، مررتَ وفي وجهك
نور ساطع ثمّ رجعت وليس فيه ذلك النور . وقال بعضهم : قالت مررت
وبين عينيك غُرّة مثل غُرّة الفرس ورجعت وليس هي في وجهك .
قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ عن أبيه عن أبي صالح
عن ابن عبّاس أنّ المرأة التي عرضت على عبد الله بن عبد المطلب ما عرضت
امرأة من بني أسد بن عبد العزّى وهي أخت ورقة بن نوفل .
قال : وأخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ عن أبي الفيّاض
الخثعمي قال : مرّ عبد الله بن عبد المطلب بامرأة من خَشْعَم يُقال لها فاطِمة
بنت مُرّ ، وكانت من أجمل النّاس وأشَبّه وأعَفّه ، وكانت قد قرأت الكتب ،
وكان شباب قريش يتحدّثون إليها ، فرأت نور النبوّة في وجه عبد اللّه ،
"فقالت : يا فتى من أنت ؟ فأخبرها ، قالت : هل لك أن تقع عليّ وأعطيك
مائة من الإبل ؟ فنظر إليها وقال :
أمّا الحَرَامُ فالمَماتُ دونَه والحِلّ لا حِلّ فَأَسْتَبِينَه
فكيف بالأمر الذي تَنْوِينَه ؟
ثمّ مضى إلى امرأته آمنة بنت وهب، فكان معها، ثمّ ذكر الخثعمية
وجمالها وما عرضت عليه ، فأقبل إليها فلم يرّ منها من الإقبال عليه آخِرأ
كما رآه منْها أوّلاً ، فقال: هل لكٍ فيما قُلتِ لي ؟ فقالت : قد كان ذاك
مرّة فاليوم لا ، فذهبت مثلاً ؛ وقالت : أيّ شيء صنَعْتَ بعدي ؟ قال :
وقعتُ على زوجتي آمنة بنت وهب ، قالت : إنّي واللّه لسْتُ بصاحبة ريبة ،
ولكني رأيت نور النبوّة في وجهك فأردتُ أن يكون ذلك فيّ وأبى الله إلاّ أن
٩٦٠

يجعله حيث جعله ، وبلغ شباب قريش ما عرضت على عبد الله بن عبد المطلب
وتأبيه عليها ، فذكروا ذلك لها ، فأنشأت تقول :
إني رأيتُ مَخيلَةً عَرَضَتْ فتلألأَتْ بجناتِمِ القَطْرِ
فَلِمَائِهَاَ نُورٌ يضيءُ لَهُ مَا حَوْلَهُ كإضَاءةِ الفَجْرِ
ما كلّ قادحِ زَنْدِهِ يُورِي
وَرَأيْتُهُ شَرَفاً أَبُوءُ بِهِ
توْبيك ما استَلَبَتْ وَمَا تَدرِي
اللّهِ ما زُهْرِيّةٌ سَكَبَتْ
وقالت أيضاً :
أُمَيْنَةُ إذ للبَاهِ يَعْتَلِجَانِ
بني هاشم قد غادرت من أخيكُمُ
فَتَائِلُ قَد مِيثَتْ له بدِهانٍ
كما غادَرَ المصباحَ بَعَدَ خُبُوَّهِ
بحزم ولا ما فاته لتَّوَانٍ
وما كلّ ما يحوي الفتى من تلادهِ
سَيَكْفِيكَهُ جَدّانٍ يَصْطَرِ عَانٍ
فأجْمِلْ إذا طالَبتَ أمراً فإنّهُ
وَإِمّا يَدُّ مَبْسُوطَةٌ بَيَنَانِ
سيكفيكَهُ إمّا يَدِّ مُقْفَعِلَةٌ
نبَا بصري عنه وكَل" لساني
وَلَمّا قضَتْ منه أُمَيْنَةُ مَا قَضَتْ
قال : وأخبرنا وهب بن جرير بن حازم ، أخبرنا أبي قال : سمعتُ
أبا يزيد المدني قال : نُبّئتُ أن عبد الله أبا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم،
أتى على امرأة من خثعم فرأت بين عينيه نوراً ساطعاً إلى السماء فقالت : هل
لك فِيّ ؟ قال: نعم حتى أرمي الجمرة، فانطلق فرمى الجمرة، ثمّ أتى
امرأته آمنة بنت وهب ، ثمّ ذكر ، يعني الختعميّة ، فأتاها ، فقالت : هل
أتيت امرأة بعدي ؟ قال : نعم ، امرأتي آمنة بنت وهب ، قالت : فلا حاجة
لي فيك ، إنّك مررت وبين عينيك نور ساطع إلى السماء فلمّا وقعت عليها
ذهب ، فأخبرها أنّها قد حملت خير أهل الأرض .
٧-١
٩٧

ذكر حمل آمنة برسول الله، صلى الله عليه وسلم كثيراً
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي قال : حدّثّني عليّ بن
يزيد بن عبد الله بن وهب بن زَمْعَة عن أبيه عن عمّته قالت : كنّا نسمع
أن رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، لما حملت به آمنة بنت وهب كانت
تقول : ما شعرتُ أني حملت به ، ولا وجدت له ثقلةً كما تجد النساء ،
إلاّ أني قد أنكرت رفع حيضتي وربّما كانت ترفعني وتعود ، وأتاني آت
وأنا بين النائم واليقظان فقال : هل شعرت أنّكِ حملت ؟ فكأني أقول
ما أدري ، فقال : إنّك قد حملتِ بسيّد هذه الأمّة ونبيّها ، وذلك يوم
الاثنين، قالت : فكان ذلك ممّا يَقْنَ عندي الحملَ، ثمّ أمهلني حتى
إذا دنا ولادتي أتاني ذلك الآتي فقال : قولي أعيذه بالواحد الصّمَد من شرّ
كلّ حاسد، قالت : فكنتُ أقولُ ذلك ، فذكرت ذلك النسائي ، فقُلْن لي :
تعلّقي حديداً في عضُدَيْكِ وفي عنقكِ ، قالت : ففعلت ، قالت : فلم
يكن تُرِكَ عليّ إلاّ أيّاماً فأجده قد قُطع ، فكنت لا أتعلّقه .
قال : وأخبرنا محمّد بن عمر بن واقد قال : حدّثّني محمّد بن عبد اللّه
عن الزهريّ قال : قالت آمنة: لقد عَلَقْتُ به فما وجدتُ له مَشَقّةً
حتى وضعته .
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي ، أخبرنا همّام بن يحيّى عن
إسحاق بن عبد الله قال: قالت أمّ النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم: قد حملتُ
الأولادَ فما حملتْ سخلةٌ أثقلَ منه ، قال : قال محمّد بن عمر الأسلمي :
وهذا ممّا لا يُعرف عندنا ولا عند أهل العلم ، لم تلد آمنة بنت وهب ولا عبد
الله بن عبد المطّلب غير رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم.
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثّني قيس مولى عبد الواحد عن
سالم عَن أبي جعفر محمّد بن عليّ قال: أُمِرَتْ آمِنَةُ وهي حامل برسول
٩٨

الله، صلّى الله عليه وسلّم ، أن تسميه أحمد .
ذكر وفاة عبد الله بن عبد المطلب
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي ، أخبرنا موسى بن
عُبيدة الرّبّذي عن محمّد بن كعب قال: وحدّثنا سعيد بن أبي زيد عن أيّوب
ابن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قالا : خرج عبد الله بن عبد المطّلب إلى
الشأم إلى غزّة في عِير من عِيَرات قريش يحملون تجارات ، ففرغوا من
تجاراتهم ثمّ انصرفوا، فمرّوا بالمدينة وعبدُ الله بن عبد المطلب يومئذ مريض،
فقال : أنا أتخلّف عند أخوالي بني عديّ بن النجّار ، فأقام عندهم مريضاً
شهراً ، ومضى أصحابه فقدموا مكّة ، فسألهم عبد المطّلب عن عبد الله ،
فقالوا : خلّفناه عند أخواله بني عديّ بن النجّار وهو مريض ، فبعث إليه
عبد المطّلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي ودفن في دار النابغة ، وهو
رجل من بني عديّ بن النجّار ، في الدار التي إذا دخلتها فالدّويرة عن يسارك ،
وأخبره أخواله بمرضه ، وبقيامهم عليه ، وما ولوا من أمره ، وأنّهم قبروه ،
فرجع إلى أبيه فأخبره ، فَوَجِدَ عليه عبد المطّلب وإخوته وأخواته وجداً
شديداً؛ ورسولُ اللّه، صلّى الله عليه وسلّم، يومئذ حَمْل، ولعبد الله يوم
تُوفّي خمس وعشرون سنة .
قال محمّد بن عمر الواقديّ : هذا هو أثبت الأقاويل والرواية في وفاة
عبد الله بن عبد المطّلب وسنّه عندنا .
قال : وأخبرنا محمّد بن عمر ، حدّثّني معمر عن الزهريّ قال :
بعث عبد المطّلب عبد اللّه إلى المدينة يمتأر له تمرأ فمات ، قال محمّد بن عمر:
والأوّل أثبت .
٩٩

قال أبو عبد اللّه محمّد بن سعد: وقد روي لنا في وفاته وجه آخر،
قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ عن أبيه وعن عوانة بن
الحكم قالا : تُوُفّي عبد الله بن عبد المطلب بعدما أتى على رسول الله،
صلّى اللّه عليه وسلم ، ثمانية وعشرون شهراً، ويقال سبعة أشهر .
قال محمّد بن سعد : والأوّل أثبت أنّه تُوفّي ورسول الله، صلّى اللّه
عليه وسلّم ، حَمْل .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد السلمي قال : ترك عبد الله بن
عبد المطّلب أمّ أيْمن وخمسة أجمال أوارِكَ، يعني تأكل الأراك ، وقطعة
غنيم ، فورث ذلك رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، فكانت أمّ أيمن
تحضنه واسمها بركة ؛ وقالت آمنة بنت وهب ترثي زوجها عبد الله بن عبد
المطّلب :
وجاور لحداً خارجاً في الغماغمِ
عَقا جانبُ البطحاءِ من إبن هاشمٍ
وما تركت في الناس مثل ابن هاشمٍ
دَعَتْهُ المَنايا دعوةً فأجابَها
تعاوَرَهُ أصحابُه في التّزَّاحُمِ
عشيّةَ راحوا يحملونَ سريرَهُ
فإن يكُ غالتهُ المَنايا وَرَيْبُها فقد كانَ مِعطاءٌ كثيرٌ التراحُمِ
ذكر مولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي قال : حدثني أبو بكر
ابن عبد اللّه بن أبي سَبْرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي
جعفر محمّد بن عليّ قال: ولد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يوم
الاثنين لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأوّل ، وكان قدوم أصحاب الفيل
١٠٠
٠