النص المفهرس

صفحات 61-80

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
ذلك، فلم تزل الإفاضة في ولد قصيّ إلى اليوم، وندمت خُزاعة وبنو بكر فانحازوا
عنه، فأجمع قصيّ لحربهم فاقتتلوا قِتالاً شديداً بالأبطح حتى كثرت القتلى في
الفريقين، ثمّ تَداعوا إلى الصّلح وحكّموا بينهم يَعْمُر بن عوف بن كعب بن ليث بن
بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى بينهم بأنّ قصي بن كلاب أولى بالبيت وأمرٍ مكّة من
خزاعة، وأنّ كلّ دم أصابه قصيّ من خزاعة وبني بكر موضوعٌ يَشْدَخُهُ تحت قدميه،
وأنّ ما أصابت خُزاعة وبنُو بكر من قريش وبني كنانة ففيه الدّة، وأن يُخَلّى بين قصيّ
وبين البيت وأمر مكّة، فسمّي يومئذ الشدّاخ لِما شدخ من الدماء.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا موسى بن يعقوب الزَّمْعِيّ عَن عمّته عن أمّها
كريمة بنت المقداد عن أبيها قال: لما فرغ قصيّ ونفى خُزاعة وبني بكر عن مكّة
تجمّعت إليه قريش فسمّيت يومئذ قريشاً لحال تجمّعها، والتقرّش: التجمّعُ، فلمّا
استقرّ أمرُ قصيّ انصرف أخوه لأمّه رِزاح بن ربيعة العُذري بمن معه من إخوته وقومه،
وهم ثلاثمائة رجل، إلى بلادهم، فكان رِزاح وحُنّ يواصلان قصيّاً ويوافيان الموسم
فينزلان معه في داره ويريان تعظيم قريش والعرب له، وكان يكرمهما ويصلهما
وتكرمهما قريش لِمّا أبْلياهم وأوْلَياهم من القيام مع قصيّ في حرب خزاعة وبكر.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: إنّما سُمّوا قريشاً لأنّ بني فهر الثلاثة
كان اثنان منهم لأمّ والآخر لأمّ أخرى، فافترقوا فنزلوا مكاناً من تَهَمَة مكّة، ثمّ
اجتمعوا بعد ذلك، فقالت بنو بكر: لقد تقرّش بنوجَنْدَلّة، وكان أوّل من نزل من مضر .
مكّة خزيمة بن مدركة، وهو الذي وضع لِهُبَل الصّنم موضعه فكان يقال له صنم
خزيمة، فلم يزل بنوه بمكّة حتى ورث ذلك فهر بن مالك، فخرجت بنو أسد ومن كان
من كنانة بها فنزلوا منازلهم اليوم.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد الكلبيّ عن أبيه قال: وُلد لقصيّ بن كلاب ولدُه
كلّهم من حُبّى بنت حُليل عبدُ الدّار بن قُصيّ، وكان بكره، وعبدُ مَناف بن قصيّ،
واسمه المغيرة، وعبد العزّى بن قصيّ، وعبد بن قصيّ، وتُخْمُر بنت قُصيّ، وبرّة بنت
قصيّ .
قال: أخبرنا هشام بن محمّد عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: كان
قصيّ يقول: وُلد لي أربعة رجال، فسمّيت اثنين بإلّهي، وواحداً بداري، وواحداً
٥٧

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
بنفسي، فكان يُقال لعبد بن قصيّ عبد قصيّ، واللذين سمّاهما بإلهه عبد مناف
وعبد العزّى، وبداره عبد الدار.
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني عبدالله بن جعفر الزهريّ
قال: وجدتُ في كتاب أبي بكربن عبد الرحمن بن المِسْوربن مخرمة، أخبرنا
محمّد بن جُبير بن مُطعم قال: وأخبرنا هشام بن محمّد الكلبيّ قال: أخبرني أبي عن
أبي صالح عن ابن عبّاس قالا: کان قصي بن كلاب أوّل ولد کعب بن لؤيّ، أصاب
ملكاً أطاع له به قومه، فكان شريف أهل مكّة لا يُنازَع فيها، فابتنى دار النّدْوَة وجعل
بابها إلى البيت، ففيها كان يكون أمر قريش كلّه وما أرادوا من نكاح أو حرب أو مشورة
فيما ينوبهم، حتى إن كانت الجارية تبلغ أن تُدَرّع فما يُشَقّ دِرْعُهَا إِلَّ فِيهَا، ثمّ يُنطلَق
بها إلى أهلها، ولا يعقدون لواء حرب لهم ولا من قوم غيرهم إلّ في دار النّدوة،
يعقده لهم قصيّ، ولا يُعذّر لهم غلام إلّ في دار النّذْوةِ، ولا تخرِجِ عِيرٌ من قُريْش
فيرحلون إلّ منها، ولا يقدمون إلّ نزلوا فيها تشريفاً له وتَيمّناً برأيه ومعرفةٌ
بفضله، ويتبعون أمره كالدّين المتّبع لا يُعمل بغيره في حياته وبعد موته، وكانت
إليه الحجابة والسّقاية والرّفادة واللّواء والنّدوة وحُكمُ مكّة كلّه، وكان يَعْشر من دخل
مكّة ◌ٍوى أهلها، قال: وإنّما سُمّيت دار النّدوة لأنّ قريشاً كانوا ينتدون فيها، أي
يجتمعون للخير والشرّ، والنديّ: مجمع القوم إذ اجتمعوا، وقطع قصيّ مكّة رِباعاً بين
قومه، فأنزل كلّ قوم من قريش منازلهم التي أصبحوا فيها اليوم، وضاق البلد وكان
كثير الشجر العِضاه والسّلّم، فهابت قريش قطع ذلك في الحرم، فأمرهم قصيّ
بقطعه، وقال: إنّما تقطعونه لمنازلكم ولخططِكم، بَهْلَةُ الله على من أراد فساداً! وقطع
هو بيده وأعوانه فقطعت حينئذ قريش وسمّته مُجَمِّعاً لِمَا جَمّعَ من أمرها، وتيمّنت به
وبأمره، وشرّفته قريش وملّكته، وأدخل قصيّ بطون قريش كلّها الأبطح، فسُمّوا قريش
البطاح، وأقام بنو معيص بن عامر بن لؤي، وبنو تيم الأدرم بن غالب بن فهر، وبنو
محارب بن فهر، وبنو الحارث بن فهر، بظهر مكّة، فهؤلاء الظواهر لأنهم لم يهبطوا
مع قصيّ إلى الأبطح، إلا أن رهط أبي عبيدة بن الجرّاح، وهم من بني الحارث بن
فهر، نزلوا الأبطح فهم مع المُطَيِّبين أهل البطاح؛ وقد قال الشاعر في ذلك وهو ذكوان
مولى عمر بن الخطّاب للضحاك بن قيس الفهري حین ضربه:
فلو شَهِدَتَنِي مِنْ قُرَيْشٍ عِصَابَةٌ قَرَيشُ البَطَاحِ لا قريشُ الظَّواهرِ
٥٨

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
وقال حذافة بن غانم العدوي لأبي لهب بن عبد المطّلب:
أبوكم قُصيّ كان يُدْعَى مُجَمِّعاً به جَمْعَ اللَّه القَبائِلَ من فِهْرٍ
فدعي قصيّ مجمِّعاً بجمعه قريشاً، وبقصيّ سمّيت قريش قريشاً، وكان يُقال
لهم قبل ذلك بنو النّضر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن
سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أنّ عبد الملك بن مروان سأل محمّد بن جُبير: متى
سُمّيت قريش قريشاً؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرّقها، فذلك التجمّع
التقرّش، فقال عبد الملك: ما سمعتُ هذا، ولكن سمعتُ أنّ قصيّاً كان يُقال له
القرشيّ، ولم تسم قريش قبله.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن
عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف قال: لمّا نزل قصيّ الحرم وغلب عليه فعل أفْعالاً جميلة فقيل له القرشيّ، فهو
أوّل من سُمّي به.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن
أبي بكر بن عبدالله بن أبي جهم قال: النّضر بن كنانة كان يسمّى القرشيّ .
قال: وأخبرنا محمّد بن عمر عن عبدالله بن جعفر عن يعقوب بن عتبة الأخنسيّ
قال: كانت الحُمْسَ قريش وكنانة وخُزاعة ومَن ولدته قريش من سائر العرب. وقال
محمد بن عمر بغير هذا الإِسناد، أو حليفٌ لقريش.
قال محمد بن عمر: والتحمّس أشياء أحدثوها في دينهم تحمّسوا فيها، أي
شدّدوا على أنفسهم فيها، فكانوا لا يخرجون من الحرم إذا حجّوا، فقصروا عن بلوغ
الحقّ، والذي شرع الله، تبارك وتعالى، لإِبراهيم وهو موقف عرفَة، وهو من الحِلّ،
وكانوا لا يسلؤون السمن ولا ينسجون مظالّ الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من
الأدم، وشرعوا لمن قدم من الحاجّ أن يطوف بالبيت وعليه ثيابه ما لم يذهبوا إلى
عَرَفَة، فإذا رجعوا من عرفَة لم يطوفوا طواف الإفاضة بالبيت إلّ ◌ُراة أو في ثوبِّي
أحْمَسي، وإن طاف في ثوبيه لم يحلّ له أن يلبسهما.
قال محمد بن عمر: وقصيّ أحدث وقود النّار بالمزدلفة حين وقف بها حتى
٥٩

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
يراها مَن دَفَعَ من عرفة، فلم تزل توقد تلك النّار تلك الليلة، يعني ليلة جَمْع في
الجاهليّة .
قال محمّد بن عمر: فأخبرني كثير بن عبدالله المزني عن نافع عن ابن عمر
قال: كانت تلك النّار توقد على عهد رسول الله، وَلجر، وأبي بكر وعمر وعثمان.
قال محمّد بن عمر: وهي توقد إلى اليوم، وفرض قصيّ على قريْش السقاية
والرفادة، فقال: يا معشر قريش إنّكم جيران الله، وأهل بيته، وأهل الحرم، وإن
الحاجّ ضِيفان الله، وزوّار بيته، وهم أحقّ الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاماً
وشراباً أيّام الحجّ، حتى يصدروا عنْكم، ففعلوا، فكانوا يُخرجونَ ذلك كلّ عامٍ من
أموالهم خرجاً يترافدون ذلك فيدفعونه إليه فيصنع الطّعام للناس أيّام منی وبمكّة،
وصنع حياضاً للماء من أدم فيسقي فيها بمكّة ومنّى وعرفة، فجرى ذلك من أمره في
الجاهليّة على قومه حتى قام الإِسلام، ثمّ جرَوا في الإِسلام على ذلك إلى اليوم،
فلمّا كبر قصيّ ورقّ، وكان عبد الدار بكره وأكبر ولده، وكان ضعيفاً وكان إخوته قد
شُرُفوا عليه، فقال له قصيّ: أما والله يا بنيّ لألحقّك بالقوم وإنْ كانُوا قد شرفوا
عليك، لا يدخل أحد منهم الكعبة حتى تكون أنت الذي تفتحها له، ولا تعقد قريش
لواءً لحربهم إلّ كنت أنت الذي تعقده بيدك، ولا يشرب رجل بمكّة إلّ من سقايتك،
ولا يأكل أحد من أهْل الموسم طعاماً بمكّة إلّ من طعامك، ولا تقطع قريش أمراً من
أمورها إلّ في دارك، فأعطاه دار النّدوة وحجابة البيت واللواء والسقاية والرفادة وخصّه
بذلك ليُلحقه بسائر إخوته، وتوفي قصيّ فدفن بالحَجُون، فقالت تَخْمُر بنت قصيّ
ترثي أباها :
فنعى قصيّاً ذا الندّى وَالسّودَدِ
طَرَقَ الْنّعِيُّ بُعيدَ نَوْمِ الْهُجَّدٍ
فانهلّ دمعي كالجُمانِ المفرَدِ
فنعى المُهذَّبَ من لُؤي كلّهَا
أَرَقَ السليم لوجده المُتَفَقِّدِ
فأرِقْتُ من حُزْنٍ وهَمِّ داخِلٍ
*
*
ذكر عبد مناف بن قصي
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: لمّا هلك قصي
ابن كلاب، قام عبد مناف بن قُصيّ على أمر قصيّ بعده، وأمْرُ قريش إليه، واختطّ
٦٠

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
بمكّة رباعاً بعد الذي كان قصيّ قطع لقومه، وعلى عبد منّاف اقتصر رسول الله، والآن،
حين أنزل الله، تبارك وتعالى، عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
قال: أخبرنا هشام بن محمد قال: حدّثني أبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: لما أنزل
الله تعالى على النبي، وَّ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، خرج حتى علا
المروة ثمّ قال: يَالَ فِهْرٍ! فجاءته قريش فقال أبولهب بن عبد المطلب: هذه فهر عندك فقل،
فقال: يَالَ غَالِبٍ! فرجع بنومحارب وبنو الحارث ابنا فهر، فقال: يَالَ لُؤيّ بنِ غَالِبَ ! فرجع
بنوتيم الأدرم بن غالب، فقال: يَالَ كَعْبٍ بنِ لُؤيّ! فرجع بنو عامر بن لؤي، فقال يَالَ
مُرّة بنِ كَعْبٍ! فرجع بنو عديّ بن كعب وبنوسهم وبنو جُمَح ابنا عمرو بن هُصَيْص بن
كعب بن لؤي، فقال: يَالَ كِلاب بنِ مُرّةً! فرجع بنو مخزوم بن يقظة بن مرة وينو تيم
ابن مرّة، فقال: يَالَ قُصيّ! فرجع بنو زهرة بن كلاب، فقال: يَالَ عَبْد مَنَّافٍ! فرجع بنو
عبد الدار بن قصيّ وبنو أسد بن عبد العزى بن قصيّ، وبنو عبد بن قصيّ فقال أبو
لهب: هذه بنو عبد مناف عندك فقُلْ، فقال رسول الله، وَ *: ((إنّ اللَّ قَدْ أَمَرَني أنْ
أُنْذَرَ عَشِيرَتِي الأقْرَبِينَ وَأنْتُمُ الأَقْرَبُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وإنّي لا أمَلَّكُ لكمْ مِنَ اللهِ حَظّاً ولا مِنْ
الآخِرَةِ نَصِيباً إلّا أنْ تَقُولُوا لا إلَهَ إلّ الله فَأَشْهَدَ بِها لَكُمْ عِنْدَ رَبّكُمْ وَتَدِينَ لَكُمْ بها
العَرَبُ وَتَذِلٌ لكُم بها العَجَمُ، فَقَالَ أبو لهب: تَبَّ لكَ! فلهذا دعوتنا! فأنزل الله:
﴿َتَبِّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، يقول: خسرت يدا أبي لهب.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: ولَدَ عبد مناف بن
قصي ستّة نفر، وست نسوة: المطّلب بن عبد مناف، وكان أكبرهم وهو الذي عقد
الحلف لقريش من النجاشيّ في مَتْجَرها إلى أرضِه، وهاشم بن عبد مناف واسمه
عمرو، وهو الذي عقد الحلف لقريش من مِرَقل لأن تَخْتَلِف إلى الشأم آمنة، وعبد
شمس بن عبد مناف، وتماضر بنت عبد مناف، وحنّةً، وقِلاَبَةَ، وَبَرّةَ، وهالة بنات عبد
مناف، وأمّهم عاتِكة الكبرى بنت مُرّة بن هلال بن فالج بن ثعلبة بن ذكوان بن ثعلبة بن
بُهثة بن سُليم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفّة بن قيس بن عيلان بن مُضَر، ونَوْفَلَ بن
عَبْد مَناف، وهو الذي عقد الحلف لقريش من كسرى إلى العراق، وأبا عمرو بن عبد
مَناف، وأبا عبيد دَرَج، وأمهم واقدة بنْت أبي عُدَيّ، وهو عامر بن عبد نُهم بن زيد بن
مازن بن صعصعة، وَرَيْطَةَ بنت عبد مناف ولدت بني هلال بن مُعَيْط من بني كنانة بن
خُزيمة وأمّها الثقفية.
٦١

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
ذکر هاشم بن عبد مناف
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن
ابن عبّاس قال كان اسم هاشم عَمراً، وكان صاحب إيلاف قريش، وإيلاف قريش
دأبُ قريش، وكان أوّلَ من سَنّ الرّحلتين لقريْش، ترحل إحداهما في الشّتاء إلى
اليمن وإلى الحبشة إلى النجاشيّ فُكرمه ويحبوه، ورحلة في الصيف إلى الشأم إلى
غزّة وربّما بلغ أنْقرة فيدخل على قيْصر فيُكرمه ويَحْبوهِ، فأصابت قريشاً سنوات ذَهَبْنَ
بالأمْوالِ، فَخَرَجِ هَاشمٌ إلى الشام فأمر بخبز كثير فخُبِزّ له، فحمله في الغرائر على
الإِبل حتى وافى مكّة فهشم ذلك الخبز، يعني كسره وثَرَدّه، ونحر تلك الإِبل، ثمّ أمر
الطهاة فطبخوا، ثمّ كفأ القدور على الجفان، فأشبع أهل مكّة، فكان ذلك أوّل الحيا
بعد السنة التي أصابتهم فسمي بذلك هاشماً، وقال عبدالله بن الزِّبَعْري في ذلك:
عَمْرُو العُلى هَشَمَ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ وَرِجالُ مكّة مُسْيِتونَ عِجافُ
قال: وأخبرنا هشام بن محمد قال: فحدّثني معروف بن الخَرّبوذ المَكّي قال:
حدّثني رجل من آل عديّ بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه قال: وقال
وهب بن عبد قُصيّ في ذلك:
وَأَعْيا أن يقوم بهِ ابن بِيضٌ
تَحَمّلَ هاشِمٌ ما ضاقَ عَنْهُ
مِنَ أرْضِ الشّأمِ بالْبُرّ النّفيضْ
أَتَاهُمُ بِالْغَرَائِرِ مُتْأَقَاتٍ
وشابَ الخُبزّ باللحم الغريضْ
فأوْسعَ أهلّ مَكّةَ من هَشِيمٍ
من الشِّيزاء حائرُها يفيضٌ
فَظَلّ القَوْمُ بِينَ مُكَلَّلاتٍ
قال: فحسده أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، وكان ذا مال، فتكلّف
أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب ونال من هاشم،
ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنّه وقدره، فلم تدعه قريش وأحفظوه، قال:
فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحَدَق تنحرها ببطن مكّة والجلاء عن مكّة عشر
سنين، فرضي أمّة بذلك، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفّر هاشماً عليه، فأخذ
هاشم الإِبل فنحرها. وأطعمها مَن حضره، وخرج أمّيّة إلى الشأم فأقام بها عشر
سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأميّة .
قال: وأخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني عليّ بن يزيد بن عبدالله بن
٦٢

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
وهب بن زمعة عن أبيه: أنّ هاشماً وعبد شمس والمطّلب ونوفل بني عبد مناف
أجمعوا أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار بن قصيّ ممّا كان قصيّ جعل إلى عبد الدار
من الحجابة واللّواء والرّفادة والسقاية والنّدوة، ورأوا أنهم أحقّ به منهم لشرفهم عليهم
وفضلهم في قومهم، وكان الذي قام بأمرهم هاشم بن عبد مناف، فأبت بنو عبد الدار
أن تسلم ذلك إليهم، وقام بأمرهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فصار
مع بني عبد مناف بن قصيّ بنو أسد بن عبد العزّى بن قصيّ وبنو زهرة بن كلاب وبنُو
تيم بن مرة وبنو الحارث بن فهر، وصار مع بني عبد الدار بنو مخزوم وسهم وجُمَح
وبنو عدي بن كعب، وخرجت من ذلك بنو عامر بن لؤي ومحارب بن فهر فلم يكونوا
مع واحد من الفريقين، فعقد كل قوم على أمرهم حلفاً مؤكّداً ألّ يَتّخاذلوا ولا يسلمَ
بعضهم بعضاً ما بلّ بحر صوفة.
فأخرجت بنو عبد مناف ومن صار معهم جفنة مملوءة طيباً فوضعوها حول الكعبة
ثمّ غمس القوم أيديهم فيها وتعهدوا وتعاقدوا وتحالفوا ومسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً
على أنفسهم، فسُموا المطيّين.
وأخرجت بنو عبد الدار ومن كان معهم جفنة من دم فغمسوا أيديهم فيها
وتعاقدوا وتحالفوا ألّ يتخاذلوا ما بلّ بحر صوفة، فسمّوا الأحلاف ولَعَقَة الدّم، وَتَهَّؤوا
للقتال وعُبّئت كلّ قبيلة لقبيلة، فبينما الناس على ذلك إذ تداعوا إلى الصلح إلى أن
يعطوا بني عبد مناف بن قصيّ السقاية والرّفادة. وتكون الحجابة واللواء ودار الندوة
إلى بني عبد الدار كما كانت، ففعلوا وتحاجز الناس، فلم تزل دار الندوة في يدي بني
عبد الدار حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار بن قصيّ
من معاوية بن أبي سفيان، فجعلها معاوية دار الإِمارة، فهي في أيدي الخلفاء إلى
اليوم .
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: فحدّثني يزيد بن عبد الملك بن
المغيرة النوفلي عن أبيه قال: فاصطلحوا يومئذ أن وُلِّي هاشم بن عبْد مَناف بن قصيّ
السقاية والرفادة، وكان رجلاً مُوسِراً، وكان إذا حضر الحجّ قام في قريش فقال: يا
معشر قريش إنّكم جيران الله، وأهل بيته، وإنّه يأتيكم في هذا الموسم زوّار الله
يعظّمون حرمة بيته فهم ضيف الله، وأحقّ الضيف بالكرامة ضيفُه، وقد خصّكم الله
بذلك وأكرمكم به، وحفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره، فأكرموا ضيفه وزَوْرَه،
٦٣

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
يأتون شعثاً غبراً من كل بلد على ضوامر كأنهن القداح، قد أزحفوا وتفلوا وقملوا
وأرملوا فاقروهم واسقوهم، فكانت قريش ترافد على ذلك، حتى أن كان أهل البيت
ليرسلون بالشيء اليسير على قدرهم، وكان هاشم بن عبد مناف بن قصيّ يُخرج في
كلّ عام مالاً كثيراً، وكان قوم من قريش أهْل يسارة يترافدون، وكان كلّ إنسان يرسل
بمائة مثقال هرقليّة، وكان هاشم يأمر بحیاض من أدم فتُجعل في موضع زمزم، ثمّ
يستقي فيها الماء من البثار التي بمكّة فيشربه الحاجّ، وكان يطعمهم أوّل ما يطعم قبل
التروية بيوم بمكّة وبمنى وجَمْع وعرفة، وكان يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز
والسمن، والسويق والتمر، ويجعل لهم الماء فيسقون بمنى، والماء يومئذ قليل
في حياض الأدم، إلى أن يصدروا من منّى فتنقطع الضيافة ويتفرّق الناس
لبلادهم.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني القاسم بن العبّاس اللّهَبي
عن أبيه عن عبدالله بن نوفل بن الحارث قال: كان هاشم رجلاً شريفاً، وهو الذي أخذ
الحلف لقريش من قيصر لأن تختلف آمنةٌ، وأمّا مَّن على الطريق فألّفهم على أن
تحمل قريش بضائعهم ولا كراء على أهْل الطريق، فكتب له قيصرُ كتاباً، وكتب إلى
النّجاشيّ أن يُدخل قريشاً أرضه، وكانوا تجاراً، فخرج هاشم في عير لقريش فيها
تجارات، وكان طريقهم على المدينة فنزلوا بسوق النبط فصادفوا سوقاً تقوم بها في
السنة يحشدون لها، فباعوا واشتروا ونظروا إلى امرأة على موضع مشرف من السوق
فرأى امرأة تأمر بما يشترى ويُباع لها، فرأى امرأة حازمة جَلْدة مع جَمال، فسأل هاشم
عنها: أأيّم هي أم ذات زوج؟ فقيل له: أيّم كانت تحت أُحيحة بن الجُلاح فولدت له
عَمْراً ومعبداً ثمّ فارقها، وكانت لا تنكح الرّجال لشرفها في قومها حتى يشرطوا لها أنّ
أمرها بيدها فإذا كرهت رجلاً فارقته، وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن
خداش بن عامر بن غنم بن عديّ بنِ النجّار، فخطبها هاشم فعرفت شرفه ونسبه
فزوّجته نفسها ودخل بها، وصنع طعاماً ودعا مَن هناك من أصحاب العير الذين كانوا
معه، وكانوا أربعين رجلاً من قريش فيهم رجال من بني عبد مناف ومخزوم وسهم،
ودعا من الخزرج رجالاً، وأقام بأصحابه أياماً، وعلقت سلمى بعبد المطّلب فولدته
وفي رأسه شيبة فسمّي شيبة، وخرج هاشم في أصحابه إلى الشام حتى بلغ غزّة
فاشتكى، فأقاموا عليه حتى مات فدفنوه بغزّة ورجعوا بتركته إلى ولده، ويُقال إنّ الذي
٦٤

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
رجع بتركته إلى ولده أبو رُهم بن عبد العزّى العامري، عامر بن لؤيّ، وهو يومئذ غلام
ابن عشرين سنة .
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: أوْصَى هاشم بن
عبد مّناف إلى أخيه المطّلب بن عبد مناف، فبنو هاشم وبنو المطّلب يدٌ واحدة إلى
اليوم، وبنو عبد شمس وبنو نوفل ابنا عبد مناف يدٌ إلى اليوم.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: وَوَلَد هاشم بن عبد مّناف أربعة نفر
وخمس نسوة: شَيْبَةَ الحَمْدِ وهو عبد المطّلب، وكان سيّد قريش حتى هلك، ورُقيّة
بنت هاشم، ماتت وهي جارية لم تبرز، وأمّها سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن
خِداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجّار، وأخواهما لأمّها عمرو ومعبد ابنا أُحَيْحَة
ابن الجُلاحِ بن الحریش بن جَحْجَبًا بن كُلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس،
وأبًا صيفيّ بن هاشم، واسمه عمرو وهو أكبرهم، وصيفيّاً، وأمّهما هند بنت عمرو بن
ثعلبة بن الحارث بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج، وأخوهما لأمّهما
مخرمة بن المطّلب بن عبد مناف بن قصيّ، وأسد بن هاشم، وأمّه قَيْلة وكانت تلقب
الجزور بنت عامر بن مالك بن جذيمة، وهو المصطلق من خزاعة، ونضلة بن هاشم،
والشّفاء، ورُقيّة، وأمّهم أميمة بنت عدي بن عبدالله بن دينار بن مالك بن سلامان بن
سعد من قضاعة، وأخاهما لأمّها نُفيل بن عبد العزّى العدوي، وعمرو بن ربيعة بن
الحارث بن حُبّب بن جذيمة بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ، والضعيفةً بنت
هاشم، وخالدةً بنت هاشم، وأمّها أم عبدالله وهي واقدة بنت أبي عدي، ويُقال
عُدَي، وهو عامر بن عبد نُهم بن زيد بن مازن بن صعصعة، وحَنّة بنت هاشم، وأمها
عُدَيّ بنت حُبَيِّب بن الحارث بن مالك بن خُطَيْط بن جُشم بن قَسيّ وهو ثقيف.
قال: وكان هاشم یکنّی أبًا یزید، وقال بعضهم: بل كان يكنّی بابنه أسد بن
هاشم، ولما تُوفي هاشم رثاه ولده بأشعار كثيرة، فكان مما قيل فيما أخبرنا محمد بن
عمر عن رجاله، قالت خالدة بنت هاشم ترثي أباها، وهو شعر فيه ضعف:
ذي المُكرُماتِ وَذِي الفَعالِ الفاضِلِ
بكَرَ النّعِيُّ بِخَيْرِ مَنْ وَطِىءَ الحَضَى
ماضي العَزيمة غَير نِكسٍ واغِلِ
بِالسَّيِّد الغَمْرِ السّمَيْدَعِ ذِي النّهَى
في المطبقاتِ وفي الزّمَانِ الماجِلِ
زينِ العَشِيرَةِ كُلّهَا وَرَبِيعِها
عمرو بن عبد منافٍ غيرِ الباطلِ
بأخي المَكارِمِ والفواضِلِ وَالعُلى
٦٥

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
إِنّ المُهَذَّب مِنْ لُؤيّ كُلّهَا
فابْكي عَليْهِ ما بقِيتٍ بِعَوْلَةٍ
وَلَقّدْ رُزِئْتِ قَرِيعَ فِهْرٍ كلّها
بالشّأمِ بَینَ صفائِحٍ وَجَنادِلِ
فَلَقَدْ رُزِئْتِ أَخا ندَّى وَفَوَاضِلٍ
ورئيسها في كلّ أَمْرٍ شامِلٍ
وقالت الشفاء بنت هاشم ترثي أباها:
عَينٍ جُودي بِعَيرَةٍ وَسُجومٍ
عينٍ واسْتعبري وَسُحِّي وَجُمّي
هاشمِ الخيرِ ذي الجلالةِ والمَجْدِ
وَرَبِيعٍ لِلْمُجْتَدِينَ وَحِرْزٍ
شِمّرِيِّ نَماهُ للعِزّ صَقْرٌ
واسفحي الدمعَ للجواد الكريم.
لأَبِيكِ المسْوَّدِ المَعْلومِ
وذي الباعِ والندى والصّميمِ
ولَزازٍ لكلّ أُمْرٍ عَظيمِ.
شامخُ البيتِ من سرّاةِ الأديمِ
أرْيحيٍّ مِثْلِ القَناةِ وَسيمٍ
شيْظَمِيِّ مُهِذَّبٍ ذِي فُضُولٍ
غالِبِيّ سَمَيْدَعِ أَحْوَذِيّ.
صادقِ النَّاسِ فِي المَوَاطِنِ شَهْمٍ
باسقِ المجدِ مَضْرَحِيٍّ حليمٍ
ماجدِ الجَدِّ غيرٍ نِكس ذميم.
*
ذكر عبد المطلب بن هاشم
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: كان المطلب بن عبد مناف بن
قصيّ أكبر من هاشم ومن عبد شمس، وهو الذي عقد الحلف لقريش من النّجاشّي
في متجرها، وكان شريفاً في قومه مطاعاً سيّداً، وكانت قريْش تسمّيه الفّيْضَ
لسماحته، فولي بعْد هاشم السّقاية والرّفادة، وقال في ذلك:
بما قدْ فَعَلْنا ولم نُؤْمرٍ
أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَني هاشِمٍ
م إِذْ تُرِكَ المجدُ لمْ يُؤثّرٍ
أقَّمْنًا لِنَسْقِي حَجِيجَ الحَرَا
كَأنّهُمْ بَقَرٌ تُحْشّر
نَسُوقُ الحَجِيجَ لأبْيَاتنا
قال: وقدم ثابت بن المنذر بن حرام، وهو أبو حسّان بن ثابت الشاعر، مكّة
معتمراً فلقي المطّلب وكان له خليلاً، فقال له: لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا لرأيت
جمالاً وهيبة وشرفاً، لقد نظرت إليه وهو يناضل فتْياناً من أخواله فيُدخل مِرْماتَيه جميعاً
في مثل راحتي هذه ويقول كلما خَسَقّ: أنا ابن عَمْرٍو العُلى، فقال المُطّلب: لا أُمسي
حتى أخرج إليه فأقدم به، فقال ثابت: ما أرى سلمَى تدفعه إليك ولا أخواله، هم
٦٦

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
أَضَنّ به من ذلك وما عليك أن تَدَعَه فيكون في أخواله حتى يكون هو الذي يقدِم
عليك إلى ما ههنا راغباً فيك، فقال المطّلب: يا أبا أوس ما كنْتُ لأدعه هناك ويترك
مآثر قومه وَسِطَتَه ونسبه وشرفه في قومه ما قد علمت، فخرج المطّلب فورد المدينة
فنزل في ناحية وجعل يسأل عنه حتى وجده يرمي في فتيانٍ من أخواله، فلمّا رآه عرف
شبْه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمّه إليْه وكساه حُلّة يمانية وأنشأ يقول:
أبناؤها حوله بالنّبل تَنْتَضِلُ
عَرَفْتُ شَيْبَةٌ والنّجَارُ قِدْ حَفَلَتْ
عرفْتُ أجْلاده منّا وشيمتَهُ ففاضَ منّي عليه وابلٌ سَبْلُ
فأرسلت سلمى إلى المُطّلب فدعتْه إلى النّزول عليها، فقال: شأني أخفّ من
ذلك، ما أريد أن أحُلّ عقدة حتى أقبض ابن أخي وأُلحِقه ببلده وقومه، فقالت: لسْتُ
بِمُرْسِلَتِه معك، وغلظت عليه، فقال المطّلب: لا تفعلي فإني غير منصرف حتى
أخرج به معي، ابن أخي قد بلغ وهو غريب في غير قومه ونحن أهلُ بيتٍ شرفُ قومِنا،
والمقام ببلده خير له من المقام ههنا وهو ابنكِ حيث كان، فلما رأت أنّه غير مُقَصّر
حتى يخرج به استنظرته ثلاثة أيّام، وتحوّل إليهم فنزل عندهم فأقام ثلاثاً ثمّ احتمله
وانطلقا جميعاً، فأنشأ المطّلب يقول كما أنشدني هشام بن محمد عن أبيه:
أَنّيَ مِنْهُمْ وَابْنُهُمْ وَالخميسِ.
أَبْلِغْ بني النّجّارِ إِنْ جِئْتُهُمْ
هَؤُوا لِقائِي وَأَحَبّوا حَسيسي
رَأيْتُهُمْ قَوْماً إذا جِئْتُهُمْ
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر، قال: ودخل به المطّلب مكّة
ظُهْراً، فقالت قريْش: هذا عبد المطّلب، فقال: ويحكم! إنّما هو ابن أخي شيبة بن
عمرو، فلما رأوه قالوا: ابنه لعمري! فلم يزل عبد المطّلب مقيماً بمكّة حتى أدرك،
وخرج المطّلب بن عبد مّناف تاجراً إلى أرض اليمن فهلك برَدْمَانَ من أرض اليمن،
فولي عبد المطلب بن هاشم بعده الرفادة والسّقاية، فلم يزل ذلك بيده يطعم الحاج
ويسقيهم في حياض من أدَم بمكّة، فلمّا سُقي زمزم ترك السقي في الحياض بمكّة
وسقاهم من زمزم حين حفرها، وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم، وكانت
زمزم سُقْيا من الله، أتي في المنام مرات فأمر بحفرها ووُصف له موضعها فقيل له: احفر
طَيْبَة، قال: وما طيبة؟ فلمّا كان الغد أتاه فقال: احفر بَرّة، قال: وما برّة؟ فلمّا كان الغد
أتاه وهو نائم في مضجعِه ذلك فقال: احفر المضْنونة، قال: وما المضْنُونة؟ أبِنْ لي ما تقول،
قال: فلمّا كان الغد أتاه فقال: احفر زمزم، قال: وما زمزم؟ قال: لا تُنْزَحُ ولا تُلَمّ،
٦٧

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
تَسْقِي الحَجِيجَ الأَعْظَم، وهي بين الفَرْث والدم عِند نُقْرَةِ الغُرابِ الأعْصم، قال:
وكان غراب أعصم لا يبرح عند الذبائح مكان الفرث والدم، وهي شرب لك ولولدك
من بعدك، قال: فغدا عبد المطّلب بمِعْولِه ومِسْحاتِهِ معه ابنه الحارث بن عبد
المطّلب، وليس له يومئذٍ ولد غيره، فجعل عبْد المُطّلب يحفر بالمعْول ويغرف
بالمسحاة في المِكْتَل فيحمله الحارث فيلقيه خارجاً، فحفر ثلاثةً أيّامٍ ثمّ بَدا لَه الطِّيّ
فكبّر وقال: هذا طويّ إسماعيل، فعرفت قريش أنّه قد أدرك الماء فأتوه فقالوا:
أُشْرِكْنا فيه، فقال: ما أنا بفاعل، هذا أمْرٌ خُصِصْتُ به دونكم فاجْعلوا بيْنَنا وبيْنْكم مّن
شِئْتُم أُحاكمْكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هُذيم، وكانت بمعان من أشراف الشام،
فخرجوا إليها وخرج مع عبد المطّلب عشرون رجلاً من بني عبد مناف، وخرجت
قريْش بعشرين رجلاً من قبائلها، فلمّا كانوا بالفَقير من طريق الشأم أو حَذْوه فَنِيَ ماء
القَوم جميعاً فعطشوا فقالوا لعبد المطّلب: ما ترى؟ فقال: هو الموت، فليحفر كلّ
رجل منكم حُفرة لنفسه فكُلّما ماتَ رجُل دفنه أصحابه حتى يكون آخرهم رجلاً واحداً
فيموت ضِيعَةً أَيْسَرُ من أن تموتوا جميعاً، فحفروا ثمّ قعدوا ينتظرون الموت، فقال عبد
المطّلب: والله إنّ إلقاءنا بأيدينا هكذا لَعَجْزٌ، ألا نضرب في الأرض فعسى الله أن
يرزقنا ماء ببعض هذه البلاد! فارتحلوا، وقام عبد المطّلب إلى راحلته فركبها، فلمّا
انبعثت به انْفجر تحت خُفّها عينُ ماءٍ عَذْبٍ، فكبّر عبد المطّلب وكبّر أصحابه وشربوا
جميعاً، ثمّ دعا القبائل من قريش فقال: هلمّوا إلى الماء الرّواء فقد سقانا الله، فشربوا
واستقوا وقالوا: قد قُضي لك علينا، الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك
زمزم، فوالله لا نخاصمك فيها أبداً! فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلّوا
بینه وبین زمزم .
قال: أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا معتمر بن سليمان التيميّ قال: سمعتُ
أبي يحدّث عن أبي مِجْلز: أن عبد المُطّلب أُتي في المنام فقيل له: احتفِرْ، فقال:
أين؟ فقيل له: مكان كذا وكذا، فلم يحتفر، فأتي فقيل له: احتفِرْ عند الفرث عند
النمل عند مجلس خزاعة ونحوه، فاحتفر، فوجد غزالاً وسلاحاً وأظفاراً، فقال قومه
لمّا رأوا الغنيمة: كأنهم يريدون أن يغازوه، قال: فعند ذلك نذر لئن وُلد له عشرة
لينحرَنْ أحدهم، فلمّا ولد له عشرة وأراد ذبح عبدالله منعتْه بنو زهرة وقالوا: أقرع بينه
وبين كذا وكذا من الإبل، وإنّه أقرع فوقعت عليه سبع مرات وعلى الإبل مرة، قال: لا
٦٨

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
أدري السبع عن أبي مجلز أم لا؟ ثمّ صار من أمره أن ترك ابنه ونحر الإِبل.
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمّد بن عمر، قال: وكانت جُرْهُم حين أحَسّوا
بالخروج من مكّة دفنوا غزالين وسبعة أسياف قلعيّة وخمسة أدراع سوابغ فاستخرجها
عبد المطّلب، وكان يَتَلَّهُ ويعظّم الظّلم والفجور، فضرب الغزالّين صفائح في وجه
الكعبة، وكانا من ذهب، وعلّق الأسياف على البابين يُريد أن يُحْرز به خزانةَ الكعبة،
وجعل المِفْتاح والقفل من ذهب.
وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: كان الغزال
الجُرْهم، فلمّا حفر عبد المطّلب زمزم استخرج الغزال وسيوفاً قلعيّة فضرب عليها
بالقداح فخرجت للكعبة فجعل صفائح الذهب على باب الكعبة، فغدا عليه ثلاثة نفر
من قریْش فسرقوه.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ عن أبيه وعَنْ عبد المجيد بن
أبي عَبْس وأبي المقوّم وغيرهم قالوا: وكان عبد المطّلب أحسن قريْش وجهاً وأمدّه
جسماً وأحلمه حلماً وأجوده كفّاً وأبعد الناس من كلّ موبقة تُفسد الرجال، ولم يره
ملك قطّ إلّ أكرمه وشفّعه، وكان سيّد قريش حتى هلك، فأتاه نفرٌ من خزاعة فقالوا:
نحن قوم متجاورون في الدار، هلمّ فلنحالفك، فأجابهم إلى ذلك وأقبل عبد المطّلب
في سبعة نفر من بني عبد المطّلب والأرقم بن نضلة بن هاشم والضحّاك وعمرو ابْنِيْ
أبي صَيْفيّ بن هاشم، ولم يحضره أحد من بني عبد شمس ولا نوفل، فدخلوا دار
النّدوة فتحالفوا فيها على التّناصر والمواساة وكتبوا بينهم كتاباً وعلّقوه في الكعبة، وقال
عبدُ المطّلب في ذلك:
بإِمْساكِ ما بيني وبين بني عَمْرٍو
سَأُوصي زُبَيْراً إِنْ تَوَافَتْ مَنْيِّتِي
ولا يُلحدَن فيه بظلم وَلا غَدْرٍ
وَأن يحفّظ الحلْفَ الذي سَنّ شيخُهُ
أباك فكانوا دون قومك من فِهْرٍ
همُ حفِظوا الإِلّ القديم وحالفوا
قال: فأوصى عبد المطّلب إلى ابنه الزّبير بن عبد المطّلب، وأوصى الزبير إلى
أبي طالب، وأوصى أبو طالب إلى العبّاس بن عبد المطّلب.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب قال: خدّثني محمّد بن عبد الرحمن
الأنصاري عن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مَخْرَمَة الزهريّ عن أبيه عن جدّه
٦٩

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
قال: كان عبد المطّلب إذا ورد اليمن نزل على عظيم من عُظماء حِمْيَر، فنزل عليه مرّة
من المَرّ فوجد عنده رجلاً من أهل اليمن قد أُمهل له في العمر، وقد قرأ الكتب، فقال
له: يا عبد المطّلب! تأذن لي أن أفتّش مكاناً منك؟ قال: ليس كلّ مكان مني آذن لك
في تفتيشه، قال: إنّما هو مَنْخِرَاكَ، قال: فدونك، قال: فنظر إلى يار، وهو الشعر في
منخريه، فقال: أرى نبوة وأرى مُلْكاً، وأرى أحدهما في بني زُهرة، فرجع عبد
المطّلب فتزوّج هالة بنت وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة وزوّج ابنه عبدالله آمنة بنت
وهب بن عبد مناف بن زُهرة فولدت محمّداً، وَله، فجعل الله في بني عبد المطّلب
النبوّة والخلافة، والله أعلم حيث وضع ذلك.
قال: أخبرنا هشام بن محمد قال: حدّثني أبي، قال هشام: وأخبرني رجل من
أهل المدينة عن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مَخْرَمَة عن أبيه قالا: كان أوّل
من خضب بالوسِمة من قريش بمكة عبد المطلب بن هاشم، فكان إذا ورد اليمَن نزل على
عظيم من عُظماء حِمْيَر فقال له: يا عبد المطّلب! هل لك أن تغيّر هذا البياض فتعود
شاباً؟ قال: ذاك إليك، قال: فأمر به فخُضِبَ بحنّاء، ثمّ عُلِّي بالوَسِمة، فقال له عبد
المطّلب: زَوّدنا من هذا، فزوّده فأكثر، فدخل مكّة ليلاً ثمّ خرج عليهم بالغداة كأنّ
شعره حَلّك الغراب، فقالت له نُتّيّة بنت جناب بن كُليب أم العبّاس بن عبد المطّلب:
يا شيبة الحمد! لو دام هذا لك كان حسناً، فقال عبد المطّلب:
فكان بديلاً مِن شَباب قدِ انصَرَمْ
لو دامٍ لي هذا السّوادُ حَمِدْتُهُ
ولا بدّ من موتٍ، نُيْلَةُ، أَوْ هَرَم
تَمَتِّعْتُ مِنْهُ وَالحَيَاةُ قَصِيرَةٌ
ونعْمتُه، يَوْماً إذا عَرْشُهُ انْهَدَم
وماذا الذي يُجدي على المرءِ خَفْضُه
أحبّ إليّ مِن مقالِهِمُ حَكُمْ
فموتٌ جَهِيزٌ عاجلٌ لا شَوى لّهُ
قال: فَخَضَبَ أهلُ مكّة بالسواد.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: أخبرني رجل
من بني كنانة يقال له ابن أبي صالح ورجل من أهل الرقّة مولى لبني أسد وكان عالماً
قالا: تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمّة إلى النجاشيّ الحبشيّ فأبى أن ينفّر
بينهما، فجعلا بينهما نُفَّيل بن عبد العُزّى بن رياح بنِ عبد الله بن قُرط بن رزاح بن
عدي بن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو أتنافر رجلاً هو أطول منك هامة، وأوسم
منك وسامة، وأقلّ منك لامة، وأكثر منك ولداً، وأجزل منك صَفَداً، وأطول منك
٧٠

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
مذوداً؟ فنفّره عليه، فقال حرب: إن من انتكاث الزّمان أن جعلناك حكماً.
قال: وأخبرنا هشام بن محمّد عن أبيه قال: كان عبد المطّلب نديماً لحرب بن
أمّة حتى تنافرا إلى نُفَيل بن عبد العزّى جدّ عمر بن الخطّاب، فلمّا نفَّر نُفَيل عبد
المطّلب تفرّقا، فصار حرب نديماً لعبدالله بن جُدْعان .
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبي مسكين قال: كان لعبد المطّلب بن هاشم
ماء بالطائف يقال له ذو الهَرِم وكان في يدي ثقيف دهراً ثمّ طلبه عبد المطّلب منهم،
فأبوا عليه، وكان صاحب أمر ثقيف جندب بن الحارث بن حُبيّب بن الحارث بن مالك
ابن حُطيط بن جُشّم بن ثقيف، فأبى عليه وخاصمه فيه، فدعاهما ذلك إلى المنافرة
إلى الكاهن العذريّ، وكان يقال له عُزّى سَلَمَة، وكان بالشأم، فتنافرا على إبل
سمّوها، فخرج عبد المطّلب في نفر من قريش ومعه ابنه الحارث، ولا ولد له يومئذ
غيره، وخرج جُنْدُب في نفر من ثقيف، فَنَفِد ماء عبد المطّلب وأصحابه، فطلبوا إلى
الثقفّين أن يسقوهم، فأبوا، ففجّر الله لهم عيناً من تحت جِران بعير عبد المطّلب،
فحمد الله، عزّ وجلّ، وعلم أنّ ذلك منّة، فشربوا ريّهم وحملوا حاجتهم، ونفذ ماء
الثقفّين فبعثوا إلى عبد المطّلب يستسقونه فسقاهم، وأتوا الكاهن فنفّر عبد المطّلب
عليهم، فأخذ عبد المطّلب الإِبل فنحرها، وأخذ ذا الهَرم ورجع وقد فضّله عليه
وفضّل قومه على قومه .
ذكر نذر عبد المطّلب أن ينحر ابنه
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا محمد بن عبدالله عن
الزهريّ عن قبيصة بن نؤيْب عن ابن عبّاس؛ قال الواقديّ: وحدّثنا أبو بكر بن أبي
سَبْرَة عن شيبة بن نِصاح عن الأعرج عن محمّد بن ربيعة بن الحارث وغيرهم، قالوا:
لما رأى عبد المطّلب قلّة أعوانه في حفر زمزم، وإنّما كان يحفر وحده وابنه الحارث
وهو بِكره، نَذَر لَئِن أكمّل الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم، فلما
تكاملوا عشرة، فهُم: الحارث والزّبير وأبو طالب وعبد الله وحمزة وأبو لهب والغيداق
والمقوّم وضِرار والعبّاس، جمعهم ثمّ أخبرهم بِنَذْره وَدَعاهُمْ إلى الوفاء لله به، فما
اختلف عليه منهم أحد وقالوا: أوفِ بنَذرك وافعل ما شِئْتَ، فقال: ليكتب كل رجل
منكم اسمه في قدحه، ففعلوا، فدخل عبد المطّلب في جوف الكعبة وقال للسّادن:
٧١

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
اضرب بقداحهم، فضرب، فخرج قدح عبدالله أوّلها، وكان عبد المطّلب يحبّه،
فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المدية، فبكى بنات عبد المطّلب، وكنّ
قياماً، وقالت إحداهُنّ لأبيها: أعْذِر فيه بأن تضرب في إبلك السوائم التي في الحرم،
فقال للسادن: اضرب عليه بالقداح وعلى عشر من الإِبل، وكانت الدية يومئذ عشراً
من الإِبل، فضرب، فخرج القدح على عبدالله، فجعل يزيد عشراً عشراً، كلّ ذلك
يخرج القدح على عبدالله حتى كملت المائة، فضرب بالقداح فخرج على الإِبل،
فكبّر عبد المطّلب والنّاس معه، واحتمل بنات عبد المطّلب أخاهنّ عبدالله، وقدّم
عبد المطّلب الإِبل فنحرها بين الصفا والمروة .
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني سعيد بن مسلم عن يعلى بن مسلم
عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس قال: لما نحرها عبد المطّلب خلّى بينها وبين كلّ
مَن وردها من إنْسِيّ أو سَبُع أو طائر لا يذُبّ عنها أحداً ولم يأكل منها هو ولا أحد من
ولده شيئاً.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبد الرحمن بن الحارث عن عكرمة
عن ابن عبّاس قال: كانت الدية يومئذ عشراً من الإِبل، وعبد المطّلب أوّل مَن سَنّ دية
النّفس مائة من الإِبل، فجرت في قريش والعرب مائة من الإِبل، وأقرّهَا رسولُ الله،
مَير، على ما كانت عليه .
قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ قال: حدّثني الوليد بن
عبد الله بن جُميع الزهريّ عن ابن لعبد الرحمن بن مَوْهَب بن رباح الأشعري حليف
بني زُهرة عن أبيه قال: حدّثني مَخْرَمَة بن نوفل الزهريّ قال: سمعتُ أمّي رُقَيْقة بنت
أبي صيفيّ بن هاشم بن عبد مَناف تحدّث، وكانت لدّةً عبد المطّلب، قالت: تتابعتْ
على قريش سنون ذهبن بالأمْوال وأشفين على الأنفس، قالت: فسمعتُ قائلاً يقول في
المنام: يا معشر قريش! إنّ هذا النبيّ المبعوث منكم، وهذا إبّان خروجه، وبه
يأتيكم الحَيّا والخِصْبُ، فانظروا رجُلاً من أوسطكم نسباً طُوالاً عظاماً أبيض مقرون
الحاجبين أهدب الأشفار جَعْداً سَهْلَ الخَدّيْن رقيق العِرْنِين، فليخرج هو وجميع
ولده، وليخرج منكم من كلّ بطن رجل، فتطهّروا وتطيّبوا ثمّ استلموا الرّكن، ثمّ ارْقَوْا
رأس أبي قُبيس، ثمّ يتقدّم هذا الرجل فيستسقي وتُؤمّنون فإنّكم سَتُسقّون، فأصبحت
. فقصّت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصّفة صفة عبد المطّلب، فاجتمعوا إليه، .
٧٢

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
وخرج من كلّ بطن منهم رجل، ففعلوا ما أمرتهم به، ثمّ عَلَوْا على أبي قُبْس ومعهم
النبي، وَّرَ، وهو غُلام، فتقدّم عبدُ المطّلب وقال: لاهُمّ هؤلاء عَبيدك وبنو عبيدك،
وإماؤك وبنات إمائك، وقد نزل بنا ما ترى، وتتابعتْ علينا هذه السّنون فذهبت
بالظّلف والخُفّ وأشْفتْ على الأنْفُس، فأذهِبْ عنّا الجَدْب وائتنا بالحيا والخِصْب!
فما برحوا حتى سالت الأدوية، وبرسول الله، وَله، سُقوا؛ فقالت رُقَيقة بنت أبي
صيْفيّ بن هشام بن عبد مناف:
وقَدْ فَقَدْنَا الحَيّا واجْلوّذَ المطرُ
بِشَيْيَةِ الحَمْدِ أَسْقَى اللهِ بَلْدَتْنَا
دانٍ فعاشتْ بهِ الأنعام والشّجَرُ
فَجَادّ بالماءِ جَوْنِيٌّ له سَبَلٌ
وخيرٍ مَن بُشّرَتْ يوماً بِهِ مُضَرُ
مَّأً مِنَ اللهِ بالميمونِ طائره
ما في الأنامِ لهُ عِدْلٌ ولا خَطَرُ
مبارَكِ الأمْرِ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِهِ
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا عبدالله بن عثمان بن أبي
سليمان عن أبيه قال: وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن البَيْلماني عن أبيه قال:
وحدّثنا عبدالله بن عمرو بن زهير الكعبي عن أبي مالك الحِمْيَري عن عطاء بن يَسَار
قال: وحدّثنا محمد بن سعيد الثقفي عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عُدُّس عن عمّه
أبي رَزين العُقَيْلي قال: وحدّثنا سعيد بن مسلم عن عبدالله بن كثير عن مجاهد عن
ابن عبّاس، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: كان النجاشي قد وجّه
أرياط أبا أصحم في أربعة آلاف إلى اليمن فأداخها وغلب عليها فأعطى الملوك
واستذلّ الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكسوم فدعا إلى
طاعته فأجابوه، فقتل أرياط وغلب على اليمن، فرأى الناس يتجهّزون أيّام الموسم
للحجّ إلى بيت الله الحرام، فسأل: أين يذهب الناس؟ فقال: يحجّون إلى بيت الله
بمكّة، قال: ممّ هو؟ قالوا: من حجارة، قال: وما كِسْوَته؟ قالوا: ما يأتي من ههنا،
الوصائل، قال: والمسيحِ لأَبْنِيَنّ لكم خيراً منْه! فبنى لهم بيتاً عمله بالرّخام الأبيض
والأحمر والأصفر والأسود وحلّه بالذهب والفضّة، وحقّه بالجوهر، وجعل له أبواباً
عليها صفائح الذّهب، ومسامير الذهب، وفصّل بينها بالجوهر، وجعل فيها ياقوتة
حمْراء عظيمة وجعّل له حجاباً، وكان يوقد فيه بالمَنْدليّ، ويلطّخ جُدُرَهُ بالمسْك فيسودٌ
حتى يغيب الجوهر، وأمر النّاس فحجّوه، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث
فيه رجال يتعبّدون ويتألّهون ونسكوا له، وكان نُفَيْل الخثعميّ يُوَرّضُ له ما يكره،
٧٣

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
فأمهل، فلمّا كان ليلة من اللّيالي لم يرَ أحداً يتحرك فقام فجاء بِعَذِرَةٍ فلطّخ بها قبلتّه
وجمع جِيفاً فألقاها فيه، فأُخبر أبرهةُ بذلك فغضب غضباً شديداً وقال: إنّما فعلت هذا
العرب غضباً لبيتِهِمْ، لأنقضنَّه حجراً حجراً! وكتب إلى النّجاشيّ يخبره بذلك ويسأله
أن يبعث إليه بفيله محمود، وكان فِيلًا لم يُرّ مثله في الأرض عظماً وجسماً وقُوّة،
فبعث به إليه، فلمّا قدم عليه الفيل سار أبرهةُ بالنّاس ومعه مَلِكُ حِميْرَ ونُفَيْل بن حبيب
الخثعميّ، فلمّا دنَا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نَعَم النّاس، فأصابوا إبلا
لعبد المطّلب، وكان نُفَيْل صديقاً لعبد المطّلب فكلّمه في إبله فكلّم نفيلٌ أبرهة فقال:
أيّها الملكُ قد أتاك سيّد العرب وأفضلهم وأعظمهم شرفاً يحمل على الجياد ويُعطي الأموال
ويُطعم ما هبّت الرّيح، فأدخله على أبرهة، فقال له: حاجتك؟ قال: تردّ عليّ إبلي،
قال: ما أرى ما بلغني عنك إلّ الغُرور وقد ظننتُ أنّك تُكلّمني في بيتكم هذا الذي هو
شرفكم! قال عبد المطّلب: ارددْ عليّ إبلي ودونك والبيت فإنّ له رباً سيمنعه! فأمر بردّ
إبله عليه، فلمّا قبضها قلّدها النّعال وأشعرها وجعلها هَذْياً وبثَّها في الحرم لكي
يُصابَ منها شيء فيغضب ربّ الحرم، وأوفى عبد المطّلب على حِراء ومعه عمرو بن
عائذ بن عمران بن مخزوم ومُطْعِم بن عديّ وأبو مسعود الثقفيّ فقال عبد المطّلب:
چِلالَكْ
فَامْنَعْ
لاهُمّ إنّ المَرْءِ يمِنْعُ رَحْلَهُ
مِحـالـك
غَدْواً
لا يَغْلِيَنّ صَلِبُهُم وَمِحالُهُم
فأمْرٌ ما بدا لّكْ
إِن كُنتَ تارِكَهُمْ وَقِبْلَتْنَا
قال: فأقبلت الطَّيرُ من البحر أبابيل مع كلّ طائرٍ ثلاثة أحجار، حجران في
رجليه، وحجر في منقاره، فقذفت الحجارة عليهم لا تصيب شيئاً إلّ هشمتْه وإلّ نَفِطَ
ذلك الموضع، فكان ذلك أوّل ما كان الجُدَريّ والحَصْبَة والأشْجار المُرّة فأهمدتهم
الحجارة وبعث الله سَيْلاً أتّاً فذهب بهم فألقاهم في البحر، قال: وولّى أبرهة ومَن
بقي معه هُرّاباً، فجعل أبرهة يسقط عضواً عضواً، وأمّا محمود الفيل، فيل النجاشيّ،
فربض ولم يشجع على الحرم فنجا، وأمّا الفِيل الآخر فشجع فحُصب، ويُقال: كانت
ثلاثة عشر فيلاً، ونزل عبد المطّلب من حراء فأقبل عليه رجلان من الحبشة فقبّلا رأسه
وقالا له: أنت كنتَ أعلم.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السّائب الكلبيّ عن أبيه قال: وَلَدَ
عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف اثني عشر رجلاً وستّ نسوة: الحارث، وهو أكبر
٧٤

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
ولده وبه كان يكنّى ومات في حياة أبيه، وأمّه صفيّة بنتُ جُنيدب بن حُجير بن
زبّاب بن حبيب بن سُواءةً بن عامر بن صعصعة، وعبدالله أبا رسول الله،
والزّبَيرَ، وكان شاعِراً شريفاً، وإليه أوصى عبد المطّلب، وأبا طالب واسمه
عبد مناف، وعبدَ الكعبة، مات ولم يُعقِبْ، وأمّ حكيم، وهي البيضاء، وعاتكة،
وبّة، وأميمَةً، وأرْوَى، وأمّهم فاطمة بنت عمروبن عائذ بن عمران بن مخزوم بن
يَقَظّة بن مرة بن كعب بن لؤي، وحمزة، وهو أسد الله وأسد رسوله شهد بدراً واستُشهد
يوم أُحُد، والمقوّم، وحَجْلًا واسمه المغيرة، وصفية، وأمّهم هالة بنت وُهيب بن
عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وأمّها العَيّلة بنت المطّلب بن عبد مَناف بن قُصيّ،
والعبّاسَ، وكان شريفاً عاقلاً مهيباً، وضراراً، وكان من فتيان قريش جمالاً وسخاءً،
ومات أيام أوحى الله إلى النبي، وَ له، ولا عَقِبَ له، وقُثُمَ بن عبد المطلب لا عقب
له، وأمّهم نُتَيْلَة بنت جناب بن كُليب بن مالك بن عمروبن زيد مناة بن عامر، وهو
الضّحْيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن
دُعْميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، وأبا لهب بن
عبد المطّلب واسمه عبد العزّى ويكنى أبا عُتبة، كنّاه عبد المطّلب أبا لهب لحسنه
وجماله، وكان جواداً، وأمّه لُبْنِى بنت هاجِر بن عبد مناف بن ضاطر بن حُبْشِيّة بن
سلول بن كعب بن عمرو من خُزاعة، وأمّها هِند بنت عمروبن كعب
ابن سعد بن تيم بن مُرّة، وأمّها السوداء بنت زُهرة بن كلاب، والغَيْداقَ بن
عبد المُطّلب، واسمه مُصعب، وأمّه ممنّعة بنت عمرو بن مالك بن مؤمّل بن سَوَيْد بن
أسْعد بن مشنوء بن عبد بن حَبْتر بن عديّ بن سلول بن كعب بن عمرو من خزاعة ،
وأخوه لأمّه عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زُهرة أبو عَبد الرحمن بن عوف.
قال الكلبيّ: فلم يكن في العرب بنو أب مثل بني عبد المطّلب أشرف منهم ولا
أجسم، ثُمّ العرانين، تشرب أنوفهم قبل شفاههم؛ وقال فيهم قُرّة بن حَجْل بن
عبد المطلب:
واللّثَ حمْزَةً واعدُدِ العبّاسا
اعدُدْ ضِراراً إن عدَدتَ فتى نَدَّى
والصّتْمَ حَجْلاً والفتى الرّآَسَا
واعدُدْ زُبَيراً والمُقوّمَ بعدَه
والقرْمَ عبد منّاف والجسّاسا
وأبا عُتَيْبَةً فاعْدُدَنْهُ ثامِناً
سادوا على رغم العدوّ النّاسا
والقرْمَ غَيْداتاً تَعُدّ جَحاجِحاً
٧٥

Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
والحارثَ الفيّاضَ وَلَّى ماجِداً أيام نازعه الهُمامُ الكاسَا
خَيْراً ولا كأُناسِنَا أُنّاسَا
ما في الأنام عُمومَةٌ كعمومتي
قال: فالعَقِب من بني عبد المطّلب للعبّاس، وأبي طالب، والحارث، وأبي
لهب، وقد كان لحمزة، والمقّم، والزّبير، وحَجْل بني عبد المطّلب أولاد لأصلابهم
فهلكوا والباقون لم يُعْقبوا، وكان العدد من بني هاشم في بني الحارث ثم تحوّل إلى
بني أبي طالب ثمّ صار في بني العبّاس.
*
ذكر تزوُّج عبدالله بن عبد المطّلب آمنة بنت
وهب أمّ رسول الله، حَلّ
قال: حدّثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني عبدالله بن جعفر
الزهريّ عن عمّته أمّ بكر بنت المِسْوَر بن مَخْرَمَة عن أبيها قال: وحدّثني عمر بن
محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن يحيى بن شبل عن أبي جعفر محمد بن
عليّ بن الحسين قالا: كانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب في حجر
عمّها وُهيب بن عبد مَناف بن زهرة، فمشى إليه عبد المطّلب بن هاشم
ابن عبد مناف بن قُصيّ بابنه عبدالله بن عبد المطّلب أبي رسول الله، وصار،
فخطب عليه آمنة بنت وهب فزوّجها عبدالله بن عبد المطّلب، وخطب إليه
عبد المطلب بن هاشم في مجلسه ذلك ابنته هالة بنت وُهيب على نفسه فزوّجه إيّاها،
فكان تَزَوّجُ عبد المطلب بن هاشم وتزوّج عبدالله بن عبد المطّلب في مجلس واحد،
فولدت هالة بنت وهيب لعبد المطّلب حمزة بن عبد المطّلب، فكان حمزة عمّ رسول
الله، وَ﴾، في النّسب وأخاه من الرّضاعة.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ عن أبيه وعن أبي الفّاض
الخثعميّ قالا: لمّا تزوّج عبدالله بن عبد المطّلب آمنة بنت وهب أقام عندها ثلاثاً،
وكانت تلك السُنّة عندهم إذا دخل الرّجل على امرأته في أهلها.
*
*
ذكر المرأة التي عرضت نفسها
علی عبدالله بن عبد المطّلب
وقد اختلف علينا فيها، فمنهم من يقول: كانت قُتيلة بنت نوفل بن أسد بن
٧٦