النص المفهرس
صفحات 161-180
قال محمد بن عمر: ثمّ رجع إلى المدينة فمات بها ولم يُسْمَعْ له بذِكْرٍ بعد عمر بن الخطّاب. ومن بني فِھْر بن مالك [٤٢٧] - سَهْل ابن بَيْضاء وهي أمّه، وأبوه وهب بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضَبّة بن الحارث بن فِهْر بن مالك. وأمّه البيضاء وهي دَعْدُ بنت جَحْدَم بن عمرو بن عائش بن ظَرِب بن الحارث بن فهر. أسلم بمكّة وكتم إسلامه فأخرجته قريش معها في نَّفير بدرٍ فشهد بدراً مع المشركين فأُسرَ يومئذٍ، فشهد له عبدالله بن مسعود أنّه رآه يصلّي بمكّة فخلّي عنه. والذي روى هذه القصّة في سُهيل ابن بيضاء قد أخطأ. سُهيل ابن بيضاء أسلم قبل عبدالله بن مسعود ولم يَسْتَخْفِ بإسلامه، وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً مع رسول الله، وَّر، مسلماً لا شكّ فيه، فغلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه لأنّ سُهيلاً أشهر من أخيه سَهْل. والقصّة في سهل. وأقام سهل بالمدينة بعد ذلك وشهد مع النبيّ، وَّليل، بعض المشاهد وبقي بعد النبيّ، وَّل . [٤٢٨] - عمرو بن الحارث بن زُهير بن أبي شدّاد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضَبّة بن الحارث بن فهر بن مالك. وأمّه هند بنت المضرّب بن عمرو بن وهب بن حُجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لُؤيّ. وكان قديم الإِسلام بمكّة وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية في رواية محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر، ولم يذكره موسى بن عقبة وأبو معشر فيمن هاجر إلى أرض الحبشة. ٥٠ [٤٢٩] - عثمان بن عبد غنم بن زُهيربن أبي شدّاد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبّة بن الحارث بن فِهْر بن مالك. وكان هشام بن محمد يقول في كتاب النسب: هو عامر بن عبد غَنْم ويُكْنى أبا نافع، وأمّه بنت عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زُهْرة عمّة عبد الرحمن بن عوف. وكان له من الولد نافع وسعيد وأمّهما بَرْزة بنت مالك بن عبيد الله بن شهاب بن عبدالله بن الحارث بن زُهْرة. وكان قدیم الإِسلام بمكّة وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية في رواية موسى بن عقبة [٤٢٧] المغازي (١١٠)، ابن هشام (٣٧٩/١، ٦٨٥). [٤٢٨] ابن هشام (٣٣٠/١، ٣٦٩، ٦٨٥). [٤٢٩] ابن هشام (٣٣٠/١)، (٣٦٧/٢). ١٦١ ومحمد بن إسحاق وأبي معشر ومحمد بن عمر، ومات بعد ذلك ولا عَقِبَ له. [٤٣٠] - سعيد بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أميّة بن الحارث بن فهر بن مالك. وكان قديم الإِسلام بمكّة وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية في رواية موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأبي معشر ومحمد بن عمر. * ومن سائر العرب [٤٣١] - عمروبن عَبّسة بن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خَلَف بن مازن بن مالك بن ثعلبة بن بُهْثة بن سُليم بن منظور بن عِكْرِمة بن خَصَفة بن قيس بن عَيْلان بن مُضَر، ويُكنى أبا نجيح. قال: أخبرنا يزيد بن مروان قال: أخبرنا جرير بن عثمان قال: حدّثنا سُليم بن عامر عن عمرو بن عَبَسة قال: أتيتُ رسول الله، وَّةَ، وهو بعُكاظ فقلتُ: مَن تبعك في هذا الأمر؟ قال: حُرّ وعبدٌ. وليس معه إلّ أبو بكر وبلال. فقال: انطلق حتى يُمَكّنَ الله لرسوله. قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدّثنا معاوية بن صالح عن أبي يحيى سُليم بن عامر وضَمْرة وأبي طلحة أنّهم سمعوا أبا أمامة الباهليّ يحدّث عن عمرو بن عَبَسة قال: أتيتُ رسول الله، وََّ، وهو نازل بعُكاظ، قال قلتُ: يا رسول الله مَن معك في هذا الأمر؟ قال: معي رجلان أبو بكر وبلال. قال فأسلمتُ عند ذلك، قال فلقد رأيتُنِي رُبُعَ الإِسلام. قال فقلتُ: يا رسول الله أمْكُثُ معك أم ألْحَقُ بقومي؟ قال: ((الحَقْ بقومك)). قال ((فيوشكُ الله تعالى أن يَفِيَ بمَن ترى ويُحْبِيَ الإِسلام)). قال ثمّ أتيتُه قبل فتح مكّة فسلّمتُ عليه، قال وقلتُ: يا رسول الله أنا عمرو بن عَبَسة السّلَمَيّ أُحِبّ أن أسألك عمّا تعلم وأجْهَلُ وينفعني ولا يضرّك. قال: أخبرنا سليمان بن حَرْب قال: حدّثنا حمّاد بن سَلَمة عن يَعْلى بن عطاء عن يزيد بن طَلْق عن عبد الرحمن بن البَّيْلماني عن عمرو بن عَبَسة قال: أتيتُ النبيّ، وَهُ، فقلتُ: يا رسول الله مَن أسلم؟ قال: ((حُرّ وعبد))، أو قال: ((عبد وحرّ))، [٤٣١] الإصابة (٥/٣)، والاستيعاب (٤٩٨/٢)، وتهذيب التهذيب (٦٩/٨٨)، وتقريب التهذيب (٧٤/٢). ١٦٢ يعني أبا بكر وبلالاً. قال: فأنا رابع الإِسلام. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا عبد الرحمن بن عثمان الأشجعيّ عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن عمرو بن عبسة أنّه كان ثالثاً أو رابعاً في الإِسلام. قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسيّ قال: حدّثنا عِكْرِمة بن عمّار قال: حدّثنا شدّاد بن عبدالله أبو عمّار، وكان قد أدرك نفراً من أصحاب رسول الله، وَلّ، قال: قال أبو أمامة: يا عمروبن عبسة، لصاحب العُقُل رجل من بني سُليم، بأيّ شيءٍ تدّعي أنّك رُبُعُ الإِسلام؟ قال: إني كنتُ في الجاهلية أرى الناس على ضلالة ولا أرى الأوثان بشيءٍ، ثمّ سمعتُ عن رجلٍ يُخْبرُ أخباراً بمكّة ويحدّث بأحاديث، فركبتُ راحلتي حتى قدمتُ مكّة فإذا أنا برسولَ الله، وََّ، مستخفياً، وإذا قومه عليه جُزْءان، فتلطّفتُ حتى دخلتُ عليه فقلتُ: ما أنت؟ قال: ((أنا نبيّ))، فقلت: وما نبيّ؟ قال: ((رسول الله))، قلتُ: الله أرسلك؟ قال: ((نعم))، قلتُ: فبأيّ شيءٍ؟ قال: ((بأن يوَحَّدَ الله ولا يُشْرَكَ به شيءٌ وكَسْرِ الأوثان وصِلَةِ الأرحام)). فقلتُ له: مَن معك على هذا؟ قال: ((حُرّ وعبد)). وإذا معه أبو بكر وبلال. فقلتُ له: إنّي مُتَّبِعُكَ، قال: ((إنّك لا تستطيع ذلك يومَك هذا ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعتَ لي قد ظهرتُ فالحَقْ بي)). قال فرجعتُ إلى أهلي وخرج النبيّ، وَّهَ، مهاجراً إلى المدينة وقد أسلمتُ. قال فجعلت أتخبّر الأخبار حتى جاء رَكْبُه من يثرب فقلتُ: ما فعل هذا الرجل المكّيّ الذي أتاكم؟ فقالوا: أراد قومُه قَتْلَه فلم يستطيعوا ذاك وحيل بينهم وبينه، وتركتُ الناس إليه سِراعاً فركبتُ راحلتي حتى قدمتُ عليه المدينة فدخلتُ عليه فقلتُ: يا رسول الله تعرفني؟ قال: ((نعم، ألستَ الذي أتَّيْتَني بمكّة؟)) فقلتُ: بلى، فقلتُ يا رسول الله عَلّمْني ممّا علّمكَ الله وأجْهَلُ، فقال: ((إذا صَلّيْتَ الصّبْحَ فَأقْصِرْ عن الصلاة حتى تَطْلُعَ الشمسُ فإذا طلعَتْ فلا تُصَلّ حتى ترتفعَ فإنّها تطلع بين قَرْنَيْ شيطان وحينئذ يسجد لها الكُفّار، فإذا ارتفعَتْ قيدَ رُمْحٍ أوْ رُمْحَينٍ فصَلّ فإنّ الصّلاةَ مشهودة محضورة حتى يستقبلَ الرّمْحُ بالظلّ، ثمّ أَقْصِرْ عن الصلاة فإنّها حينئذٍ تسجد جَهَنْمُ، فإذا فاءَ الفَيْءُ فصَلّ فإنّ الصلاةَ مشهودة محضورة حتى تُصَلّيَ العصر، ثمّ أَقْصِرْ عن الصّلاة حتى تغرب الشمسُ فإنّها تغرب بين قَرْنَيْ شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكُفّار)). قال قلتُ: يا رسول الله أخْبرْني عن الوضوء، فقال: ((ما منكم من رجلٍ يقرّب وضوءه فيمضمض ويمجّ ثمّ يستنشق وينثر إلّا جرتْ خطايا فيه وخياشيمه مع ١٦٣ الماء، ثمّ يغسل وجهه كما أمره الله إلّ جَرَتْ خطايا وَجْهِه من أطراف لحيته مع الماء، ثمّ يغسل يديه إلى المِرْفقين إلّ جَرَتْ خطايا رأسه من أطراف شَعْره مع الماء، ثمّ يغسل قَدَمَيْه إلى الكعبين كما أمره الله إلّ جرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثمّ يقوم ويحمد الله ويُثني عليه الذي هو له أهلٌ، ثمّ يركع ركْعَتَينٍ إلّ انصرف من ذنوبه كهيئته يومَ ولدَته أمّه)). فقال أبو أمامة: يا عمرو بن عَبَسة انْظُرْ ماذا تقول، أأنتَ سمعتَ هذا من رسول الله، وََّ، ويُعْطِى الرجلُ هذا كلّه في مقامه؟ فقال عمرو بن عَبَسة: يا أبا أمامة لقد كَبِرت سني ورقّ عَظْمي واقترب أجلي وما بي من حاجة أكذب على الله وعلى رسوله، وَ ﴿، لو لم أسْمَعْهُ من رسول الله إلّ مرّةً أو مرّتين أو ثلاثاً، لقد سمعتُه سبعاً أو ثمانياً أو أكثر من ذلك. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني الحجّاج بن صَفْوان عن ابن أبي حُسين عن شَهْر بن حَوْشَب عن عمرو بن عَبَسة السّلَميّ قال: رَغِبْتُ عن آلهة قومي في الجاهليّة وذلك أنّها باطل، فلقيتُ رجلاً من الكتّاب من أهل تَيْماءَ فقلتُ: إني امرؤ ممن يعبد الحجارة فينزل الحيّ ليس معهم إلّهُ فيخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجارٍ فينصب ثلاثة لقِدْرِه ويجعل أحسنها إلَهاً يعبده، ثمّ لعلّه يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره إذا نزل منزلاً سواه، فرأيتُ أنّه إلّهُ باطلٌ لا ينفع ولا يضرّ فدُلّني على خير من هذا، فقال: يخرج من مكّة رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، فإذا رأيتَ ذلك فاتّبعه فإنّه يأتي بأفضل الدين. فلم تكن لي همّة منذ قال لي ذلك إلّ مكّة فآتيَ فأسأل: هل حدَث فيها حدثٌ؟ فيقال: لا. ثمّ قدمتُ مرّةً فسألتُ فقالوا حدثَ فيها رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها. فرجعتُ إلى أهلي فشددتُ راحلتي برحلها ثمّ قدمتُ منزلي الذي كنتُ أنزل بمكّة، فسألتُ عنه فوجدتُه مستخفياً ووجدتُ قريشاً عليه أشِدّاءَ، فتلطّفتُ حتى دخلتُ عليه فسألتُه فقلتُ: أيّ شيءٍ أنت؟ قال: ((نبيّ))، قلتُ: ومَن أرسلك؟ قال: ((الله))، قلتُ: وبمَ أرسلك؟ قال: ((بعبادة الله وَحْدَه لا شريك له وبحقْنِ الدّماء وبكسر الأوثان، وصِلةٍ الرحم، وأمان السبيل)). فقلتُ: نِعْمَ ما أُرْسِلْتَ به قد آمَنْتُ بك وصدّقتُك، أتأمرني أمكثُ معك أو أنصرف؟ فقال: ((ألا ترى كراهةَ الناس ما جئتُ به؟ فلا تستطيع أن تمكث، كُن في أهلك فإذا سمعتَ بي قد خرجتُ مَخْرَجاً فاتْبَعْني)). فمكثتُ في أهلي حتى إذا خرج إلى المدينة سرتُ إليه فقدمتُ المدينةَ فقلتُ: يا نبيّ الله أتعرفني؟ ١٦٤ قال: ((نعم، أنتَ السّلَميّ الذي أتيتَني بمكّة فسألتني عن كذا وكذا، فقلتُ لك كذا وكذا)) فاغتنمتُ ذلك المجلس وعلمتُ أن لا يكونَ الدهر أفرغ قلباً لي منه في ذلك المجلس، فقلتُ: يا نبيّ الله أيّ الساعات أسمع؟ قال: ((الثّلُثُ الآخرُ فإنّ الصلاة مشهود مقبولة حتى تطلع الشمس، فإذا رأيتها طلعت حمراءَ كأنّها الحَجَفَةِ فَأَقْصِرْ عنها فإنّها تطلع بين قرني شيطانٍ فيصلّي لها الكُفّار، فإذا ارتفعتْ قيدَ رُمْحٍ أو رُمحينٍ فإنّ الصلاةَ مشهودة مقبولة حتى يساوي الرجل ظِلّه، فأقْصِرْ عنها فإنها حينئذٍ تسجد جَهَنّمُ، فإذا فاء الفَيْءُ فصَلّ فإنّ الصلاة مشهودة مقبولة حتى تغرب الشمس، فإذا رأيتَها غربَتْ حمراء كأنّها الحجَفَة فأقْصِرْ)) ثمّ ذكر الوضوءَ فقال: ((إذا توضّأتَ فغسلتَ يديكَ ووجهك ورجليك فإن جلستَ كان ذلك لك طَهوراً وإنْ قُمتَ فصلّيتَ وذكرتَ ربّك بما هو أهلُه انصرفتَ من صلاتك كهيئتك يومَ ولدَتْك أمّك من الخطايا)». قال محمد بن عمر: لما أسلم عمروبن عَبَسة بمكّة رجع إلى بلاد قومه بني سُليم، وكان ينزل بصفّة وحاذة وهي من أرض بني سُليم، فلم يزل مُقيماً هناك حتى مَضَتْ بدر وأحد والخندق والحُديبية وخيبر، ثم قدم على رسول الله، وَّر، بعد ذلك المدینةَ . [٤٣٢] - أبو ذَرّ واسمه جُنْدُب بن جُنادة بن كُعيب بن صُعير بن الوَقْعة بن حرام بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غِفار بن مُليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خُزيمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: سمعتُ موسى بن عُبيدة يُخْبرُ عن نُعيم بن عبدالله المُجْمِر عن أبيه قال: اسم أبي ذرّ جندب بن جُنادة. وكذلك قال محمد بن عمر وهشام بن محمد بن السائب الكلبيّ وغيرهما من أهل العلم. [٤٣٢] المغازي (٥٣٨)، (٥٣٩)، (٥٤٨)، (٥٧١)، (٦٣٧)، (٨١٩)، (٨٤٩)، (٨٥٠)، (٨٩٦)، (١٠٠١)، وابن هشام (١٢٧/١، ١٦١، ١٦٢، ١٨٥، ٢٧٤، ٣٢١، ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٦، ٣٢٨، ٣٣٢، ٣٧٨، ٣٨٦، ٤١٥، ٤٢٦، ٤٩٧، ٥٠٦، ٥٢٩)، (٧٦/٢، ١٢٤، ١٦٨، ٢٠٣، ٢١٢، ٢٤٣، ٢٥٧، ٢٥٨، ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٧٨، ٢٨٩، ٣٠٤، ٣٠٧، ٣٢٤، ٣٣٩، ٣٤١، ٣٦٠، ٣٨٤، ٣٨٦، ٣٨٨، ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٤، ٣٩٩، ٤١٨، ٤٢٠، ٤٢٨، ٤٥٤، ٤٥٥، ٤٧٧، ٤٩٧، ٤٩٩، ٥١٤، ٥٢٣، ٥٢٤، ٥٢٥، ٥٢٧، ٥٦١). ١٦٥ قال محمد بن عمر: وسمعتُ أبا معشر نَجيحاً يقول: واسم أبي ذرّ بُرير بن جنادة . قال: أخبرنا هاشم بن القاسم الكنانيّ أبو النضْر قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حُميد بن هلال عن عبدالله بن الصامت الغِفاريّ عن أبي ذرّ قال: خرجنا من قومنا غفار وكانوا يُحِلّون الشهرَ الحرامَ، فخرجتُ أنا وأخي أُنيس وأُمّنا فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا فأكرمنا خالُنا وأحسن إلينا، قال فحسدنا قومُه فقالوا له: إنّك إذا خرجتَ عن أهلك خالف إليهم أنيس. قال فجاء خالنا فنشا علينا ما قيل له فقلتُ: أما ما مضى من معروفٍ فقد كدّرتَ ولا جماعَ لك فيما بعدُ. قال فقرّبنا صِرْمَتَنَا فاحتملنا عليها وتغطّى خالنا بثوبه وجعل يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكّة، فنافر أنيس عن صِرْمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخبّر أنيساً بما هو عليه، قال فأتانا بصرمتنا ومثلها معها وقد صلّیتُ بابن أخي قبل أن ألقى رسولَ الله، وَِّ، ثلاث سنين. فقلتُ: لمن؟ قال: لله. فقلتُ: أين تَوَجّهُ؟ قال: أَتَوَجّهُ حيث يُوَجّهُني الله، أصلّي عشاءً حتى إذا كان من آخر السّحَرِ أُلْقيتُ كأنّي خِفاءٌ حتى تعلوني الشمس. فقال أنيس: إنّ لي حاجة بمكّة فاكْفِني حتى آتيَك. فانطلق أُنيس فراث عليّ، يعني أبطأ، ثمّ جاء فقلتُ: ما حبسك؟ قال: لقيتُ رجلًا بمكّة على دينك يزعم أنّ الله أرسله. قال: فما يقول الناس له؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء، فقال أُنيس: والله لقد سمعتُ قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قوله على أقراء الشّعْر فلا يلتئِمُ على لسان أحدٍ بعيد أنّه شعر، والله إنّه لصادق وإنّهم لكاذبون! فقلتُ: اكفني حتى أذهب فأنظر. قال: نعم، وكُنْ من أهل مكّة على حَذَرٍ فإنّهم قد شنعوا له وتجهّموا له. فانطلقتُ فقدمتُ مكّة فاستضعفتُ رجلاً منهم فقلتُ: أين هذا الذي تَدْعونَ الصابىء؟ قال فأشار إليّ فقال: هذا الصابىء. فمال عليّ أهلُ الوادي بكلّ مَدَرَةٍ وعَظْمٍ فخررتُ مغشياً عليّ فارتفعتُ حين ارتفعتُ كأنّي نَصْب أحمر، فأتيتُ زمزمَ فشربتُ من مائها وغسلتُ عني الدّماء فلبثتُ بها يا ابنَ أخي ثلاثين من بين ليلةٍ ويومٍ ما لي طعام إلّ ماء زمزم، فسَمِنْتُ حتى تكسّرتْ عُكَنُ بطني وما وجدتُ على كبدي سَخْفَة جوعٍ . قال فبينا أهلُ مكّة في ليلةٍ قَمْراءَ إضحيان إذ ضرب الله على أصْمِخَتِهِم فما يطوف بالبيت أحد منهم غير امرأتين، فأتتا عليّ وهما تدعوان إسافاً ونائلةَ. قال فقلتُ أنْكِحا أحدهما الآخر، فما ثناهما ذلك عن قولهما. قال فأتتا عليّ فقلتُ: هَناً مثلُ الخشَبَةِ غير أني لم أكْنٍ، ١٦٦ فانطلقتا تُوَلْوِلانٍ وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا. قال فاستقبلهما رسول الله، وَ ر، وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال: ((ما لكما؟)) قالتا: الصابىء بين الكعبة وأستارها، قال: ((فما قال لكما؟)) قالتا: قال لنا كلمة تَمْلأ الفَمَ. فجاء رسول الله؛ وََّ، وصاحبه فاستلما الحجَرَ وطافا بالبيت ثمّ صلّى فأتيتُه حين قضى صلاتَه فكنتُ أوّل من حيّاه بتحيّة الإِسلام، فقال: ((وعليك رحمة الله، ممّن أنت؟)) قال قلتُ: من غِفار، فأهوى بيده إلى جَبْهَته هكذا، قال قلتُ في نفسي : كَرِهَ أني انتميتُ إلى غِفار. فذهبتُ آخذ بيده فقد عَنيَ صاحبه وكان أعلم به مني فقال: ((متى كنت هاهنا؟)) قلتُ: كنتُ هاهنا منذ ثلاثين من بين ليلةٍ ويومٍ ، قال: ((فَمَن كان يُطْعِمُك؟)) قال قلتُ: ما كان لي طعام إلّ ماء زمزم فسَمِنْتُ حتى تكسّرت ◌ُكَنُ بطني فما وجدتُ على كبدي سَخْفَةَ جوعٍ. فقال رسول الله، وَلَ: ((إنّها مباركة، إنّها طعام طُعْمٍ)). قال أبو بكر: يا رسول الله ائْذَنْ لي في طعامه الليلةَ، قال ففعل فانطلق النبيّ، وَّ، وأبو بكر وانطلقتُ معهما، ففتح أبو بكر باباً فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. فقال أبو ذرّ: فذاك أوّل طعامٍ أكلتُه بها. قال فغبرتُ ما غبرتُ فلقيتُ رسول الله، وَّه، فقال: ((إنّه قد وُجّهْتُ إلى أرضٍ ذاتِ نخل ولا أحْسِبُها إلّ يثرب فهل أنتِ مُبْلِغٌ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجوك فيهم؟)) فانطلقتُ حتى لقيتُ أخي أُنيساً فقال: ما صنعت؟ قلتُ: صنعتُ أني قد أسلمتُ وصدّقتُ. قال أُنيس: ما بي رغبةٌ عن دينك فإنّي قد أسلمتُ وصدّقتُ. قال فأتينا أمّنا فقالت: ما بي رغبةٌ عن دينكما فإنّي قد أسلمتُ وصدّقتُ، قال فاحتملنا فأتينا قومَنا فأسلم نِصْفُهم قبل أن يقدم رسول الله، وََّ، المدينة. وكان يؤمّهم إيماءُ بن رَحْضة، وكان سيّدهم، وقال بقيّتهم: إذا قدم رسول الله، وَ﴿ل، المدينةَ أسلمنا. فقدم رسول اللّه، وَّ، فأسلم بقيّتهم وجاءت أسْلَمُ فقالوا: يا رسول الله نُسْلِمُ على الذي أسلم إخوتُنا. فأسلموا فقال رسول الله، وََّ: ((غِفارٌ غَفَرَ الله لها وأسْلَمُ سالمَها الله)). قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سَبْرة عن يحيى بن شِبْل عن خُفاف بن إيماء بن رحْضة قال: كان أبو ذرّ رجلاً يصيب الطريق وكان شجاعاً يتفرّد وَحْدَه يقطع الطريق ويُغير على الصِّرَم في عَماية الصبح على ظهر فرسه أو على قدميه كأنّه السّبُعُ، فيطرق الحيّ ويأخذ ما أخذ، ثمّ إنّ الله قذف في قلبه الإِسلام وسمع بالنبيّ، وَّ، وهو يومئذٍ بمكّة يدعو مختفياً، فأقبل يسأل عنه حتى أتاه ١٦٧ في منزله، وقبل ذلك قد طلب مَن يوصله إلى رسول الله، وَّر، فلم يجد أحداً فانتهى إلى الباب فاستأذن فدخل، وعنده أبو بكر وقد أسلم قبل ذلك بيوم أو يومين، وهو يقول: يا رسول الله والله لا نستسرّ بالإِسلام وَلَنُظْهِرَنّه. فلا يردّ عليه رسول الله، وَه، شيئاً. فقلت: يا محمد إلى مَ تدعو؟ قال: ((إِلى الله وَحْدَه لا شريك له وخَلْعِ الأوثان وتشهد أني رسول الله)). فقلت: أشهد أن لا إله إلّ الله وأشهد أنّك رسول الله. ثمّ قال أبو ذرّ: يا رسول الله إني منصرف إلى أهلي وناظرٌ متى يُؤمَرُ بالقتال فألحَقُ بك فإني أرى قومك عليك جميعاً. فقال رسول الله، وَّته: ((أصبتَ فانصرف)). فكان يكون بأسفل ثنّة غَزال فكان يعترض لعِيَرات قريش فيقتطعها فيقول: لا أردّ إليكم منها شيئاً حتى تشهدوا ألّ إلهَ إلّ الله وأنّ محمداً رسول الله، فإن فعلوا ردّ عليهم ما أخذ منهم وإن أبوا لم يَرُدّ عليهم شيئاً. فكان على ذلك حتى هاجر رسول الله، وَّر، ومضى بدر وأُحُد، ثمّ قدم فأقام بالمدينة مع النبيّ، وَار. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني نَجيح أبو معشر قال: كان أبو ذَرٌ يَتألّه في الجاهلية ويقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام. فمرّ عليه رجل من أهل مكة بعدما أوحي إلى النبيّ، وَله، فقال: يا أبا ذرّ إن رجلاً بمكّة يقول مثل ما تقول لا إله إلا الله، ويزعم أنه نبيّ، قال: ممّن هو؟ قال: من قريش، قال فأخذ شيئاً من بَهْشٍ وهو المُقْلُ فتزوده حتى قدم مكة فرأى أبا بكر يُضيف الناس ويُطْعِمُهم الزبيب، فجلس معهم فأكل ثم سأل من الغد: هل أنكرتم على أحدٍ من أهل مكة شيئاً؟ فقال رجل من بني هاشم: نعم، ابن عمّ لي يقول لا إله إلا الله ويزعم أنّه نبيّ. قال: فدُلّني عليه، قال فدلّه، والنبيّ، وََّ، راقد على دُكان قد سدل ثوبه على وجهه، فنّهه أبو ذرّ فانتبه فقال: انْعَمْ صباحاً، فقال له النبيّ: عليك السلام، قال له أبو ذرّ: أنشِدني ما تقول، فقال: ما أقول الشعر ولكنّه القرآن، وما أنا قلتُه ولكن الله قاله، قال: اقرأ عليّ. فقرأ عليه سورة من القرآن فقال أبو ذرّ: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسوله. فسأله النبيّ، و9َّ: ممّن أنت؟ فقال: من بني غفار، قال فعجب النبيّ، وَّز، أنّهم يقطعون الطريق، فجعل النبيّ، وَلّ، يرفع بصره فيه ويصوّبه تعجباً من ذلك لما كان يعلم منهم ثم قال: إن الله يَهْدي من يشاء. فجاء أبو بكر وهو عند رسول الله، وَلاغير، فأخبره بإسلامه فقال له أبو بكر: أليس ضيفي أمسٍ؟ فقال: بلى، قال: فانطلقْ معي. فذهب مع أبي بکر إلی بیته فکساه ثوبین ممشقین فأقام أياماً ثم رأى امرأة تطوف بالبيت وتدعو بأحسن ١٦٨ دُعاء في الأرض تقول: أعطني كذا وكذا وافعل بي كذا وكذا، ثم قالت في آخر ذلك: يا إسافُ ويا نائلة، قال أبو ذرّ: أنْكِحي أحدهما صاحبه. فتعلّقت به وقالت: أنتَ صابىءٌ. فجاء فِتْيَةٌ من قريش فضربوه، وجاء ناس من بني بكر فنصروه وقالوا: ما لصاحبنا يُضرَبُ وتتركون صُباتَكم؟ فتحاجزوا فيما بينهم فجاء إلى النبيّ، وَّ، فقال: يا رسول الله أمّا قريش فلا أدعهم حتى أثأر منهم، ضربوني. فخرج حتى أقام بعُسْفان وكلما أقبلت عِيرٌ لقريش يحملون الطعام يُنَفَرُ بهم على ثنيّة غزال فتلقّى أحمالها فجمعوا الحِنَطَ، قال يقول أبو ذرّ لقومه: لا يمسّ أحد حبّة حتى تقولوا لا إله إلا الله، فيقولون لا إله إلا الله ويأخذون الغرائر. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنتُ في الإِسلام خامساً. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني نجيح أبو معشر عن محمد بن قيس عن حكّام بن أبي الوضّاح البصريّ قال: كان إسلام أبي ذرّ رابعاً أو خامساً. قال: أخبرنا عمروبن حكّام البصريّ قال: حدّثنا المثنى بن سعيد القسّام القصير قال: أخبرنا أبو جَمْرة الضَّبَعيّ أن ابن عبّاس أخبرهم ببدء إسلام أبي ذرّ قال: لما بلغه أن رجلاً خرج بمكة يزعم أنه نبيّ، أرسل أخاه فقال: اذهب فأتني بخبر هذا الرجل وبما تسمع منه. فانطلق الرجل حتى أتى مكة فسمع من رسول الله، وَل قتله، فرجع إلى أبي ذرّ فأخبره أنّه يأمر بالمعروف ويَنْهَى عن المُنْكَرِ ويأمر بمكارم الأخلاق. فقال أبو ذرّ: ما شفيتَني. فخرج أبو ذرّ ومعه شنَة فيها ماؤه وزاده حتى أتى مكّة ففَرِقَ أن يسأل أحداً عن شيء ولما يَلْقَ رسول الله، وََّ، فأدركه الليل فبات في ناحية المسجد. فلمّا أعْتَمَ مرّ به عليّ فقال: ممّن الرجل؟ قال: رجل من بني غفار، قال: قُمْ إلى منزلك. قال فانطلق به إلى منزله ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. وغدا أبو ذرّ يطلب النبيّ، وَلَّ، فلم يَلْقَه، وكره أن يسأل أحداً عنه، فعاد فنام حتى أمسى فمرّ به عليّ فقال: أما آنَ للرجل أن يعرف منزله؟ فانطلق به فبات حتى أصبح لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، فأصبح اليوم الثالث فأخذ على عليّ لَئِنْ أفشى إليه الذي يريد ليكتمنّ عليه وليسترنّه، ففعل فأخبره أنّه بلغه خروج هذا الرجل يزعم أنه نبيّ، فأرسلتُ أخي ليأتيني بخبره وبما سمع منه فلم يأتني بما يَشْفيني من حديثه، ١٦٩ فجئتُ بنفسي لألقاه. فقال له عليّ: إني غادٍ فاتْبعْ أثري فإني إن رأيت ما أخاف عليك اعتللتُ بالقيام كأني أهريق الماء فآتيك، وإن لم أرَ أحداً فاتْبعْ أثري حتى تدخل حيثُ أدخل. ففعل حتّى دخل على أثر عليّ على النبيّ، وَّرَ، فأخبره الخبر، وسمع قول رسول الله، وَّر، فأسلم من ساعته، ثم قال: يا نبيّ الله ما تأمرني؟ قال: ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري، قال فقال له: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالإِسلام في المسجد. قال فدخل المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وَلّر، قال فقال المشركون: صبأ الرجل صبأ الرجل. فضربوه حتى صُرِعَ، فأتاه العبّاس فأكبّ عليه وقال: قتلتم الرجل يا معشر قريش، أنتم تُجّار وطريقكم على غفار، فتريدونَ أن يُقْطَعَ الطريق؟ فأمسكوا عنه، ثمّ عادَ اليومَ الثاني فصنعَ مثل ذلك ثم ضربوه حتى صُرِعٍ، فأكبّ عليه العبّاس وقال لهم مثل ما قال في أوّل مرّة، فأمسكوا عنه وكان ذلك بَدْءَ إسلام أبي ذَرّ. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا من سمع إسماعيل بن أبي حكيم يُخبر عن سليمان بن يسار قال: قال أبو ذرّ حِدْثانَ إسلامه لابن عمّه: يا ابن الأمّة. فقال النبيّ، وَلّهِ: ما ذهَبَتْ عنك أعرابيّتُك بعدُ. قال محمد بن إسحاق: آخى رسول الله، وَلَ، بين أبي ذرّ الغفاري والمُنْذِر بن عمرو أحد بني ساعدة وهو المُعْنِقِ ليموتَ، وأنكر محمد بن عمر هذه المؤاخاة بين أبي ذرّ والمنذر بن عمرو وقال: لم تكن المؤاخاة إلا قبل بدر فلما نزلت آية المواريث انقطعت المؤاخاة، وأبو ذرّ حین أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق ثم قدم على رسول الله، وَلّر، المدينة بعد ذلك. قال: أخبرنا محمد بن الفضيل عن مطرّف عن أبي الجَهْم عن خالد بن وهبان وكأن ابن خالة أبي ذرّ، عن أبي ذرّ قال: قال النبيّ، وَّ: يا أبا ذرّ كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يستأثرون بالفيء؟ قال قلتُ: إذاً والذي بعثك بالحقّ أضرب بسيفي حتى ألحق به. فقال: أفلا أدُلّك على ما هو خير من ذلك؟ اصْبِرْ حتى تلقاني. قال: أخبرنا هُشيم قال: أخبرنا حُصين عن زيد بن وهب قال: مررتُ بالرّبَذَةِ فإذا أنا بأبي ذرّ، قال فقلتُ ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنتُ بالشأم فاختلفتُ أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالفِضّةَ وَلا يُنْفِقُونها في سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقال معاوية: نَزَلَتْ في أهل الكتاب، قال فقلتُ: نَزَّلَتْ فينا وفيهم. ١٧٠ قال فكان بيني وبينه في ذلك كلام فكتب يشكوني إلى عثمان، قال فكتب إليّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتُ المدينة وكَثُرَ الناسُ عليّ كأنّهم لم يَرَوْني قبل ذلك. قال فذُكِرَ ذلك لعثمان فقال لي: إن شئتَ تنحّيتَ فكنتَ قريباً. فذاك أنزلني هذا المنزل ولو أمّرَ عليّ حَبَشيّ لسمعتُ ولأطَعْتُ. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسّان عن محمد بن سيرين أن رسول اللّه، وَّر، قال لأبي ذرّ: إذا بلغ النبأ سَلْعاً فاخرج منها، ونحا بيده نحو الشأم، ولا أرى أمراءك يَدَعونَك. قال: يا رسول الله أفلا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك؟ قال: لا، قال: فما تأمرني؟ قال: اسْمَعْ وأطِعْ ولو لعبدٍ حَبَشيّ . قال: فلمّا كان ذلك خرج إلى الشأم فكتب معاوية إلى عثمان: إنّ أبا ذرّ قد أفسد الناس بالشأم، فبعث إليه عثمان فقدم عليه، ثم بعثوا أهله من بعده فوجدوا عنده كيساً أو شيئاً فظنّوا أنّها دراهم، فقالوا: ما شاء الله! فإذا هي فلوس. فلما قدمَ المدينة قال له عثمان: كُنْ عندي تغدو عليك وتروح اللقاح، قال: لا حاجة لي في دنياكم، ثم قال: ائْذَنْ لي حتى أخرج إلى الرّبَذَة، فأذن له فخرج إلى الربذة وقد أقيمت الصلاة وعليها عبدٌ لعثمان حبشي فتأخّر، فقال أبو ذرّ: تقدّمْ فصلّ فقد أمِرْتُ أن أسْمَعَ وأطيعَ ولو لعبدٍ حبشي فأنت عبد حبشي . قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوام بن حَوْشَب قال: حدّثني رجل من أصحاب الآجُرّ عن شيخين من بني ثَعْلَبَة رجل وامرأته قالا: نَزَلْنا الربذة فمرّ بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله، وَلّر . فاستأذنّاه أن نغسل رأسه فأذن لنا واستأنس بنا، فبينا نحن كذلك إذ أتاه نفر من أهل العراق، حَسِبْتُه قال من أهل الكوفة، فقالوا: يا أبا ذرّ فعل بك هذا الرجل وفعل فهل أنت ناصبٌ لنا رايةً؟ فَلْنُكْمِلْ برجال ما شئتَ. فقال: يا أهل الإِسلام لا تَعْرِضوا عليّ ذاكم ولا تُذِلّوا السلطان فإنّه مَن أذلّ السلطان فلا توبة له، والله لو أنّ عثمان صلبني على أطول خشبةٍ أو أطول جبل لَسمعتُ وأطعتُ وصبرتُ واحتسبتُ ورُئِيتُ أنّ ذاك خير لي، ولو سيّرني ما بين الأفق إلى الأفق، أو قال ما بين المشرق والمغرب، لسمعتُ وأطعتُ وصبرتُ واحتسبتُ ورُئيتُ أن ذاك خير لي، ولو ردني إلى منزلي لسمعتُ وأطعتُ وصبرتُ واحتسبتُ ورُئيتُ أن ذاك خير لي . قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقان عن ثابت بن الحجّاج ١٧١ عن عبدالله بن سيدان السلمي قال: تناجى أبو ذرّ وعثمان حتى ارتفعت أصواتهما، ثم انصرف أبو ذرّ متبسّماً فقال له الناس: ما لك ولأمير المؤمنين؟ قال: سامعٌ مُطيعٌ ولو أمرني أن آتيَ صَنْعاء أو عَدَنَ ثم استطعتُ أن أفعل لفعلتُ. وأمره عثمان أن يخرج إلى الرّبَذة. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سفيان بن حُسين عن الحكم بن عُيينة عن إبراهيم التيميّ عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنتُ رِدْفَ رسول الله، وَّر، وهو على حمار وعليه بَرْدَعَةٌ أو قطيفة. قال: أخبرنا عبدالله بن نُمير قال: أخبرنا الأعمش عن عثمان بن عُمير عن أبي حَرْب بن أبي الأسود الدّيْلَيّ عن عبدالله بن عمرو قال: سمعتُ رسول الله، وَّةٍ، يقول ما أقلّت الغَبْراءُ ولا أظَلّت الخضراءُ من رجل أصدق من أبي ذرّ. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو أميّة بن يعلى عن أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، وَ﴿: ما أَظَلّتِ الخَضْراءُ ولا أقَّتِ الغَبْراءُ على ذي لَهْجَةٍ أصدق من أبي ذرّ، من سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فَلْيُنْظُرْ إلی أبي ذرّ. قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا سلام بن مسكين قال: حدّثنا مالك بن دينار أنّ النبيّ، وَ﴿، قال: أيّكم يلقاني على الحال التي أفارقه عليها؟ فقال أبو ذرّ: أنا، فقال له النبيّ، وَّه: صدقتَ. ثم قال: ما أَظَلّتِ الخضْراءُ ولا أقَلْتِ الغَبْراءُ على ذي لَهْجَة أصدق من أبي ذرّ، مَن سرّه أن ينظر إلى زُهْدِ عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذرّ. قال: أخبرنا سليمان بن حرب والحسن بن موسى قالا: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وسلٍّ: ((ما أَظَلّتِ الخَضْراء ولا أَقَلّتِ الغَبْراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ». قال: أخبرنا عبيدالله بن عبد المجيد الحنفيّ قال: حدّثنا أبو حُرّة عن محمد بن سيرين قال: قال رسول الله وعليه: ((ما أقَلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء من ذي لهجة أُصدق من أبي ذرّ)). قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمرو قال: سمعتُ عِراك بن ١٧٢ .--- مالك يقول: قال أبو ذرّ: إني لأقربُكُم مجلساً من رسول الله، وَالخير، يوم القيامة وذلك أني سمعتُه، وَه، يقول أقربكم مني مجلساً يوم القيامة مَن خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبّث منها بشيء غيري . قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا أبو كعب صاحب الحرير قال: حدّثنا أبو الأصفر عن الأحنف بن قيس قال: أتيتُ المدينة ثمّ أتيتُ الشأم فجمّعتُ فإذا أنا برجل لا ينتهي إلى سارية إلا خرّ أهلها، يصلّي ويُخِفّ صلاته، قال فجلستُ إليه فقلتُ له: يا عبد الله من أنت؟ قال: أنا أبو ذرّ، فقال لي: فأنتَ من أنت؟ قال قلتُ: أنا الأحنف بن قيس. قال: قُمْ عني لا أُعِدّك بشرّ، فقلت له: كيف تُعِدّني بشرً؟ قال: إن هذا، يعني معاوية، نادى مناديه ألا يجالسني أحد. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا سلّام أبو المُنْذِر عن محمد بن واسع عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذرّ قال: أوصاني خليلي بسبعٍ : أمرني بحبٌ المساكين والدّنُوّ منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن لا أسأل أحداً شيئاً، وأمرني أن أصِلَ الرّحِم وإن أُدْبِرْتُ، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مُرّاً، وأمرني أن لا أخاف في الله لَوْمَةَ لائمٍ، وأمرني أن أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله فإنّهنّ من كنز تحت العرش. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا همّام قال: أخبرنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن عبدالله بن الصامت أنّه كان مع أبي ذرّ فخرج عطاؤه ومعه جارية له، قال فجعلت تقضي حوائجه، قال ففضل معها سِلَعْ، قال فأمرها أن تشتري به فلوساً، قال قلتُ: لو اذْخرتَه للحاجة تبوء بك أو للضيف ينزل بك، قال: إن خليلي عهد إليّ أن أيّ مالٍ ذَهَبٍ أو فِضّةٍ أوكِيَ عليه فهو جَمْرٌ على صاحبه حتى يُفَرّغَه في سبيل الله . قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدّثنا أبو هلال قال: حدثنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن أن أبا ذرّ كان عطاؤه أربعة آلاف فكان إذا أخذ عطاءه دعا خادمه فسأله عمّا يكفيه لسنة فاشتراه له، ثم اشترى فلوساً بما بقي وقال: إنه ليس من وعى ذهباً أو فضة يُوكي عليه إلا وهو يتلّى على صاحبه. قال: أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحضرميّ قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن أبي نعامة السّعْديّ عن الأحنف بن قيس قال: قال لي أبو ذرّ خُذ العطاء ما كان مُتْعةً فإِذا کان دَیْناً فارفضه. ١٧٣ قال: أخبرنا عبدالله بن عمرو أبو معمر المِنْقَريّ قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد عن الحسين المعلّم عن أبي بُريدة قال: لما قدم أبو موسى الأشعريّ لقي أبا ذرٌ فجعل أبو موسى يلزمه، وكان الأشعري رجلاً خفيف اللحم قصيراً، وكان أبو ذرّ رجلاً أسود کَثّ الشعر. فجعل الأشعريّ يلزمه ويقول أبو ذرّ: إليك عني، ويقول الأشعريّ: مَرْحَباً بأخي، ويدفعه أبو ذرّ ويقول: لستُ بأخيك إنما كنتُ أخاك قبل أن تُسْتَعْمَلَ. قال ثمّ لقي أبا هريرة فالتزمه وقال: مرحباً بأخي، فقال أبو ذرّ: إليك عني، هل كنتَ عَمِلْتَ لهؤلاء؟ قال: نعم، قال: هل تطاولتَ في البناء أو اتّخَذتَ زَرْعاً أو ماشيةً؟ قال: لا، قال: أنت أخي أنت أخي . قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا صالح بن رُسْتُم أبو عامر عن حُميد بن هلال عن الأحنف بن قيس قال: رأيتُ أبا ذرّ رجلً طويلاً آدم أبيض الرأس واللحية . قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا شريك عن إبراهيم بن مُهاجِر عن كُلیب بن شهاب الجرْمي قال: سمعتُ أبا ذرّ يقول: ما يُؤسني رِقّة عظمي ولا بياض شَعْري أن ألقى عيسى ابن مريم. قال: أخبرنا عبيدالله بن موسى قال: حدّثنا موسى بن عُبيدة عن عبدالله بن خِراش قال: رأيتُ أبا ذرّ في مظلّةٍ وتحته امرأة سَحْماء. قال محمد بن سعد: وقال غير عبيدالله في هذا الحديث مظلة شَعْرٍ. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدثنا محمد بن دينار قال: حدثنا يونس عن محمد قال: سألتُ ابنَ أختٍ لأبي ذرّ: ما ترك أبو ذرّ؟ فقال: ترك أتانَين وعفْواً وأعنُزاً وركائب. قال: العَفْوُ الحمار الذّكرُ. قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المُقْرىء قال: حدّثنا سعيد بن أبي أيّوب عن عبدالله بن أبي جعفر القرشيّ عن سالم بن أبي سالم الجيْشانيّ عن أبيه عن أبي ذرّ أنّه قال: قال لي رسول الله، وَ﴿، يا أبا ذرّ إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمُرَنّ على اثنين ولا تَوَلِّيَنّ مالَ يَتیمٍ . قال: أخبرنا خالد بن مخلد البجليّ قال: حدثني سليمان بن بلال قال: حدثني يحيى بن سعد قال: أخبرني الحارث بن يزيد الحضرميّ أنّ أبا ذرّ سأل رسول ١٧٤ الله، وَ﴿، الإِمارة فقال: ((إنّك ضعيف وإنّها أمانةٌ وإنّها يومَ القيامة خِزْيٌ وندامة إلا مَن أخذها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها)). قال: أخبرنا كثيير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقان قال: حدّثنا غالب بن عبد الرحمن قال: لقيتُ رجلًا قال: كنتُ أصلّي مع أبي ذرّ في بيت المقدس فكان إذا دخل خلع خُفّيْه فإذا بزق أو تنخّع تنخّع عليهما، قال ولو جُمِعَ ما في بيته لكان رِداء هذا الرجل أفضل من جميع ما في بيته. قال جعفر: فذكرتُ هذا الحديث لمهران بن ميمون فقال: ما أراه كان ما في بيته يَسْوى درهمَينِ. قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النّهْديّ قال: حدّثنا مسعود بن سعد الجُعْفيّ عن الحسن بن عبيد الله عن رياح بن الحارث عن ثعلبة بن الحكم عن عليّ أنه قال: لم يبقَ اليومَ أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذرّ ولا نفسي، ثم ضرب بيده إلى صدره. قال: أخبرنا حجّاج بن محمد عن ابن جُريج قال: أخبرني أبو حرب بن أبي الأسود عن أبي الأسود، قال ابن جُريج ورجل عن زاذان قالا: سُئِلَ عليّ عن أبي ذرّ فقال: وعى علماً عجز فيه وكان شحيحاً حريصاً، شحيحاً على دينه حريصاً على العلم، وكان يُكْثِرُ السؤال فيُعْطِى ويُمْنَعُ، أما أن قد مُلِىء له في وعائه حتى امتلأ. فلم يدروا ما يريد بقوله وعى علماً عجز فيه، أعجز عن كشف ما عنده من العلم أم عن طلب ما طلب من العلم إلى النبيّ، وَّر . قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن حُميد بن هلال قال: حدّثنا عبد الله بن الصامت قال: دخلتُ مع أبي ذرّ في رَهْطٍ من غِفارٍ على عثمان بن عفّان من الباب الذي لا يُدْخَلُ عليه منه، قال: وتَخَوّفَنا عثمانُ عليه، قال: فانتهى إليه فسلّم عليه، قال: ثم ما بدأه بشيء إلا أن قال: أَحَسِبْتَنِي منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم، لو أمرتني أن آخذ بِعَرْقُوَتَيْ قَتَبِ لأخذتُ بهما حتى أمرتَ. قال ثم استأذنه إلى الرّبَذَة، قال فقال: نعم نأذن لك ونأمر لك بنعَمٍ من نعم الصدقة فتُصيبُ من رِسْلها. فقال فنادى أبو ذرّ: دونكم معاشر قريش دنياكم فاعْذَمُوها لا حاجة لنا فيها. قال فما نراه بشيء. قال فانطلق وانطلقتُ معه حتى قدمنا الرّبَذَةَ، قال: فصادفنا مولى لعثمان غلاماً حبشياً ١٧٥ يؤمهم فُنُودِيَ بالصلاة فتقدّم فلما رأى أبا ذرّ نكص، فأومأ إليه أبو ذرّ: تَقَدّمْ فصلّ. فصلّی خلفه أبو ذرّ. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا وُهيب بن خالد قال: حدّثنا عبدالله بن عثمان بن خُثيم عن مُجاهِد عن إبراهيم، يعني ابن الأشتر، أن أبا ذرّ حضره الموت وهو بالرّبَذَة فبكتِ امرأته فقال: وما يُبْکیكِ؟ فقالت: أبكي أنه لا يد لي بتغییبك ولیس عندي ثوبٌ يَسَعُك كفَناً، فقال: لا تبكي فإني سمعتُ رسول الله، وَّر، ذات يوم وأنا عنده في نفرٍ يقول: ((ليموتنّ رجلٌ منكم بفَلاةٍ من الأرض تَشْهَدُه عصابة من المؤمنين)) قال: فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية فلم يبقَ منهم غيري وقد أصبحتُ بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فإنكِ سوف تَرَيْنَ ما أقول لك فإني والله ما كذبتُ ولا كُذِبْتُ. قالت: وأنى ذلك وقد انقطع الحاج؟ قال: راقبي الطريق. فبينا هي كذلك إذا هي بالقوم تَجُدّ بهم رواحلهم كأنّهم الرّخَم، قال عفّان: هكذا قال: تجدّ بهم، والصوابُ تَخُدّ بهم رواحلُهم، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها قالوا: ما لكِ؟ قالت: امرؤ من المسلمين تُكفّنونه وتُؤْجَرُونَ فيه، قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذرّ. فَقَدّوه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه فقال: أَبْشِروا أنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله، وَ ر، ما قال، أبشروا سمعت رسول الله، (چ ، يقول: ((ما من امرأيْنٍ من المسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسباه وصبرا فیریان النار أبداً»، ثم قال: ((قد أصبحت اليومَ حيثُ ترون ولو أن ثوباً من ثيابي يسعني لم أُكَفَّنْ إلا فيه أنشدكم الله ألا يُكفني رجلٌ منكم كان أميراً أو عريفاً أو بريداً))، فكل القوم كان نال من ذلك شيئاً إلا فتى من الأنصار كان مع القوم قال: أنا صاحبك، ثوبان في عيْبتي من غزل أمي وأحد ثوبي هذين اللذين عليّ، قال: أنت صاحبي فكفّني . قال: أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدّثنا يحيى بن سُليم عن عبدالله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه أنه لما حضر أبا ذرّ الموتُ بکت امرأته فقال لها: ما يُبْکیك؟ قالت: أبکي لأنه لا یدان لي بتغییبك وليس لي ثوب يسعك، قال: فلا تبكي فإني سمعت رسول الله، وَله، يقول لنفر أنا فيهم: ((ليَموتنّ منكم رجل بفلاةٍ من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين))، وليس من أولئك النفر رجل إلا قد مات في قرية وجماعة من المسلمين وأنا الذي أموت بفلاة والله ما كذبتُ ١٧٦ ولا كُذِبْتُ فأبصري الطريق. فقالت: أنى وقد انقطع الحاجّ وتقطعت الطرق؟ فكانت تشُدّ إلى كثيبٍ تقوم عليه تنظر ثم ترجع إليه فتُمَرّضُه ثم ترجع إلى الكثيب، فبينا هي كذلك إذا هي بنفر تَخُدّ بهم رواحلهم كأنهم الرّخَمُ على رحالهم، فألاحت بثوبها فأقبلوا حتى وقفوا عليها فقالوا: ما لك؟ قالت: امرؤ من المسلمين يموت تكفّنونه، قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذرّ. فَقَدّوه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا السّياط في نحورها يستبقون إليه حتى جاؤوه فقال: أبشروا. فحدّثهم الحديث الذي قال رسول الله، وَلّ، ثم قال: إني سمعت رسول الله، وَلّه، يقول: ((لا يموت بين امْرَأيْن مسلمين ولدان أو ثلاثة فيحتسبان ويصبران فيريان النار))، أنتم تسمعون، لو كان لي ثوب يسعني كفناً لم أكفن إلا في ثوب هو لي، أو لامرأتي ثوب يسعني لم أكفن إلا في ثوبها، فأنشدكم الله والإِسلام ألا يكفني رجل منكم كان أميراً أو عريفاً أو نقيباً أو بريداً، فكل القوم قد كان قارف بعض ذلك إلا فتى من الأنصار قال: أنا أكفنك، فإني لم أصبْ مما ذكرتَ شيئاً، أكفنك في ردائي هذا الذي عليّ وفي ثوبين في عيْبتي من غَزْل أمي حاكتهما لي. قال: أنت فكفّني. قال فكفنه الأنصاري في النفر الذين شهدوه، منهم حُجْر بن الأدبر ومالك الأشتر في نفرٍ كلهم يَمانٍ. قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني بريدة بن سفيان الأسلميّ عن محمد بن كعب القُرَظي عن عبدالله بن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذرّ إلى الرّبَذة وأصابه بها قدرهُ ولم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني وضعاني على قارعة الطريق فأوّل رَكْبٍ يمرّ بكم فقولوا هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله، وَّر، فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا ذلك به، ثم وضعاه على قارعة الطريق، وأقبل عبدالله بن مسعود في رَهْطٍ من أهل العراق عُمّاراً فلم يَرُعْهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإِبل أن تطأها، فقام إليه الغلام فقال: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله، وَلتر، فأعينونا على دفنه. فاستهلّ عبدالله يبكي ويقول: صدق رسول الله، ((تمشي وحدك وتموت وحدك وتُبعثُ وحدك)) ... ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم عبدالله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله، وَل﴿، في مسيره إلى تبوك. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا سعيد بن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي ذرّ أنه رآه في نَمِرة مُؤْتَزراً بها قائماً يصلّي فقلتُ: يا أبا ذرّ أما لك ثوب غير ١٧٧ هذه النمرة؟ قال: لو كان لي لرأيته عليّ، قلتُ: فإني رأيتُ علیك منذ أيام ثوبین، فقال: يا ابن أخي أعطيتُهما من هو أحوج إليهما مني، قلت: والله إنك لمحتاج إليهما، قال: اللهم غفراً، إنك لمعظّم للدنيا، أليس ترى عليّ هذه البُرْدة ولي أخرى للمسجد ولي أعْنُزّ نحلبها ولي أحْمِرَةً نحتمل عليها ميرتنا وعندنا من يخدمنا ويكفينا مهنة طعامنا فأي نعمةٍ أفضل مما نحن فيه؟ قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا سفيان الثوري عن عمّار الدّهني عن أبي شُعْبة قال: جاء رجل من قومنا أبا ذرّ يعرض عليه فأبى أبو ذرّ أن يأخذ وقال: لنا أحمرة نحتمل عليها وأعنزٌ نحلبها ومُحرَّرة تخدمنا وفضل عباءة عن كسوتنا وإني لأخاف أن أحاسَبَ بالفضل. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا يزيد بن عليّ الأسلميّ قال: حدّثني عيسى بن عُميلة الفَزاريّ قال: أخبرني من رأى أبا ذرّ يحلب غُنيمة له فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه، ولقد رأيته ليلةً حلب حتى ما بقي في ضُروع غنمه شيء إلا مصّره، وقرّب إليهم تمراً وهو يسير، ثم تعذّر إليهم وقال: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجئنا به. قال وما رأيتُه ذاق تلك الليلة شيئاً. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا خالد بن حيّان قال: كان أبو ذرّ وأبو الدرداء في مِظَلّتَين من شَعْر بدمشق. قال: أخبرنا محمد بن عمر عن موسى بن عبيدة قال: حدثني عبدالله بن خِراش الكعبيّ قال: وجدتُ أبا ذرّ في مظلة شَعْرٍ بالرّبَذة تحته امرأة سحماء فقلتُ: يا أبا ذرّ تَزَوّج سحماء! قال: أتزوّج من تضعني أحبّ إليّ ممن ترفعني، ما زال لي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحقّ صديقاً. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا همّام بن يحيى قال: حدثنا قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرّحبيّ أنه دخل على أبي ذرّ وهو بالرّبَذة وعنده امرأة له سوداء مشنّفة ليس عليها أثر المجاسد ولا الخلوق، قال فقال: ألا تنظرون ما تأمرني به هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق فإذا أتيتُ العراق مالوا عليّ بدنياهم، ألا وإن خليلي عهد إليّ أن دون جِسْر جهنم طريقاً ذا دَخَضٍ ومَزَلّة، وإنا أن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقیر. قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سَلَمة قال: أخبرنا عاصم ١٧٨ الأحول عن أبي عثمان النّهْدي قال: رأيتُ أبا ذرّ يميد على راحلته وهو مستقبل مَطْلِعَ الشمس فظننتُه نائماً فدنوتُ منه فقلتُ: أنائم أنت يا أبا ذرّ؟ فقال: لا بل كنتُ أصلّ. قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا أبو عقيل قال: حدّثنا يزيد بن عبدالله أن أبا ذرّ تَبِعَتْه جُويرية سوداء فقيل له: يا أبا ذرّ هذه ابنتُك؟ قال: تزعم أمّها ذاك. قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا قرّة بن خالد قال: حدّثنا عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: كَسيَ أبو ذرّ بُرْدَينٍ فأَتَزَرَ بأحدهما وارتدى بشِمْلة وكسا أحدهما غلامه، ثم خرج على القوم فقالوا له: لو كنتَ لبستَهما جميعاً كان أجمل، قال: أجل ولكني سمعتُ رسول الله، وَلَّ، يقول: ((أَطْعِموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تكسون)). قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا قرّة بن خالد قال: حدثنا بُدَيل بن مَيْسَرَة عن مطرّف عن رجلٍ من أهل البادية قال: صحبتُ أبا ذرّ فأعجبَتْني أخلاقُه كلها إلا خُلْقٌ واحد. قلتُ: وما ذاك الخلق؟ قال: كان رجلاً فَطِناً فكان إذا خرج من الخلاء انتضح. [٤٣٣] - الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سُليم بن فهم بن غَنْم بن دَوْس بن عُدْثان بن عبدالله بن زَهْران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن الأزْدِ. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبدالله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون الدّوْسيّ وكان له حِلْفٌ في قريش قال: كان الطفيل بن عمرو الدّوْسيّ رجلاً شريفاً شاعراً مليئاً كثير الضيافة فقدم مكة ورسول الله، وَّر، بها فمشى إليه رجال من قريش فقالوا: يا طُفيل إنك قدمتَ بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضلَ بنا وفرّق جماعتنا وشَّتَ أمرنا وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته، إنا نخشى عليك وعلى قومك مثل ما دخل علينا منه فلا تكلّمه ولا تسمع منه. قال الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعتُ أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه، فغدوتُ إلى المسجد وقد حشوتُ أُذُنِيّ كُرْسُفاً، يعني [٤٣٣] المغازي (٦٨٣)، (٨٧٠)، (٩٢٣)، (٩٢٧)، وابن هشام (٨١/١، ٣٨٢، ٣٨٥). ١٧٩ قطناً، فرقاً من أن يبلغني شيء من قوله حتى كان يقال لي ذو القُطْنَتَينِ. قال فغدوتُ يوماً إلى المسجد فإذا رسول الله، وَّر، قائم يصلي عند الكعبة فقمتُ قريباً منه فأبى الله إلا أن يُسْمِعني بعض قوله فسمعتُ كلاماً حسناً فقلتُ في نفسي: واتُكْلَ أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسنُ من القبيح فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته وإن كان قبيحاً تركته. فمكثتُ حتى انصرف إلى بيته ثم اتبعته حتى إذا دخل بيته دخلتُ معه فقلتُ: يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا للذي قالوا لي، فوالله ما تركوني يخوفوني أمرك حتى سددتُ أذُنِيَّ بكُرْسُفٍ لأن لا أسمع قولك، ثم إن الله أبى إلا أن يُسْمِعَنيه فسمعت قولاً حسناً فاعرض عليّ أمرك. فعرض عليه رسول الله، وَّيه، الإِسلام وتلا عليه القرآن فقال: لا والله ما سمعتُ قولاً قطّ أحسن من هذا ولا أمراً أعدل منه. فأسلمت وشهدت شهادة الحق فقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإِسلام فادع الله أن يكون لي عوناً عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: ((اللهم اجعلْ له آية)). قال فخرجتُ إلى قومي حتى إذا كنتُ بثنيةٍ تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح فقلت: اللهم في غير وجهي فإني أخشى أن يظنوا أنها مُثْلَةٌ وقعت في وجهي لفراق دينهم. فتحوّل النور فوقع في رأس سوطي فجعل الحاضر يتراءوْنَ ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق. فدخل بيته قال: فأتاني أبي فقلت له: إليك عني يا أبتاه فلستَ مني ولستُ منك، قال: ولِم يا بني؟ قلتُ: إني أسلمتُ واتّبعتُ دين محمد، قال: يا بني ديني دينك. قال فقلتُ: فاذهب فاغتسل وطهّر ثيابك. ثم جاء فعرضتُ عليه الإِسلام فأسلم، ثم أتْني صاحبتي فقلتُ لها: إليك عني فلستُ منك ولستٍ مني، قالت: ولم بأبي أنت؟ قلتُ: فَرّق بيني وبينك الإِسلام، إني أسلمتُ وتابعتُ دين محمد. قالت: فديني دينك، قلتُ: فاذهبي إلى حِسْيٍ ذي الشّرى فتطهّري منه. وكان ذو الشرى صَنَّمَ دَوْسٍ ، والحِسْيُ حِمی له يحمونه، وبه وَشَلُ من ماء يهبط من الجبل. فقالت: بأبي أنت أتخاف على الصبية من ذي الشرى شيئاً؟ قلتُ: لا، أنا ضامن لما أصابك. قال فذهبَتْ فاغتسلتْ ثم جاءتْ فعرضتُ عليها الإِسلام فأسلمت، ثم دعوتُ دوْساً إلى الإِسلام فأبطأوا عليّ، ثم جئتُ رسول الله، وَ﴾، بمكة فقلتُ: يا رسول الله قد غلبتني دَوْسٌ فادع الله عليهم، فقال: ((اللهم اهْدِ دَوْساً». ١٨٠ :