النص المفهرس

صفحات 101-120

في شعبان سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، وَله.
قالوا: بعث رسول الله، وَ﴿، أبا قَتادَة ومعه خمسة عشر رجلاً إلى غَطَفَان وأمره
أن يشُنّ عليهم الغارة، فسار اللّيلَ وكمن النهار فَهَجَم على حاضر منهم عظيم فأحاط
بهم فصرخ رجلٌ منهم: يا خَضِرَة! وقاتل منهم رجال فقتلوا من أشرفَ لهم واستاقوا
النّعَم، فكانت الإِبل مائتي بعير والغَنَم ألفَيْ شاةٍ وسَبوا سبياً كثيراً، وجمعوا الغنائم
فأخرجوا الخُمس فعزلوه وقسموا ما بقي على أهْل السّريّة فأصاب كلَّ رجل منهم اثنا
عشر بعيراً فعُدل البعير بعشر من الغَنَم، وصارت في سَهْمِ أبي قَتَادَة جاريةٌ وضيئةٌ
فاستوهبها منه رسول الله، وَّل، فوهبها له، فوهبها رسول الله، وَّل، لمَحْمَيَةَ بن
جَزْء، وغابوا في هذه السريّة خمس عشرة ليلة.
سريّة أبي قتادة بن رِبْعِيّ الأنصاري إلى بطن إضَم(١)
ثمّ سريّة أبي قتادة بن ربعيّ الأنصاري إلى بطن إضَم في أوّل شهر رمضان سنة
ثمان من مُهاجَر رسول الله، وَلّ .
قالوا: لمّا هَمّ رسول الله، وَّهَ، بِغَزْوِ أَهْلِ مكّة بعث أبا قتادة بن رِبعيّ في
ثمانية نفَر سريّةً إلى بطن إضَم، وهي فيما بين ذي خُشْب وذي المَرْوَة. وبينها وبين
المدينة ثلاثة بُرُد، ليظنّ ظانّ أنّ رسول الله، وَّهَ، توجّه إلى تلك الناحية ولأنْ تَذْهَبَ
بذلك الأخبارُ، وكان في السريّة مُحلّم بن جثّامة اللّيثي، فمرّ عامر بن الأضْبَط
الأشْجَعي فسلّم بتحيّة الإِسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه مُحَلّم بن جثّامة فقتله
وسلبه بعيره ومتاعه وَوَطْبَ لَبَنٍ كان معه؛ فلمّا لحقوا بالنبيّ، وََّ، نزل فيهم القرآن:
﴿يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيِّنُوا وَلا تَقُولوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السّلامَ
لَسْتَ مُؤمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَوةِ الدّنْيَا فَعِنْدَ الله مَغَائِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤] (إلى
آخر الآية) فمضوا ولم يلحقوا جمعاً فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خُشُب فبلغهم أنّ
رسول الله، وَله، قد توجّه إلى مكّة فأخذوا على بَيْبن حتى لقوا النبيّ، وَلَّ،
بالسُّقْيَا.
(١) تاريخ الطبري (٣٥/٣).
١٠١

غزوة رسول الله، وَرَ، عامَ الفَتْح(١)
ثمّ غزوة رسول الله، وَّر، عامَ الفتح في شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجَر
رسول الله، مَالچ .
قالوا: لمّا دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهراً من صلح الحديبية
كلّمت بنو نُفاثة، وهم من بني بكر، أشرافَ قريش أن يُعينوهم على خُزاعة بالرّجال
والسّلاح، فوعدوهم ووافوهم بالوتير متنكّرين متنقّبين، فيهم صفوان بن أمّة
وحُويطب بن عبد العُزّى ومِكرَز بن حفص بن الأخيَف، فبيّتوا خُزاعةً ليلاً وهم غارّون
آمنون فقتلوا منهم عشرين رجلاً، ثمّ ندمت قريش على ما صنعت وعلموا أنّ هذا
نَقْضٌ للمُدّة والعهد الّذي بينهم وبين رسول الله، وَّر. وخرج عمرو بن سالم
الخزاعي في أربعين راكباً من خُزاعة فقدموا على رسول الله، وَّ، يخبرونه بالّذي
أصابهم ويستنصرونه، فقام وهو يجرّ رِداءَه وهو يقول: ((لا نُصِرْتُ إن لم أنْصُرْ بني
كعب ممّا أنصر منه نفسي!)) وقال: ((إنّ هذا السحاب ليستهلّ بنصر بني كعب)). وقدم
أبو سفيان بن حرب على رسول الله، س1، المدينة يسأله أن يجدّد العهد ويزيد في
المدّة، فأبى عليه فقام أبو سفيان فقال: إنّ قد أجَرْتُ بين النّاس، فقال رسول الله،
﴿ل١٤: ((أأنت تقول ذلك يا أبا سفيان!)) ثمّ انصرف إلى مكّة فتجهّز رسول الله، والت،
وأخفى أمره وأخذ بالأنقاب وقال: ((اللهمّ خُذْ على أبصارهم فلا يَروْني إلّ بَغْتَةً!))
فلمّا أجمع المسيرَ كتب حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى قُريش يُخبرهم بذلك فبعث
رسول الله، وَل﴾، عليّ بن أبي طالب والمقداد بن عمرو فأخذا رسوله وكتابه فجاءا به
إلى رسول الله، وَلُ، وبعث رسول الله، وَل، إلى مَنْ حَوْلَه من العرب فَجُلّهُمْ أَسلَمُ
وغِفار ومُزَيْنَة وجُهَينَة وأَشْجَعُ وسُليم، فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم مَن لحقه
بالطريق فكان المسلمون في غزوة الفتح عشرة آلاف. واستخلف رسول الله، وَلّى،
على المدينة عبد الله ابن أمّ مكتوم وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان
بعد العصر، فلما انتهى إلى الصُّلصُل قدّم أمامه الزُّبِيرَ بن العَوّام في مائتين من
المسلمين ونادى منادي رسول الله، وَ﴾: من أحبّ أن يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ ومن أحبّ أن
يصومَ فَلْيَصُمْ! ثمّ سار، فلمّا كان بقُديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثمّ
نزل مرَّ الظَّهْران عِشاءً فأمر أصحابَه فأوقدوا عشرة آلاف نار ولم يبلغ قريشاً مَسيرُه وهم
(١) تاريخ الطبري (٤٢/٣)، وسيرة ابن هشام (٢٦٣/٢)، والمغازي (٧٨٠).
١٠٢

مُغتمّون لِما يخافون من غزوِه إيّاهم. فبعثوا أبا سفيان بن حرب يتحسّب الأخبار
وقالوا: إنْ لِقِيتَ محمداً فخُذْ لنا منه أمَاناً. فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام
ويُديل بن وَرْقَاء، فلمّا رأوا العسكر أفزعهم، وقد استعمل رسول اللّه، وَلّ، تلك
الليلة على الحرس عمرَ بن الخطّاب فسمع العبّاس بن عبد المطّلب صوت أبي
سفيان فقال: أبا حنظلة؟ فقال: لبّيْك فما وراءَك؟ فقال: هذا رسول الله في عشرة
آلاف. فأسلِمْ ثكلتك أمّك وعشيرتك! فأجاره وخرج به وبصاحبيه حتى أدخلهم على
رسول الله، وَ﴿، فأسلموا وجعل لأبي سفيان أن من دخل داره فهو آمِنٌ ومن أغلق بابَه
فهو آمِنٌ! ثمّ دخل رسول الله، وَّر، مكّة في كتيبته الخضراء وهو على ناقته القَصْواء
بین أبي بکر وأسید بن حُضیر وقد حُبس أبو سفيان فرأی ما لا قبَلَ له به فقال: يا أبا
الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً! فقال العبّاس: ويحك! إنّه ليس بمُلك
ولكنّها نبوّة! قال: فَنَعَمْ. وكانت راية رسول الله، وَّر، يومئذ مع سعد بن عُبادة فبلغه
عنه في قريش كلامٌ وَتَوَاعُدٌ لهم، فأخذها منه فدفعها إلى ابنه قيس بن سعد، وأمر
رسول الله، وَرَ، سَعْدَ بن عُبادة أن يدخل من كَداء والزّبير من كُدَّى وخالد بن الوليد
من اللّيط، ودخل رسول الله، وَّر، من أذاخِر ونهى عن القتال وأمر بقتل ستّة نفر وأربع
نسوة: عِكرمة بن أبي جهل وهبّار بن الأسود وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْح ومِقْيَس بن صبابة
الليثي والحُويرث بن نُقيذ وعبد الله بن هلال بن خَطَل الأدْرَمي وهند بنت عُتْبة وسارة
مولاة عمروبن هاشم وفَرْتنا وقَريبة، فقتل منهم ابن خَطَل والحُويرث بن نُقِيذ
ومِقْيَس بن صبابة، وكلّ الجنود لم يلقوا جَمعاً غير خالد لقيه صَفْوان بن أمّيّة
وسُهَيْل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل في جمع من قريش بالخَنْدَمَة، فمنعوه من
الدّخول وشهروا السّلاح ورموا بالنّبل فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم فقتل أربعة
وعشرين رجلاً من قريش وأربعة نفر من هذيل وانهزموا أقبحَ الانهزام. فلمّا ظهر رسول
الله، وَيَّ، على ثنّة أذاخر رأى البارقة فقال: ((ألَمْ أَنْه عن القتال؟)) فقيل: خالد قوتل
فقاتل، فقال: ((قضاءُ الله خيرٌ)). وقُتل من المسلمين رجلان أخطئا الطّريق
أحدهما كُرْز بن جابر الفِهْري وخالد الأشْقر الخُزاعي، وضُربت لرسول الله، وَّ،
قبّة من أدم بالحَجون فمضى الزّبير بن العوّام برايته حتى ركزها
عندها، وجاء رسول اللّه، وَّر، فدخلها فقيل له: ألا تنزل منزلك؟ فقال:
((وهل ترك عَقِيلٌ لنا منزِلاً؟)) ودخل النبيّ، وَّرَ، مكّة عَنوةً فأسلم النّاس طائعين
١٠٣

وكارهين، وطاف رسول الله، وَلغيره، بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمائة وستّون
صنماً، فجعل كلّما مرّ بصنَم منها يُشير إليه بقضيب في يده ويقول: ((جاءَ الحَقِّ وَزَهَقَ
الْبَاطِلُ إِن الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقً))؛ فيقع الصّنم لوجهه، وكان أعظمها هُبَل، وهو وِجاهَ
الكعبة، ثمّ جاء إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلّى خلفَه ركعتين، ثمّ جلس ناحيةً
من المسجد وأرسل بلالاً إلى عثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح الكعبة فجاءَ به عثمان
فقبضه رسول الله، وَلي، وفتح الباب ودخل الكعبة فصلّى فيها ركعتين وخرج فأخذ
بعضَادَتَي الباب والمفتاح معه، وقد لُبط بالناس حول الكعبة، فخطب الناس يومئذ
ودعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: ((خذوها يا بني أبي طلحة تالدةً خالدةً
لا ينزعها منكم أحد إلّ ظالم!)) ودفع السّقاية إلى العبّاس بن عبد المطّلب وقال:
(أعطيتُكم ما تَرْزَأكم ولا تَرْزَؤونَها!)) ثمّ بعث رسول الله، وََّ، تَميم بن أسد الخزاعي
فجدّد أنصابَ الحَرَم. وحانت الظّهر فأذّن بلال فوق ظَهر الكعبة وقال رسول الله،
﴿: ((لا تُغْزَى قُريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة!)) يعني على الكفر. ووقف
رسول الله، وَ﴿، بالحَزْوَرَة وقال: ((إنّك لخيرُ أرض الله وأحبّ أرض الله إليّ، يعني
مكّة، ولولا أنّي أُخرجتُ منك ما خرجتُ)). وبثّ رسولُ الله، وََّ، السّرايا إلى
الأصنام التي حول الكعبة فكسرها، منها: العُزّى ومَناة وسُواع وبُوانة وذو الكفّين.
فنادى منادیه بمكّة: مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلّ كسره.
ولمّا كان من الغد من يوم الفتح خطب رسول الله، وَلّر، بعد الظهر فقال: ((إنّ الله قد
حرّم مكّة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة ولم تحلّ لي إلّ ساعةً
من نهار ثمّ رجعتْ كحرمتها بالأمس، فليُبلغ شاهدُكم غائبَكم، ولا يحلّ لنا من
غنائمها شيء)). وفتحها يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان وأقام بها رسول الله،
وَالر، خمس عشرة ليلة يصلّي ركعتين، ثمّ خرج إلى حُنين، واستعمل على مكّة
عَتّاب بن أسيد يصلّي بهم ومُعاذ بن جَبَل يعلّمهم السّنّن والفقه.
وأخبرنا محمد بن عُبيد الطّنافسي قال: أخبرنا محمّد بن إسحاق عن محمد بن
شهاب عن عُبيد الله بن عبدالله بن عتبة عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله، وَل،
في عشر مضين من رمضان عام الفتح من المدينة فصام حتى إذا كان بالكَديد أفطر
فكانوا يرون أنه الآخر من أمر رسول الله، وَله .
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الزُّهْري عن أبيه عن صالح بن کیسان عن ابن شهاب
١٠٤

أنّ عُبيد الله بن عبدالله أخبره أنّ ابن عبّاس أخبره أنّ رسول الله، وَلَّ، خرج عام
الفتْح في رمضان فصام حتّى إذا كان بالكَديد واجتمع الناس إليه أخذ قَعْباً فشرب منه.
ثمّ قال: ((أيّها النّاس مَن قَبَلَ الرّخصة فإن رسول الله، وَّ، قد قبلها، ومن صام فإنّ
رسول الله، وَ*، قد صام))؛ فكانوا يتبعون الأحدثَ فالأحدث من أمره ويرون المُحْكَمَ
النّاسخَ.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا ليث بن سعد، حدّثني ابن شهاب عن عبيد الله
ابن عبدالله بن عُتبة بن مسعود عن ابن عبّاس أنّه أخبره أن رسول الله، وَّل، خرج
عام الفتح في شهر رمضان فصام حتّى بلغ الكَديد ثمّ أفطر، وكان أصحاب رسول
الله، وَّ، يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره.
أخبرنا الضّحّاك بن مَخْلد أبو عاصم النّبيل عن سعيد بن عبد العزيز التّنُوخِي،
أخبرنا عَطيّة بن قيس عن قَزَعَة عن أبي سعيد الخُدْري قال: أذِنَنَا رسول الله، بَل،
لليلتين خلتا من شهر رمضان فخرجنا ونحنُ صُوّام حتّى إذا بلغنا الكَديد أمرنا رسول
الله، وَ﴿، بالفطر فأصبحنا شَرْجَيْن منّا الصّائم ومنّا المُفْطر حتّى إذا بلغْنا مَرّ الظَّهْران
أُعْلَمَنَا أَنّا نَلْقَى العدوّ وأمرَنا بالفطْر.
وأخبرنا هشام أبو الوليد الطّيالسيّ، أخبرنا شعبة وأخبرنا مسلم بن إبراهيم عن
هشام الدّستَوائي قالا: أخبرنا قتادة عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد الخُذْري قال: خرجنا
مع رسول الله، وَّر، حين فتحنا مكّة لثماني عشرة أو سبع عشرة من رمضان فصام
بعضنا وأفطر بعضنا فلم يَعبْ المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر.
أخبرنا هاشم بن القاسم، قال: أخبرنا شعبة عن الحكم عنٍ مِقْسَم عن ابن
عبّاس قال: صامَ رسول الله، وَل﴿، يوم فتح مكّة حتّى أتى قُدَيداً فأتي بقَدَح من لبن
فأفطر وأمر الناس أن يفطروا.
أخبرنا طَلْق بن غَنّام النّخَعي، أخبرنا عبد الرّحمن بن جُريس الجعفري،
حدّثني حمّاد عن إبراهيم أنّ رسول الله، وَل، افتتح مكّة في عشر من رمضان وهو
صائمٌ مسافرٌ مجاهد.
أخبرنا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أنّ رسول الله،
وَله، خرج عام الفتح إلى مكّة بثمانية آلاف أو عشرة آلاف وخرج من أهل مكّة بألفين
إلى حُنين.
١٠٥

أخبرنا عمر بن سعد أبو داود الحَفَري عن يعقوب القُمّي عن جعفر بن أبي
المغيرة عن ابن أبْزَى قال: دخل النبىّ، وَلّر، مكّة في عشرة آلاف.
أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك عن كثير بن عبدالله عن أبيه عن جدّه
أنّه قال: غزونا مع رسول الله، وَّر، عام الفتح ونحن ألف ونيّف، يعني قومه مُزينة،
ففتح الله مكّة وحُنيناً.
أخبرنا معن بن عيسى وشبابة بن سوّار وموسى بن داود قالوا: أخبرنا مالك بن
أنس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله، وَلخير، مكّة عام الفتح
وعلى رأسه المِغْفَر ثمّ نزعه، قال معن وموسى بن داود في حديثهما: فجاء رجل
فقال: يا رسول الله، ابن خَطَل متعلّق بأستار الكعبة! فقال رسول الله، وَل: ((اقتلوه!))
قال معن في حديثه قال مالك: ولم يكن رسول الله، وَل﴿، يومئذ مُحْرِماً.
أخبرنا إسماعيل بن أبان الورّاق، أخبرنا أبو أويس، حدّثني الزّهري أنّ أنس بن
مالك حدّثه أنّه رأى رسول الله، وَّر، عام الفتح وعلى رأسه المِغفر فلمّا نزعه عن
رأسه أتاه رجل فقال: يا رسول الله، هذا ابن خَطَل متعلّق بأستار الكعبة! فقال رسول
الله، وَل﴾: ((اقتلوه حيث وجدتموه!)).
أخبرنا الفَضْل بن دُکین، أخبرنا سفيان، يعني الثوري، عن ابن جُریج عن رجل
عن طاووس قال: لم يدخل رسول الله، وَير، مكّة إلّ مُحْرِماً إلّ يومَ الفتح دخل بغير
إحرام .
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا شَريك عن عَمّار الدُّهْني عن أبي الزبير عن
جابر قال: دخل النبيّ، وَ﴿، عام الفتح وعليه عِمامةٌ سوداء.
حدّثنا عفّان بن مسلم وكَثير بن هشام قالا: أخبرنا حمّاد بن سَلمْة عن أبي الزّبير
عن جابر أنّ رسول الله، وَ﴿، دخل يوم فتح مكّة وعليه عِمامةٌ سوداءُ.
أخبرنا عبدالله بن الزبير الحُميدي، أخبرنا سُفيان بن عيينة عن هشام عن عروة
عن أبيه عن عائشة أنّ رسول الله، وَّر، دخل يوم الفتح من أعلى مكّة وخرج من
أسفل مكّة.
أخبرنا سويد بن سعيد قال: أخبرنا حَفْص بن مَيْسَرَة أبو عمر الصّنْعاني عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ رسول الله، وَّر، دخل عام الفتح من كَداء من
الثنيّة التي بأعلى مكّة .
١٠٦

أخبرنا إسماعيل بن عبدالله بن خالد السّكّري، أخبرنا يحيى بن سُليم الطائفي
عن إسماعيل بن أميّة عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله، ێو، كان يدخل مكّة من
الثنّة العُليا ويخرج من الثنيّة السّفْلى.
أخبرنا هشام أبو الوليد الطّيالسي وشبابة بن سَوّار وهاشم بن القاسم أبو عمرو بن
الهَيْثَم أبو قَطَن، قالوا: أخبرنا شعبة عن عمرو بن دينار عن عُبيد بن عُمير قال: قال
رسول الله، وَ﴾، يوم فتح مكّة لأصحابه: ((إنّ هذا يوم قتال فأفْطِرُوا)). قال شبابة:
قال شعبة لم يسمع عمرو بن دينار من عُبيد بن عُمير إلّ ثلاثة أحاديث.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي
سَلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قالا: لمّا كان يوم فتح رسول الله، وَّل،
مكّة كان عبدالله ابن أمّ مكتوم بين يديه وبين الصّفا والمَرْوة وهو يقول:
أرْضٌ بِهَا أَهْلِي وعُوّادي
يَا حَبّذَا مَكّةُ مِنْ وَادي!
أرْضٌ بِهَاْ أمْشي بلا هَادي! أرْضٌ بِهَا تَرْسَخُ أوْتَادي
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن سعيد بن
المسيّب: أنّ رسول الله، وَ﴿، أمر بقتل ابن أبي سَرْح يوم الفتح وفَرْتَنا وابن الزّبَعْرَى
وابن خَطَّل، فأتاه أبو بَرْزَة وهو متعلّق بأستار الكعبة فبقر بطنه، وكان رجل من الأنصار
قد نذر إن رأى ابن أبي سَرْح أن يقتله، فجاء عثمان وكان أخاه من الرّضاعة فشفع له
إلى النبيّ، وَلـ، وقد أخذ الأنصاري بقائم السيف ينتظر النبيّ متى يومىءُ إليه أن
يقتله، فشفع له عثمان حتى تركه؛ ثمّ قال رسول الله، وَّر، الأنصاري: ((هلّ وفيتَ
بنذرك؟)» فقال: يا رسول الله، وضعت يدي على قائم السيف أنتظر متى تومىء فأقتله!
فقال النبيّ، وَل﴿: ((الإيماء خيانةً! ليس لنبيّ أن يومىء)).
أخبرنا أحمد بن الحَجّاجِ الخُراساني، أخبرنا عبدالله بن المبارك قال: أخبرنا
مَعْمَر عن الزهريّ عن بعض آل عمر بن الخطّاب قال: لمّا كان يوم الفتْح ورسول الله،
*، بمكّة أرسل إلى صَفْوان بن أمّيّة بن خَلَف وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى
الحارث بن هشام قال عمر: قلت قد أمكن الله منهم أعْرَفَهم بما صنعوا حتى قال
النبيّ، وَّهَ، «مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: لا عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللّه لَكُمْ
وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحمينَ)). قال عمر: فانفضحتُ حَياءً من رسول الله، وََّ، كراهيةً لما
كان منّي، وقد قال لهم رسول الله، وَلّ، ما قال.
١٠٧

أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنْعاني، حدّثني إبراهيم بن عَقيل بن مَعْقل
عن أبيه عن وهْب عن جابر: أنّ النبيّ، وَّهَ، أمر عمر بن الخطّاب زمن الفتح وهو
بالبطحاء أن يأتي الكعبَةَ فَيَمْحُوَ كلّ صورةٍ فيها، ولم يدخلها النبيّ، ◌َ، حتى مُحَيَت
كل صورة فيها.
أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن عَبّاس
عن الفَضْلِ: أنّ النبيّ، وَه، دخل البيت فكان يسبّح ويكبّر ويدعو ولا يركع.
أخبرنا خالد بن مخلد البَجَلي، أخبرنا سليمان بن بلال، حدّثني
عبد الرّحمن بن الحارث بن عيّاش عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: جلس
النبيّ، وَّر، عام الفتح على درج الكعبة فحمد الله وأثنى عليه وقال فيما تكلّم به:
((لا هجرة بعد الفتح)).
أخبرنا موسى بن داود بن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال: كان يومَ الفتح
بمكّة دخانٌ، وهو قول الله عزّ وجلّ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:
١٠ ].
أخبرنا هشام أبو الوليد الطّيالسي، أخبرنا شعبة عن أبي إياس قال: سمعت
عبدالله بن المغفّل قال: رأيت رسول الله، وَّر، يوم فتح مكّة على ناقة وهو يسير
ويقرأ سورة الفتح ويرجّع ويقول: لولا أن يجتمع الناس حولي لرجّعت كما رجّع.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا أبو معشر عن العبّاس بن عبد الله بن مَعْبَد قال:
قال رسول الله، وَ﴿، الغَدَ من يوم الفتح: ((أذْهبوا عنكم عُبّة الجاهليّة وفَخْرَها
بآبائها، النّاس كلّهم بنو آدم وآدم من تراب!)).
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنعانيّ، أخبرنا إبراهيم بن عقيل بن مَعقل
عن أبيه عن وهب بن منّه، قال: سألت جابر بن عبدالله هل غنموا يوم الفتح شيئاً؟
قال: لا.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن عليّ بن زيد بن جُدْعان عن أبي نَضْرَة
عن عمران بن حُصين قال: شهدت مع النبيّ، وَّر، الفتح فأقام بمكّة ثماني عشرة
ليلة لا يصلّي إلّ ركعتين.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا سُفيان عن يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت
ٹ
١٠٨

أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله، وَلَهَ، يَقْصُر حتّى أتى مكّة وأقمنا بها عشراً
بقصر حتی رجع.
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيدالله
ابن عبدالله بن عتبة قال: أقام رسول الله، وَلاير، عام الفتح بمكّة خمس عشرة ليلةً
يقصر الصلاة حتى سار إلى حُنين.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا المسعودي عن الحَكَم: أنّ رسول الله، وَلِر،
خرج في رمضان من المدينة لستّ مَضَينَ فسار سبعاً يصلّ ركعتين حتى قدم مكّة
فأقام بها نصف شهر يقصر الصّلاة، ثمّ خرج لليلتين بقيتا من شهر رمضان إلى حنين.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا شَريك عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن
عكرمة عن ابن عبّاس قال: أقام النبيّ، وَّر، بمكّة بعد الفتح سبعة عشر يوماً يصلّي
ركعتين .
أخبرنا محمد بن حرب المكّي، أخبرنا بكر بن مُضر عن جعفر بن ربيعة عن
عِراك بن مالك: أنّ النبيّ، وَّه، صلّى بمكّة عام الفتح خمس عشرة ليلةً يصلّي
ركعتين ركعتين.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن أبي نَضْرة
عن عِمْران بن حصين قال: أقام رسول الله، وَّر، زمن الفتح بمكّة ثماني عشرة
يصلّي رکعتين ركعتين.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا وُهيب، أخبرنا عُمارة بن غَزيّة، أخبرنا الرّبيع بن
سَبْرَة الجُهَني عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله، وَّر، عام الفتح فأقام خمس عشرة
من بين يوم وليلة.
أخبرنا كثير بن هشام، أخبرنا القُرات بن سليمان عن عبد الكريم بن مالك
الجَزَري عن مُجاهد عن مولاةٍ لأمّ هانىٍ: أنّ رسول الله، وَ له، حين فتح مكّة دعَا
بإِنَاءٍ ثمّ صلّى أربع ركعات.
أخبرنا يحيى بن عبّاد، أخبرنا فُليح بن سليمان: سمعت سعيد بن أبي سعيد
المَقْبُري قال: أخبرني أبو مرّة مولى أمّ هانىء أخبرته أنّها دخلت منزل رسول الله،
وَ*، يوم الفتح تُكلّمه في رجل تستأمن له قالت: فدخل رسول الله، وَّر، وقد وقع
١٠٩

الغبار على رأسه ولحيته فسُتر بثوب فاغتسل، ثمّ خالف بين طَرَفَيْ ثوبه فصلّى الضّحى
ثماني ركعات.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا ليث بن سعد، حدّثني يزيد بن أبي حبيب عن
سعيد بن أبي هند أنّ أبا مُرّة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنّ أمّ هانىء بنت أبي
طالب حدثته أنّ رسول الله، وَّرَ، ... لمّا كان عام الفتح فرّ إليها رجلان من بني
مخزوم فأجارتهما، فدخل عليّ عليها فقال: لأقتلنّهما! قالت: فلما سمعته يقول ذلك
أتيت رسول الله، وَلّر، وهو بأعلى مكّة، فلمّا رآني رسول الله، وَّ، رحّب بي
وقال: ((ما جاء بك يا أمّ هانىء؟)) قلت: يا نبيّ الله كنت قد آمنت رجلين من أحمائي
فأراد عليّ قَتْلَهما، فقال رسول الله، بَلَهُ: ((قد أجرنا من أجرْتٍ!)) ثمّ قام رسول الله،
وَيّ، إلى غسله فسترته فاطمة بثوب ثمّ أخذ ثوبه فالتحف به ثمّ صلّى ثماني ركعات
سُبْحَةَ الضحَى.
أخبرنا أبو بكر بن محمّد بن أبي مُرّة المكّ، حدّثني سعيد بن سالم المكّي عن
رجل قد سمّاه قال: استعمل رسول الله، وَّرَ، على سوق مكّة حين افتتحها سَعيدَ بن
سعيد بن العاص بن أميّة، فلما أراد النبيّ، وَّر، أن يخرج إلى الطائف خرج معه
سعيد بن سعيد فاستُشهد بالطائف.
أخبرنا أبو بكر بن محمد بن أبي مُرّة، حدّثني مسلم بن خالد الزّنجي عن أبي
جُريج قال: لمّا خرج النبيّ، وََّ، إلى الطائف في عام الفتح استخلف على مكّة
هُبِيرة بن شبْل بن العَجْلان الثّقَفي، فلمّا رجع من الطائف وأراد الخروج إلى المدينة
استعمل عَتّاب بن أسيد على مكّة وعلى الحجّ سنةً ثمان.
أخبرنا محمد بن عُبيد، حدّثني زكريّاء بن أبي زائدة عن عامر قال: قال
الحارث بن مالك بن بَرْصاء: سمعتُ النبيّ، وَّهِ، يوم الفتح يقول: ((لا تُغْزَى بعدها
إلى يوم القيامة)).
سريّة خالد بن الوليد إلى العُزّى (١)
ثمّ سريّة خالد بن الوليد إلى العُزّى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان
من مُهاجَر رسول الله، وَلّ .
(١) تاريخ الطبري (٦٥/٣)، وسيرة ابن هشام (٢٨٦/٢).
١١٠

قالوا: بعث رسول الله، وَلقر، حين فتح مكّة خالد بن الوليد إلى العُزّى
ليهدمها، فخرج في ثلاثين فارساً من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها ثمّ رجع إلى
رسول الله، وَ﴿، فأخبره فقال: ((هل رأيتَ شيئاً؟)) قال: لا! قال: ((فإنّك لم تهدمها
فارجعْ إليها فاهدمها))، فرجع خالد وهو متغيّظ فجرّد سيفه فخرجت إليه امرأةٌ عريانة
سوداء ناشرة الرأسِ ، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجَزَّلَها باثنتين ورجع
إلى رسول الله، وَ﴿، فأخبره فقال: ((نعمْ تلك العُزّى وقد يئستْ أن تُعْبَد ببلادكم
أبداً!)) وكانت بنخلة وكانت لقريش وجميع بني كنانة وكانت أعظم أصنامهم وكان
سَدَنْتَها بنو شيبان من بني سُلَیم.
سريّة عمرو بن العاص إلى سُواعٍ (١)
ثمّ سريّة عمرو بن العاص إلى سُواع في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر
رسول الله، وَه .
قالوا: بعث النبيّ، وَّر، حين فتح مكّة عمرو بن العاص إلى سُواع، صنم
هذيل، ليهدمه. قال عمرو: فانتهيتُ إليه وعنده السادِن فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني
رسول الله، وَجَ، أن أهدمه. قال: لا تقدر على ذلك. قلتُ: لِمَ؟ قال: تُمْنَع! قلت:
حتّى الآن أنت في الباطل! وَيْحَك وهل يَسْمع أو يُبْصر! قال: فدنوت منه فكسرته
وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئاً، ثمّ قلت للسادن: كيف
رأيت؟ قال: أسلمتُ لله.
سريّة سعد بن زيد الأشْهَلي إلى مَناة (٢)
ثمّ سريّة سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة في شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجر
رسول الله، وَل ـ
قالوا: بعث رسول الله، وَلّ، حين فتح مكّة سعد بن زيد الأشهلي إلى مَناة،
وكانت بالمُشَلّل للأوس والخزرج وغسّان. فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله، وَل،
(١) تاريخ الطبري (٦٦/٣).
(٢) تاريخ الطبري (٦٦/٣).
١١١

سعد بن زيد الأشهلي يهدمها فخرج في عشرين فارساً حتّى انتهى إليها وعليها سادن،
فقال السادن: ما تريد؟ قال: هَدْمَ مَناةَ! قال: أنت وذاك! فأقبل سعد يمشي إليها
: وتخرج إليه امرأة عُريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فقال
السادن: مَناة دونَكِ بَعْضَ غَضَباتِك! ويضربها سعد بن زيد الأشهلي وقتلها ويُقبل
إلى الصنمّ معه أصحابه فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئاً وانصرف راجعاً إلى رسول
الله، وَلِّ، وكان ذلك لستّ بقين من شهر رمضان.
سريّة خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمَة من كنانة(١)
ثمّ سريّة خالد بن الوليد إلى بني جَذيمة من كنانة، وكانوا بأسفل مكّة على ليلة
ناحيةً يَلَمْلَم في شوّال سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، وََّ، وهو يوم الغُمَيصاء.
قالوا: لمّا رجع خالد بن الوليد من هَدْم العُزّى ورسول الله، وَّر، مقيم بمكّة
بعثه إلى بني جذيمة داعياً إلى الإِسلام ولم يبعثه مقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين
رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سُليم، فانتهى إليهم خالد فقال: ما أنتم؟ قالوا:
مسلمون قد صلّينا وصدّقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذّا فيها! قال: فما بالُ
السلاح عليكم؟ فقالوا: إنّ بيننا وبين قوم من العرب عداوةً فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا
السلاح! قال: فضَعُوا السلاحَ! قال: فوضعوه، فقال لهم: استأسروا، فاستأسر القوم،
فأمر بعضَهم فكتف بعضاً وفرّقهم في أصحابه، فلمّا كان في السّحَر نادى خالد: من
كان معه أسيرٌ فَلْيُدافّه! والمُدافّة الإِجْهاز عليه بالسيف، فأمّا بنو سُليم فقتلوا من كان
في أيديهم، وأمّا المهاجرون والأنصار فأرسلوا أساراهم، فبلغ النبيَّ، وَّرَ، ما صنع
خالد فقال: ((اللهمّ إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد!)) وبعث عليّ بن أبي طالب فَوَدَى
لهم قَتْلاهم وما ذهب منهم ثمّ انصرف إلى رسول الله فأخبره.
أخبرنا العبّاس بن الفضل الأزرق البصري، أخبرنا خالد بن يزيد الجَوْني،
أخبرنا محمد بن إسحاق عن ابن أبي حَدْرَد عن أبيه قال: كنت في الخيل التي أغارت
مع خالد بن الوليد على بني جذيمة يوم الغُميصاء، فلحقنا رجلاً منهم معه نسوةً
فجعل يقاتلنا عنهنّ ويقول:
(١) تاريخ الطبري (٦٦/٣)، وسيرة ابن هشام (٢٨٤/٢)، والمغازي (٨٧٥).
م
١١٢

رَخِينَ أَذْيالَ الحِقَاءِ وأَرْبَعَنْ مَشْيَ حُيَيّاتٍ كَأنْ لَمْ تُفْزَعَزْ
إِنْ يَمْنَعِ القَوْمَ ثَلاثٌ تُمْنَعَنْ
قال: فقاتل ثلاثاً عنهنّ حتّى أصعدهنّ الجبل.
قال: إذ لحقنا آخَرَ معه نسوة قال فجعل يقاتل عنهنّ ويقول:
قَدْ عَلَمَتْ بَيْضاءُ حَمْراءِ الإِطِلْ يَحُوزُها ذُو ثَلَّةٍ وَذُو إِبِلْ
لأَغْنِيَنّ اليَوْمَ ما أغْنَى رَجُلْ
فقاتل عنهنّ حتّى أصعدهنّ الجبل.
قال: إذا لحقنا آخَرَ معه نسوة فجعل يقاتل عنهنّ ويقول:
قَدْ عَلَمَتْ بَيْضاءُ تُلْهِي العِرْسَا لا تملأ اللجين منْهَا نَهْسا
لِأَضْرِبَنّ اليَوْمَ ضَرْباً وَعْسَا ضَرْبَ المُذِيدِينَ المَخاضَ القُعْسا
فقاتل عنهنّ حتّى أصعدهنّ الجبل فقال خالد: لا تتبعوهم.
أخبرنا العبّاس بن الفضل، أخبرنا سفيان بن عيينة، حدّثني عبد الملك بن نَوْفَل
ابن مُساحق القرشي عن عبدالله بن عصام المُزَني عن أبيه قال: بعثنا رسول الله، وَلِّ،
يوم بطن نخلة فقال: اقتلوا ما لم تسمعوا مؤذّناً أو تروا مسجداً، إذ لحقنا رجلاً فقلت
له: كافرٌ أو مسلم؟ فقال: إن كنتُ كافراً فَمَهْ! قلنا له: إن كنت كافراً قتلناك! قال:
دَعُوني أقضِ إلى النسوان حاجةً! قال: إذدنا إلى امرأة منهنّ فقال لها: اسلَمي حُبَيْشر
عَلى نَفَد العيش !.
بِحَلْيَةَ أوْ أَدْرَكْتُكُمْ بِالخَوانِقِ
أَرَيْتَكِ إِذْ طالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكم
تَكَلّفَ إِذْلاجَ السُّرَى والوَدائقِ؟
أما كانَ أهْلَا أنْ يُنَوَّلَ عاشقٌ
أثيبِي بُدِّ قَبْلَ إحْدى الصّفائقِ!
فَلَا ذَنْبَ لي قَدْ قُلتُ إذْ نحنُ جيرَةٌ
وَيَنْأى أميري بالحبيبِ المُفَارِقِ
أثيبي بوُدِّ قَبلَ أن تَشِحَطَ النّوَى،
فقالت: نعم حُبّيتَ عشرا وسبعاً وِتْرا وثمانياً تَتْرَى! قال: فقربناه فضربنا عنقه،
قال: فجاءت فجعلت ترشفه حتى ماتت عليه! وقال سفيان: وإذا امرأة كثيرة النّحض.
يعني اللحم.
١١٣

غزوة رسول الله، وَالخير، إلى حُنين (١)
ثمّ غزوة رسول الله، وَلّر، إلى حُنين وهي غزوة هَوازن في شوّال سنة ثمان من
مُهاجَر رسول الله، وَلَ،" وحُنين وادٍ بينه وبين مكّة ثلاث ليال.
قالوا: لمّا فتح رسول الله، وَله، مكّة مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى
بعض وحشدوا وبغوا، وجمع أمرَهم مالك بن عوف النّصري، وهو يومئذ ابن ثلاثين
سنة، وأمرهم فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم حتى نزلوا بأوطاس، وجعلت
الأمداد تأتيهم فأجمعوا المسير إلى رسول الله، وَله، فخرج إليهم رسول الله، وَ﴿،
من مكّة يوم السبت لستّ ليال خلون من شوّال في اثني عشر ألفاً من المسلمين:
عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من أهل مكّة. فقال أبو بكر: لا نُغْلَب اليومَ من
قلّةٍ! وخرج مع رسول الله، وَ﴿، ناسٌ من المشركين كثير، منهم صَفْوان بن أمّيّة،
وكان رسول الله، وَّر، استعار منه مائةَ درع بأداتها، فانتهى إلى حُنين مَساء ليلة
الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوّال، فبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر
أصحاب رسول الله، وَّر، فرجعوا إليه وقد تفرّقت أوصالهم من الرّعب. ووجّه رسول
اللّه، وََّ، عبدَ الله بن أبي حَدْرَدِ الأسْلَمي فدخل عسكرَهم فطاف به وجاء
بخبرهم، فلمّا كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين
فأوعز إليهم أن يحملوا على محمد وأصحابه حملةً واحدةً، وعبّاً رسول الله، وَّهِ،
أصحابَه في السّحَر وصفّهم صفوفاً ووضع الألوية والرايات في أهلها، مع المهاجرين
لواء يحمله عليّ بن أبي طالب وراية يحملها سعد بن أبي وقّاص وراية يحملها عمر بن
الخطّاب، ولواء الخزرج يحمله حُباب بن المنذر، ويقال لواء الخزرج الآخر مع سعد
ابن عُبادة ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفي كل بطن من الأوس والخزرج لواء أو
راية يحملها رجل منهم مُسَمّى، وقبائل العرب فيهم الألوية والرايات يحملها قومٌ منهم
مسمّون. وكان رسول الله، وَ﴿، قد قدّم سُليماً من يوم خرج من مكّة واستعمل عليهم
خالد بن الوليد، فلم يزل على مقدّمته حتى ورد الجعْرانَة. وانحدر رسول الله، چ،
في وادي الحُنين على تعبئة وركب بغلتَه البيضاء دُلْدُل ولبس دِرْعَين والمغفر والبيضة،
فاستقبلهم من هَوازن شيء لم يروا مثله قط من السّواد والكثرة، وذلك في غَش
(١) تاريخ الطبري (٧٠/٣)، وسيرة ابن هشام (٢٨٧/٢)، والأغاني (٣٠/١٠ -٣٢)، ومغازي
الواقدي (٨٨٥).
١١٤

الصبح، وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملةً واحدةً وانكشفت
الخيل خيل بني سُليم مولّةً وتبعهم أهل مكّة وتبعهم الناس منهزمين، فجعل رسول
الله، وَلّ، يقول: ((يا أنصارَ الله وأنصارَ رسوله أنا عبد الله ورسوله!)) ورجع رسول
الله، وَي*، إلى العسكر وثاب إليه من انهزم وثبت معه يومئذ العبّاس بن عبد المطّلب
وعليّ بن أبي طالب والفضل بن عبّاس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وربيعة
ابن الحارث بن عبد المطّلب وأبو بكر وعمر وأسامة بن زيد في أناس من أهل بيته
وأصحابه، وجعل يقول للعبّاس: ((نادٍ يا معشر الأنصار يا أصحاب السّمُرة يا أصحاب
سُورة البَقَرة!)) فنادى، وكان صَيّتاً، فأقبلوا كأنّهم الإِبل إذا حنّت على أولادها يقولون:
يا لَبّيْك يا لَبَيْك! فحملوا على المشركين فأشرف رسول الله، وَّ، فنظر إلى قتالهم
فقال: ((الآن حَميَ الوَطيسُ! أَنَا النّبِيّ لا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْد المُطَلبْ!)).
ثمّ قال للعبّاس بن عبد المطّلب: ((ناوِلْني حَصَياتٍ))، فناولتُه حصيات من
الأرض ثمّ قال :. ((شاهَتِ الوجوه!)) ورمى بها وجوه المشركين وقال: ((انهزموا وربّ
الكعبة!)) وقذف الله في قلوبهم الرّعب، وانهزموا لا يلوي أحد منهم على أحد، فأمر
رسول الله، وَل﴿، أن يُقْتَل من قُدر عليه، فحَنقَ المسلمون عليهم يقتلونهم حتى قتلوا
الذّرّيّة، فبلغ ذلك رسول اللّه، وََّ، فَنَهى عن قتل الذّرّيّة، وكان سيماءَ الملائكة،
يومَ حُنين، عمائمُ حُمْرٌ قد أرخوها بين أكتافهم. وقال رسول الله، وَله: ((من قتل قتيلاً
له عليه بَّنَةٌ فله سَلَبُه)). وأمر رسول الله، وَطّر، بطلب العدوّ فانتهى بعضهم إلى
الطائف وبعضهم نحو نخلة وتوجّه قوم منهم إلى أوْطاس، فعقد رسول الله، والآن،
لأبي عامر الأشعري لواءً ووجّهه في طلبهم، وكان معه سلمة بن الأكوع، فانتهى إلى
عسكرهم فإذا هم ممتنعون فقتل منهم أبو عامر تسعةً مُبارَزَةً ثمّ بَرَزَ له العاشر مُعْلماً
بعمامة صفراء فضرب أبا عامر فقتله، واستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعري فقاتلهم
حتى فتح الله عليه وقتل قاتل أبي عامر، فقال رسول الله، وَالر: ((اللهمّ اغفر لأبي
عامر واجْعله من أعْلَى أمّتي في الجنّة!)) ودعا لأبي موسى أيضاً.
وقتل من المسلمين أيضاً أيْمَن بن عُبيد بن زيد الخزرجي، وهو ابن أمّ أيمن
أخو أسامة بن زيد لأمّه، وسُراقة بن الحارث ورُقيم بن ثعلبة بن زيد بن لَوْذان،
واستحرّ القتال في بني نَصْر بن معاوية ثمّ في بني رِباب فقال عبدالله بن قيس وكان
مسلماً: هلكت بنو رباب! وقال رسول الله، وَلجر: ((اللهمّ أجبرْ مصيبتهم!)) ووقف
١١٥

مالك بن عوف على ثنّة من الثنايا حتى مضی ضُعفاء أصحابه وتتام آخرهم ثمّ هرب
فتحصّن في قصر بلِيّة، ويقال دخل حصن ثقيف، وأمر رسول الله، وَّة، بالسبي
والغنائم تُجْمَع، فجُمع ذلك كلّه وحدروه إلى الجعْرانة فُوُقف بها إلى أن انصرف
رسول الله، وَ﴾، من الطائف وهم في حظائرهم يستظلّون بها من الشمس، وكان
السبي ستّة آلاف رأس، والإِبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف
شاة، وأربعة آلاف أوقيّةٍ فضّة، فاستأنى رسول الله، وَّر، بالسبي أن يقدم عليه
وقّدُهم وبدأ بالأموال فقسمها وأعطى المؤلّفةَ قلوبهم أوّلَ النّاس فأعطى أبا سفيان بن
حرب أربعين أوقيّة ومائة من الإِبل، قال: ابني يزيد، قال: أعطوه أربعين أوقيّة ومائة
من الإِبل، قال: ابني معاوية، قال: أعطوه أربعين أوقيّة ومائة من الإِبل. وأعطى
حكيم بن حزام مائة من الإِبل ثمّ سأله مائة أخرى فأعطاه إيّاها، وأعطى النصر بن
الحارث بن كَلَّدة مائة من الإِبل، وأعطى أسيد بن جارية الثّقَفي مائة من الإِبل،
وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي خمسين بعيراً، وأعطى مَخْرَمة بن نَوْفل خمسين بعيراً،
وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإِبل، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإِبل،
وأعطى صَفْوانَ بن أمّة مائة من الإِبل، وأعطى قيس بن عديّ مائة من الإِبل، وأعطى
عثمان بن وَهْب خمسين من الإِبل، وأعطى سُهيل بن عمرو مائة من الإِبل، وأعطى
حُويطب بن عبد العُزّى مائة من الإِبل، وأعطى هشام بن عمرو العامري خمسين من
الإِبل، وأعطى الأقْرَع بن حابس التّميمي مائة من الإِبل، وأعطى عُيينة بن حصْن مائة
من الإِبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإِبل، وأعطى العبّاس بن مرداس أربعين
من الإِبل، فقال في ذلك شعراً فأعطاه مائة من الإِبل، ويقال خمسين، وأعطى ذلك
كلّه من الخُمس وهو أثبت الأقاويل عندنا، ثمّ أمر زيد بن ثابت بإحصاء النّاس والغنائم
ثمّ فضّها على النّاس فكانت سهامهم لكلّ رجل أربع من الإِبل وأربعون شاة، فإن
کان فارساً أخذ اثني عشر من الإِبل وعشرين ومائة شاة، وإن کان معه أکثر من فرس لم
یسهم له.
وقدم وَفْدُ هوازن على النبيّ، وَّر، وهم أربعة عشر رجلًا ورأسهم زهير بن
صُرَد، وفيهم أبو بُرْقان عمّ رسول الله، ﴿، من الرضاعة فسألوه أن يَمُنّ عليهم
بالسبي فقال: ((أبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟)) قالوا: ما كنّا نعدل
بالأحساب شيئاً. فقال: ((أمّا ما لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم وسأسألُ لكم النّاسَ))،
١١٦

فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله، وَلقّر، فقال الأقرع بن حابس:
أمّا أنا وبنو تَميم فلا! وقال عيينة بن حصن: أمّا أنا وبنو فَزارة فلا! وقال العبّاس بن
مرداس: أمّا أنا وبنو سُليم فلا! وقالت بنو سُليم: ما كان لنا فهو لرسول الله، وَلفته،
فقال العبّاس بن مرداس: وهّنتموني! وقال رسول الله، وَلغيره، ((إنّ هؤلاء القوم جاؤوا
مسلمين، وقد كنت استأنيت بسبيهم وقد خيّرْتُهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً،
فمن كان عنده منهم شيء فطابت نفسه أن يردّه فسبيل ذلك، ومن أبَى فليردّ عليهم
وليكن ذلك قَرْضاً علينا ستّ فرائض من أوّل ما يُفيء الله علينا)). قالوا: رضينا
وسلّمنا، فردّوا عليهم نساءَهم وأبناءَهم ولم يختلف منهم أحدٌ غير ◌ُيينة بن حصن،
فإنّه أبَى أن يردّ عجوزاً صارت في يده منهم ثمّ ردّها بعد ذلك.
وكان رسول الله، وََّ، قد كسا السّبيَ قُبْطِيّةً قبطية.
قالوا: فلما رأت الأنصار ما أعطى رسول الله، بَّرَ، في قريش والعرب تكلّموا
في ذلك فقال رسول الله، وَلجر: ((يا معشر الأنصار أما ترضون أن يرجع النّاس بالشاء
والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟)) قالوا: رضينا يا رسول الله بك حَظّاً وقسْماً!
فقال رسول اللّه، وَّة: ((اللهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الآنصار!))
وانصرف رسول الله، وَل، وتفرّقوا. وكان رسول اللّه، وَ ل*، انتهى إلى الجعرانة ليلة
الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة فأقام بها ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد
الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة ليلاً،
فأحرم بعُمرة ودخل مكّة فطاف وسعى وحلق رأسه ورجع إلى الجعرانة من ليلته
كبائتٍ، ثمّ غدا يوم الخميس فانصرف إلى المدينة فسلك في وادي الجعرانة حتى
خرج على سَرِف ثمّ أخذ الطريق إلى مَرّ الظَّهْران ثمّ إلى المدينة، وَّر.
أخبرنا الضحّاك بن مَخْلَد الشيباني أبو عاصم النّبيل قال: أخبرنا عبدالله بن عبد
الرحمن بن يَعْلَى بن كعب الثّقَفي وأخبرني عبدالله بن عبّاس عن أبيه: أنّ رسول الله،
*، أتى هوازن في اثني عشر ألفاً، فقتل منهم مثل ما قتل من قريش يوم بدر وأخذ
رسول الله، وَل#، تراباً من البطحاء فرمى به وجوهنا فانهزمنا.
أخبرنا محمد بن حميد العَبْدي عن معمر عن الزهري عن كثير بن عبّاس بن
عبد المطّلب عن أبيه قال: لمّا كان يوم حُنين التقى المسلمون والمشركون فولّى
المسلمون يومئذ، فلقد رأيت رسول الله وما معه أحدٌ إلّ أبو سفيان بن الحارث بن عبد
١١٧

٠٫
المطّلب أخذ بغَرْز النبيّ، وَّ، والنبيّ ما يألو ما أسرع نحو المشركين، قال: فأتيته
حتى أخذت بلجامه وهو على بَغْلَة له شَهْباء فقال: يا عبّاس نادٍ يا أصحاب السّمُرة!
قال: وكنت رجلاً صَيّاً فناديت بصوتي الأعلى أين أصحاب السّمُرة؟ فأقبلوا كأنّهم
الإِبل إذا حنّت إلى أولادها: يا لبّيك، يا لبّيك، يا لبّيك! وأقبل المشركون فالتقواهم
والمسلمون. ونادت الأنصار: يا معشر الأنصار! مرّتين، ثمّ قصرت الدعوى في بني
الحارث بن الخزرج فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر النبيّ وهو على بغلته
كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس، ثمّ أخذ بيده من الحصى فرماهم
بها ثمّ قال: ((انهزموا وربّ الكعبة!)) قال: فوالله ما زال أمرهم مُذْبِراً وحَدّهم كَليلاً
حتى هزمهم الله فكأنّي أنظر إلى النّبيّ، وَلَّ، يركض خلفهم على بغلة له.
قال الزهري: وأخبرني ابن المسيّب أنّهم أصابوا يومئذ ستّة آلاف من السبي
فجاؤوا مسلمين بعد ذلك فقالوا: يا نبيّ الله أنت خير النّاس وقد أخذت أبناءنا ونساءنا
وأموالنا! فقال: ((إن عندي من ترون وإن خير القولِ أصدقُه فاختاروا مني إما ذَرَارِيّكم
ونساءكم وإمّا أموالكم))، قالوا: ما كنّا لنعدل بالأحساب شيئاً. فقام النبيّ، وَلّ،
خطيباً فقال: ((إنّ هؤلاء قد جاؤوا مسلمين وإنّا قد خيّرناهم بين الذّرَاري والأموال فلم
يعدلوا بالأحساب شيئاً فمن كان عنده منهم شيء فطابت نفسه أن يردّه فسبيل ذلك،
ومن لا فليُعْطِنا وَلْيَكُنْ قَرْضاً علينا حتّى نُصيب شيئاً فنعطيه مكانه))، قالوا: يا نبيّ الله
قد رضينا وسلّمنا، قال: ((إنّي لا أدري لعلّ فيكم من لا يرضى فمروا عُرفاءكم يرفعون
ذلك إلينا))، فرفعت إليه العُرَفاء أن قد رضوا وسلّموا.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا يَعْلى بن عطاء عن أبي
همّام عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: كنّا مع رسول الله، وَّر، في غزوة حُنين
فسرنا في يوم قائظ شديدِ الحرّ فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلمّا زالت الشمس لبستُ
لأمتي وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله، وَّر، وهو في فُسطاطه فقلت: السلام
عليك يا رسول الله ورحمة الله! حان الرّواح؟ فقال: ((أجَلْ))، ثمّ قال: ((يا بلال!)) فثار
من تحت سَمُرة كأنّ ظلّه ظلّ طائر فقال: لبّيك وسَعْدَيْك وأنا فداؤك! قال: ((أسْرِجْ لي
فرسي))، فأخرج سرجاً دفّتاهُ من لِيف ليس فيهما أشَر ولا بَطَر، قال: فأسرج فركب
وركبنا فصاففناهم عشيّتنا وليلتنا فتشامّت الخيلان فولّى المسلمون مدبرين كما قال
: الله، فقال رسول الله، م ): ((يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله))، ثمّ قال: ((يا معشر
١١٨

المهاجرين أنا عبد الله ورسوله))، قال: ثمّ اقتحم رسول الله، وَلّر، عن فرسه فأخذ
كفّاً من تراب فأخبرني الذي كان أدنى إليه منّي أنّه ضرب به وجوههم وقال: ((شاهت
الوجوه!)) فهزمهم الله .
قال يَعْلى بن عطاء: فحدّثني أبناؤهم عن آبائهم أنّهم قالوا: لم يبقَ منّ أحدٌ إلّ
امتلأت عيناه وفوه تراباً، وسمعنا صَلْصَلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على
الطّست الجدید.
أخبرنا عفّان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكِلابي قالا: أخبرنا همّام، أخبرنا
قتادة عن الحسن عن سَمُرة: أنّ يوم حُنين كان يوماً مَطيراً، قال: فأمر رسول الله،
وَّ، منادياً فنادى: إنّ الصلاة في الرحال.
أخبرنا عمرو بن عاصم، أخبرنا همّام، أخبرنا قتادة وأخبرنا هاشم بن القاسم،
أخبرنا شعبة قال قتادة أخبرني عن أبي المليح عن أبيه قال: أصابنا مطرٌ بحُنين فأمر
رسول الله، وَل﴿، مناديه فنادى: إنّ الصلاة في الرحال.
وأخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبدالله بن المبارك، أخبرني عبد الرحمن
المسعودي عن القاسم عن عبدالله بن مسعود قالوا: نودي في النّاس يوم حُنين يا
أصحاب سورة البقرة! فأقبلوا بسيوفهم كأنّها الشّهُب فهزم الله المشركين.
*
سريّة الطُّفيل بن عمرو الدَّوْسي إلى ذي الكَفَّين
ثمّ سريّة الطفيل بن عمرو الدّوْسي إلى ذي الكَفّين: صنم عمرو بن حُمَمَة
الدّوْسي في شوّال سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، وَلّ .
قالوا: لمّا أراد رسول الله، وَّل، السير إلى الطائف بعث الطّفيل بن عمرو إلى
ذي الكَفّين، صنم عمرو بن حُمَمَة الدّوْسي، يهدمه وأمره أن يستمدّ قومه ویوافيه
بالطائف، فخرج سريعاً إلى قومه فهدم ذا الكَفّين وجعل يحشّ النار في وجهه ويحرقه
ويقول :
يَا ذَا الكَفَّيْنِ لَسْتُ من عُبّادِكا ميلادُنَا أَقْدمُ منْ ميلادِكًا
إنّي حَشَشْتُ النّارَ فِي فُؤادِكًا
قال: وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعاً فوافوا النّبيّ، وَّر، بالطائف بعد
١١٩

مَقْدَمه بأربعة أيّام، وقدم بدَبّابة ومَنْجَنيق وقال: يا معشر الأزد من يحمل رايتكم؟ فقال
الطفيل: من كان يحملها في الجاهليّة النعمان بن بازية اللَّهْبي، قال: أصبتم.
*
غزوة رسول الله، وَالتى، الطائف (١)
ثمّ غزوة رسول الله، وََّ، الطائف في شوّال سنة ثمان من مُهاجَره.
قالوا: خرج رسول الله، وَّر، من حُنين يريد الطائف وقدم خالد بن الوليد
على مقدّمته، وقد كانت ثقيف رَمّوا حصنهم وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة، فلم
انهزموا من أوْطاس دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم وتهيّأوا للقتال، وسار رسول الله،
وَل*، فنزل قريباً من حصن الطائف وعسكر هناك فرموا المسلمين بالنبل رَمْياً شديد
كأنّه رجل جَراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقُتل منهم اثنا عشر رجلاً،
فيهم عبدالله بن أبي أمّيّة بن المغيرة وسعيد بن العاص، ورُمي عبدالله بن أبي بكر
الصّديق يومئذ فاندمل الجرح ثمّ انتقض به بعد ذلك فمات منه فارتفع رسول الله،
وَّ، إلى موضع مسجد الطائف اليومَ وكان معه من نسائه أمّ سلمة وزينب،
فضرب لهما قبّتين، وكان يصلّ بين القبّتين حصارَ الطائف كلّه فحاصرهم
ثمانية عشر يوماً، ونصب عليهم المنجنيق ونثر الحَسَك سقبين من عيدان حول
الحصن، فرمتهم ثقيف بالنبل فقُتل منهم رجال، فأمر رسول الله، وَلّ، بقطع أعنابهم
وتحريقها فقطع المسلمون قَطْعاً ذريعاً ثمّ سألوه أن يَدَعَها لله وللرّحِم، فقال رسول
الله، وَّ: ((فإنّ أَدَعُها لله وللرّحِم!)) ونادى منادي رسول الله، وَله: ((أيّما عبد نزل
من الحصن وخرج إلينا فهو حرّ!)) فخرج منهم بضعة عشر رجلاً منهم أبو بَكْرةَ نزل في
بكْرة فقيل أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله، وَ ﴿، ودفع كلّ رجل منهم إلى رجلٍ من
المسلمين يَمُونه، فشقّ ذلك على أهل الطائف مشقّة شديدة ولم يؤذن لرسول الله،
وَيّ، في فتح الطائف. واستشار رسول الله، وََّ، نَوْفَل بن معاوية الدِّيلي فقال: ((مـ
ترى؟)) فقال: ثعلبُ في جُحْر إن أقمتَ عليه أخذتَه وإن تركته لم يضرّك! فأمر رسول
الله، وَ، عمر بن الخطّاب فأذّن في النّاس بالرحيل فضجّ النّاس من ذلك وقالوا:
نرحل ولم يُفْتَح علينا الطائف؟ فقال رسول الله، وَله: ((فاغدوا على القتال))؛ فغدو
فأصابت المسلمين جراحات فقال رسول الله، وَله: ((إنّا قافلون إن شاء الله))؛ فسُرّوا
(١) تاريخ الطبري (٨٢/٣)، وسيرة ابن هشام (٣٠٢/٢، ٣٠٣)، ومغازي الواقدي (٩٢٢).
١٢٠