النص المفهرس

صفحات 41-60

رسول الله، وَ﴿، على قَتَلَى ما وجد على قَتَلَى بئر معونة، وأنزل الله فيهم قرآناً حتى
نُسِخ بعدُ: ((بَلَغوا قَوْمَنَا عَنّا أَنّا لَقِينَا رَبّنَا فَرَضِيَ عَنّا وَرَضِينَا عنْهُ)). وقال رسول الله،
وََّ: ((اللهمّ اهدِ بني عامر واطلبْ خُفرتي من عامر بن الطّفيل)) وأقبل عمرو بن أمّة
سار أربعاً على رجليه، فلمّا كان بصدور قَناة لقي رجلين من بني كلاب قد كان لهما
من رسول الله، وَ لَ، أمانٌ فقتلهما وهو لا يعلم ذلك ثمّ قدم على رسول الله، وَله
فأخبره بمقتل أصحاب بئر معونة، فقال رسول الله، وَلَهُ: ((أَبتَ من بينهم)). وأخبر
النبيّ، وَّه بقتل العامريّين فقال: ((بئس ما صنعتَ! قد كان لهما منّي أمانٌ وجوار،
لأَدِيَنْهما، فبعث بدِيَتِهِما إلى قومهما)).
أخبرنا محمد بن عبدالله الأنصاري، أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبَة عن قتادة عن
أنس بن مالك: أنّ رِعْلًا وذكوان وعُصَيّة وبني لِحيان أتوا رسول الله، وَّ، فاستمدّوه
على قومهم فأمدّهم سبعين رجلاً من الأنصار، وكانوا يُدْعَون فينا القُرّاء، كانوا
يخطبون بالنهار ويصلّون باللّيل، فلمّا بلغوا بئر معونة غدروا بهم فقتلوهم، فبلغ ذلك
نبيّ اللّه، وََّ، فقنت شهراً في صلاة الصّبح يدعو على رِعل وذكوان وعُصَيّة وبني
لحيان. قال: فقرأنا بهم قرآناً زماناً ثمّ إنّ ذلك رُفع أو نُسي: ((بَلّغُوا عنّا قَوْمَنَا أَنّا لَقِينَا
رَبَّا فَرَضيَ عَنّا وَأَرْضَانَ)).
أخبرنا يحيى بن عَبّاد، أخبرنا عُمارة بن زاذان، حدّثني مكحول قال: قلت
لأنس بن مالك: أبا حمزة القرّاء قال: ويحك قُتلوا على عهد رسول الله، وَّر، كانوا
قوماً يستعذبون لرسول الله، وَّر، ويخطبون حتى إذا كان اللّيل قاموا إلى السّواري
للصّلاة.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن
ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك ورجال من أهل
العلم: أنّ المنذر بن عمرو الساعدي قُتل يوم بئر معونة، وهو الذي يقال له: أعنَقَ
ليموت، وكان عامر بن الطفيل استنصر لهم بني سُليم فنفروا معه فقتلوهم غيرَ عمرو
ابن أميّة الضّمري، أخذه عامر بن الطّفيل فأرسله، فلمّا قدم على رسول الله، وَلّر،
قال له رسول الله، وَلّر: ((أُبتَ من بينهم)). وكان من أولئك الرهط عامر بن فُهيرة، قال
ابن شهاب: فزعم عروة بن الزّبير أنّه قُتل يومئذ فلم يوجَد جسده حين دُفنوا. قال
عروة: كانوا يرون أنّ الملائكة هي دفنته.
٤١

.
أخبرنا عّاب بن زياد، أخبرنا عبدالله بن المبارك، قال: أخبرنا مالك بن أنس .
عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: أُنزل في الذين قُتلوا ببئر
معونة قرآن حتى نُسخ بعد: ((بَلّغُوا قَوْمَنَا أَنّا قَدْ لَقِينَا رَبَّا فَرَضيَ عَنّا وَرَضِينَا عَنْهُ)). ودعا
رسول الله، وَ﴿، على الذين قتلوهم ثلاثين غداة، يدعو على رِعل وذكوان وعُصَيّة
عصت الله ورسوله .
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصِم قال: سمعت أنس
ابن مالك قال: ما رأيت رسول الله، وَلتر، وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة.
*
*
سريّة مَرْثَد بن أبي مرثد(١)
ثمّ سريّة مرثد بن أبي مرثد الغَنَوي إلى الرّجيع في صفر على رأس ستّة وثلاثين
شهراً من مُهاجَر رسول الله، وَّر .
أخبرنا عبدالله بن إدريس الأودي، أخبرنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر
ابن قتادة بن النعمان الظّفَري، وأخبرنا مَعن بن عيسى الأشجعي، أخبرنا إبراهيم بن
سعد عن ابن شهاب عن عمر بن أسيد بن العلاء بن جارية، وكان من جلساء أبي
هريرة، قال: قدم على رسول الله، وَلّر، رهط من عَضَل والقارة وهم إلى الهُون بن
خُزيمة فقالوا: يا رسول الله إنّ فينا إسلاماً فابعثْ معنا نفراً من أصحابك يفقّهونا
ويُقرئونا القُرآن ويُعلّمونا شرائع الإسلام. فبعث رسول الله، وبيَّي، معهم عشرة رهط:
عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ومرثدَ بن أبي مرثد وعبدالله بن طارق وخُبيب بن عديّ
وزيد بن الدّثِنَة وخالد بن أبي البُكير ومعتّب بن عُبيد، وهو أخو عبدالله بن طارق لأمّه
وهما من بليّ حليفان في بني ظَفَر، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت، وقال قائل: مرثد بن
أبي مرثد، فخرجوا حتى إذا كانوا على الرّجيع، وهو ماء لهُذَيل بصدور الهَدَةِ، والهَدَة
على سبعة أميال منها، والهَدَة على سبعة أميال من عُسفان، فغدروا بالقوم واستصرخوا
عليهم هذيلاً، فخرج إليهم بنو لحيان فلم يَرُعِ القومَ إلّ الرّجال بأيديهم السيوفُ قد
غشوهم، فأخذ أصحاب رسول الله، وََّ، سيوفَهم فقالوا لهم: إنّا والله ما نريد
(١) وهي غزوة الرجيع.
تاريخ الطبري (٥٣٨/٢)، وسيرة ابن هشام (١٦٧/٢)، والأغاني (٢٢٥/٤)، والمغازي
(٣٥٤ - ٣٦٣).
٤٢

1
قتالكم إنّما نريد أن نصيب بكم ثمناً من أهل مكّة ولكم العهدُ والميثاقُ ألّ نقتلكم.
فأمّا عاصم بن ثابت ومرثد بن أبي مرثد وخالد بن أبي البُكير ومُعَتّب بن عُبيد فقالوا:
والله لا نقبل من مُشرك عهداً ولا عقداً أبداً، فقاتلوهم حتى قُتلوا. وأمّا زيد بن
الدّثِنة وخُبيب بن عديّ وعبدالله بن طارق فاستأسروا وأعطوا بأيديهم، وأرادوا رأس
عاصم ليبيعوه من سُلافة بنت سعد بن شُهيد، وكانت نذرت لتشربنّ في قِحف عاصم
الخمرَ، وكان قتل ابنيها مُسافِعاً وجُلاساً يوم أُحُد، فَحَمَتْهُ الدّبرُ فقالوا: أمهِلوه حتى
تُمسي، فإنّها لو قد أمست ذهبت عنه. فبعث الله الوادي فاحتمله وخرجوا بالنفر الثلاثة
حتى إذا كانوا بمرّ الظهران انتزع عبدالله بن طارق يدَه من القِران وأخذ سيفه واستأخر
عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بمرّ الظهران، وقدموا بخُبيب وزيد مكّة .
فأمّا زيد فابتاعه صَفوانُ بن أمّيّة فقتله بأبيه، وابتاع حُجير بن أبي إهاب خُبيب بن عديّ
لابن أخته عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه فحبسوهما حتى خرجت
الأشهر الحُرُم ثمّ أخرجوهما إلى التّنعيم فقتلوهما، وكانا صليا ركعتين ركعتين قبل
أن يُقتَلا، فخُبيب أوّل من سَنّ ركعتين عند القتل.
أخبرنا عبدالله بن إدريس، حدّثني عمرو بن عثمان بن عبدالله بن مَوْهَب مولی
الحارث بن عامر قال: قال موهب قال لي خُبيب وكانوا جعلوه عندي: يا مَوْهَب أطلب
إليك ثلاثاً: أن تسقيني العَذْبَ وأن تَجِنُبَنِي ما ذُبح على النُّصُب وأن تُؤْذِّنّي إذا أرادوا
قتلي .
أخبرنا عبدالله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة: أن
نفراً من قريش فيهم أبو سفيان حضروا قتل زيد فقال قائل منهم: يا زيد أنشدك الله،
أُتُحبّ أنّك الآن في أهلك وأنّ محمداً عندنا مكانَك نضرب عنقه؟ قال: لا والله ما
أحبّ أنّ مُحمّداً يُشاك في مكانه بشوكة تؤذيه وأنّي جالس في أهلي، قال: يقول أبو
سفيان والله ما رأيت من قوم قطّ أشدّ حبّاً لصاحبهم من أصحاب محمد له.
*
غزوة رسول الله، وَّر، بني النضير (١)
ثمّ غزوة رسول الله، بَّ، بني النضير في شهر ربيع الأوّل سنة أربع على رأس
(١) تاريخ الطبري (٥٤٢/٢)، وسيرة ابن هشام (١٧٤/٢)، والمغازي (٣٦٣ - ٣٨٣)، ووفاء
الوفا (٢٧٩/٢).
٤٣

سبعة وثلاثين شهراً من مُهاجَره، وكانت منازل بني النضير بناحية الغَرْس وما والاها
مقبرةُ بني خَطمة اليومَ فكانوا حلفاء لبني عامر.
قالوا: خرج رسول الله، وَ﴿، يوم السبت فصلّى في مسجد قُباء ومعه نفر من
أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم أتى بني النضير فكلّمهم أن يُعينوه في دِيَة
الكلابين اللّذين قتلهما عمرو بن أمّة الضّمري فقالوا: نفعل يا أبا القاسم ما أحببت.
وخلا بعضهم ببعض وهمّوا بالغدر به. وقال عمرو بن جِحاش بن كعب بن بَسيل
النّضَري: أنا أظهر على البيت فأطرحُ عليه صخرةً، فقال سلّم بن مِشكَم: لا تفعلوا
والله ليُخْبَرَنّ بما هممتم به وإنّه لنقضُ العهدِ الذي بيننا وبينه. وجاء رسولَ اللهِ، وَّهِ،
الخبرُ بما همّوا فنهض سريعاً كأنّه يريد حاجةٌ، فتوجّه إلى المدينة ولحقه أصحابه
فقالوا: أَقُمتَ ولم نَشعُر؟ قال: ((همّت يهودُ بالغدر فأخبرني الله بذلك فقمت)). وبعث
رسول الله، وَ﴿، محمد بن مسلمة أن اخرجوا من بلدي فلا تساکنوني بها وقد هممتم
بما هممتم به من الغدر وقد أجّلتُكم عشراً، فمن رُئِيَ بعد ذلك ضَرَبتُ عُنقَه، فمكثوا
على ذلك أيّاماً يَتَجَهّزون وأرسلوا إلى ظَهرٍ لهم بذي الجدر وتكاروا من ناس من
أشجع إبلًا، فأرسل إليهم ابن أبيّ: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم فإنّ
معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم
وتُمدّكم قُريظةُ وحلفاؤكم من غَطَفَان. فطمع حُييّ فيما قال ابن أبيّ فأرسل إلى رسول
الله، وَلُّ: إنّا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك. فأظهر رسول الله، وَلقول، التكبير
وكَبّرَ المسلمون لتكبيره وقال: ((حاربت يهود))، فصار إليهم النبيّ، وََّ، في أصحابه
فصلّى العصرَ بفَضاء بني النضير وعليّ، رضي الله عنه، يحمل رايتَه، واستخلف
على المدينة ابن أمّ مكتوم، فلمّا رأوا رسول الله، وَليه، قاموا على حصونهم معهم
النبلُ والحجارة واعتزلتهم قريظة فلم تُعِنْهُمْ، وخذلهم ابن أبيّ وحلفاؤهم من غطفان
فأيِسوا من نصرهم، فحاصرهم رسول الله، وَّر، وقطع نخلهم فقالوا: نحن نخرج
عن بلادك، فقال: ((لا أقبله اليومَ ولكن اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإِبل
إلّ الحَلَقَة)). فنزلت يهود على ذلك، وكان حاصرهم خمسة عشر يوماً، فكانوا
يُخرّبون بيوتهم بأيديهم، ثمّ أجلاهم عن المدينة وولّى إخراجهم محمّدَ بن مَسلمَة،
وحملوا النساء والصبيان وتحمّلوا على ستمائة بعير، فقال رسول الله، وَله: ((هؤلاء
في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش))، فلحقوا بخيبر وحزن المنافقون عليهم حزناً
٤٤

شديداً، وقبض رسول الله، وَ﴿، الأموال والحلقة فوجد من الحلقة خمسين درعاً
وخمسين بيضة وثلاثمائة سيف وأربعين سيفاً. وكانت بنو النضير صفيّاً لرسول الله،
وَ﴿، خالصةً له حَبساً لنوائبه ولم يخمّسها ولم يُسهِم منها لأحد، وقد أعطى ناساً من
أصحابه ووسّع في الناس منها، فكان ممّن أعطي ممّن سُمّي لنا من المهاجرين أبو
بكر الصّدّيق بئرَ حجر وعمر بن الخطّاب بئر جرم وعبد الرحمن بن عوف سوالة
وصُهيب بن سِنان الضراطة والزّبير بن العوّام وأبو سلمة بن عبد الأسد البُويلة وسهل
ابن حُنيف وأبو دُجانة مالاً يقال له مال ابن خَرَشَة .
أخبرنا محمد بن حرب المكّي وهاشم بن القاسم الكناني قالا: أخبرنا الليث
ابن سعد عن نافع عن عبدالله بن عمر: أنّ رسول الله، وَ﴿، حرّق نخل النضير، وهي
البُويرة، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِيَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلى أُصُولِهَا﴾
[الحشر: ٥].
أخبرنا هَوْذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن الحسن: أنّ النبيّ، وََّ، لمّا أجلى
بني النّضير قال: ((امضوا فإن هذا أوّل الحشر وأنا على الأثَر)).
*
غزوة رسول الله، وَله، بدرَ المَوْعِدِ(١)
ثمّ غزوة رسول الله، وَله، بدرَ الموعد وهي غير بدر القتال وكانت لهلال ذي
القعدة على رأس خمسة وأربعين شهراً من مُهاجَره.
قالوا: لمّا أراد أبو سُفيان بن حرب أن ينصرف يوم أُحُد نادى: الموعدُ بيننا
وبينكم بدرُ الصّفراء رأس الحول تلتقي بها فنقتتل. فقال رسول الله، وَّر، لعمر
ابن الخطّاب: ((قُلْ نَعَمْ إن شاء الله)). فافترق الناس على ذلك ثمّ رجعَت قريش
فخبّرُوا مَن قبَلَهم وتهيّؤوا للخروج ، فلمّا دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج وقدم
نُعيم بن مسعود الأشجعي مكّةً فقال له أبو سفيان: إنّي قد واعدتُ محمداً وأصحابه أن
نلتقي ببدر، وقد جاء ذلك الوقت، وهذا عَامٌ جَدْبٌ وإنّما يُصلحنا عامٌ خصْبٌ غَيدَاق
وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج فيجترىء علينا فنجعل لك عشرين فريضةً يضمّنها
لك سُهيل بن عمرو على أن تقدم المدينةَ فَتُخَذّل أصحابَ محمد، قال: نعم. ففعلوا
(١) المغازي للواقدي (٣٨٤ - ٣٩١)، وتاريخ الطبري (٥٥٩/٢).
٤٥

وحملوه على بعير فأسرعَ السّيرَ فقدم المدينة فأخبرهم بجمع أبي سفيان لهم وما معه
من العُدّة والسّلاح. فقال رسول الله، وَ﴿: ((والذي نفسي بيده لأخرجنّ وإن لم
يخرج معي أحدٌ!)) فنصر الله المسلمين وأُذْهَب عنهم الرّعبَ. فاستخلفَ رسول الله،
وَسير، على المدينة عبدالله بن رواحة وحمل لواءه عليّ بن أبي طالب وسار في
المسلمين، وهم ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وخرجوا ببضائع لهم
وتجارات، وكانت بدر الصفراء مجتمعاً يجتمع فيه العرب وسوقاً تقوم لهلال ذي
القعدة وقامت السوق صبيحةً الهلال فأقاموا بها ثمانية أيّام وباعوا ما خرجوا به من
التجارات فربحوا للدرهم درهماً وانصرفوا، وقد سمع الناس بسَيرِهم، وخرج أبو
سفيان بن حرب من مكّة في قريش وهم ألفان ومعهم خمسون فَرَساً حتى انتهوا إلى
مَجَنّة، وهي مَرّ الظهران، ثمّ قال: ارجعوا فإنّه لا يُصلحنا إلّ عامُ خصْبٌ غَيداقٌ نرعى
فيه الشجرَ ونشرب فيه اللبنَ، وإنّ عامكم هذا عامٌ جَدْبٌ فإنّي راجع فارجعوا.
فسمّى أهل مكّة ذلك الجيشَ جيشَ السّويق، يقولون: خرجوا يشربون السويق. وقدم
مَعَبَد بن أبي معبد الخُزاعي مكّة بخبر رسول الله، وََّ، وموافاته بدراً في أصحابه
فقال صفوان بن أمّيّة لأبي سفيان: قد نهيتك يومئذٍ أن تَعدَ القومَ وقد اجترؤوا علينا
ورأوا أن قد أخلفناهم ثمّ أخذوا في الكيد والنّفَقة والتّهيؤ لغزوة الخندق.
أخبرنا حجّاج بن محمد عن ابن جُريج عن مجاهد: الّذين قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ
النّاسَ قد جَمَعُوا لكم، قال هذا أبو سفيان، قال يوم أُحُد: يا محمد موعدُكم بدرٌ حيث
قتلتم أصحابنا! فقال محمد، وَل: ((عسى!)) فانطلق النبيّ، بَّ، لموعده حتى نزلوا
بدراً فوافقوا السوقَ، فذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَانقَلَبُوا بِنْعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ
يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤]. والفضل ما أصابوا من التجارة، وهي غزوة بدر
الصغرى.
غزوة رسول الله، وَلّ، ذات الرقاع(١)
ثمّ غزوة رسول الله، وَ﴿، ذات الرقّاع في المحرّم على رأس سبعة وأربعين
(١) تاريخ الطبري (٥٥٥/٢)، وسيرة ابن هشام (١٨٢/٢)، ومغازي الواقدي (٣٩٥ - ٤٠٢)،
ووفاء الوفا (٢١٩/٢).
٤٦

شهراً من مُهاجَره، قالوا: قدم قادمٌ المدينةَ بجلَبِ له فأخبر أصحاب رسول الله، وَله،
أن أنماراً وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع؛ فبلغ ذلك رسول الله، وَلّر، فاستخلف على
المدينة عثمان بن عفّان وخرج ليلةَ السبت لعشر خلون من المحرّم في أربعمائة من
أصحابه، ويقال سبعمائة. فمضى حتى أتى محالّهم بذات الرّقاع، وهو جبل فيه بُقَعُ
حُمَرَةٍ وسوادٍ وبياضٍ قريبٌ من النخيل بين السّعد والشّقرة، فلم يجد في محالّهم أحداً إلّ
نسوة فأخذهنّ وفيهنّ جارية وضيئة، وهربت الأعراب إلى رؤوس الجبال، وحضرت الصلاةُ
فخاف المسلمون أن يُغيروا عليهم فصلّى رسول الله، وَِّ، صلاةَ الخوف فكان ذلك
أوّلَ ما صلّها. وانصرف رسول الله، وَّر، راجعاً إلى المدينة فابتاع من جابر بن عبد الله
فِي سَفَرَه ذلك جَمَلَهُ بأوقيّة وشرط له ظَهرَه إلى المدينة وسأله عن دين أبيه وأخبره به،
فاستغفر له رسول الله، وَّرَ، في تلك الليلة خمساً وعشرين مرّةً وبعث رسول الله،
وَله، جعال بن سُرَاقة بشيراً إلى المدينة بسلامته وسلامة المسلمين، وقدم صراراً يوم
الأحد لخمس ليال بقين من المحرّم، وصرار على ثلاثة أميال من المدينة، وهي بثر
جاهليّةٌ على طريق العراق، وغاب خمس عشرة ليلة.
أخبرنا عفّان بن مُسلم، أخبرنا أبان بن يزيد وحدّثني يحيى بن أبي كثير عن أبي
سَلَمَة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبدالله قال: أقبلنا مع رسول الله، وَّر، حتى إذا
كّا بذات الرّقاع كنّا إذا أتينا على شجرةٍ ظليلةٍ تركناها لرسول الله، وَلّ، قال: فجاء
رجل من المشركين وسيف رسول الله، وَله، معلّق بشجرة فأخذه فاخترطه وقال
لرسول الله، وَل: أتخافني؟ قال: ((لا)). قال: فمن يمنعك منّي؟ قال: ((الله يمنعني
منك!)) قال: فتهدّده أصحاب رسول الله، وَلَّ، فأغمد السيفَ وعلّقه. قال: فنُودي
بالصّلاة. قال: فصلّى بطائفة ركعتين ثمّ تأخّروا. وصلّى بالطائفة الأخرى ركعتين
فكان لرسول الله، ومَله، أربع ركعات وللقوم ركعتان.
*
غزوة رسول الله، وََّ، دُومةَ الجَنْدل (١)
ثمّ غزوة رسول الله، وََّ، دُومَةَ الجندَل في شهر ربيع الأول على رأس تسعة
وأربعين شهراً من مُهاجَره. قالوا: بلغَ رسولَ الله، وَ﴿، أنّ بدومة الجندل جمعاً كثيراً
(١) تاريخ الطبري (٥٦٤/٢)، ومغازي الواقدي (٤٠٢ - ٤٠٤).
٤٧

وأنّهُم يظلمون من مَرّ بهم من الضّافطة وأنّهم يريدون أن يدنوا من المدينة، وهي طَرَف
من أفواه الشأم بينها وبين دمشق خمس ليالٍ، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو
ستّ عشرة ليلةً، فندب رسول الله، وَّر، الناسَ واستخلف على المدينة سباع بن
عُرْفُطة الغفاري وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأوّل في ألف من المسلمين
فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليلٌ له من بني عُذرة يُقال له مذكور، فلما دنا
منهم إذا هم مغرّبون، وإذا آثار النَّعم والشاء فهجم على ماشيتهم ورُعاتهم فأصاب من
أصاب وهرب من هرب في كلّ وجه، وجاء الخبرُ أهلَ دومة فتفرّقوا ونزل رسول الله،
15، بساحتهم فلم يجد بها أحداً فأقام بها أيّاماً وبثّ السرايا وفرّقها فرجعت ولم
تُصِبْ منهم أحداً، وأخذ منهم رجل فسأله رسول الله، وَّ، عنهم فقال: هربوا حيث
سمعوا أنّك أخذت نَعَمهم، فعرض عليه الإِسلام فأسلم ورجع رسول الله، وَلّ،
إلى المدينة ولم يلق كيداً لعشر ليالٍ بقين من شهر ربيع الآخر. وفي هذا الغزاة وادع
رسول الله، وَ﴾، عُيَينة بن حصن أن يرعى بتَغْلَمَين وما والاه إلى المَرَاض، وكان ما
هناكَ قد أخصبَ وبلاد عُيينة قد أجدبت، وتغلمين من المَرَاض على ميلين، والمراض
على ستّة وثلاثين ميلاً من المدينة على طريق الرّبذة.
غزوة رسول الله، وََّ، المُريسيع(١)
ثمّ غزوة رسول الله، وََّ، المريسيع في شعبان سنة خمس من مُهَاجره.
قالوا: إنّ بَلمُصْطَلِقٍ من خزاعة، وهم من حلفاء بني مُذْلج وكانوا ينزلون على
بئر لهم يقال لها المُريسيع، بينها وبين الفُرْع نحو من يوم، وبين الفُرْع والمدينة ثمانية
بُرُد، وكان رأسهم وسيّدهم الحارث بن أبي ضرار فسار في قومه ومن قدر عليه من
العرب فدعاهم إلى حرب رسول الله وَّر، فأجابوه وتهيّؤوا للمسير معه إليه، فبلغ
ذلك رسولَ الله، وَ﴿، فبعث بُريدةً بن الحُصيب الأسلمي يعلم علم ذلك، فأتاهم
ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلّمه ورجع إلى رسول الله، وَّر، فأخبره خبرهم فندب
رسول اللّه، وَّ، الناسَ إليهم فأسرعوا الخروج وقادوا الخيول وهي ثلاثون فرساً في
المهاجرين منها عشرة، وفي الأنصار عشرون، وخرج معه بَشَرٌ كثير من المنافقين لم
(١) المغازي للواقدي (٤٠٤)، ووفاء الوفا (٣٧٢/٢).
٤٨

يخرجوا في غزاة قطّ مثلها، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة وكان معه فَرَسان
لزاز والظّرب. وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان. وبلغ الحارث بن أبي ضرَار
ومن معه مسير رسول الله، وَلَ، وأنّه قد قَتلَ عَينَه الذي كان وجّهه ليأتيه بخبر رسول
الله، وَلّ، فسيء بذلك الحارث ومن معه وخافوا خوفاً شديداً وتفرّق عنهم من كان
معهم من العرب، وانتهى رسول الله، بَل، إلى المُريسيع وهو الماء فاضطرب عليه
قبّته، ومعه عائشة وأمّ سلمة، فتهيّؤوا للقتال وصفّ رسول الله، وََّ، أصحابه ودفع
راية المهاجرين إلى أبي بكر الصّدّيق، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، فرموا بالنبل
ساعةً ثم أمر رسول الله، وََّ، أصحابه فحملوا حَملَةَ رجل واحدٍ، فما أفلت منهم
إنسان وقُتل عشرة منهم وأسر سائرهم وسبى رسول الله، وََّ، الرجال والنساء والذرّة
والنّعَم والشاءَ ولم يُقتَلْ منَ المسلمين إلّ رجل واحد، وكان ابن عمر يحدّث أن
النبيّ، وَّزَ، أغار عليهم وهم غارّون ونَعَمُهم تُسقَى على الماء فقتل مُقاتلتَهم وسبى
ذراريّهم، والأوّل أثبت، وأمر بالأسارى فكُتفوا واستعمل عليهم بريدة بن الحُصيب
وأمر بالغنائم فُجُمعت واستعمل عليها شُقران مولاه، وجمع الذّريّة ناحيةً واستعمل
على مَقسم الخُمس وسُهمان المسلمين مَحمِيَةً بن جزْء، واقتُسم السبيُ وفُرّق وصار
في أيدي الرجال، وقسم النعم والشاء فعُدلت الجزور بعشر من الغنم وبيعت الرِّثّة في
من يزيد، وأسهم للفَرَسِ سهمانٍ ولصاحبه سهم وللراجل سهم، وكانت الإِبل ألفيْ
بعير والشاء خمسة آلاف شاة، وكان السبي مائتي أهل بيت وصارت جُويرية بنت
الحارث بن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس وابن عمّ له فكاتباها على
تسع أواقي ذهبٍ فسألت رسول الله، وَّر، في كتابتها وأدّاها عنها وتزوّجها، وكانت
جارية حلوة، ويقال: جعلَ صَداقَها عتقَ كلّ أسير من بني المصطلق، ويقال: جعل
صداقها عتقَ أربعين من قومها، وكان السبي منهم مَن مَنّ عليه رسول اللّه، وَّر، بغير
فداء، ومنهم مَن افتُدِي فافتُديَت المرأة والذّريّة بستّ فرائض، وقدموا المدينة ببعض
السبي فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلّ رجعت إلى
قومها، وهو الثبت عندنا. وتنازع سنان بن وَبر الجُهَني حليف بني سالم من الأنصار
وجهجاه بن سعيد الغفاري على الماء فضرب جهجاه سناناً بيده فنادی سنان: یا
لَلأنصار! ونادى جهجاه: يا لَقُرَيش! يا لَكنانة! فأقبلت قريش سراعاً وأقبلت الأوس
والخزرج وشهروا السلاح، فتكلّم في ذلك ناسٌ من المهاجرين والأنصار حتى ترك
٤٩

سنان حقّه وعفا عنه واصطلحوا، فقال عبدالله بن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة.
لُيُخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ؛ ثمّ أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم
بأنفسكم؛ وسمع ذلك زيد بن أرقم فأبلغ النبيّ، وَلّ، قولَه فأمر بالرحيل وخرج من
ساعته وتبعه الناس، فقدم عبدالله بن عبدالله بن أبيّ الناس حتى وقف لأبيه على
الطريق، فلما رآه أناخ به وقال: لا أفارقك حتى تزعم أنّك الذّليل ومحمد العزيز، فمرّ
به رسول الله، وَ*، فقال: ((دَعه فَلَعمري لنُحسننّ صُحبتَه ما دام بين أظهُرنا!)) وفي
هذه الغزاة سقط عقدٌ لعائشة فاحتبسوا على طلبه، فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن
الحُضير: ما هي بأوّلِ بركتكم يا آل أبي بكر. وفي هذه الغزاة كان حديث عائشة
وقول أهل الإِفك فيها. قال: وأنزل الله، تبارك وتعالى، براءتها. وغاب رسول الله،
◌َ، في غزاته هذه ثمانية وعشرين يوماً وقدم المدينة لهلال شهر رمضان.
غزوة رسول الله، وَلِّ، الخَنْدَق
وهي غزوة الأحزاب(١)
ثمّ غزوة رسول اللّه، وَ﴿، الخندق، وهي غزوة الأحزاب في ذي القعدة سنة
خمس من مُهاجره.
قالوا: لمّا أجلى رسول الله، وَل98، بني النضير ساروا إلى خيبر، فخرج نفر من
أشرافهم ووجوههم إلى مكّة فألّبوا قريشاً ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله، وَلآ،
وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً، ثمّ خرجوا من عندهم فأتوا
غَطَفانَ وسُليماً ففارقوهم على مثل ذلك، وتجهّزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن
تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف، وعقدوا اللّواء في دار النّدوة وحمله عثمان بن
طلحة بن أبي طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير،
وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أمّة ووافتهم بنو سُليم بمرّ الظهران، وهم
سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمّة، وهو أبو أبي الأعوَر
السّلَمي الذي كان مع معاوية بصفّين، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن
(١) تاريخ الطبري (٥٦٤/٢)، وسيرة ابن هشام (١٨٧/٢)، والمغازي للواقدي (٤٤٠ - ٤٨٠)،
ووفاء الوفا (٣٢٤/٢).
٥

خُويلد الأسدي، وخرجت فَزارة فأوعبت، وهم ألف بعير يقودهم عُيينة بن حصْن،
وخرجت أشجَع وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رُخيلة، وخرجت بنو مُرّة وهم
أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف، وخرج معهم غيرهم، وقد روى الزهري أن
الحارث بن عوف رجع ببني مرّة فلم يشهد الخندق منهم أحدٌ، وكذلك روت بنو
مُرَة، والأوّل أثبت أنّهم قد شهدوا الخندق مع الحارث بن عوف، وهجاه حسّان بن
ثابت فكان جميع القوم الذين والفوا الخندقَ ممّن ذُكر من القبائل عشرة آلاف، وهم
الأحزاب، وكانوا ثلاثة عساكر وعناجُ الأمر إلى أبي سفيان بنِ حرب؛ فلما بلغ رسولَ
الله، وَّ، فصولُهم من مكّة ندبَ الناس وأخبرهم خبرَ عدوّهم وشاورهم في أمرهم،
فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين وعسكر بهم رسول
الله، وَلّ، إلى سَفح سَلع وجعل سَلعاً خلف ظهره، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة
آلاف، واستخلف على المدينة عبدالله ابن أمّ مكتوم ثمّ خَندَقَ على المدينة، وجعل
المسلمون يعملون مستعجلين يبادرونَ قدومَ عدوّهم عليهم وعمل رسول الله، ◌ِ*،
معهم بيده لينشّط المسلمين، ووكّل بكلّ جانب منه قوماً فكان المهاجرون يحفرون من
ناحية راتج إلى ذُباب، وكانت الأنصار يحفرون من ذُباب إلى جبل بني عُبيد، وكان.
سائر المدينة مشبّكاً بالبنيان فهي كالحصن، وخَندَقَت بنو عبد الأشهَل عليها ممّا يلي
راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو دينار من عند جُرْبًا
إلى موضع دار ابن أبي الجنوب اليومَ، وفرغوا من حفره في ستّة أيام ورفع المسلمون
النساء والصبيان في الآطام، وخرج رسول الله، وَالر، يوم الاثنين لثماني ليالٍ مضين
من ذي القعدة، وكان يحمل لواءه لواء المهاجرين زيد بن حارثة، وكان يحمل لواء
الأنصار سعدُ بن عُبادة، ودسّ أبو سُفيان بن حرب حُييّ بن أخطب إلى بني قُريظة
يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله، وَّ﴾، ويكونوا معهم عليه،
فامتنعوا من ذلك ثمّ أجابوا إليه، وبلغ ذلك النبيّ، وَّه، فقال: ((حسبنا الله ونعمَ
الوكيلُ!)) قال: ونجم النّفاقُ وفشل النّاس وعظُم البلاء واشتدّ الخوف وخيف على
الذّراريّ والنساء، وكانوا كما قال الله، تبارك وتعالى: ﴿إِذْ جَاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمَنْ
أسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. ورسول
الله، ◌َل﴾، والمسلمون وِجَاه العدوّ لا یزولون غیر أنّھم یعتقبون خندقهم ویحرسونه.
وكان رسول الله، وَلير، يبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل وزيد بن حارثة في
٥١

ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويُظهرون التكبير، وذلك أنّه كان يخاف على الذراريّ .
من بني قريظة، وكان عبّاد بن بشر على حرس قُبّة رسول الله، وَّ، مع غيره من
الأنصار يحرسونه كلّ ليلة؛ فكان المشركون يتناوبون بينهم فیغدو أبو سفيان بن حرب
في أصحابه يوماً ويغدو خالد بن الوليد يوماً ويغدو عمرو بن العاص يوماً ويغدو
هُبيرة بن أبي وَهب يوماً ويغدو ضرار بن الخطّاب الفهري يوماً، فلا يزالون يُجيلون
خَيلَهم ويتفرّقون مرّةً ويجتمعون أخرى ويناوشونَ أصحابَ رسول الله، وَّر،
ويقدّمون رُماتَهم فيرمون؛ فرمى حبّان بن العَرِقَة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحَلَه
فقال: خُذْها وأنا ابن العَرِقَة! فقال رسول الله، وَّهَ: ((عَرَقَ الله وجهكَ في النار!))
ويقال: الذي رماه أبو أسامة الجُشَمي؛ ثمّ أجمع رؤساؤهم أن يغدوا يوماً فغدوا جميعاً
ومعهم رؤساء سائر الأحزاب وطلبوا مضيقاً من الخندق يُقحمون منه خيلَهم إلى
النبيّ، وَّر، وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا: إنّ هذه المكيدة ما كانت العرب
تصنعها؛ فقيل لهم: إنّ معه رجلاً فارسيّاً أشار عليه بذلك. قالوا: فمنْ هناك إذاً!
فصاروا إلى مكان ضيق أغفله المسلمون فَعَبَر عكرمة بن أبي جَهل ونَوْفَل بن عبدالله
وضرار بن الخطّاب وهُبيرة بن أبي وهب وعمرو بن عبد وُدّ، فجعل عمرو بن عبد وُدّ
يدعو إلى البراز ويقول:
وَلَقَدْ بَحِحْتُ مِنَ النّداء لجمعهم: هلْ منْ مُبارِز؟
وهو ابن تسعين سنة، فقال عليّ بن أبي طالب: أنا أبارزُه يا رسول الله. فأعطاه
رسول اللّه، وَ﴿، سيفَه وعمّمه وقال: ((اللّهمّ أعنهُ عليه))؛ ثم برز له ودنا أحدهما من
صاحبه وثارت بينهما غَبَرَةٌ وضربه عليّ فقتله وكبّر، فعلمنا أنّه قد قتله وولّى أصحابه
هاربين وظفرت بهم خيولهم. وحمل الزّبير بن العوّام على نوفل بن عبدالله بالسيف
فضربه فشقّه باثنين، ثمّ اتّعدوا أن يغدوا من الغد فباتوا يعبّئون أصحابهم
وفرّقوا كتائبهم ونحَوا إلى رسول الله، وَّر، كتيبة غليظةً فيها خالد بن الوليد
فقاتلوهم يومَهم ذلك إلى هُوِيّ من الليل ما يقدرون أن يزولوا من موضعهم ولا صلّى
رسول الله، وَلَّ، ولا أصحابه ظُهراً ولا عصراً ولا مغرباً ولا عشاءً حتى كشفهم الله
فرجعوا متفرّقين إلى منازلهم وعسكرهم وانصرف المسلمون إلى قبّة رسول الله، وَلتِ،
وأقام أسيد بن الحُضير على الخندق في مائتين من المسلمين وكرّ خالد بن الوليد في
خيل من المشركين يطلبون غرّة من المسلمين، فناوشوهم ساعة ومع المشركين
٥٢

وَحْشِيّ، فزرق الطّفيلَ بن النعمان من بَنِي سَلَمَة بمزْرَاقه فقتله وانكشفوا وصار رسول
الله، وَّ، إلى قبّته فأمر بلالاً فأذن وأقام الظّهر فصلّى، ثمّ أقام بعد كلّ صلاةٍ إقامةً
إقامةً وصلّى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات وقال: شغلونا عن الصّلاة الوُسطى،
يعني العصر، ملأ الله أجوافَهم وُبورهم ناراً! ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعاً حتى
انصرفوا إلّا أنّهم لا يدّعون يبعثون الطّلائع بالليل يطمعون في الغارة. وحُصر رسول
الله، وَلّ، وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكَرْبُ،
فأراد رسول اللّه، وَل﴿، أن يصالح غَطفانَ على أن يعطيهم ثلُثَ الثمرة ويخذّلوا بين
الناس وينصرفوا عنه، فأبت ذلك الأنصار فترك ما كان أراد من ذلك. وكان نُعيم بن
مسعود الأشجعي قد أسلم فحسن إسلامه فمشى بين قُريش وقُريظة وغطفان وأبلغ هؤلاء
عن هؤلاء كلاماً وهؤلاء عن هؤلاء كلاماً يُري كل حزبٍ منهم أنّه ينصح له، فقبلوا قوله
وخَذّله عن رسول الله، وََّ، واستوحش كلّ حزبٍ من صاحبه، وطلبت قُريظة من
قريش الرهنَ حتى يخرجوا فيقاتلوا معهم، فأبت ذلك قريش واتّهموهم واعتلّت قُريظة
عليهم بالسّبت وقالوا: لا نقاتل فيه لأنّ قوماً منّا عدوا في السبت فمُسِخُوا قِرَدَةً
وخنازيرَ. فقال أبو سفيان بن حرب: ألا أراني أستعين بإخوةِ القِرَدَةِ والخنازير. وبعث
الله الرّيحَ ليلة السبت ففعلت بالمشركين وتركت لا تُقِرّ لهم بناء ولا قِدْراً. وبعث
رسول الله، وَلجر، حُذيفة بن اليمان إليهم ليأتيه بخبرهم، وقام رسول الله، دولار،
يصلّي تلك الليلة، فقال أبو سفيان بن حرب: يا معشر قريش إنّكم لستم بدار مُقامٍ ،
لقد هلك الخُفّ والحافر وأجدب الجناب وأخلفتنا بنو قريظة ولقد لقينا من الرّيح ما
ترون فارتحلوا فإنّي مرتحل؛ وقام فجلس على بعيره وهو معقول، ثم ضربه فوثب
على ثلاث قوائم فما أطلق عِقاله إلّ بعدما قام، وجعل الناس يرحلون وأبو سفيان قائم
حتى خفّ العسكر، فأقام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد في مائتي فارس ساقةً
للعسكر ورِدْءاً لهم مخافةَ الطلب، فرجع حُذيفة إلى رسول الله، وَّهِ، فأخبره بذلك
كلّه وأصبح رسول الله، وَلّر، وليس بحضرته أحدٌ من العساكر قد انقشعوا إلى بلادهم
فأذن النبيّ، وَّر، للمسلمين في الانصراف إلى منازلهم فخرجوا مبادرين مسرورين
بذلك، وكان فيمن قُتِل أيضاً في أيام الخندق أنس بن أوس بن عتيك من بني
عبد الأشهل قتله خالد بن الوليد، وعبدالله بن سَهل الأشهَليّ وثعلبة بن عنمة بن
عديّ بن نابىء قتله هُبيرة بن أبي وهب، وکعب بن زيد من بني دينار قتله ضِرار بن
٥٣

الخطّاب، وقُتل أيضاً من المشركين عثمان بن مُنّه بن عُبيد بن السبّاق من بني
عبد الدّار بن قُصيّ، وحاصرهم المشركون خمس عشرة ليلة وانصرف رسول الله،
وَلّ، يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال:
خرج المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق في غداة باردة فجعل رسول الله، وَ له ،
يقول: ((اللهمّ إنّ الخيرَ خيرُ الآخرْ فاغفرْ للأنصار والمهاجرةْ))، فأجابوه: نحن الذين
بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حَمّاد بن سَلمَة قال: أخبرنا ثابت عن أنس بن
مالك: أنّ أصحاب النبيّ، وَلَّ، كانوا يقولون وهم يحفرون الخندق: نحن الذين
بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا، والنبيّ، وَله، يقول: ((اللهمّ إنّ الخير خيرُ
الآخرْ، فاغفرْ للأنصار والمهاجرةْ)). وأتي رسول الله، وَلَّ، بخبزِ شعيرٍ عليه إهالةٌ
سَنِخة فأكلوا منها وقال النبيّ، وَله: ((إنما الخير خير الآخرة)).
أخبرنا عبدالله بن مَسلمَة بن قَعنَب، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن
سهل بن سعد قال: جاءنا رسول الله، وَل18، ونحن نحفر الخندق وننقل الترابَ على
أكتافنا فقال رسول الله، وَالَ: ((لا عيشَ إلّ عيش الآخرهْ، فاغفرْ للأنصار
والمهاجرة)).
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق الهَمداني عن
البراء بن عازب قال: كان رسول الله، وَ ل*، يوم الأحزاب ينقل معنا التراب وقد وارى
الترابُ بَياضَ بطنه ويقول:
وَلا تَصَدّقْنَا ولا صَلّينًا
لاهُمّ لوْلا أنتَ مَا اهْتَدْنا
وَثَبّتِ الأَقدَامَ، إِنْ لاقَينَا
فأنزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَيْنَا
إنّ الأولى لَقَدْ بَغَوْا عَلَيْنا
إذا أرادوا فتنَةً أَبَينًا
أَبَيْنَا يرفع بها صوته، وَلَلـ
أخبرنا أبو الوليد الطّالسيّ، أخبرنا أبو عَوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جُبير
قال: كان يوم الخندق بالمدينة، قال: فجاء أبو سفيان بن حرب ومَن معه من قریش
ومن تبعه من كنانة، وعُيينة بن حصن ومن تبعه من غطفان، وطُليحة
ومَن تبعه من بني أسد، وأبو الأعور ومَن تبعه من بني سُليم وقُريظة كان بينهم وبين
٥٤

؟
رسول الله، وَ﴾، عهدٌ فنقضوا ذلك وظاهروا المشركين فأنزل الله تعالى فيهم:
﴿وَأَنْزَلَ الّذِينَ ظَاهَروهُمْ مِنْ أَهلِ الكتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦]. فأتى
جبريل، عليه السلام، ومعه الريح فقال حين رأى جبريلَ: ((ألا أبشروا، ثلاثاً))،
فأرسل الله عليهم الرّيح فهتكت القبابَ وكفأت القدور ودفنت الرحال وقطعت الأوتاد
فانطلقوا لا يَلوِي أحد على أحد، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيحاً وجُنوداً لم تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]. فرجع رسول الله، وَّر.
قال أبو بشر: وبلغني أن رسول الله، وسل﴿، لمّا رجع إلى منزله غسل جانب
رأسه الأيمن وبقي الأيسر، فقال له، يعني جبريل، ويله: ألا أراك تغسل رأسك فوالله
ما نزلنا بعدُ، انهضْ؛ فأمر رسول الله، وَّر، أصحابه أن ينهضوا إلى بني قريظة.
أخبرنا محمد بن عبدالله الأنصاري حدّثني هشام بن حسّان، أخبرنا محمد بن
سيرين، أخبرنا عُبيدة، أخبرنا عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنّ النبيّ، وَلَّ،
قال يوم الخندق: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما حبسونا عن الصّلاة الوُسطَى حتى
غابت الشمس)).
أخبرنا عمروبن عاصم الكلابي، أخبرنا همّام بن يحيى عن قتادة عن أبي
حسّان عن عُبيدة عن عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنّهم لم يصلّوا يوم الأحزاب
العصر حتى غربت الشمس، أو قال: آبت الشمس، فقال النبيّ، وَلّ: ((اللهمّ املأ
بيوتهم ناراً كما حبسونا عن الصّلاة الوسطى حتى غابت الشمس))، أو قال: ((آبت
الشمس))، قال: فعرفنا أنّ صلاة الوسطى هي العصر.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حمّاد بن زيد عن عاصم عن زٍرّ بن حُبيش عن
عليّ قال: قال رسول الله، وَّر، يوم الخندق: ((ما لهم ملأ الله قبورهم ناراً كما
شغلونا عن صلاة الوسطى)) وهي العصر.
أخبرنا محمد بن معاوية النيسابوري، أخبرنا ابن ◌َهيعة عن يزيد بن أبي حبيب
عن محمد بن عبدالله بن عوف عن أبي جُمعة وقد أدرك النبيّ، وَ﴿، أنّ النبيّ،
وَ*، عام الأحزاب صلّى المغرب فلما فرغ قال: ((هل عَلَمَ أحد منكم أنّي صلّيت
العصر؟)) قالوا: يا رسول الله، صلى الله عليك، ما صلّيناها، فأمر المؤذِّن فأقام
الصلاة فصلّى العصر ثمّ أعاد المغرب.
٥٥

أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زُهير، أخبرنا أبو إسحاق عن المهلّب بن أبي
صُفرة قال: قال رسول الله، وَل*، حين حفر الخندق وخاف أن يُبَيّتَه أبو سفيان فقال:
(إنْ بُيّم فإنّ دعواكم حَم لا يُنصَرون)).
حدّثنا الفضل بن دُكين، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن المهّب بن أبي
صُفرة قال: حدّثني رجل من أصحاب رسول الله، وَ ﴿، قال: قال النبيّ، وَّل، ليلة
الخندق: ((وإنّي لا أرى القوم إلّ مُبَيّتيكم الليلة، كان شعاركم حَم لا يُنصَرون)».
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حمّاد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: قال
سعيد بن المسيّب: حاصر النبيَّ، وَّ، المشركون في الخندق أربعاً وعشرين ليلة.
أخبرنا محمد بن حُميد العَبدي عن معمر عن الزهري عن أبي المسيّب قال:
لمّا كان يوم الأحزاب حُصر النبيّ، وَالَّ، وأصحابه بضع عشرة ليلةً حتى خلص إلى
كل امرىء منهم الكَرْب وحتى قال النبيّ، وَّهَ: ((اللهمّ إنّي أنشُدُك عهدَك ووعدَك،
اللهمّ إنّك إن تشأ لا تُعَبَد))؛ فبينا هم على ذلك أرسل النبيُّ، وََّ، إلى عُيينة بن
حِصن بن بدر: ((أرأيت إنْ جعلتُ لكم ثُلُثَ ثَمَرِ الأنصار أترجع بمن معك من غَطَفان
وتخذّل بين الأحزاب؟)) فأرسل إليه عُيينة: إن جعلتَ ليَ الشّطرَ فعلت. فأرسل النبيّ،
وَلّ، إلى سعد بن عُبادة وسعد بن معاذ فأخبرهما بذلك فقالا: إن كنتَ أَمْرْتَ بشيء
فامضٍ لأمرِ الله. قال: ((لو كنت أُمْرتُ بشيء ما أستامرُ بكما ولكنّ هذا رأيٌ أعرضُه
عليكما))؛ قالا: فإنّا نرى أن لا نعطيهم إلّ السيف.
قال محمد بن حُميد، قال معمر عن ابن أبي نَجيح: فبينا هم على ذلك إذ جاء
نُعيم بن مسعود الأشجَعي، وكان يأمنه الفريقان جميعاً، فخذّل بين الناس فانطلق
الأحزاب منهزمين من غير قتال فذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللهُ المُؤمِنينَ القِتَالَ﴾.
أخبرنا عُبيد الله بن عبد المجيد الحنّفي البصري، أخبرنا كثير بن زيد قال:
سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: سمعت جابر بن عبدالله قال: دعا رسول
الله، وَلجر، في مسجد الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يومَ
الأربعاء بين الصّلاتين الظهر والعصر فعرفنا البشر في وجهه، قال جابر: فلم ينزل بي
أمر مهمّ غائظ إلّ توخّيتُ تلك الساعة من ذلك اليوم فدعوت الله فأعرفُ الإِجابةَ.
أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبدالله بن المبارك، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي

خالد أنّه سمع عبدالله بن أبي أوْفَى يقول: دعا رسول الله، وَّ، يوم الأحزاب على
المشركين فقال: ((اللهمّ مُنزِلَ الكِتاب سَريعَ الحِسابِ اهزم الأحزابَ! اللهمّ اهزمهم
وزُلزِلهُم!)).
غزوة رسول الله، وَّة، إلى بني قريظة(١)
ثمّ غزوة رسول الله، وَ*، بني قريظة في ذي القعدة سنة خمس من مُهاجَره.
قالوا: لمّا انصرف المشركون عن الخندق ورجع رسول الله، وَل*، فدخل بيت عائشة
أتاه جبريل فوقف عند موضع الجنائز فقال: عَذيرَك من مُحارِب! فخرج إليه رسول
الله، وَلَّ، فَزْعاً فقال: ((إنّ الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فإنّي عامدٌ إليهم فمزلزلٌ
بهم حصونهم)). فدعا رسول الله، بَله، عليّاً، رضي الله عنه، فدفع إليه لواءه وبعث
بلالاً فنادى في الناس أنّ رسول الله، وََّ، يأمركم ألا تصلّوا العصر إلّ في بني
قُريظة، واستخلف رسول الله، وَ﴿، على المدينة عبدالله ابن أمّ مكتوم ثمّ سار إليهم
في المسلمين وهم ثلاثة آلاف والخيل ستّة وثلاثون فرساً، وذلك يومَ الأربعاء لسبع
بقين من ذي القعدة، فحاصرهم خمسة عشر يوماً أشدّ الحصار ورموا بالنبل فانجرحوا
فلم يطلع منهم أحد، فلمّا اشتدّ عليه الحصار أرسلوا إلى رسول الله، وَل ◌ُون: أرْسلْ
إلينا أبا لبابة بن عبد المُنذِر، فأرسله إليهم فشاوروه في أمرهم فأشار إليهم بيده أنّه
الذّبح ثمّ ندم فاسترجع وقال: خُنتُ اللَّه ورسولَه! فانصرف فارتبط في المسجد ولم
يأت رسولَ الله، وَ﴿، حتى أنزل الله توبته، ثمّ نزلوا على حكم رسول الله، وَرَ،
فأمر بهم رسولُ اللهِ، وََّ، محمد بن مسلمة فكُتفوا ونُحّوا ناحيةً وأُخرج النساء
والذرّيّة فكانوا ناحيةً، واستعمل عليهم عبدالله بن سَلام وجمع أمتعَتَهُم وما وجد في
حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع
وألفا رمح وألف وخمسمائة ترس وحَجَفة وخمرٌ وجرَارُ سَكَرٍ فأهرِيق ذلك كلّه ولم
يُخَمّس، ووجدوا جمالاً نواضحَ وماشيةً كثيرة. وكلّمت الأوس رسول الله، وَلِّ، أن
يهبهم لهم، وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله، ◌َّر، الحكم فيهم إلى سعد بن
مُعاذ فحكم فيهم أن يُقتَل كلّ من جرت عليه المَواسي وتُسَبَى النساء والذريّة وتُقْسَم
(١) تاريخ الطبري (٥٨١/٢)، والمغازي للواقدي (٤٩٦)، ووفاء الوفا (٣٣٧/٢)، وسيرة ابن
هشام (١٩٤/٢ - ٢٠٣).
٥٧

الأموال، فقال رسول الله، وَالَ: ((لقد حكمتَ بحكم الله من فوق سبعة أَرْقعة)).
وانصرف رسول الله، وَلّ، يوم الخميس لسبع ليالٍ خلون من ذي الحجّة ثمّ أمر بهم
فأدخلوا المدينة وحفر لهم أخدوداً في السوق وجلس رسول الله، وَّر، ومعه أصحابه
وأخرجوا إليه رِسلاً رٍسلًا فضُربت أعناقهم فكانوا ما بين ستّمائة إلى سبعمائة.
واصطفى رسول الله، وَّر، ريحانة بنت عمرو لنفسه وأمر بالغنائم فُجُمعت فأخرج
الخمس من المتاع والسبي، ثمّ أمر بالباقي فبيع في مَن يزيد وقسمه بين المسلمين،
فكانت السّهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهماً، للفرس سهمان ولصاحبه
سهمٌ، وصار الخمس إلى مَحميّة بن جَزْء الزّبَيْدي فكان رسول الله، وَّهِ، يُعتقُ منه
ويهب منه ويُخدم منه مَن أراد، وكذلك صنع بما صار إليه من الرِّثّة.
أخبرنا كثير بن هشام، أخبرنا جعفر بن بُرْقان، أخبرنا يزيد، يعني ابن الأصمّ،
قال: لمّا كشَفَ الله الأحزاب ورجع النبيّ، وَليه، إلى بيته فأخذ يغسل رأسه أتاه
جبريل، عليه السلام، فقال: عفا الله عنك! وضعتَ السّلاحَ ولم تَضَعه ملائكةُ الله،
ائتنا عند حصن بني قريظة؛ فنادى رسول الله، وَّ*، في الناس أن ائتوا حصنَ بني
قُريظة، ثمّ اغتسل رسول الله، وَّر، فأتاهم عند الحصن.
أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النهدي، أخبرنا جُويرية بن أسماء عن نافع
عن ابن عمر أنّ الأحزاب لمّا انصرفوا نادى فيهم، يعني النبيّ، وَّ: ((لا يصلينّ أحدٌ
الظهر إلّ في بني قريظة))؛ فتخوّف ناسٌ فَوْتَ الصّلاةِ فصلّوا وقال آخرون: لا نُصلّي
إلّ حيث أمرنا رسول الله، وَّر، وإن فات الوقت، قال: فما عنّف رسول الله، وَّل،
واحداً من الفريقين.
أخبرنا شهاب بن عَبّاد العَبدي، أخبرنا إبراهيم بن حُميد الرّؤاسيّ عن
إسماعيل بن أبي خالد عن البَهيّ وغيره أن النبيّ، وَّ، لمّا أتى قريظة ركب على
حمار ◌ُرْيٍ والناس يمشون.
أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا جرير بن حازم عن حُميد عن أنس بن مالك
قال: كأنّي أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غَنم موكب جبريل، عليه السلام،
حين سار رسول الله، وَله، إلى بني قريظة.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا عبد العزيز بن أبي سَلمة أخبرني عمّي
الماجشُون قال: جاء جبريل، عليه السلام، إلى رسول الله، وَّر، يوم الأحزاب على
٥٨

فرس عليه عمامةٌ سوداء قد أرخاها بين كتفيه، على ثناياه الغُبارُ وتحته قطيفةٌ حمراء،
فقال: أَوَضَعتَ السّلاحَ قبل أن نضَعه؟ إنّ الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حمّاد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن
المسيّب قال: حاصر نبيّ الله، وَّل، بني قريظة أربع عشرة ليلة.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا سفيان وأخبرنا عمرو بن الهَيْثَم عن شعبة جميعاً
عن عبد الملك بن عُمير، أخبرنا عطيّة القُرَظي قال: كنت فيمن أخذ يوم قريظة فكانوا
يقتلون من أنبت ويتركون مَن لم يُنِت فكنت فيمن لم يُنِت.
أخبرنا عمرو بن عاصم، أخبرنا سليمان بن المغيرة عن حُميد بن هلال قال:
كان بين النبيّ، وَلَ، وبين قريظة وَلْث من عهد، فلمّا جاءت الأحزاب بما جاؤوا به
من الجنود نقضوا العهد وظاهروا المشركين على رسول الله، وَطير، بعث الله الجنود
والريح فانطلقوا هاربين وبقي الآخرون في حصنهم، قال: فوضع رسول الله، وَلآر،
وأصحابه السلاح فجاء جبريل، وَّرَ، إلى النبيّ، وَّز، فخرج إليه، فنزل رسول
الله، وَلَّ، وهو متساند إلى لَبان الفرس قال: يقول جبريل ما وضعنا السلاح بعدُ وإنّ
الغُبارَ لعاصِبٌ على حاجبه، انهَدْ إلى بني قُريظة؛ قال: فقال رسول الله، وَله: ((إنّ
في أصحابي جهداً فلو أنظرتَهم أياماً))؛ قال: يقول جبريل، عليه السلام، انهدْ إليهم،
لأدخلنّ فرسي هذا عليهم في حصونهم ثمّ لأضعضعنّها؛ قال: فأدبر جبريل، عليه
السلام، ومن معه من الملائكة حتى سطح الغُبار في زقاق بني غَنم من الأنصار وخرج
رسول اللّه، وَل﴿، فاستقبله رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله اجلسْ فلنكفِك!
قال: ((وما ذاك؟)) قال: سمعتهم ينالون منك. قال: ((قد أوذِيَ موسى بأكثر من هذا)).
قال: وانتهى إليهم فقال: ((يا إخوة القِرَدَة والخنازير، إيّاي إيّاي!)) قال: فقال بعضهم
لبعض: هذا أبو القاسم ما عهدناه فحّاشاً. قال: وقد كان رُمي أكحلُ سعد بن معاذ
فرقأ الجرح وأجلب ودعا الله أن لا يميتَه حتى يشفي صدره من بني قريظة. قال:
فأخذهم من الغمّ في حصنهم ما أخذهم فنزلوا على حكم سعد بن معاذ من بين
الخلق. قال: فحكم فيهم أن تُقتَل مقاتِلتُهم وتُسبَى ذَراريّهم. قال حُميد: قال
بعضهم وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار. قال: فقالت الأنصار إخوتُنا كنّا
معهم؛ فقال: إنّي أحببت أن يستغنوا عنكم. قال: فلما فرغ منهم وحكم فيهم بما
حكم مرّت عليه عَنَزٌ وهو مضطجع، فأصابت الجرح بظلفها، فما رقأ حتى مات.
٥٩

وبعث صاحب دُومة الجندَل إلى رسول الله، وَل*، ببغلة وجُبّة من سُندُس فجعل
أصحاب رسول الله، وَ ل*، يعجبون من حسن الجبّة، فقال رسول الله، وقلت:
(لَمناديل سعد بن مُعاذ في الجنّة أحسن))، يعني من هذا.
*
سريّة محمد بن مسلمة إلى القُرَطاءِ (١)
ثمّ سريّة محمد بن مسلمة إلى القُرَطاء، خرج لِعَشر ليالٍ خلون من المحرّم
على رأس تسعة وخمسين شهراً من مُهاجَر رسول الله، وَّر، بعثه في ثلاثين راكباً إلى
القُرَطاء، وهم بطن من بني بكر من كِلاب وكانوا ينزلون البَكَرات بناحية ضَرِيّة، وبين
ضَريّة والمدينة سبع ليال، وأمره أن يشنّ عليهم الغارة، فسار الليل وكمنَ النهار وأغار
عليهم فقتل نفراً منهم وهرب سائرهم واستاق نعماً وشاءً ولم يعرض للطعن، وانحدر
إلى المدينة، فخمس رسول الله، وَلجر، ما جاء بهِ وفضّ على أصحابه ما بقي فعدّلوا
الجزور بعشر من الغنم، وكانت النعم مائة وخمسين بعيراً والغنم ثلاثة آلاف شاة،
وغاب تسع عشرة ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرّم.
*
غزوة رسول الله، وَله، بني لحيان(٢)
ثمّ غزوة رسول اللّه، وَّ، بني لِحيان، وكانوا بناحية عُسفان، في شهر ربيع
الأوّل سنة ستّ من مُهاجَره. قالوا: وجد رسول الله، وَّر، على عاصم بن ثابت
وأصحابه وَجداً شديداً، فأظهر أنّه يريد الشأم وعسكر لِغِرّةٍ هِلالَ شهر ربيع الأول في
مائتي رجل ومعهم عشرون فرساً، واستخلف على المدينة عبدالله ابن أمّ مكتوم ثمّ
أسرعَ السيرَ حتى انتهى إلى بطن غُران، وبينها وبين ◌ُسفان خمسة أميال حيث كان
مُصاب أصحابه، فترحّم عليهم ودعا لهم فسمعت بهم بنو لحيان فهربوا في رؤوس
الجبال فلم يقدر منهم على أحد، ثمّ خرج حتى أتى عُسفان، فبعث أبا بكر في عشرة
فوارس لتسمع به قريش فيذعرَهم، فأتوا الغَميم ثمّ رجعوا ولم يلقوا أحداً، ثمّ انصرف
(١) مغازي الواقدي (٥٣٤).
(٢) تاريخ الطبري (٥٩٥/٢)، وسيرة ابن هشام (٢١٢/٢)، والمغازي للواقدي (٥٣٥)، ووفاء
الوفا (٣٥٣/٢).
٦٠