النص المفهرس
صفحات 161-180
من قولهم حتّى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل، عليه السّلام، فَعَرض عليه السورة، فقال جبريل: جئتك بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله، وله: ((قُلْتُ عَلَى اللهِ مَا لَمْ يَقُلْ))، فَأَوْحَى الله إليه: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَقْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإِسراء: ٧٣]، إلى قوله: ﴿ثُمّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٩٦]. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن عبدالله عن الزهريّ عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: فَشَتْ تِلْكَ السّجدة في النّاس حتى بلغت أرض الحبشة، فبلغ أصحابَ رسول الله، وَ﴿، أنّ أهل مكّة قد سجدوا وأسلموا حتى إنّ الوليد بن المغيرة وأبا أُحَيحة قد سجدا خلف النبيّ، وَ﴿، فقال القوم: فمن بقي بمكّة إذا أسلم هؤلاء؟ وقالوا: عشائرنا أحبّ إلينا، فخرجوا راجعين حتى إذا كانوا دون مكّة بساعة من نهار لقوا رَكْباً من كنانة فسألوهم عن قريش وعن حالهم، فقال الركب: ذكرَ محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم ارتدّ عنها فعاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشرّ، فتركناهم على ذلك، فَأتمر القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة ثمّ قالوا: قد بلغْنا ندخل فننظر ما فيه قريش ويُحْدِثُ عَهْداً مَن أراد بأهله ثمّ يرجع . أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدّثني محمّد بن عبدالله عن الزهريّ عن أبي بكر ابن عبد الرحمن قال: دخلوا مكّة ولم يدخل أحد منهم إلّ بجوار، إلّ ابن مسعود فإنّه مكث يسيراً ثمّ رجع إلى أرض الحبشة. قال محمّد بن عمر: فكانوا خرجوا في رجب سنة خمس فأقاموا شعبانَ وشهرَ رمضان وكانت السجدةُ في شهر رمضان وقدموا في شوّال سنة خمس. ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدّثني سيف بن سليمان عن ابن أبي نجيح قال: وحدّثني عتبة بن جبيرة الأشهلي عن يعقوب بن عمر بن قتادة قال: سمعت شيخاً من بني مخزوم يحدّث أنّه سمع أمّ سلمة قال: وحدّثنا عبد الله بن محمد الجمحي عن أبيه عن عبد الرحمن بن سابط قالوا: لمّا قدم أصحاب النبيّ، وَ إ*، مكّة من الهجرة الأولى اشتدّ عليهم قومهم وسَطَت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذَّى ١٦١ شديداً، فَأذِنَ لهم رسول الله، وَ﴿، في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فكانت خرجتهم الآخرة أعظمها مشقّة ولقوا من قريش تعنيفاً شديداً ونالوهم بالأذى، واشتدّ عليهم ما بلغهم عن النّجاشيّ من حُسْنٍ جواره لهم، فقال عثمان بن عفّان: يا رسول الله فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة إلى النّجاشيّ ولستَ معنا؟ فقال رسول الله، وَهُ: ((أنْتُم مُهَاجِرُونَ إلى اللهِ وَإِلَيَ، لَكُمْ هَاتَانِ الهِجْرَتَانِ جَمِيعاً))، قال عثمان: فَحَسْبُنَا يا رسولَ الله، وكان عدّة من خرج في هذه الهجرة من الرّجال ثلاثة وثمانين رجلاً، ومن النساء إحدى عشرةَ امرأةً قرشيّة، وسبع غرائب، فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشيّ بأحسن جوار، فلما سمعوا بمهاجَر رسول الله، وَلـ، إلى ١١ مدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً، ومن النساء ثماني نسوة، فمات منهم رجلان كّة، وحُبس بمكّة سبعةُ نفر، وشهد بدراً منهم أربعة وعشرون رجلاً، فلما كان شهر يع الأوّل سنة سبع من هجرة رسول الله،*، إلى المدينة كتب رسول الله، وَلخر، دى النّجاشيّ كتاباً يدعوه فيه إلى الإِسلام، وبعث به مع عمرو بن أمّيّة الضّمْري، فلمّا ىء عليه الكتاب أسلم وقال: لو قدرت أن آتيَه لأتيته، وكتب إليه رسول الله، وَل﴾، ، يزوّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت فيمن هاجر إلى أرض الحبشة وح زوجها عُبيدالله بن جَحْش فتنصّر هناك ومات، فزوّجه النّجاشيّ إيّاها وأصدق عنه بعمائة دينار، وكان الذي ولي تزويجها خالد بن سعيد بن العاص، وکتب إليه رسول الله، وَ﴾، أن يبعث إليه مَن بقي عنده من أصحابه ويحملهم، ففعل وحَملهم في سفينتين مع عمرو بن أمّة الضمري، فأرْسَوْا بهم إلى ساحل بَوْلا وهو الجار، ثم تكاروا الظّهر حتى قدموا المدينة فيجدون رسول الله، وَلَه، بخيبر، فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خيبر، فكلّمَ رسول الله، وََّ، المسلمين أنْ يُدْخِلُوهم في سُهْمَانهم، ففعلوا. ذکر حصر قریش رسول الله، وبني هاشم في الشِّعْب أخبرنا محمد بن عمر بن واقد قال: حدّثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سَبْرة عن إسحاق بن عبدالله عن أبي سلمة الحضرمي عن ابن عبّاس، وحدّثني معاذ بن محمد الأنصاري عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدّثنا محمّد بن عبدالله عن الزهريّ عن أبي ١٦٢ ١ بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: وحدّثنا عبدالله بن عثمان بن أبي سليمان بن جُبير بن مُطعم عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لمّا بلغ قريشاً فِعْلُ النجاشي لجعفر وأصحابه وإكرامه إياهم كبر ذلك عليهم وغضبوا على رسول الله، وَير، وأصحابه، وأجمعوا على قتل رسول الله، وَلتر، وكتبوا كتاباً على بني هاشم ألّ يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يخالطوهم، وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عِكْرِمَة العَبْدَري، فشَلّت يده، وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وقال بعضهم: بل كانت عند أمّ الجُلاس بنت مُخَرِّبة الحنظليّة خالة أبي جهل، وحصروا بني هاشم في شِعْب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين تنبّى رسول الله،﴿، وانحاز بنو المطّلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شعبه مع بني هاشم، وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على بني هاشم وبني المطّلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلّ من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشعب، فمن قريش من سرّه ذلك ومنهم من ساءه وقال: انظروا ما أصاب منصور بن ◌ِكرِمة، فأقاموا في الشعب ثلاث سنين، ثمّ أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم وأن الأرَضَةَ قد أكلت ما كان فيها من جَوْر وظلم وبقي ما كان فيها من ذكر الله عزّ وجلّ. أخبرنا عُبيدالله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن زياد بن فيّاض عن عكرمة قال: كتبت قريش بينهم وبين رسول الله، وَلتر، كتاباً وختموا عليه ثلاثة خواتيم، فأرسل الله، عزّ وجلّ، على الصحيفة دابة فأكلت كلّ شيء إلّ اسم الله عزّ وجلّ. أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمد بن عليّ وعِكرِمة قالا: أُكل كلّ شيء كان في الصحيفة إلّ باسمك اللّهمّ. أخبرنا عُبيدالله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر قال: حدّثني شيخ من قريش من أهل مكّة، وكانت الصحيفة عند جدّه، قال: أُكل كلّ شيء كان في الصحيفة من قطيعة غير باسمك اللهمّ، رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر الأوّل، قال: فذكر ذلك رسول الله، وَل*، لأبي طالب، فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وخرجوا إلى المسجد، فقال أبو طالب لكفّار قريش: إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني قطّ أنّ الله قد سلّط على صحيفتكم الأرضة فلحست كلّ ما كان فيها من جَوْر أو ظلم أو قطيعة رحم وبقي فيها كلّ ما ذُكر به الله، فإن كان ابن أخي صادقاً نزعتم عن ١٦٣ سوء رأيكم، وإن كان كاذباً دفعتُه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا: قد أنصفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها فإذا هي كما قال رسول الله، و لاغير، فسُقط في أيديهم ونُكسوا على رؤوسهم، فقال أبو طالب: علامَ نُحبس ونُحصر وقد بان الأمر؟ ثمّ دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة فقال: اللهمّ انصرنا ممّن ظلمنا وقطع أرحامنا، واستحلّ ما يحرم عليه منّا، ثمّ انصرفوا إلى الشعب، وتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم، فيهم: مطعم بن عديّ، وعدي بن قيس، وزمعة بن الأسود، وأبو البَخْتَري بن هاشم، وزهير بن أبي أميّة، ولبسوا السلاح ثمّ خرجوا إلى بني هاشم وبني المطّلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا، فلما رأت قريش ذلك سُقط في أيديهم وعرفوا أن لن يسلموهم، وكان خروجهم من الشّعب في السنة العاشرة. أخبرنا عُبيدالله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمد بن عليّ قال: مكث رسول الله، وَّر، وأهله في الشّعب سنتين، وقال الحكم: مكثوا سنين. * ذكر سبب خروج رسول الله، وله إلى الطائف أخبرنا محمّد بن عمر عن محمّد بن صالح بن دينار وعبد الرحمن بن عبد العزيز والمنذر بن عبدالله عن بعض أصحابه عن حكيم بن حزام قال: وحدّثنا محمد بن عبدالله عن أبيه عن عبدالله بن ثعلبة بن صُعير قالوا: لما توفي أبو طالب وخديجة بنت خويلد، وكان بينهما شهر وخمس أيّام، اجتمعت على رسول الله، وَّة، مصيبتان فلزم بيته وأقلّ الخروج ونالت منه قریش ما لم تکن تنال ولا تطمع به، فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال: يا محمّد امضِ لما أردت وما كنت صانعاً إذ كان أبو طالب حيّاً فاصنعه، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت! وسَبّ ابنُ الغيطلة النبيّ، وَلإر، فأقبل عليه أبو لهب فنال منه، فولّى وهو يصيح: يا معشر قريش صبا أبو عتبة! فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب، فقال: ما فارقت دين عبد المطّلب ولكني أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضيَ لما يريد، قالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم، فمكث رسول الله، #، كذلك أيّاماً يذهب ويأتي لا يعترض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب، إلى أن جاء عُقبة بن أبي معيط وأبو جهل بن هشام إلى أبي لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقال له أبو لهب: يا محمّد أين مدخل عبد ١٦٤ المطّلب؟ قال: ((مَعَ قَوْمِهِ))، فخرج أبو لهب إليهما فقال: قد سألته فقال مع قومه، فقالا: يزعم أنّه في النّار، فقال: يا محمّد أيدخل عبد المطّلب النّار؟ فقال رسول الله، وَ: (نَعَمْ، وَمَنْ مَاتَ عَلى مِثْلِ مَا مَاتَ عَلَيْهِ عَبْدُ المُطَّلِبِ دَخَلَ النّارَ))، فقال أبو لهب: والله لا برحتُ لك عدوّاً أبداً، وأنت تزعم أن عبد المطّلب في النّار! فاشتدّ عليه هو وسائر قریش. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبي الحُوَيرث عن محمد بن جبير بن مُطعم قال: لما توفي أبو طالب تناولت قريش من رسول الله، وَير، واجترؤوا عليه فخرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة، وذلك في ليال بقين من شوّال سنة عشر من حين نبّىء رسول الله، وَ ◌ّر، قال محمّد بن عمر بغير هذا الإِسناد، فأقام بالطائف عشرة أيّام لا يَدَع أحداً من أشرافهم إلّ جاءه وكلّمه، فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم فقالوا: يا محمّد اخرج من بلدنا والحقْ بمُجابك من الأرض، وَأَغْرَوْا به سفهاءهم، فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى إن رجليْ رسول الله، ﴿*، لتَدميان وزيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شُج في رأسه شجاج، فانصرف رسول الله، ﴾، من الطائف راجعاً إلى مكّة وهو محزون لم يستجب له رجل واحد ولا امرأة، فلمّا نزل نخلة قام يصلّي من الليل فصُرف إليه نفر من الجنّ، سبعة من أهل نَصيبين، فاستمعوا عليه وهو يقرأ سورة الجنّ ولم يشعر بهم رسول الله، والتر، حتى نزلت عليه: ﴿وإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرَأْ مِنَ الجِنّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، فهم هؤلاء الذين كانوا صُرفوا إليه بنخلة، وأقام بنخلة أيّاماً، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم، يعني قريشاً، وهم أخرجوك؟ فقال: ((يَا زَيْدُ إِنّ اللَّه جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرَجاً وَمَخْرَجاً وَإِنّ اللّه نَاصِرُ دِينِهِ وَمُظْهِرُ نَبِّهِ»، ثمّ انتهى إلى حراء، فأرسل رجلاً من خزاعة إلى مطعم بن عديّ: ((أدْخُلُ فِي جِوَارِكَ؟)) فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: تلبّسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمّداً، فدخل رسول الله، ﴿، ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام مُطعم بن عديّ على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرتُ محمّداً فلا يَهِجْه أحد منكم، فانتهى رسول الله، وَ ل﴿، إلى الركن فاستلمه وصلّى ركعتين وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عديّ وولده مطیفون به. * ١٦٥ ذكر المعراج وفرض الصلوات أخبرنا محمد بن عمر عن أبي بكر بن عبدالله بن أبي سبرة وغيره من رجاله قالوا: كان رسول الله، وَل﴿ل، يسأل ربّه أن يريه الجنّة والنّار، فلمّا كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً، ورسول الله، وَلتر، نائم في بيته ظهراً، أتاه جبريل وميكائيل فقالا: انطلق إلى ما سألت الله، فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم، فأتي بالمعراج فإذا هو أحسن شيء منظراً، فعرجا به إلى السماوات سماءً سماءً، فلقي فيها الأنبياء، وانتهى إلى سدرة المنتهى، وأُري الجنّة والنّار، قال رسول الله، وَهُ: ((وَلَمّا انْتَهَيْتُ إلى السّمَاءِ السّابِعَةِ لَمْ أسْمَعْ إلّ صَرِيفَ الأقْلامِ))؛ وَفُرِضَت عليه الصلوات الخمس، ونزل جبريل، عليه السلام، فصلّى برسول الله، وَيهر، الصلوات فى مواقيتها. ذكر ليلة أسري برسول الله، وَلجر، إلى بيت المقدس أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني أسامة بن زيد الليثي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: وحدّثني موسى بن يعقوب الزمعيّ عن أبيه عن جدّه عن أمّ سلمة، قال موسى: وحدّثني أبو الأسود عن عُروة عن عائشة، قال محمّد بن عمر: وحدّثني إسحاق بن حازم عن وهب بن كيسان عن أبي مرة مولى عقيل عن أمّ هانىء ابنة أبي طالب، وحدّثني عبدالله بن جعفر عن زكرياء بن عمرو عن ابن أبي مليكة عن ابن عبّاس، وغیرهم أيضاً قد حدثني، دخل حديث بعضهم في حدیث بعض، قالوا: أسري برسول الله، وَ*، ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأوّل قبل الهجرة بسنة، من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس، قال رسول الله، وَله: ((حُمِلْتُ عَلى دَابَةٍ بَيْضَاءَ بَيْنَ الحِمَارِ وَبَيْنِ البَغْلَةِ فِي فَخِذَيْهَا جَنَاحَانِ تَحْفِزُ بِهِمَا رِجْلَيْهَا، فَلَمّا دَنَوْتُ لأَرْكَبَهَا شَمَسَتْ فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلى مَعْرَفَتِهَا ثمّ قَالَ: أَلا تَسْتَحِينَ يَا بُرَاقُ مِمّا تَصْنَعِينَ؟ وَالِهِ مَا رَكِبَ عَلَيْكِ عَبْدٌ لله قَبْلَ مُحَمّدٍ أَكْرَمُ عَلى اللهِ مِنْهُ! فَاسْتَحْيَتْ حَتّى ارْفَضّتْ عَرَقاً ثُمّ قَرّتْ حَتّى رَكِبْتُهَا فَعَمِلَتْ بِأَذْنَيْهَا وَقُبِضَتِ الأرضُ حَتّى كَانَ مُنْتَهَى وَقْعٍ حَافِهَا طَرَفُهَا وَكَانَتْ طَوِيلَةَ الظّهْرِ طَوِيلَةَ الْأَذْنَيْنِ، وَخَرَجَ معي جِبْرِيلُ لا يَقُوتُنِي وَلا أَفُوتُهُ حَتّى انْتَهَى بِي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَانْتَهَى الْبُرَاقُ إلى مَوْقِفِهِ الَّذِي كَانَ يَقِفُ ١٦٦ فَرَبَطَّهُ فِيهِ»، وكان مربط الأنبياء قبل رسول الله، وَِّ، قال: ((وَرَأيْتُ الأَنْبِيَاءَ جُمِعُوا لِي فَرَأيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فَظَنَنْتُ أَنّهُ لا بُدّ مِنْ أنْ يَكُونَ لَهُمْ إِمَامٌ فَقَدّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى صَلَيْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَسَألْتُهُمْ فَقَالُوا: بُعِثْنَا بالتَّوْحِيدِ))، وقال بعضهم: نُقد النبيّ، وَي*، تلك الليلة فتفرّقت بنو عبد المطّلب يطلبونه ويلتمسونه، وخرج العبّاس بن عبد المطّلب حتى بلغ ذا طوَّى فجعل يصرخ: يا محمّد يا محمّد! فأجابه رسول الله، وَلَّمَ: ((َبَيْكَ!)) قال: يا ابن أخي عَنَّيْت قومك منذ الليلة فأين كنت؟ قال: ((أَتَيْتُ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ))، قال: في ليلتك! قال: ((نَعَمْ))، قال: هل أصابك إلّ خير؟ قال: ((مَا أَصَابَني إلّ خَيْرٌ))، وقالت أمّ هانىء ابنة أبي طالب: ما أسري به إلّ من بيتنا، نام عندنا تلك الليلة صلّى العشاء ثمّ نام، فلمّا كان قبل الفجر أنبهناه للصبح، فقام فلمّا صلّى الصبح قال: ((يَا أَمّ هَانىٍ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُم العِشَاءَ كَمَا رَأيْتِ بَهَذا الوَادِي ثُمّ قَدْ جِئْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَصَلَيْتُ فِيهِ ثُمّ صَلَيْتُ الغَدَاةَ مَعَكُمْ))، ثمّ قام ليخرج فقلتُ: لا تحدّث هذا الناسَ فيكذبوك ويؤذوك، فقال: (وَاللهِ لأَحَدَّثَنَهُمْ))، فأخبرهم، فتعجّبوا وقالوا: لم نسمع بمثل هذا قطّ! وقال رسول الله، ﴿، لجبريل: ((يَا جِبْرِيلُ إنّ قَوْمي لا يُصَدّقُونَنِي، قَالَ: يُصَدّقُكَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الصّدّيقُ، فَأَتَيْتُ نَاساً كَثِيراً كانوا قَدْ صَلّوا وَسَلّمُوا وَقُمْتُ فِي الحِجْرِ فَخُيّلَ إليّ بَيْتُ المَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَمْ لِلْمَسْجِدٍ مِنْ بَابٍ؟ وَلَمْ أَكُنْ عَدَدْتُ أَبْوَابَهُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا وَأَعُدّهَا بَاباً بَاباً وَأَعْلِمُهِم وَأَخْبَرْتُهُمْ عَنْ عِيَّرَاتٍ لَهُمْ فِي الطَّرِيقِ وَعَلامَاتٍ فِيهَا فَوَجَدُوا ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرْتُهُمْ))، وَأنزل الله، عزّ وجلّ، عليه: ﴿وَمَا جَعَلْنا الرّؤْيَا الّتي أَرَيْنَاكَ إلّا فِتْنَةً للنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]؛ قال: كانت رؤيا عين رآها بعينه. أخبرنا حُجين بن المثنى، أخبرنا عبد العزيز بن عبدالله بن أبي سلمة عن عبدالله بن الفضيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، وَلَهُ: ((لَقَدْ رَأَيْنِي فِي الحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْألُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسٍ لَمْ أَثْبِتْهَا فَكُرِبْتُ كَرْباً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطّ فَرَفَعَهُ الله إليّ أَنْظُرُ إِلَيْهِ ما يَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلّ أَنْبَاتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلّي فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةً وإِذَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلّي أَقْرَبُ النّاسِ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثّقَفيِ وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلّي أَشْبَهُ النّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ))، يعني نفسه، ((فَحَانَتِ الصّلاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصّلاةِ قَالَ لي قَائِلٌ: يَا مُحَمْدُ هَذَا ١٦٧ مَالِكٌ صَاحِبُ النّارِ فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَالتَّفَتِّ إِلَيْهِ فَبَدَأني بِالسّلامِ)). * ذكر دعاء رسول الله، وَلغيره قبائل العرب في المواسم أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أيّوب بن النعمان عن أبيه عن عبدالله بن كعب بن مالك قال: وحدّثنا محمّد بن عبدالله عن الزهريّ قال: وحدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رُومان، وغير هؤلاء أيضاً قد حدّثني، قالوا: أقام رسول الله، وَي، بمكّة ثلاث سنين من أوّل نبوّته مستخفياً، ثمّ أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإِسلام عشر سنين، يُوافي المواسم كلّ عام يتّبع الحاج في منازلهم في المواسم بعكاظ ومَجَنّة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يُبَلِّغَ رسالات ربّه ولهم الجنّة، فلا يجد أحداً ينصره ولا يجيبه، حتى إنّه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: ((يَا أَيّهَا النّاسُ قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللّه تُفْلِحُوا وَتَمْلِكُوا بِهَا العَرَبَ وَتَذِلٌ لَكُمُ العَجَمُ وَإِذا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكاً في الجَنّةِ»، وأبو لهب وراءهُ يقول: لا تُطيعوه فإنّه صابىء كاذب، فيردّون على رسول الله، وَ#*، أقبح الردّ، ويؤذونه ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلمُ بك حيث لم يتّبعوك، ويكلّمونه ويجادلونه ويكلّمهم ويدعوهم إلى الله ويقول: ((اللّهُمّ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا))، فكان من سُمّي لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله، وَليه، ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خَصَفة، وفزارة، وغسّان، ومُرّة، وحنيفة، وسُليم، وعبس، وبنو نضر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعُذْرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد. ذكر دعاء رسول الله، وَل *، الأوس والخزرج أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني نافع بن كثير عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمّد عن أبيه عن عائشة قال: وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي منصور عن إبراهیم بن یحیی بن زید بن ثابت عن أم سعد بنت سعد بن ربیع قال: وحدّثنا داود بن عبد الرحمن العطّار عن عبدالله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال: وحدّثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطّاب قال: وحدثني ١٦٨ أسامة بن زيد بن أسلم عن نافع أبي محمّد قال: سمعتُ أبا هريرة قال: وحدّثني عُبيد بن يحيى عن معاذ بن رِفاعة بن رافع عن أبيه عن جدّه قال: وحدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: أقام رسول الله، وَل#، بمكّة ما أقام يدعو القبائل إلى الله ويعرض نفسه عليهم كل سنة بمَجَنّة وعكاظ ومِنىٍّ أن يؤووه حتى يبلّغ رسالة ربّه ولهم الجنة، فليست قبيلة من العرب تستجيب له ويُؤذّى ويُشْتَم حتى أراد الله إظهار دينه ونصر نبيه وإنجاز ما وعده، فساقه إلى هذا الحيّ من الأنصار لما أراد الله به من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم وهم يحلقون رؤوسهم، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله فأسرعوا وآمنوا وصدّقوا وآووا ونصروا وواسَوْا، وكانوا واللهِ أطول الناس ألْسِنَةً، وأحدهم سيوفاً، فاختلف علينا في أوّل من أسلم من الأنصار وأجاب فذكروا الرجل بعينه، وذكروا الرجلَيْنِ، وذكروا أنّه لم يكن أحد أوّل من السّة، وذكروا أن أوّل من أسلم ثمانية نفر، وكتّبْنَا كلّ ذلك، وذكروا أنّ أوّل مَن أسلم من الأنصار أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس، خرجا إلى مكّة يتنافران إلى عتبة بن ربيعة فقال لهما: قد شغلنا هذا المُصَلّي عن كلّ شيءٍ، يزعم أنّه رسول الله، قال: وكان أسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التّهان يتكلّمان بالتوحيد بيثرب، فقال ذكوان بن عبد قيس لأسعد بن زرارة حين سمع كلام عتبة: دُونك هذا دينك، فقاما إلى رسول الله، وَير، فعرض عليهما الإِسلام فأسلما ثمّ رجعا إلى المدينة، فلقي أسعد أبا الهيثم بن النّهان فأخبره بإسلامه وذكر له قول رسول الله، وَيه، وما دعا إليه، فقال أبو الهيثم: فأنا أشهد معك أنّه رسول الله، وأسلم. ويقال: إن رافع بن مالك الزُّرَقيّ ومُعاذ بن عفراء خرجا إلى مكّة معتمرين فذُكر لهما أمر رسول الله، وَّر، فأتياه، فعرض عليهما الإِسلام فأسلما، فكانا أوّل من أسلم، وقدما المدينة، فأوّل مسجد قرىء فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زريق. ويقال: إنّ رسول الله، وََّ، خرج من مكّة فمرّ على نفر من أهل يثرب نُزول بمنَّى ثمانية نفر، منهم: من بني النّجّار معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة، ومن بني زُريق رافع بن مالك وذَكوان بن عبد قيس، ومن بني سالم عُبادة بن الصامت وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، ومن بني عبد الأشهل أبو الهيثم بن التّهان حليف لهم من بليّ، ومن بني عمرو بن عوف عويم بن ساعدة، فعرض عليهم رسول الله، وَّر، ١٦٩ الإِسلام فأسلموا، وقال لهم رسول الله، وَهُ: ((تَمْنَعُونَ لِي ظَهْرِي حَتّى أَبَلْغَ رِسَالَةَ ربّي؟)) فقالوا: يا رسول الله نحن مجتهدون لله ولرسوله، نحن، فاعلمْ، أعداءٌ متباغضون، وإنّما كانت وقعة بُعاث، عام الأوّل، يومٌ من أيّامنا اقتتلنا فيه فإن تَقْدَمْ ونحن كذا لا يكون لنا عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعلّ الله يُصْلح ذات بيننا، وموعدك الموسم العامَ المقْبِلَ. ويقال: خرج رسول الله، وَّر، في الموسم الذي لقي فيه السّة الّفر من الأنصار، فوقف عليهم فقال: ((أحُلَفَاءَ يَهُودٍ؟)) قالوا: نعم، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن فأسلموا، وهم: من بني النجّار أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث بن عفراء، ومن بني زريق رافع بن مالك، ومن بني سلمة قُطبة بن عامر بن حَديدَة، ومن بني حرام بن كعب عُقبة بن عامر بن نابىء، ومن بني عُبيد بن عديّ بن سلمة جابر بن عبدالله بن رِئاب، لم يكن قبلهم أحد؛ قال محمّد بن عمر: هذا عندنا أثبت ما سمعنا فيهم وهو المُجْتَمَعُ عليه. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني زكريّاء بن زيد عن أبيه قال: هؤلاء الستّة فيهم أبو الهيثم بن التّهان، ثمّ رجع الحديث إلى الأوّل، قالوا: ثمّ قدموا إلى المدينة فدعوا قومهم إلى الإِسلام فأسلم من أسلم، ولم يبقَ دار من دور الأنصار إلّ فيها ذِكْرٌ من رسول الله، ﴿﴿ كثيراً. ذكر العقبة الأولى الاثني عشر ليس فيهم عندنا اختلاف، أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: وحدّثنا يونس بن محمّد الظّفَريّ عن أبيه قال: وحدّثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الرحمن بن عُسَيْلة الصُّنابحيّ عن عُبادة بن الصامت قالوا: لما كان العام المقبل من العام الذي لقي فيه رسول الله، وَل*، النفر الستّة لقيه اثنا عشر رجلاً بعد ذلك بعام، وهي العقبة الأولى، من بني النّجّار أسعد بن زرارة، وعَوْف ومُعاذ وهما ابنا الحارث، وهما ابنا عَفْراء، ومن بني زريق ذكوان بن عبد قيس ورافع بن مالك، ومن بني عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن، ومن بني عامر بن عوف عبّاس بن عُبادة بن نَضْلة، ومن بني سلمة عُقْبة بن عامر بن نابىء، ١٧٠ ومن بني سواد قُطْبة بن عامر بن حَديدة، فهؤلاء عشرة من الخزرج، ومن الأوس رجلان أبو الهيثم بن التّهان من بليّ حليفٌ في بني عبد الأشهل، ومن بني عمرو بن عوف عُويم بن ساعدة، فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء، على أن لا نُشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتيَ ببُهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، قال: ((فَإِنْ وَقَيْتُمْ فَلَكُمُ الجَنّةُ وَمَنْ غِشِيَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً كَانَ أَمْرُهُ إلى الله إِنْ شَاءَ عَذّبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ))، ولم يُفرض يومئذ القتال، ثمّ انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإِسلام، وكان أسعد بن زرارة يُجَمّعُ بالمدينة بمن أسلم، وكتبت الأوس والخزرج إلى رسول الله، وَّر: ابعث إلينا مقرئً يُقرئنا القرآن، فبعث إليهم مُصعب بن عُمير العَبْدَريّ فنزل على أسعد بن زرارة فكان يقرئهم القرآن، فروى بعضهم أن مصعباً كان يُجَمّع به ثمّ خرج مع السبعين حتى وافوا الموسم مع رسول ذكر العقبة الآخرة وهم السبعون الذين بايعوا رسول الله، وَ لآل أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلميّ قال: حدّثني محمّد بن يحيى بن سهل عن أبيه عن جدّه عن أبي بُرْدَة بن نِيَار قال: وحدّثني أسامة بن زيد الليثي عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت قال: وحدّثني عبدالله بن يزيد عن أبي البَدّاح بن عاصم عن عبد الرحمن بن عُويم بن ساعدة عن أبيه قال: وحدّثني عُبيد بن يحيى عن معاذ بن رِفاعة قال: وحدّثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن أبي سفيان قال: وحدّثني ابن أبي سبرة عن الحارث بن الفضل عن سفيان بن أبي العوجاء قال: وحدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رُومان، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما حضر الحجّ مشى أصحاب رسول الله، وَ﴿، الذين أسلموا بعضهم إلى بعض يتواعدون المسير إلى الحجّ وموافاة رسول الله، وَ﴾، والإِسلام يومئذ فاشٍ بالمدينة، فخرجوا وهم سبعون يزيدون رجلاً أو رجلين في خَمَر الأوس والخزرج وهم خمسمائة، حتى قدموا على رسول الله، وَ﴿، مكّة، فسلّموا على رسول الله، وَ له، ثمّ وعدهم مِنى وسط أيام التشريق ليلة النّفَر الأوّل إذا هدأت الرِّجْل أن يوافوه في الشّعب الأيمن إذا انحدروا من منّى بأسفل ١٧١ العقبة حيث المسجد اليوم، وأمرهم أن لا ينبّهوا نائماً ولا ينتظروا غائباً، قال: فخرج القوم بعد هدأة يَتّسَلّلُون الرجل والرجلان وقد سبقهم رسول الله، وَّر، إلى ذلك الموضع معه العبّاس بن عبد المطّلب ليس معه أحد غيره، فكان أوّل من طلع على رسول الله، وَّرَ، رافع بن مالك الزّرَقي، ثمّ توافى السبعون ومعهم امرأتان، قال أسعد بن زرارة: فكان أوّل من تكلّم العبّاس بن عبد المطّلب فقال: يا معشر الخزرج إنّكم قد دعوتم محمداً إلى ما دعوتموه إليه، ومحمّد من أعزّ الناس في عشيرته، يمنعه واللهِ مِنّا من كان على قوله، ومن لم يكن منّا على قوله يمنعه للحسب والشرف، وقد أبى محمّد الناسَ كلّهم غيركم، فإن كنتم أهل قوّة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة، فارتأوا رأيكم وأتمروا بينكم ولا تفترقوا إلّ عن ملٍ منكم واجتماع، فإنّ أحسن الحديث أصدقه، فقال البَرَاء بن معرور: قد سمعنا ما قلت وإنا والله لو كان في أنفسنا غير ما تنطق به لقلناه ولكنّا نريد الوفاء والصدق وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله، وَّر، قال: وتلا رسول الله، وَّر، عليهم القرآن ثمّ دعاهم إلى الله ورغّبهم في الإِسلام وذكر الذي اجتمعوا له، فأجابه البراء بن معرور بالإِيمان والتصديق ثمّ قال: يا رسول الله بايعنا فنحن أهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر، ويقال إن أبا الهيثم بن التيهان كان أوّل من تكلّم وأجاب إلى ما دعا إليه رسول الله، وَ﴿، وصدّقه، وقالوا: نقبله على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، ولغطوا، فقال العبّاس بن عبد المطّلب وهو آخذ بيد رسول الله، وَّ: أخفوا جَرْسَكم فإن علينا عيوناً، وقدّموا ذوي أسنانكم، فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم، فإنّا نخاف قومكم عليكم، ثمّ إذا بايعتم فتفرّقوا إلى مَحالّكم، فتكلّم البَرَاء بن معرور فأجاب العبّاس بن عبد المطّلب، ثمّ قال: ابسط يدك يا رسول الله، فكان أوّل من ضرب على يد رسول الله، وَ﴿، البراء بن معرور، ويقال أوّل من ضرب على يده أبو الهيثم بن التيّهان، ويقال أسعد بن زرارة، ثمّ ضرب السبعون كلّهم على يده وبايعوه، فقال رسول الله، وَهُ: ((إنّ مُوسَى أَخَذَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اثْنَيْ عِشَرَ نَقِيباً فَلا يَجِدَنْ أَحَدٌ فِي نَفْسِهِ أنْ يُؤْخَذَ غَيْرُهُ فَإِنَّمَا يَخْتَارُ لي جِبْرِيلُ))، فلمّا تخيّرهم قال للنقباء: ((أنْتُمْ كُفَلاءُ عَلَى غَيْرِكُمْ كَكَفَالَةِ الحَوَارِيّينَ لِعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ وَأَنَا كَفِيل عَلى قَوْمي))، قالوا: نعم، فلمّا بايع القوم وكملوا صاح الشيطان على العقبة بأبعد صوت سُمع: يا أهل الأخاشب، هل لكم في محمّد والصُّباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ فقال رسول ١٧٢ الله، (َ﴿: (انْفَضّوا إلى رِحَالِكُمْ))، فقال العبّاس بن عُبادة بن نَضْلة: يا رسول الله والذي بعثك بالحقّ لئن أحببت لنميلنّ على أهل مِنَّى بأسيافنا، وما أحدٌ عليه سيف تلك الليلة غيرُه، فقال رسول الله، وَله: ((إنّا لَمْ نُؤمَرْ بِذلِكَ فَانْفَضّوا إلى رِحَالِكُمْ))، فتفرّقوا إلى رحالهم، فلمّا أصبح القوم غدت عليهم جِلّة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج، إنّه بلغنا أنّكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا، وايمُ الله ما حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشبَ بيننا وبينه الحرب منكم، قال: فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله ما كان هذا وما علمنا، وجعل ابن أُبَيّ يقول: هذا باطل وما كان هذا وما كان قومي ليفتاتوا عليّ بمثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني، فلمًا رجعت قريش من عندهم رحل البراء بن معرور فتقدم إلى بطن يأجَجَ وتلاحق أصحابه من المسلمين، وجعلت قريش تطلبهم في كلّ وجه ولا تعدَّوا طرق المدينة، وحزّبوا عليهم، فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يده إلى عنقه بِنسْعَةٍ وجعلوا يضربونه ويجرّون شعره، وكان ذا جُمّةٍ، حتى أدخلوه مكّة، فجاءه مطعم بن عديّ والحارث بن أميّة بن عبد شمس فخلصاه من بين أيديهم، وأتمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عبادة أن يكُرّوا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل القوم جميعاً إلى المدينة. ذكر مقام رسول الله، وَالفيل بمكة من حين تنبأ إلى الهجرة أخبرنا أنس بن عياض ويزيد بن هارون وعبدالله بن نُمير قالوا: أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أن رسول الله، و﴿؛ نزل عليه القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين سنة وأقام بمكّة عشر سنين. أخبرنا أنس بن عياض عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك أن رسول الله، وَ#، أقام بمكّة عشر سنين. أخبرنا عبيدالله بن موسى والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا سفيان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: حدّثتني عائشة، رضي الله عنها، وابن عبّاس أن رسول اللّه، وَلّ، مكث بمكّة عشر سنين يُنْزَلُ عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين. ١٧٣ أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن النبيّ، وَل، أقام بمكّة عشراً، وخرج منها في صفر، وقدم المدينة في شهر ربيع الأوّل. أخبرنا يحيى بن عبّاد وعفّان بن مسلم قالا: أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا عمّار ابن أبي عمّار مولى بني هاشم عن ابن عبّاس قال: أقام رسول الله، وَلچ، بمكّة خمس عشرة سنة، سبع سنين يرى الضوء والنور ويسمع الصوت، وثماني سنين يوحى إليه. زاد عفّان في حديثه: وأقام بالمدينة عشر سنين. أخبرنا عبدالله بن نُمير، أخبرنا العلاء بن صالح عن المِنْهال بن عمرو عن سعيد ابن جُبير أن رجلاً أتى ابن عبّاس فقال: أُنزل على رسول الله، وَيـ، عشراً بمكّة وعشراً بالمدينة، فقال: من يقول ذاك؟ لقد أُنزل بمكّة عشراً وخمساً، يعني سنينٌ أو أکثر. أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن وقرأ: ﴿وَقُرْآنً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأْهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَلْنَهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإِسراء: ١٠٦]، قال: كان الله يُنزل بها القرآن بعضه قبل بعض لِمَا علم أنّه سيكون في الناس ويحدّث، لقد بلغنا أنّه كان بين أوّله وآخره ثماني عشرة سنة، أُنزل عليه ثماني سنين بمكّة قبل أن يهاجر إلى المدينة وعشر سنين بالمدينة. أخبرنا رَوْح بن عبادة، أخبرنا هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: أقام رسول الله، وَلجر، بمكّة بعد أن بُعث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثمّ أُمر بالهجرة. أخبرنا رَوْح بن عبادة، أخبرنا زكريّاء بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس قال: مكث رسول الله، وَله، بمكّة ثلاث عشرة سنة. أخبرنا كثير بن هشام وموسى بن داود وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا حمّاد ابن سلمة عن أبي حمزة قال: سمعتُ ابن عبّاس يقول: أقام رسول الله، و چ، بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه. ذكر إذن رسول الله، وَّر، للمسلمين في الهجرة إلى المدينة أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني معمر بن راشد عن الزهريّ عن ١٧٤ أبي أمامة بن سهل بن حُنيف وعن عروة عن عائشة قالا: لما صَدَر السبعون من عند رسول الله، وَّ﴾، طابت نفسه وقد جعل الله له مَنَعَةً وقوماً أهل حرب وعُدّة ونجدة، وجعل البلاء يشتدّ على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج فضيقوا على أصحابه وتعبثوا بهم ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله، وَ﴿، واستأذنوه في الهجرة، فقال: ((قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، أُرِيتُ سَبْخَةٌ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَينٍ، وهما الحرّتَانِ، وَلَوْ كَانَتِ السّرَاةُ أَرْضَ نَخْلِ وَسِبَاخٍ لَقُلْتُ هِيَ هِيَ))، ثمّ مكث أيّاماً ثمّ خرج إلى أصحابه مسروراً فقال: ((قَدّْ أَخْبِرْتُ بِدَارِ هِجْرَتِكُمْ وَهِيَ يَثْرِبُ، فَمَنْ أَرَادَ الخُرُوجَ فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهَا))، فجعل القوم يتجهّزون ويتوافقون ويتواسَون ويخرجون ويخفون ذلك، فكان أوّل من قدم المدينة من أصحاب رسول الله، وَ﴿، أبو سلمة بن عبد الأسد ثمّ قدم بعده عامر بن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، فهي أوّل ظعينة قدمت المدينة، ثمّ قدم أصحاب رسول الله، وَ﴾، أرسالاً فنزلوا على الأنصار في دورهم، فآووهم ونصروهم وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين بقُباء قبل أن يقدم رسول الله، *، فلمّا خرج المسلمون في هجرتهم إلى المدينة كليت قريش عليهم وحَرِبوا واغتاظوا على من خرج من فتيانهم، وكان نفر من الأنصار بايعوا رسول الله، وَلغير، في العقبة الآخرة ثمّ رجعوا إلى المدينة، فلمّا قدم أوّل من هاجر إلى قباء خرجوا إلى رسول الله، وَل﴿، بمكّة حتى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريون، وهم: ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب بن كَلَدة، والعبّاس بن عبادة ابن نَضْلة، وزياد بن لبيد، وخرج المسلمون جميعاً إلى المدينة، فلم يبقَ بمكّة منهم إلّ رسول الله، وَجَ، وأبو بكر، وعليّ، أو مفتونٌ محبوس، أو مريض، أو ضعيف عن الخروج. ذكر خروج رسول الله، وَلچر، وأبي بكر إلى المدينة للهجرة أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني معمر عن الزهريّ عن عروة عن عائشة قال: وحدّثني ابن أبي داود بن الحصين بن أبي غطفان عن ابن عبّاس قال: وحدّثني قُدامة ابن موسى عن عائشة بنت قدامة قال: وحدّثني عبدالله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن ١٧٥ أبي طالب عن أبيه عن عبيدالله بن أبي رافع عن عليّ قال: وحدّثني معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جُعْشُم عن سُراقة بن جعشم، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما رأى المشركون أصحاب رسول الله، وَلّ، قد حملوا الذراريّ والأطفال إلى الأوس والخزرج عرفوا أنّها دار مَنَعة وقوم أهل حَلْقة وبأس، فخافوا خروج رسول الله، وَّي، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلّف أحد من أهل الرأي والحِجَى منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم إبليس في صورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصّمّاء في بَتٍّ، فتذاكروا أمر رسول الله، وََّ، فأشار كلّ رجل منهم برأي، كلّ ذلك يردّه إبليس عليهم ولا يرضاه لهم، إلى أن قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كلّ قبيلة من قريش غلاماً نهداً جليداً، ثمّ نعطيه سيفاً صارماً فيضربونه ضريبة رجل واحد، فيتفرّق دمه في القبائل، فلا يدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، قال: فقال النجدي: لله درّ الفتى! هذا والله الرأي وإلّ فلا، فتفرّقوا على ذلك وأجمعوا عليه، وأتى جبريل رسول الله، وَّر، فأخبره الخبر وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة، وجاء رسول الله، وَ﴿، إلى أبي بكر فقال: ((إنّ الله، عزّ وَجَلّ، قَدْ أذِنَ ليَ في الخُرُوجِ))، فقال أبو بكر: الصحابة يا رسول الله؟ فقال رسول الله، وَلَه : ((نَعَمْ))، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي إحدى راحلتيّ هاتين، فقال رسول الله، ◌َ: ((بالثّمَنِ))، وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم من نَعَم بني قُشير، فأخذ إحداهما وهي القصواء، وأمر عليّاً أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، فبات فيه عليّ وَتَغَشّى بُرْداً أحمر حضرميّاً كان رسول الله، وَّر، ينام فيه، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلّعون من صيرٍ الباب ويرصدونه يريدون ثيابه ويأتمرون أيّهم يحمل على المضطجع صاحب الفراش، فخرج رسول الله، بَير، عليهم وهم جلوس على الباب، فأخذ حَفنة من البطحاء فجعل يذرّها على رؤوسهم ويتلو: ﴿يَس وَالقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يَس: ١ -٢]، حتى بلغ: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يَس: ١٠]، ومضى رسول الله، وَلّر. فقال قائل لهم: ما تنتظرون؟ قالوا: محمّداً، قال: خبتم وخسرتم، قد والله مرّ بكم وذرّ على رؤوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرناه! وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وهم: أبو جهل، والحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي مُعَيط، والنضر بن الحارث، وأمّيّة بن خلف، وابن الغيطلة، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عديّ، وأبو لهب، وأُبَيّ بن خلف، ونُبيه ١٧٦ ومنبه ابنا الحجّاج، فلمّا أصبحوا قام عليّ عن الفراش فسألوه عن رسول الله، وَّه، فقال: لا علم لي به، وصار رسول الله، وَل﴿، إلى منزل أبي بكر، فكان فيه إلى الليل، ثمّ خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه، وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، وطلبت قريش رسول الله، وَل*، أشدّ الطلب حتى انتهوا إلى باب الغار، فقال بعضهم: إن عليه العنكبوت قبل ميلاد محمّد، فانصرفوا. أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا عون بن عمرو القيسي أخو رياح القيسي، أخبرنا أبو مُصعب المكّ قال: أدركتُ زيد بن أرقم، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة فسمعتهم يتحدّثون أن النبيّ، وَلَّ، ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبيّ، وَّ ر، فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت على وجهه فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش، من كلّ بطن رجل، بأسيافهم وعِصِيّهم وهِرَاواتهم حتى إذا كانوا من النبيّ، وَّر، قدر أربعين ذراعاً، نظر أوّلهم فرأى الحمامتين فرجع فقال له أصحابه: ما لك لم تنظر في الغار؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد، قال: فسمع النبيّ، وَّر، قوله فعرف أن الله قد درأ عنه بهما، فَسَمّتَ النبيّ، ◌َّز، علیھن وفرض جزاءهن وانحدرن في حرم الله، رجع الحديث إلى الأوّل، قالوا: وكانت لأبي بكر منيحة غنم يرعاها عامر بن فهيرة، وكان يأتيهم بها ليلاً فيحتلبون فإذا كان سَحَرٌ سرح مع الناس. قالت عائشة: وجهّزناهما أحبّ الجهاز، وصنعنا لهما سُفْرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فَأَوْكَت به الجراب، وقطعت أُخرى فصيرته عصاماً لفم القربة، فبذلك سمّيت ذات النطاقين. ومكث رسول الله، وَلاير، وأبو بكر في الغار ثلاث ليال، يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر، واستأجر أبو بكر رجلاً من بني الديل هادياً خرّيتاً يقال له عبدالله بن أُرَيْقط، وهو على دين الكفر، ولكنّهما أمناه، فارتحلا ومعهما عامر بن فُهيرة، فأخذ بهم ابن أريقط يرتجز، فما شعرت قريش أين وَجّه رسول الله، وَل﴾، حتى سمعوا صوتاً من جنّيّ من أسفل مكّة، ولا يُرى شخصُه: جَزَى اللّه رَبُّ النّاس خيرَ جزَائِهِ رَفيقَينِ قالا خَيْمَتَيْ أمّ مَعْبدٍ فقد فازَ مَنْ أمْسی رَفيقَ محَمّدٍ هُمَا نَزَلا بالبِرّ وَارْتَحَلا بِهِ أخبرنا الحارث قال: حدّثني غير واحد من أصحابنا، منهم محمد بن المثنى البزاز وغيره قالوا: أخبرنا محمّد بن بشر بن محمّد الواسطي، ويكنى أبا أحمد ١٧٧ " السكري، أخبرنا عبد الملك بن وهب المذحجي عن الحُرّ بن الصّاح عن أبي معبد الخزاعي أن رسول الله، وَّخر، لما هاجر من مكّة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبدالله بن أريقط الليثي، فمروا بخيمَتَّيْ أم معبد الخزاعيّة، وكانت امرأةٌ جَلْدَةً، بَرْزَة، تحتبي وتقعد بفناء الخيمة، ثمّ تسقي وتُطْعِم، فسألوها تمراً أو لحماً يشترون، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وإذا القوم مُرْمِلُون مُسْنِتُون، فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوَزَكُم القِرَى، فنظر رسول الله، وَلّى، إلى شاةٍ في كِسْر الخيمة فقال: ((مَا هَذِهِ الشّاةُ يَا أمّ مَعْبَد؟)) قالت: هذه شاة خلّفها الجَهْد عن الغنم، فقال: ((هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟)) قالت: هي أجهد من ذلك، قال: ((أَتَأْذَنِينَ لي أنْ أَحْلُبَهَا؟)) قالت: نعم بأبي أنت وأمّي، إن رأيت بها حَلَباً! فدعارسول الله، ◌َالغير، بالشاة فمسح ضرعها وذكر الله وقال: ((اللّهُمّ بَارِكْ لهَا في شاتها!)) قال: فتفاجّت ودَرّتْ واجترّتْ، فدعا بإناء لها يُربض الرهط فحلب فيه ثجّاً حتى غلبه الثُّمَالُ فسقاها فشربت حتى رَوِيت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب، وَلَّ، آخِرَهم وقال: ((سَاقي القَوْمِ آخِرُهُمْ))، فشربوا جميعاً عَلَلَا بعد نَهَلٍ حتى أراضوا، ثمّ حلب فيه ثانياً عوداً على بدء فغادره عندها ثمّ ارتحلوا عنها، فقلّما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزاً حُيّلَا عجافاً هَزْلى ما تَساوَقُ، مُخّهن قليل لا نِقْيَ بهنّ، فلمّا رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت؟ قالت: لا والله إلّا أنّه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كَيْتَ وَكَيْتَ، قال: والله لأراه صاحب قريش الذي يُطلب، صِفيه لي يا أمّ معبد، قالت: رأيتُ رجلاً ظاهر الوضاءة، متبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه تُجْلَة ولم تُزْرِ به صَعْلَة، وسيم قسيم، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وَطَفٌ، وفي صوته صحل، أحور أكحل أزجّ أقرن، شديد سواد الشعر، في عنقه سَطَّع، وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلّم سما وعلاه البهاء وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق، فصل، لا نزر ولا هذر، أجهر الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابث ولا مفْند، قال: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر، ولو كنت وافقته يا أمّ معبد لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، وأصبح صوت بمكّة عالياً ١٧٨ بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقول، وهو يقول: رفيقين حلّ خيمتّْ أمّ مَعْبَدٍ جزى الله ربُّ الناس خير جزائه هما نزلا بالبِرّ وارتحلا به فيالَ قُصَيٍّ ما زوى الله عنكمُ فأفلح مَن أمسى رفيق محمّدٍ به من فَعالٍ لا يُجازَى وسُودَدٍ فإنّكُمُ إن تسألوا الشاة تشهدٍ سلوا أختكم عن شاتها وإنائها له بصريحٍ ضرّةُ الشّاةِ مُزْبِدٍ دعاها بشاة حائل فَتَحَلّبَتْ فغادره رهناً لديها لحالب تدرّ بها في مصدر ثمّ مَوْردِ وأصبح القوم قد فقدوا نبيهم، وأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا النبيّ، ٹ*، قال: فأجابه حسان بن ثابت فقال: وقُدّس من يسري إليهم ويغتدي لقد خابَ قومٌ غابَ عنهم نبيّهم وحلّ على قوم بنور مجدّدٍ تَرَحِّلَ عن قومٍ فزالت عقولهم عمِّى وهداةٌ يهتدونَ بمهتدٍ؟ وَهَلْ يستوي ضُلّال قوم تسلّعوا ويتلو كتاب الله في كلّ مشهدٍ نبيّ يرى ما لا يرى الناس حوله فتصديقها في ضحوة اليوم أو غدٍ فإن قال في يوم مقالة غائب بصحبته، مَن يُسعِدِ الله يَسعدِ ومقعدها للمسلمين بِمَرْصَدِ لِتَهْنَ أبا بكر سعادةُ جَدّه ويَهْنِ بني كعب مكانُ فَتّاتهم قال عبد الملك: فبلغنا أن أم معبد هاجرت إلى النبيّ، وَله، وأسلمت، وكان خروج رسول الله، وَله، من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأوّل فقال يوم الثلاثاء بقُديد، فلمّا راحوا منها عرض لهم سراقة بن مالك بن جُعشم وهو على فرس له، فدعا عليه رسول الله، وَ *، فرسخت قوائم فرسه، فقال: يا محمّد ادعُ الله أن يطلق فرسي وأرجع عنك وأردّ من ورائي، ففعل، فأطلق ورجع فوجد الناس يلتمسون رسول الله، وَله، فقال: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما ههنا وقد عرفتم بصري بالأثر، فرجعوا عنه. أخبرنا عثمان بن عمر عن ابن عون عن عُمير بن إسحاق قال: خرج رسولَ الله، وَله، ومعه أبو بكر فعرض لهما سراقة بن جُعْشُم فساخت فرسه، فقال: يا هَذان ادْعُوَا لِيَ الله ولكما ألّ أعود، فدعوا الله فعاد فساخت فقال: ادعوا ليَ الله ولكما ألّ أعود، قال: وعرض عليهما الزاد والحُملان فقالا: اكفِنا نفسَك، فقال: قد كفيتكماها. ١٧٩ ثمّ رجع الحديث إلى الأوّل، قال: وسَلَك رسول الله، وَّ، في الخرّار ثمّ جاز ثنّة المَرَةِ ثمّ سَلَكَ لَقْفاً ثمّ أجاز مَدْلَجَةَ لَقْفٍ ثمّ استبطن مدلجَة مِجاج ثمّ سلك مَرْجَحَ مِجاج ثمّ بَطْن مرجح ثمّ بَطْن ذات كَشْد ثمّ على الحدائد ثمّ على الأذاخر ثمّ بطن ريغ فصلّى به المغرب ثمّ ذا سَلَمٍ ثمّ أعدا مدلجة ثمّ العُثانية ثمّ جاز بطن القاحة ثمّ هبط العَرج ثمّ سلك في الجدوات ثمّ في الغابر عن يمين رَكُوبَة ثمّ هبط بطن العقيق حتى انتهى إلى الجثجائة، فقال: ((مَنْ يَدُلّنَا عَلى الطّرِيقِ إلى بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ فلا يقرب المدينة؟)) فسلك على طريق الظبي حتى خرج على العُصْبة، وكان المهاجرون قد استبطأوا رسول الله، وَلير، في القدوم عليهم، فكانوا يغدون مع الأنصار إلى ظهر حرّة العصبة فيتحيّنون قدومه في أوّل النهار، فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم، فلمّا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله، وَ#، وهو يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل ويقال لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، جلسوا كما كانوا يجلسون، فلمّا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى بيوتهم، فإذا رجل من اليهود يصيح على أُطُم بأعلى صوته: يا بني قَيْلة هذا صاحبكم قد جاء، فخرجوا، فإذا رسول الله، وَرَ، وأصحابه الثلاثة، فسُمِعَتِ الرّجّة في بني عمرو بن عوف والتكبير، وتلبّس المسلمون السلاح، فلما انتهى رسول الله، وَلَّ، إلى قُباء جلس رسول الله، وَّل ، وقام أبو بكر يُذَكّر الناس، وجاء المسلمون يسلّمون على رسول الله، وَّر، ونزل رسول الله، وَ﴾، على كلثوم بن الهِدْم، وهو الثبت عندنا، ولكنه كان يتحدّث مع أصحابه في منزل سعد بن خيثمة، وكان يسمّى منزل العُزّاب، فلذلك قيل نزل على سعد بن خيثمة . أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أبا بكر الصديق كان رديف النبيّ، وَ ل*، بين مكّة والمدينة، وكان أبو بكر يختلف إلى الشأم فكان يُعْرَف، وكان النبيّ، وَّ، لا يُعْرَف، فكانوا يقولون: يا أبا بكر مَن هذا الغلام بين يديك؟ فقال: هذا يهديني السبيل، فلمّا دنَوَا من المدينة نزلا الحرّة، وبعث إلى الأنصار فجاؤوا فقالوا: قُومَا آمنين مطمئنين، قال: فشهدته يوم دخل المدينة علینا، فما رأيتُ يوماً قطّ كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت قطّ يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات. أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي ١٨٠