النص المفهرس

صفحات 161-180

وأخبرنا أبو إسحاقَ الحَبَّلُ، قال: أخبرنا أبو العبّاس الإشبيليُّ، قال:
حدثنا غُنْدَرٌ، قال: أَنشَدَنا محمدُ بنُ أيوبَ بن حَبِيبٍ بن يَحيى، لهلالِ بنِ
العلاءِ بن هلالٍ [من الوافر]:
أُجِلُكَ عن عِتَابٍ في کِتابِ
أحِنُّ إلى لِقائكَ غَيْرَ أَنِّي
شَفَيتُ غَلِيلَ صَدْري من عِتَابٍ
ونَحنُ إذا التَقَينا قَبْلَ مَوْتٍ
فكمْ مِن عاتِبٍ تحتَ الُّرابِ
وإنْ سَبِقَتْ بِنَا أيْدِي اللَّيَالي
١٨٥ - أحمدُ (١) بنُ محمدِ بن سَعْدِي، أبو عُمَرَ.
فقيهٌ، فاضِل، محدِّثٌ، رحل قبلَ الأربع مئة بمدة، فلقي أبا محمدٍ بنَ
أبي زَيْدٍ بالقَيْرَوان، وأبا بكرٍ محمدَ بنَ عبدِ اللّه الأبهريَّ بالعراق، وغيرهما.
ورجَعَ إلى الأندَلُس وحدَّث، فسَمِعتُ أبا عبدِ الله محمدَ بنَ الفرج بن
عبدِ الوليّ (٢)، الأنصاريَّ، يقول: سَمِعتُ أبا محمدٍ عبدَ اللّه بنَ أبي زَيْدٍ يسألُ
أبا عُمَرَ أحمدَ بنَ محمدِ بن سَعدِي المالكيَّ، عندَ وصُولِه إلى القَیْروانِ من دیارِ
المشرِق، وكان أبو عُمَرَ دخَلَ بَغْدادَ في حياةِ أبي بكرٍ محمدِ بنِ عبدِ الله بنَ
صَالحِ الأبهريِّ، فقال لهُ يومًا: هل حضَرْتَ مجالسَ أهلِ الكلام؟ فقال: بَلَى.
حضَرتُهم مرَّتَيْن، ثُم ترَكتُ مجالسَهم ولم أعُدْ إليها. فقال له أبو محمدٌ: ولمَ؟
فقال: أمّا أولُ مجلس حضَرتُهُ فرأيتُ مجلسًا قد جَمَعَ الفِرَقَ كلَّها: المسلمينَ
من أهلِ السُّنَّة والبِدْعة، والكفارَ منَ المجوس، والذَّهْرية، والزَّنادِقة،
واليهودِ، والنَّصارى، وسائرِ أجناس الكُفْر، ولكلِّ فرقةٍ رئيسٌ يتكلّمُ على
مذهبِه، ويُجادِلُ عنهُ، فإذا جاء رئيسٌ مِن أيِّ فِرقةٍ كان، قامتِ الجماعةُ إليه
قيامًا على أقدامِهم حتى يجلسَ، فيجلسونَ بجُلوسِه، فإذا غصَّ المجلسُ
بأهلِه، ورأَوْا أنهُ لم يبْقَ لهم أحدٌ ينتظرونَه [٤٨ أ]، قال قائلٌ من الكُفّار: قدٍ
أحمد ٣ / ٢١٠، وأبو يعلى (٣٢٣٢)، والطبراني في الدعاء (١٧).
=
(١) ترجمه الضبي في بغية الملتمس (٣٤١).
(٢) في طبعة الشيخ الطنجي وما طبع عنها: ((عبد الله الولي))، وهو تحريف.
جذوة المقتبس م ١١
١٦١

اجتمعتُم للمُناظَرة، فلا يحتجَّ علينا المسلمونَ بكتابِهم، ولا بقولِ نبيِّهم، فإنا
لا نصدِّقُ بذلك ولا نُقِرُّ بِهِ، وإنّما نتَناظَرُ بحُجَج العَقْل، وما يحتملُهُ النظَرُ
والقياس، فيقولونَ: نَعْم، لكَ ذلك.
قال أبو عُمَر: فلمّا سَمِعتُ ذلكَ لم أعُدْ إلى ذلكَ المجلس، ثُم قيلَ لي:
ثَمَّ مجلسٌ آخَرُ للكلام، فذَهبْتُ إليه، فوجَدتُهم على مثلِ سِيرةٍ أصحابِهِم
سواءً، فقَطَعتُ مَجالسَ أهلِ الكلام، فلم أَعُدْ إليها .
فقال أبو محمدٍ بنُ أبي زَيْدٍ: ورَضيَ المسلمونَ بهذا منَ الفِعْلِ والقَوْلِ؟
قال أبو عُمر: هذا الذي شاهَدتُ منهم. فجَعَلَ أبو محمدٍ يتعجَّبُ من ذلكَ،
وقال: ذهَبَ العلماء، وذهَبتْ حُرمةُ الإسلام وحُقوقُه! وكيف يُيحُ المسلمونَ
المُناظَرَةَ بَيْنَ المسلمينَ وبَيْنَ الكفّار؟ وهذا لا يجوزُ أن يُفْعَلَ لأهلِ البِدَع الذين
هُم مسلمونَ ويُقِرُّونَ بالإسلام، وبمحمدٍ عليه السلام، وإنّما يُدْعَى مَن كان
على بِدْعةٍ من مُنتحلي الإسلام إلى الرجوع إلى السُّنةِ والجَماعة، فإن رجَعَ قُبِلَ
منهُ، وإن أبَى ضُرِبَتْ عُنقُه؛ وأمّا الكفّارُ فإنّما يُدعَوْنَ إلى الإسلام، فإن قُبِلوا
كُفَّ عنهُم، وإن أَبَوْا وبَذَلوا الجِزْيَةَ في مَوْضع يجوزُ قَبولُها كُفَّ عنهم، وقُبِلَ
منهم. وأمّا أن يُناظَروا على أن لا يُحتجَّ عليهم بكتابِنا، ولا بِنَبِيِّنا، فهذا لا
يجوزُ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون!
وبَقّيَ أبو عُمرَ بنُ سَعْدي بعدَ الأربع مئةٍ بِمُدّة، فحَذَّثنا عنهُ أبو محمدٍ
عبدُ اللّه بنُ عثمانَ بنِ مَرْوانَ العُمَرِيُّ، وقد رأيتُ أنا سَمَاعَهُ في بعض الكتُبِ
المِصْرية، من أبي محمدٍ عبدِ الرَّحمن بنِ عُمَرَ ابنِ النحّاس المصريِّ سنةَ تسع
وأربع مئة، بخطّ أبي محمدٍ ابن النحّاس، فدَلَّ على أنهُ عَدَ إلى مِصرَ بعدَ تلك
الرِّحلةِ القديمة أيامَ الفتنِ الكائنةِ بالمغرب.
١٨٦ - أحمدُ(١) بنُ محمدٍ بن دَرَّاج، أبو عُمَرَ الكاتبُ، المعروفُ
(١) ترجمته مشهورة، وديوانه مطبوع منتشر مشهور، حققه العلامة الدكتور محمود مكي
وطبع بدمشق سنة ١٩٦١م، فممن ترجمه الثعالبي في اليتيمة ٢ / ١٠٣، وابن بسام=
١٦٢

بالقَسطَليِّ، نُسِبَ إلى مَوضع هناك يُعرَفُ بِقَسطَلِةِ دَرَّاج.
كان [٤٨ ب] كاتبًا مَّن كتّابِ الإنشاءِ في أيام المنصُورِ أبي عامرٍ، وهُوَ
مَعْدودٌ في جُملةِ العلماءِ والمقدَّمَيْنَ منَ الشُّعراء،َ والمذكورينَ منَ الْبُلَغاء،
وشِعرُهُ كثيرٌ مَجموٌ يدُلُّ على علمِه. ولهُ طريقةٌ في البلاغة والرسائلِ تدُلُّ على
اتساعه وقوَّته .
وأولُ مَن مَدَحَ منَ الملوكِ فالمنصُورُ أبو عامرٍ محمدُ بنُ أبي عامر، مدبٌِّ
دَوْلةِ هشام المؤيَّد، وأولُ شعرِ مَدَحُه به فقولُه يُعَارضُ أبا العلاءِ صاعدَ بنَ
الحَسَن اللُّغويَّ بقصيدةٍ أولُها: [َمن الطويل]
عن الدَّنِفِ المُضْنَى بِحَرِّ هَوَاهَا
أضاء لها فجْرُ التُّهَى فَنَهَاها
وقد كان يَهدیها إليَّ دُجاها
وضَلَّلها صُبْحٌ جَلاَ ليلةَ الدُّجَى
وهيَ طويلةٌ مُستحسَنةٌ، فساء الظنُّ بَجوْدةٍ ما أتَى به منَ الشِّعر، واتُّهِمَ
فیه .
وكان للشُّعراءِ في أيام المَنصُورِ أبي عامرٍ ديوانٌ يُرزَقُونَ منهُ على
مَراتِبهم، ولا يُخِلُونَ بالخدمةِ بَالشِّعرِ في مَظانِّها، فسُعِيَ بِهِ إلى المنصُور، وأنه
مُنتحِلٌ سارِقٌ لا يَستحِقُّ أن يُثْبَتَ في ديوانِ العطاء، فاستَحضَرَهُ المنصورُ عَشِيَّ
يوم الخميس، لثلاثٍ من شوّالِ سنَةَ اثنتَيْنِ وثمانينَ وثلاث مئة، واختبَرَهُ
واقترَحَ عليه، فبرَّزَ وَسَبق، وزالَتِ التُّهمةُ عنه، فوصَلَه بمئة دينار، وأجرى عليه
في الذخيرة ١ / ٥٦ - ٨٥، وابن بشكوال في الصلة (٧٧)، والضبي في بغية
الملتمس (٣٤٢)، وياقوت في معجم البلدان ٤ / ٣٤٧، وابن دحية في المطرب
١٤٥، وابن خلكان في وفيات الأعيان ١ / ١٣٥، وابن سعيد في المغرب ٢ / ٦٠،
والذهبي في تاريخ الإسلام ٩ / ٣٥٩، وسير أعلام النبلاء ١٧ / ٣٦٥ و٥٠٠،
والعبر ٣ / ١٤٢، وابن فضل اللّه في مسالك الأبصار ١١ / ٢٠١، والصفدي في
الوافي ٨ / ٤٩، وابن تغري بردي في النجوم ٤ / ٢٧٢، وابن العماد في الشذرات
٣ / ٢١٧ وغيرهم.
١٦٣

الرِّزقَ، وأثبتَهُ في جُملةِ الشُّعراء، ثُم لم يَزَلْ يُشْهَرُ ويَجُودُ شِعرُهُ(١) فيما بعدُ.
وفي ذلكَ المجلس، بيْنَ يدَي المنصورِ أبي عامرِ محمدِ بنِ أبي عامر،
قال القصيدةَ المشهورة التي أولُها: [َمن البسيط]
وعَطْفُ نُعماكَ للحَظِّ الذي انْقلبَا
حَسْبي رِضاكَ منَ الدَّهْرِ الذي عَتَبَا
وهيَ طويلةٌ حَسنة، كرَّرَ(٢) فيها المعنى الذي استُحضِرَ من أجلِه،
وتكذيبَ الدَّعْوى التي قُذِفَ بها، ومنها:
فاسْتدعَتِ القوْلَ ممَّن ظَنَّ أو حَسِبًا
ولسْتُ أوَّلَ مَن أَعْيَتْ بدائِعُهُ
[٤٩ أ] إنَّ امْرأَ القَيس في بَعْضٍ لِمُتَّهَمٌّ
والشِّعْرُ قد أسَرَ الأعْشى وقَيَّدَهُ
وكَيفَ أظْما وبَحْري زاخِرٌ فِطَنًا(٣)
فإنْ نَأَى الشَّكُ عنِّي أو فَهَا أَنذَا
عَبْدٌ لنُعماكَ فِي فَكَّيهِ نَجْمُ هُدَى
إِنْ شِئْتَ أمْلَى بَديعَ الشِّعرِ أو كَتَبًا
كروْضَةِ الحَزْنِ أهدى الوَشْيَ مَنْظَرُها
أو سابِقِ الخَيلِ أعطى الحضْرَ مُتَّتِدًا
وفي يَدَيْه لواءُ الشِّعرِ إنْ رَكِبَا
دهرًا وقد قيلَ: والأعشى إذا شَرِبًا
إلى خَيالٍ منَ الضَّحْضاح قد نَضَبَا
مُهَيَّأْ لجَليِّ الخُبْرِ مُرْتَقِبَا
سارٍ لِمَدْحِكَ يَجْلُو الشَّكَّ والرِّيَبَا
أو شِئْتَ خاطَبَ بالمَنْثُورِ أو خَطَبَا
والماءَ والزَّهْرَ والأنْوارَ والعُشُبَا
والشَّدَّ والكَرَّ والتَّقْرِيبَ والخَيَبَا
وأكثرُ ما حكَيْنا مِن هذا، فعن أبي محمدٍ عليٍّ بنِ أحمدَ بنِ سَعيدٍ الفقيه.
وأخبرني أنّ المنصُورَ أبا عامر، لمّا فَتَحَ شَنْتَ ياقُب(٤)، أو غيرَها منَ
القِلاع الحَصِينة، التي يقالُ: إنَّ أحدًا لم يصِلْ إليها قبْلَهُ، استُدعيَ أبو عُمَرَ
أحمدُ بنُ محمدٍ بن دَرّاج، وأبو مَرْوانَ عبدُ الملِكِ بنُ إدريسَ المعروفُ بابنِ
(١) في طبعة الشيخ الطنجي: ((يَسْهر ويُجَوِّدُ شعرَهُ)).
(٢) قرأها الشيخ الطنجي: ((عَدّد))، وما أثبتناه من الأصل الخطي وما نقله الضبي في بغية
الملتمس .
(٣) قرأها الشيخ الطنجي: ((مطنًا)) وعَّق في الهامش قائلاً: كذا بالأصل.
(٤) معجم البلدان ٣ / ٣٦٨.
١٦٤

الجَزِيريِّ، وأُمرا بإنشاءِ كُتُبِ الفتح إلى الحَضْرةِ، وإلى سائرِ الأعمال. فأمّا ابنُ
الجَزيريِّ فقال: سَمْعًا وطاعة. وأمّا ابنُ دَرّاج فقال: لا يتِمُّ لي ذلكَ في أقلّ من
يومَيْنِ أو ثلاثة، وكان معروفًا بالتنقيح والتجويدِ والتَّؤُدة. فخرَجَ الأمْرُ إلى ابنِ
الجَزيريِّ بالشروع في ذلك، فجلَسَ في ظِلِّ السُّرادِقِ ولم يَبَرَحْ حتّى أكمَلَّ
الكَتْبَ في ذلك، وقيلَ لابن دَرَّاج: افعَلْ ذلكَ على اختيارِك، فقد فُسحَ لكَ
فيه. ثُم جاء بعدَ ذلك بنُسخةِ الفَتْحِ. وقد وصَفَ الغَزَاةَ من أوّلِها إلى آخِرِها،
ومشاهدَ القتال، وكيفيةَ الحال، بأحسنٍ وَصْف، وأبدع رَصْف، فاستُحسِنت،
ووقَعَ الإعجابُ بها، ولم تَزَلْ مَنقولةً مَتداوَلةً إلى الآن، وما بقيَ من نُسَخِ ابنِ
الجَزِيريِّ في ذلك الفتح على كثْرتِها عَيْنٌ ولا أثر.
ومن مُذهَّبَاتِ أشعارِهِ في ذي الرِّيَاستَيْنِ [٤٩ ب] مُنذرِ بنِ یحیی صاحبٍ
سَرَ قُسطةَ قصيدةٌ طويلةٌ، أوَّلُها: [من الكامل]
واجْرُرْ ذُيُولَكَ في مَجَرِّ ذَوائِي
قُلْ للرَّبيعِ اسْحَبْ مُلاءَ سَحائبي
مَدَدًا إليكَ بفَيْض دَمْعِ ساكِبٍ
فاجْعَلْه سَقْيَ أحِبَّتِي وَحَبَائبي
عنِّي بمثلٍ جَوَانِحي وتَرائبي
زَهْرًا يُخبِّرُ عنكَ أنكَ كاتِبي
لا تَكْذِبَنَّ ومِنْ وَرائكَ أدْمُعي
وامزُجْ بِطِيبٍ تحيََّي غَدَقَ الحَيَا
واجْنَحْ لقُرْطبةٍ فعانِقْ تُرْبَها
وانشُرْ على تلك الأباطح والرُّبَا
ولهُ من أُخرى [من الطويل]:
ويا لَكِ مِن ذِكْرَى سَناءً ورِفْعةً
وفاحَتْ ليالي الدَّهْرِ مِنِّيَ مَيًِّا
وكان ضَياعي حَسْرَةً وَتَنْدُّمًا
وأصبحتُ في دارِ الغِنَىَ عن ذَوي الغِنَى
إذا وَضَعوا في الثُّرْبِ أَيْمَنَ شِقَّيًّا
فأخْزَيْنَ أيامًا دُفِنتُ بها حَيًّا
إذا لم يُقِدْ شيئًا ولم يُغْنِي شَيًّا
وعُوِّضْتُ فاستقبَلْتُ أسعدَ يَوْمَيًّا
أخبرني أبو عبدِ اللّه مالكُ بنُ محمدٍ بن عَمْروس التُّجِيبيُّ، أن بعضَ
الأدباءِ أرسَلَ إلى أبي عُمرَ القَسْطَيِّ بأبياتٍ لُغز، وسألهُ أن يُفسِّرَها، فلم يُتُعِبْ
خاطرَهُ فيها، وكتَبَ على ظهرِ الرُّقعةِ بديهةً [من الوافر]:
١٦٥

فليسَ إلى تَعَرُّفِها سَبِيلٌ
إذا شَذَّت عن العَرَبِ المَعانِي
وما يَحوبِهِ هذا الدَّهْرُ أنْأى
ورُبََّمَا بِطُولِ الفِكْرِ يَدْرِي
وأبعدُ مِن شَبا فِكْرٍ يَجُولُ
ولكنْ عاجَلَ الفِكْرَ الرَّسُولُ
وأنشَدَني لهُ أبو جَعْفرٍ بنُ البين بالمَرِيَّةِ، في الأميرِ مُنذِرِ بنِ يحيى التُّجيبيِّ
صاحبٍ سَرَ قُسطةَ [من الكامل]:
وسَلُوا لِساني عن مَكارمِ مُنْذِرٍ
يا عاكفينَ على المُدام تَنَبَّهُوا
كرمًا لَجادَ بها ولم يَتَعذَّرِ
مَلِكٌ لوِ اسْتْهَبْتَ حَبَّةَ قَلْبِهِ
سَمِعتُ أبا محمدٍ عليّ بنَ أحمدَ، وكان عالمًا بنَقْدِ الشِّعر، يقولُ: لو
قلتُ: [٥٠ أ] إنهُ لم يكنْ بالأندَلُس أشعَرُ منَ ابنِ درَّاج لم أُبعِد.
وقال مرةً أخرى: لو لم يكُنْ لنا من فُحولِ الشُّعراءِ إلا أحمدُ بنُ درَّاج لمَا
تأخّرَ عن شأوٍ حبيبٍ والمتنِّي(١).
ماتَ أبو عُمَرَ ابنُ درَّاج قريبًا منَ العشرينَ وأربع مئة.
١٨٧ - أحمدُ(٢) بنُ محمدِ بنِ عبدِ اللّه المُقْرِىُّ الطَّلَمَنْكيُّ، أبو عُمَرَ.
محدِّث منسُوبٌ إلى بلدِهِ، وكان إمامًا في القراءاتِ مَذْكورًا، وثقةً في
الرِّوايةِ مَشْهورًا.
(١) ذكر ابن حزم هذا في رسالته في فضل الأندلس، فينظر نفح الطيب ٣ / ١٧٨ .
(٢) ترجمه القاضي عياض في ترتيب المدارك ٨ / ٣٢، وابن بشكوال في الصلة (٩٢)،
والضبي في بغية الملتمس (٣١٧)، وياقوت في معجم البلدان ٤ / ٣٩، والذهبي في
تاريخ الإسلام ٩ / ٤٥٦، وسير أعلام النبلاء ١٧ / ٥٦٦، وتذكرة الحفاظ
٣ / ١٠٩٨، والعبر ٣ / ١٦٨، ومعرفة القراء ١ / ٣٨٥، والصفدي في الوافي
٨ / ٣٢، وابن فرحون في الديباج ١ / ١٧٨، وابن الجزري في غاية النهاية
١ / ١٢٠، والمقريزي في المقفى ١ / ٣٦٦، وابن تغري بردي في النجوم
٥ / ٢٨، والسيوطي في طبقات المفسرين ٥، والداودي في طبقات المفسرين
١ / ٧٧، وابن العماد في الشذرات ٣ / ٢٤٣.
١٦٦

رحَلَ، فسَمعَ أبا بكرٍ محمدَ بنَ يحيى بن عمّارِ الدِّيَاطِيَّ صاحبَ أبي بكرٍ
ابنِ المُنذر، وأبا الطيِّب عبدَ المُنِعمِ بنَ عُبيدِ اللّه بن غَلْبون، وأبا بكرٍ محمدَ بنَّ
عليٍّ بنِ أحمدَ المعروفَ بابنِ الأُدفُوِيِّ، وغيرَهم. وسَمعَ بالأندَلُسَ محمدَ بنَ
أحمدَ بن يحيى بن مُفرِّج القاضيَ، وأبا جَعْفرِ أحمدَ بنَ عونِ اللّه، وطبقتَهما.
ماتَ بعدَ العشرينَ وأربع مئة .
رَوَى عنهُ أبو محمدٍ ابنُ حَزْم، وأبو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرّ، وجماعةٌ.
١٨٨ - أحمدُ(١) بنُ محمدِ بنِ عِيسَى البَلَويُّ، أبو بكرٍ، المعروفُ بابنِ
المِيْراثيّ، يُلقَّبُ: غُنْدَرَ(٢).
محدِّثٌ حافظ؛ حدَّث بالأندَلُس عن أبي عثمانَ سعيدِ بنِ نَصْرِ المعروفِ
بابنِ أبي الفَتْحِ مَوْلى الأميرِ عبدِ الرَّحمن بنِ محمد، وعن أبي الفضل أحمدَ بنِ
قاسِم بن عبدِ الرَّحمن التاهَرْتِيِّ البزَّاز.
سَمِعَ منهُ بالأندَلُس أبو العبّاس أحمدُ بنُ عُمَرَ بنِ أنس العُذْرِيُّ، وحدَّث
عنه(٣).
١٨٩ - أحمدٌ(٤) بنُ محمدٍ، أبو العباس المَهْدَويُّ المغربيُّ، أصلُهُ من
(١) ترجمه ابن بشكوال في الصلة (٨٩)، والضبي في بغية الملتمس (٣٤٨)، والذهبي
في تاريخ الإسلام ٩ / ٤٣٤، والصفدي في الوافي ٨ / ٧٥.
(٢) الذي لقبه بذلك هو شيخه المحدث عبد الغني بن سعيد الأزدي تشبيهًا له بمحمد بن
جعفر غندر صاحب شعبة بن الحجاج، كما ذكر ابن بشکوال.
(٣) لم يذكر المؤلف مولده ووفاته، وذكرهما ابن بشكوال نقلاً عن ابن خزرج تلميذه،
قال: ((توفي في حدود سنة ثمان وعشرين وأربع مئة، وكان مولده سنة خمس وستين
وثلاث مئة)) (الصلة، رقم ٨٩).
(٤) ترجمه ابن بشكوال في الصلة (١٨٨) وسَمّاه: ((أحمد بن عَمّار بن أبي العباس
المهدوي المقرئ))، وتبعه على ذلك القفطي في إنباه الرواة ١ / ٩١، والذهبي في
تاريخ الإسلام ٩ / ٥٩٨، والصفدي في الوافي ٧ / ٢٥٧، وابن الجزري في غاية =
١٦٧

المَهْدية، من بلادِ القَیروان.
ودخَلَ الأندَلُسَ في حُدودِ الثلاثينَ وأربع مئةٍ أو نحوِها. وكان عالمًا
بالقراءاتِ والأدب، متقدِّمًا. ذكَرَهُ لي بعضُ أهلِ العلم بالقراءات، وأثنَى
عليه .
وأنشَدَني له في ظاآت القرآن [من الكامل]:
فِظَلِلْتُ أُوقِظُها لكاظِمٍ غَيظِها
ظَنَّت عَظيمَةُ ظُلمَنا من حَظُّها
ظَمَانَ أنتظرُ الظُّهورَ لوَعْظِها
وظَعنْتُ أَنظُرُ في الظَّلام وظِلِّهِ
لأُظاهِرَنَّ لحظُّها ولحِفْظِها
ظَهرِي وظُفْري ثُمٍ عَظمي في لظَّى
ظفرٌ لدى غِلَظِ القلوبِ وفَظُّها
[٥٠ ب] لفظي شُواظٌ أو كشَمس ظهيرةٍ
١٩٠ - أحمدُ (١) بنُ محمدٍ الخَوْلانيُّ، المعروفُ بابنِ الأَبَّار، أبو
جَعْفر.
شاعرٌ من شُعراءِ إشبيلِيَةَ، كثيرُ الشِّعر، أنشَدَني له أبو محمدٍ عليُّ بنُ
أحمدَ من قصيدةٍ في الرئيس أبي الوليدِ إسماعيلَ بنِ حَبِيب، يُعزِّيِهِ عن جارِيةٍ
ماتَتْ عندَهُ، ويُهنِّئُهُ بمولودٍ وُلِدَ لهُ [من الكامل]:
مُتَفضِّلاً بالعُذْرِ لمَّا أذْنَبَا
أوَ ما رَأيتَ الدَّهْرَ أقبَلَ مُعْتِبَا
النهاية ١ / ٩٢، والسيوطي في بغية الوعاة ١ / ٣٥١. أما الضبي في البغية فذكره
=
كما هنا لأنه يقتصر عادة على ما في الجذوة. وذكره ياقوت في معجم الأدباء
٢ / ٥٠٨ وسماه: ((أحمد بن محمد بن عمار بن مهدي بن إبراهيم المهدوي)) ونقل
عن الحميدي! على أن الناسخ ضبّب على ((محمد)) وكتب في الحاشية ((هو أحمد بن
عَمّار التميمي)).
(١) ترجمه ابن بسام في الذخيرة ٢ / ١٠٧ - ١٢٥، والضبي في بغية الملتمس (٣٥٢)،
وابن خلكان في وفيات الأعيان ١ / ١٤١، وابن سعيد في المغرب ١ / ٢٤٣،
والذهبي في تاريخ الإسلام ٩ / ٥٢٤، وابن فضل الله في المسالك ١١ / ٤١٨،
والصفدي في الوافي ٨ / ١٣٧ .
١٦٨

واليوم أطْلَعَ في سَمائكَ كَوْكَبًا
بالأمس أذْوَى في رِيَاضِكَ أَيْكَةً
كان حيًّا في حدودِ الثلاثينَ وأربع مئة.
١٩١ - أحمدُ(١) بنُ محمدِ الجَيَّانيُّ، المعروفُ بتَيْس الجِنّ.
شاعرٌ خَليع، يَجري في وَصْفِ الخَمْرِ مَجرَى أبي عليٍّ الحسَنِ بنِ هانئْ،
لم أجِدْ من شعرِهِ شيئًا إلا فيها، ومنهُ قولُه [من الخفيف]:
قد مَضَى وانْقَضَى ذِمَامُ الصِّيَامِ
امزجي يا مُدَامُ كَأْسَ المُدَامِ
غَيْرَ دِينِ الصِّبَا ودِينِ المُدَامِ
وأبَى العِيدُ أن نَدِينَ بِدِينَ
بَيْنَ غَضِّ البَهَارِ والنَّمَّامِ
حَبَّذا مَيْتةٌ تَعُودُ حَيَاةً
١٩٢ - أحمدُ(٢) بنُ محمدِ بن أحمدَ بن بُرْد، مَوْلى أحمَدَ بنِ
عبدِ الملِكِ بنِ عُمَرَ بنِ محمدِ بن شُهَيْد، أبو حَفْص الكاتبُ.
مليحُ الشِّعر، بَلَيغُ الكتابة، من أهلِ بيتِ أدبٍ وَرِياسة. له رسالةٌ في
السَّيفِ والقَلَم والمُفاخَرةِ بينَهما، وهُوَ أُولُ من سبَقَ إلى القولِ في ذلك
بالأندَلُس.
وقد رأيتُهُ بالمَرِيَّة بعدَ الأربعينَ وأربع مئة، زائرًا لأبي محمدٍ عليٍّ بنِ
أحمدَ غيرَ مرَّة.
ومن شعرِه [من الطويل]:
كِمَامَيْهِ عن نُؤَارِهِ المُخْضَلِ النَّدِي
تَأْمَّلْ فقد شَقَّ البَهارُ مُغلِّسًا
على أذْرُع مَخْرُوطةٍ من زَبَرْجَدِ
مَداهِنَ تِبْرٍ في أناملٍ فِضَّةٍ
(١) ترجمه الضبي في بغية الملتمس (٣٥٣).
(٢) ترجمه ابن خاقان في مطمح الأنفس ٢٤، وابن بسام في الذخيرة ١ / ٣٧٤، والضبي
في بغية الملتمس (٣٥٤)، وياقوت في معجم الأدباء ٢ / ٥٠٩، وابن سعيد في
المغرب ١ / ٨٦، وابن فضل اللّه في مسالك الأبصار ٨ / ٣١١، والصفدي في
الوافي ٧ / ٣٥٠. وله ذكر في نفح الطيب ١ / ٤٢٤ و٣ / ١٩٧، ٢٩٣، ٥٤٥،
٥٤٦، ٦١٠ و٥ / ٦٠١.
١٦٩

ومنهُ [من مجزوء الكامل]:
لمَّا بَدَا في لازوَرْ
[٥١ أ] كَبَّرتُ مِن فَرْطِ الجَما
فأجابَني لا تُنْكِرَنْ
ومن شعرِه [من الكامل]:
قَلْبي وقَلبُكَ لاَ محالةَ واحدٌ
فَتَعالِ فَلْنُغِظِ الحَسُودَ بَوصْلِنا
دِيِّ الحَرِيرِ وقَدْ بَهَرْ
لِ وقُلتُ: ما هذا بَشَرْ
ثَوبَ السَّماءِ على القَمَرْ
شَهِدَتْ بذلكَ بينَنا الألحاظُ
إِنَّ الحَسُودَ بمثلِ ذاك يُغاظُ
آخِرُ الجُزءِ الثالثِ منَ الأصل
١٧٠

[الجزء الرابع](١)
١٩٣ - أحمدُ(٢) بنُ إبراهيمَ بن عَجَتَّسَ بن أسْبَاطِ الزَّبَادِيُّ، بالباءِ
المعجمة بواحدة.
محدِّثٌ أندَلُسيٌّ، يُكْنَى أبا الفَضلِ. والزَّبَادُ: ولدُ كَعْبٍ بن حُجْر بن
الأسودِ بن الكَلاَع. ماتَ سنةَ اثنتَيْنٍ وعشرينَ وثلاث مئة. ولهُ أخُ اسمُهُ:
عبدُ الرَّحمن، ذكَرَهما أبو سعيدِ المِصَرِيُّ(٣).
١٩٤ - أحمَدُ(٤) بنُ إسماعيلَ بن دُلَيْم، أبو عُمَرَ القاضي الجَزيريُّ(٥).
سَمعَ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ الخَلَّص، وغيرَه. سَمِعنا منهُ.
ماتَ قبْلَ الأربعينَ وأربع مئة.
١٩٥ - أحمدُ(٦) بنُ أفلَحَ، أبو عُمَر، مَوْلَی حبيب.
قال لي أبو محمدٍ عليُّ بنُ أحمدَ: وقد رأيتُهُ، وكان محدّثًا، أديبًا،
(١) ما بين الحاصرتين زيادة منا للتوضيح.
(٢) ترجمه ابن الفرضي في تاريخه ١ / ٧٤ (١٠٠)، وابن ماكولا في الإكمال
٤ / ٢١١، والقاضي عياض في ترتيب المدارك ٥ / ٢٥١، والضبي في بغية
الملتمس (٣٧٤)، وياقوت في معجم البلدان ٥ / ٣٧٧، والذهبي في تاريخ الإسلام
٧ / ٤٥٣، وابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ٤ / ٣٢٥، والسيد الزبيدي في
((زيد)) من تاج العروس.
(٣) ينظر المجمّع من تاريخ ابن يونس ٢ / ١٩ .
(٤) ترجمه ابن ماكولا في الإكمال ٣ / ٣٣٠، وابن بشكوال في الصلة (١٠٨)، والضبي
في بغية الملتمس (٣٧٧).
(٥) هو من جزيرة ميورقة على ما ذكره ابن بشكوال.
(٦) ترجمه ابن بشكوال في الصلة (٢٦)، والضبي في بغية الملتمس (٣٧٩)، والذهبي
في المتوفين قبل الأربع مئة من تاريخ الإسلام ٨ / ٨٢٥، وله شعر في نفح الطيب
٤ / ٠١١
١٧١

شاعرًا، مَقبولاً في الشَّهادةِ عندَ الحُكّام. وأنشَدَني من شعرِه [من البسيط]:
كما شَقِيتُ به إذْ كان مُقْترِبًا
يا مَن شَقِيتُ على بُعْدِ الدِّيارِ بِهِ
بالبَيْنِ قلبي وقبْلَ البينِ قد ذهَبَا
ما أسْتريحُ إلى حالٍ فَأَحْمَدَها
فلا قَضَيْتُ إذَا من حُبُّكمْ أرَبَا
إن كان لي أرَبٌ في العَيش بَعدَكُمُ
١٩٦ - أحمدُ(١) بنُ أبانِ بن سِيدِ اللُّغويُّ.
روَى عن أبي عليٍّ إسماعيلَ بنِ القاسِم القاليِّ. رَوَى عنهُ أبو عُمَرَ يوسُفُ
ابنُ عبدِ الله بن خَيْرُونَ الأديبُ النَّحْوَيُّ. قالهُ لي أبو الحَسَنِ العابِدُّ (٢).
١٩٧ - أحمدُ(٣) بنُ بَقِيِّ بن مَخْلَدٍ، يُكْنَى أبا عُمَرَ، وقيلَ: أبو
عبدِ اللّه، قاضي الجماعةِ بالأندَلُس.
محدِّثٌ، ماتَ بها سنةَ أربع وعشرينَ وثلاث مئة، في أيامِ الأميرِ
عبدِ الرَّحمن الناصِر.
(١) ترجمه ابن بشكوال في الصلة (٦)، والضبي في بغية الملتمس (٣٨٠)، وياقوت في
معجم الأدباء ١ / ١٦٤، وابن القفطي في إنباه الرواة ١ / ٣٠، والصفدي في الوافي
٦ / ١٩٨، والسيوطي في بغية الوعاة ١ / ٢٩١، والمقري في نفح الطيب
٣ / ١٧٢، وسيأتي في المبهمات من هذا الكتاب (رقم ٩٦٥).
(٢) لم يذكر المؤلف وفاته، وقال ابن حيان، فيما نقله ابن بشكوال عنه: (قرأت بخط
القاضي أبي الوليد ابن الفرضي ونقلته منه، قال: توفي أبو القاسم بن سيد صاحب
الشرطة سنة اثنتين وثمانين وثلاث مئة، ولم يذكره أبو الوليد في تاريخه)) (الصلة،
رقم ٦).
(٣) ترجمه الخشني في قضاة قرطبة ١٦٣، وفي أخبار الفقهاء (١٧)، وابن الفرضي في
تاريخه ١ / ٧٥ (١٠٣)، والقاضي عياض في ترتيب المدارك ٥ / ٢٠٠ - ٢٠٩،
وابن الجوزي في المنتظم ٦ / ٢٨٣، والضبي في بغية الملتمس (٣٨٥)، والذهبي
في تاريخ الإسلام ٧ / ٤٨٥، وسير أعلام النبلاء ١٥ / ٨٣، والعبر ٢ / ٢٠٠،
والصفدي في الوافي ٦ / ٢٦٦، وابن فرحون في الديباج ١ / ١٧٠، وابن العماد في
الشذرات ٢ / ٣٠١ وغيرهم.
١٧٢

١٩٨ - أحمدُ (١) بنُ بِشْرِ بن محمدٍ بن إسماعيلَ [٥١ ب] بنِ بِشرٍ
التُّجِيبيُّ، أبو عُمر، يُعرَفُ بابنِ الأغبس.
محدِّثٌ، أندلسيٌّ، مات بها سنةَ سبع وعشرينَ وثلاث مئة.
١٩٩ - أحمدُ(٢) بنُ بُرْد، أبو حَفْص الوزيرُ، جَدُّ أحمدَ بنِ محمدٍ
الكاتبِ، الذي أدرَكْناهُ، وقد ذكَرَناهُ(٣).
كان ذا حظًّ وافرٍ من الأدبِ والبلاغةِ والشِّعر، رئيسًا مُقدَّمًا في الدولةِ
العامِريّةِ وبعدَها.
قال لي أبو محمدٍ عليُّ بنُ أحمد: ماتَ سنةَ ثمانٍ عشْرةَ وأربع مئة.
٢٠٠ - أحمدُ(٤) بنُ تَلِيدِ الکاتبُ .
أندَلُسيِّ شاعرٌ أديب، ذكَرَهُ أبو محمدٍ عليٌّ بنُ أحمد، ومن شعرِه [من
السريع]:
(١) ترجمه الخشني في أخبار الفقهاء (١٦)، والزبيدي في طبقاته ٢٨٢، وابن الفرضي
في تاريخه ١ / ٧٥ (١٠٢)، والقاضي عياض في ترتيب المدارك ٥ / ٢١٠،
والضبي في بغية الملتمس (٣٨٦)، وياقوت في معجم الأدباء ١ / ٢٠٤، والقفطي
في إنباه الرواة ١ / ٣٣، والذهبي في تاريخ الإسلام ٧ / ٥٢٨ نقلاً من ابن الفرضي،
ثم أعاده في ٧ / ٥٤٣ نقلاً من القاضي عياض، والصفدي في الوافي ٦ / ٢٦٥،
وابن فرحون في الديباج ١ / ١٥٧، والسيوطي في بغية الوعاة ١ / ٢٩٨ .
(٢) ترجمه ابن خاقان في المطمح ٢٧، وابن بسام في الذخيرة ١ / ٩٠ - ١٠٤، وابن
بشكوال في الصلة (٧٤)، والضبي في بغية الملتمس (٣٨٧)، والذهبي في تاريخ
الإسلام ٩ / ٢٩٠، وابن فضل اللّه في مسالك الأبصار ١٣ / ٥١، والصفدي في
الوافي ٦ / ٢٦٣.
(٣) الترجمة ١٩٢.
(٤) ترجمه الضبي في بغية الملتمس (٣٨٩)، وأظنه هو الذي ذكره الصفدي في الوافي
٦ / ٢٨١ ونقل ترجمته عن أبي سعيد حرقوص وساق له ستة أبيات من الشعر غير
هذه. وله شعر في نفح الطيب ٤ / ١١ .
١٧٣

والحُرُّ لا يَحتملُ الذُّلاً
لَمْ أرْضَ بالذُّلِّ وإنْ قَلَّ
صارَ إلى العِزَّةِ فاحْوَلاً
يا رُبَّ خِلِّ كان لي خامِلٍ
ووَصْلَه لم أرَهُ حِلاَّ
حَرَّمْتُ إلمامتي على بابِهِ
يومًا على مُستثقَلٍ كَلاَ
تأْبَى عَليَّ النَّفْسُ من أن أُرَى
٢٠١ - أحمدُ (١) بنُ جَهْوَر.
شاعرٌ أديبٌ في الدَّولةِ العامِريّة، كتَبْتُ من شعرِهِ أبياتًا إلى الحاكم
الخطيبِ أبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ محمدِ الشَّرَفيِّ، معَ هديّةٍ ألغَزَ بذِكْرِها، وهي
[من السريع]:
مَتى أردتَ الوَضْعَ منها تَلِدْ
عَذْراءُ حُبْلَى مِن بَناتِ عَدَدْ
وهْيَ على ذلك تُبْدِي الجَلَدْ
يُشَقُّ عن أولادِها جِلدُها
حِلٌّ بهِ يُشْفَى غَليلُ الكمَدْ
دَمُّ التُّقَى يَخْرُجُ من بَطْنِها
أُمْ حَلالٌ قتلُها والولَدْ
ما إِنْ رَأينا قَلبَها مثلَها
قليلَهُ من شاكرٍ، لو وَجَدْ
أرسَلْتُ منها عَددًا فاستَجِزْ
أوليْتَهُ مِن نِعَمِ لا تُحَدْ
لأرسَلَ الدُّنيا وقلَّتْ لِمَا
٢٠٢ - أحمدُ(٢) بنُ الحُباب، أبو عُمَرَ.
قُرطُبيٍّ، من أهلِ العربيّةِ والأدب، كان أُستاذًا مقدَّمًا؛ أخبرني أبو محمدٍ
عليُّ بنُ أحمَدَ وغيرُه، أنهُ كان [٥٢ أ] معَ حِذْقِهِ بالأدب، وتصرُّفِه في العربيّة،
شديدَ الغَفْلةِ في غيرِ ذلكَ من أمورِهِ، وكان حيًّا في الدولةِ العامِريّة، وقد رأيتُ
لهُ روایةً عن یحیی بنِ مالكِ بنِ عائذ.
٢٠٣ - أحمدُ(٣) بنُ حَبْرُونَ، بالحاءِ المهمَلةِ والباءِ المعجَمةِ بواحدة.
ترجمه الضبي في بغية الملتمس (٣٩١).
(١)
(٢) ترجمه الضبي في بغية الملتمس (٣٩٢).
(٣) ترجمه ابن بشكوال في الصلة (٣٢)، والضبي في بغية الملتمس (٣٩٣)، كلاهما=
١٧٤

من أهلِ العِلم والأدبِ والجَلالة، كان في أيام الدَّولةِ العامِريّة. ذكَرَهُ أبو
محمدٍ عليٌّ بنُ أحمد، وقد تقَدَّمَ لهُ ذكْرُ أبياتٍ عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ مَسَرّة.
٢٠٤ - أحمدُ(١) بنُ خازِمِ المعَافِرِيُّ، بالخاءِ المعجَمة.
مِصريٌّ، انتقَلَ إلى الأندَلُس وماتَ بها. حدَّث عن محمدِ بنِ المُنكَدِر،
وعَمْرِو بنِ دينار، وعبدِ اللّه بن دينارٍ مَوْلى عبدِ الله بن عُمَرَ، وعطاءٍ، وصَفْوانَ
ابن سُلَيْمَ، وصَالحِ مَوْلى التَّوْأمة، وعَمْرِو بنِ شرَاحيلَ الغِفَاريِّ، وقيل:
المَعافِريِّ.
رَوى عنهُ عبدُ اللّه بنُ لَهِيعةَ نُسخةً يرويها عن صالح مَوْلى التَّوْأمة،
ومحمدِ بنِ عُمرَ الواقديِّ.
ذكَرَهُ أبو سعيدِ بنُ يونُس، وصدَّرَ بِهِ في المِصْرِيِّين، ثُم قال: توفِّي
بالأندَلُس، وفيها ولدُه.
وقال أبو محمدٍ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدِ الحافظُ، فيما أخبرنا بهِ أبو الحَسَن
عليُّ بنُ بقاءِ الوَرّاقُ المِصْريُّ، وأبو زكريّا عبدُ الرَّحيم بنُ أحمدَ البُخاريُّ،
عنه: أحمدُ بنُ خازِم، مذكورٌ في المصْرِيِّينَ وفي أهل الأندَلُس.
وأخْرَجَ لهُ أبو الحَسَن الدارَقُطنيُّ حديثًا في ((السُّنن))(٢) نَسَبَهُ فيه إلى
الأندَلُس، أخبَرنَا بِهِ القاضي أبو الغنائم عليُّ بنُ محمد، عن أبي الحَسَن
-
=
نقلاً من هذا الكتاب.
(١) ترجمه ابن عدي في الكامل ١ / ١٧٢، والدارقطني في المؤتلف ١ / ٦٥٣، وابن
الفرضي في تاريخه ١ / ٦١ (٥٥)، وعبد الغني بن سعيد في المؤتلف، الترجمة
٧٤٩، وابن ماكولا في الإكمال ٢ / ٢٨٧، والضبي في بغية الملتمس (٣٩٥)،
والذهبي في تاريخ الإسلام ٣ / ٨١٣، والمشتبه ٢٠١، وميزان الاعتدال ١ / ٩٥،
وابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ٣ / ١٦، وابن حجر في تبصير المنتبه
١ / ٣٨٦، ولسان الميزان ١ / ١٦٥ .
(٢) سنن الدار قطني ٢ / ١٩٢.
١٧٥

الدارَقُطْنِيِّ في الإجازة، وحذَّثناهُ الخَطِيبُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليٍّ قراءةً، قال:
أخبرني عُمرُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عليٍّ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
الفَتْحِ القَلانسِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عُبَيَد، هُوَ ابنُ نَاصح، قال: حذَّثنا
محمدُ بنُ عُمرَ الواقديُّ، قال: حذَّثنا أحمدُ بنُ خازِم الأندَلُسيُّ، عن عَمْرِو بنِ
شَرَاحِيلَ الغِفَاريِّ، عن أبي عبدِ الرَّحمن الحُبُليِّ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، قال:
سُئلَ [٥٢ ب] النبيُّ وََّ عن قضاءِ رَمَضانَ، فقال: ((يَقضيهِ تِبَاعًا، وإن فرَّقَه
أجزَأَ))(١).
وذكَرَ أبو أحمدَ عبدُ اللّه بنُ عَدِيِّ الجُرْجانيُّ، مؤلِّفُ كتابٍ ((الكامل في
رِجالِ الحديث))، أحمدَ بنَ خازِم، فقال: أظُنُّه مَدِينيًّا، قال: ويقال: مَعافِرِيٌّ،
مِصريٌّ ليس بالمعروف، يُحدِّثُ بأحاديثَ عامتُها مستقيمة.
قال لي بعضُ الحُفّاظِ، وقد ذكَرَ كلامَ ابنِ عَدِيٍّ هذا متعجِّبًا منهُ: ما
أدري من أينَ وقَعَ لهُ الظنُّ بأنَّهُ مَدنيٌّ، ولعلَّهُ لمّا رَآهُ يَروي عن هؤلاء
المذكورينَ، ظَنَّه كذلك، وليسَ كما ظَنَّ، وقد عرَفَهُ ابنُ يونُسَ، وعبدُ الغنيِّ،
وغيرُهما. أو كما قال.
٢٠٥ - أحمدُ(٢) بنُ خالِدٍ بن يَزِيدَ، يُعرَفُ بابنِ الجَبَّاب، كُنْتُهُ أبو
عُمر، جَيَّانِيُّ الأصل، سكَنَ قُرْطُبَةَ.
(١) إسناده ضعيف جدًا، فيه الواقدي، وهو متروك.
(٢) ترجمه الخشني في أخبار الفقهاء (١٥)، وابن الفرضي في تاريخه ١ / ٧٢ (٩٤)،
والقاضي عياض في ترتيب المدارك ٥ / ١٧٤، والسمعاني في ((الجبابي)) من
الأنساب، والضبي في بغية الملتمس (٣٩٦)، والذهبي في تاريخ الإسلام
٧ / ٤٥٣، وسير أعلام النبلاء ١٥ / ٢٤٠، والمشتبه ٢٠٥، والعبر ٢ / ١٩٢،
وتذكرة الحفاظ ٣ / ٨١٥، والصفدي في الوافي ٦ / ٣٧١، وابن ناصر الدين في
توضيح المشتبه ٣ / ٤٤، وابن تغري بردي في النجوم ٣ / ٢٤٧، وابن العماد في
الشذرات ٢ / ٢٩٣ وغيرهم.
١٧٦

كان حافظًا مُتقنًا، وراويةً للحديثِ مُكثرًا. ورحَلَ، فسَمعَ جماعةً،
منهم: إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الدَّبَرِيُّ صاحبُ عبدِ الرزّاقِ بنِ هِمَّام، وعليُّ بنُ
عبدِ العزيزِ صاحبُ أبي عُبَيدِ القاسِم بن سَلَّم. ومن أهلِ الأَندَلُس: محمدُ بنُ
وَضّاح، وإبراهيمُ بنُ محمدٍ ابن القَزَّاز، ويحيى بنُ عُمرَ بن يوسُفَ، وَبِقِيُّ بنُ
مَخْلَد، ومحمدُ بنُ عبدِ السّلام الخُشَنيُّ، وقاسِمُ بنُ محمدٍ، وغیرُهم.
وقال أبو عُمر ابنُ عبدِ البَرّ: إنه سَمعَ من عُبَيَدِ بنِ محمدِ الكَشْوَرِيِّ شيئًا
فاتَّهُ من ((مصنَّف)) عبد الرزاق(١)، واستدرَكَهُ منهُ،َ عنِ الحُذَاقِيِّ، عن
عبدِ الرزاق. وحدَّث بالأندَلُس دَهْرًا، وألَّفَ في مُسندٍ حديثٍ مالكِ بنِ أنس،
وغيره.
قال أبو محمدٍ عليّ بنُ أحمدَ: مَولدُهُ سنةَ ستٍّ وأربعينَ ومئتَيْن، وماتَ
بقُرطُبةَ سنةَ اثنتَيْنٍ وعشرينَ وثلاث مئة.
رَوى عنهُ جماعةٌ، منهم: ابنُهُ محمدٌ، وأبو محمد عبدُ الله بنُ محمدِ بن
عليٍّ الباجِيُّ، ومحمدُ بنُ محمدِ بن أبي دُلَيْم، وخالدُ بنُ سَعد، وعبدُ الله بنُ
محمدِ بن عثمانَ، وغیرُهم.
أخبرنا أبو محمدٍ عليٍّ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا [٥٣ أ] عبدُ الرَّحمن بنُ
سَلَمَةَ، قال: أخبرني أحمدُ بنُ خَليل، قال: حدثنا خالدُ بنُ سَعد، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ خالد، قال: أخبرنا يحيى بنُ عُمرَ، قال: أخبرنا الحارثُ بنُ مِسكينٍ،
قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: قال لي مالك: كان رسُولُ اللّه لَّه إمَامَ
المسلمينَ، يُسألُ عنِ الشيءٍ فلا يُجيبُ حتّى يَأْتِيَ الوَحْيُ منَ السماء.
٢٠٦ - أحمدُ(٢) بنُ خَليل.
من رُوَاةِ الحديث، حدَّث عن خالدِ بنِ سَعد. رَوى عنهُ عبدُ الرَّحمن بنُ
(١) وقع في الأصل: ((عبد الرحمن)) وهو تحريف لا ريب فيه صوابه ما أثبتناه مما نقله
الضبي في بغية الملتمس، ولا وجود لمصنف عبد الرحمن.
(٢) ترجمه الضبي في بغية الملتمس (٣٩٧)، وينظر الذي بعده.
جذوة المقتبس م ١٢
١٧٧

سَلَمَةَ الكِنَانِيُّ.
وأنا أظُنُّه: أحمدَ بنَ دُحَيم بنِ خليل، الذي يَروي عن إبراهيمَ بنِ حماد،
ابنِ أخي إسماعيلَ بن إسحاقَ القاضي، نُسِبَ إلى جَدِّه، واللهُ أعلم.
أخبرنا أبو محمدٍ ابنُ حَزْم الفقيهُ، قال: حدَّثنا الكِنَانيُّ، قال: أخبرني
أحمدُ بنُ خَليل، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: قلتُ لأحمدَ بنِ خالد: مَن
أثبَتُ النَّاس عندَكَ في مالك؟ قال: ابنُ وَهْب.
٢٠٧ - أحمدُ(١) بنُ دُخَيْم بنِ خَليل، أبو عُمَر.
سَمِعَ إبراهيمَ بِنَ حِمَّادِ بنِ إسحاق، ابنَ أخي إسماعيلَ بن إسحاقَ
القاضي، وأبا عبدِ اللّه الزُّبَيْرَ بنَ أحمدَ بن سُليمانَ بن عبدِ الله بن عاصِم بن
المُنذِرِ بن الزُّبَيْر بن العوَّام. رَوى عنهُ أبو عثمانَ سَعيدُ بنُ نَصْر، وأبو عثمانَ
سَعيدُ بنُ عثمانَ النَّحويُّ.
أخبرنا أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ، قال: حدَّثني سَعيدُ بنُ نَصْر، وسعيدُ بنُ
عثمانَ النَّحويُّ بكتابِ ((السُّنَّة)) لأبي عبدِ اللّه الزُبيرِ بن أحمدَ بنِ سُليمانَ
الزُّبَيْرِيِّ، عن أحمدَ بنِ دُخَيْم بنِ خَليل، عنِ الزُّبيرِ بنِ أحمد.
وقد قُلنا: إنَّا نظُنُّه والذي قبلَهُ واحدًا، وهُوَ الأظهَرُ والأغلبُ في ظنِّي،
واللهُ أعلم.
٢٠٨ - أحمدُ(٢) بنُ رَشيقِ الكاتبُ، أبو العبّاس.
كان أبوه من مَوالي بني شُهَيْد، ونشَأَ هُوَ بِمُرْسِيَةَ، وانتقَلَ إلى قُرْطُبة،
(١) ترجمه الخشني في أخبار الفقهاء (٣١)، وابن الفرضي في تاريخه ١ / ٧٨ (١١٠)،
والقاضي عياض في ترتيب المدارك ٦ / ١٢٠، والضبي في بغية الملتمس (٣٩٩)،
والذهبي في تاريخ الإسلام ٧ / ٧١٢، وابن فرحون في الديباج ١ / ١٧١ .
(٢) ترجمه الضبي في بغية الملتمس (٤٠٠)، وياقوت في معجم الأدباء ١ / ٢٦١، وابن
الأبار في الحلة السيراء ٢ / ١٢٨، والذهبي في تاريخ الإسلام ٩ / ٧٥٧ وجميعهم
نقل عن الحميدي.
١٧٨

وطلَبَ الأدبَ فَبَرَزَ فيه، وبَسَق في صناعةِ الرَّسائل، معَ حُسنِ الخَطِّ المتَّفَق
على نِهايتِه، وتقدَّمَ فيهما، وشارَكَ في سائرِ العلوم، ومال إلى الفقهِ والحديثِ،
وبلَغَ من رِيَاسةِ الدُّنيا أرفَعَ منزِلة، وقَدَّمَهُ الأميرُ الموفَّقُ أبو الجَيْش [٥٣ ب]
مجاهدُ بنُ عبدِ اللّه العامِريُّ على كلِّ مَن في دَوْلِتِهِ لأسبابٍ أكَّدتْ لهُ ذلك عندَه؛
مِنَ المودَّةِ والثِّقة والنَّصيحة والصُّحبةِ في النشأة، فكانّ يَنظُرُ في أمورِ الجهةِ
التي كان فيها نَظرَ العَدْلِ والسياسة، ويشتغلُ بالفقهِ والحديثِ، ويجمَعُ العُلماءَ
والصَّالحينَ، ويُؤْثُهم، ويُصلحُ الأُمورَ جُهدَه. وما رأيْنا من أهلِ الرِّياسةِ مَن
يَجرِي مَجْراه، معَ هَيبةٍ مُفرِطة، وتواضُع، وحِلْم عُرِفَ به، معَ القُدَرة.
ماتَ بعدَ الأَربعينَ وأربع مئةٍ عن سنٍّ عالية.
ولهُ رسائلُ مجموعةٌ متداوَلة، منها: الرسالةُ إلى أبي عمرانَ موسى بنِ
عيسَى بن أبي حاجٌ يَحُجَّ الفاسيِّ وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ فقيهَي القيروان، في
الإصلاح بينَهما، ولهُ كلامٌ مُدَوَّنٌ على ((تراجِم كتابِ الصَّحيح)) لأبي عبدِ الله
البُخاريِّ، ومعاني ما أشكلَ من ذلك.
وقد رأيتُهُ غيرَ مرَّة إذا غَضِبَ في مجلس الحُكْم أطْرقَ ثُم قام، ولم يتكلّمْ
بَيْنَ اثنَيْن، فظنَتُهُ كان يذهَبُ إلى حديثٍ أبي بَكْرة، عن رسُولِ اللّهِ وَلّ: ((لا
يَحْكُمْ حاكمٌ بِيْنَ اثنَيْنِ وهُو غَضْبان))(١).
حذَّثنا الرئيسُ أبو العبّاس أحمدُ بنُ رَشيقِ الكاتبُ، قال: كنتُ في سنِّ
المراهَقة بتُدْمير، أولَ طلبي للنَّحْو، إذْ دَخَلَ علينا على البحرِ رجُلٌ أسمر، ذكَرَ
أنهُ من بني شَيْبَةَ، حَجَبةِ البيت، وأنهُ يقولُ الشِّعرَ على طَبِعِه، ولا يقرَأُ ولا
يَكتُب، وكان يقولُ: إنهُ دخَلَ عليه اللَّحنُ بدخولِ الحَضَر، وكان يسألُ أديبنا أن
يُصلحَ له اللَّحنَ، ويسألُني كثيرًا أن أكتُبَ أشعارَهُ بمدائح القائد، ووجوهِ البلد،
فمما بقيَ في حِفظي من شعرِهِ [من الخفيف]:
(١) حديث أبي بكرة في الصحيحين: البخاري ٩ / ٨٢، ومسلم (١٧١٧) وينظر تمام
تخريجه في تعليقنا على الترمذي (١٣٣٤).
١٧٩

لا تَلُمْنِي على البُكا والعَويلِ
يا خَليلي مِن دُونِ كُلِّ خَلِيلٍ
إنَّ لي مُهْجةً تكَنَّفَها الشَّوْ
كُلمَا غَرَّدْت هَتُوفُ العَشايَا
[٥٤ أ] ذاتُ فَرْخَينِ فِي ذُرَى أَثَلاَثٍ
قُ وعَينًا قد وُكِّلتْ بالهُمُولِ
والضُّحَى هَيَّجَتْ كَمِينَ غَلِيلِي
هَدِلاتٍ غُضْفِ الذَّوائبِ مِيلٍ
حَذَرَ البَيْنِ والفِراقِ المُدِيلِ
لم يَغِيبًا عنِ عَيِنِها وهْيَ تَبْكي
واشْتياقي منها بطُولِ العَوِيلِ
أنا أوْلَى لِغُربتي وانْتِزاحي
ـتُ معَ الشَّمس عِندَ وَقْتِ الأُفولِ
حلَّ أهْلي بالأبْطَحَيْنِ وأصْبحـ
٢٠٩ - أحمدُ(١) بنُ زكريّا بن يحيى بنِ عبدِ الملِكِ بن عُبيدِ الله بن
عبدِ الرَّحمن.
أندَلُسيِّ محدِّث. سَمعَ، وُعِنِيَ، وحُملَ عنهُ، ولم تَطُلْ حياتُه؛ ماتَ
بالأندَلُس سنةَ ثمانٍ وستِّينَ ومئتيْن.
٢١٠ - أحمدُ(٢) بنُ زِيادٍ بن محمدٍ بن زِيادٍ بن عبدِ الرَّحمن اللَّخميُّ
القاضي.
أندَلُسيٌّ، رَوَى عنِ ابنِ وضَّاح، وغيرِهِ. وماتَ سنةً ست وعشرينَ
وثلاث مئة(٣).
٠
(١) هو المعروف بابن الشامة، ترجمه ابن الفرضي في تاريخه ١ / ٦٢ (٥٨)، والقاضي
عياض في ترتيب المدارك ٤ / ٤٤٢، والضبي في بغية الملتمس (٤٠١)، والذهبي
في تاريخ الإسلام ٧ / ٧٨٧.
(٢) ترجمه الخشني في أخبار الفقهاء (٢٥)، وابن الفرضي في تاريخه ١ / ٧٤ (١٠١)،
والضبي في بغية الملتمس (٤٠٣)، والذهبي في تاريخ الإسلام ٧ / ٥١٨.
(٣) في طبعة الشيخ الطنجي يرحمه الله: ((عشرين وثلاث مئة))، وعَلّق عليها الشيخ
بقوله: ((في البغية ص ١٦٨: ((سنة ٣٢٦)). وتابعه على ذلك من طبع الكتاب على
طبعته، مع أن لفظة (ست)) واضحة في النسخة الخطية وضوح الشمس في رائعة
النهار.
١٨٠