النص المفهرس

صفحات 21-40

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلَّى اللّهُ على محمدٍ نبيِّهِ الكريمِ وعلى آلِهِ
بحمدِ اللّه نَبْتَدِىُّ ونَخْتِمُ، وبتأييدِهِ إلى كلِّ مُرادٍ نتقدَّمُ؛ وبالصَّلاةِ على
رسُولِه المصطفى نَتَبَرَّك، وبالسلام عليهِ نرجو أن يَسْهُلَ علينا المسْلَك.
فالحمدُ للّه على ما أوْلانا مَنَ النِّعَم، وذكَّرَنا به منها ونحنُ في العَدَم، ثم
والاها على الدَّوام، وحمَلَنا على أتمِّ الإكرام، حَمْدًا يوجبُ لنا بِهِ بلوغَ الرِّضا،
وصَلاحَ الْآخِرة والأولَى، وصلَّى اللّهُ على نبيّه محمدٍ المصطفى صَلاةً موصُولةً
بالوصُول، مقرونةً بالقَبول، مُقتضِيةً للبرَكات، قاضِيةً بأفضلِ السَّعادات،
وعلى آله وسلَّم عليه وعليهم تسليمًا دائمَ الأَمد، وافرَ العدد، ما أَشْرَقَ الضِّیاءُ،
ودامتِ الأرضُ والسماء.
أما بعدُ، فإنَّ بعضَ من ألتزمُ واجبَ شُكْرِه على جَميلٍ بِرِّهِ(١)، لمّا
وصَلْتُ إلى بَغْداد، وحصَلْتُ من إفادتِه على أفضلِ مُستفاد، نَبَّهني على أنْ
أجمَعَ ما يَحضُرُني من أسماءِ رُواةِ الحديثِ بالأندَلُسَ، وأهلِ الفقهِ والأدب،
وذَوي النَّباهةِ والشِّعر، ومَن له(٢) ذِكْرٌ منهم، أو ممَّن دخَلَ إليهم، أو خرَجَ
عنهُم، في معنى من معاني العلم والفضل، أوِ الرِّياسةِ والحَرْب. فأعلمتُه
بيُعدي عن مكانٍ هذا المطلوب، وَقَلَّةِ ما صَحِبني منَ الغَرض المرغوب، وأنِّي
إن رُمْتُهُ على قلَّةِ ما عندي، وتعاطيتُهُ على انقطاع موادِّي وبُعْدي، لم أخْلُ من
أحَدٍ وجھَیْنِ :
إِمّا أن أبخَسَ القومَ حظّهم وأنقُصَهم فضلَهم، فأتعرَّضَ للائمتِهِم فيما
أورَدْتُ، وأقفَ موقفَ الاعتذارِ فيما له قصَدْتُ. وإمّا أن أوهِمَ مَن رأى قلَّةَ
جَمْعِي، ونهايةَ ما في وُسْعي، أنه ليس مِن أهلِ الفضلِ في تلك البلاد، إلا نَزَرٌ
(١) قرأها الشيخ الطنجي: ((من التزم واجبَ شكره عليَّ جميلُ بِرِّه)).
(٢) لفظة ((له)) ممحوة في الأصل ومكانها ظاهر.
٢١

منَ الأعداد، فأَكونَ بعدَ احتفالي لهم قد قصَّرتُ بهم، وعندَ اجتهادي في
ذِكْرِهم قد أخلَلْتُ بفَخْرِهم.
وما أُراني معَ ذلكَ إلا مُتَصدِّيًا لمَذَمَّةِ الطائفتَيْن، مُنتظِمًا لتتبُّع الفِرقتَيْن،
[٢ ب] لا سيّما ولعُلماءِ أقطارِ ذلك البلدِ، في أنواع هذا المعنى، كُتُبٌ كثيرةٌ
العدَد، منها لابنِ حارِث(١)، ولابنِ عبدِ البَرِّ(٢)، ولأحمدَ بنِ محمدٍ
التاريخيِّ(٣)، وابنٍ حَيَّانَ(٤)، وسائرِ المؤرِّخينَ هُناك، على تبايُنِ مَراتبٍ
جَمْعِهم واهتمامِهم، مما لو حضَرَني بعضُهُ فحَذَفتُ التِّكرارَ، واقتصَرتُ على
العُيون، ووصَلْتُ به ما عندي، لاستُطيل واستُكثِرَ، على أني أعلَمُ أنّ هذا
المقصِدَ الذي سبَقَ إلى تقييدِه المؤرِّخونَ من أسلافِنا، وتَلاهمُ التابِعونَ لهم في
ضَبْطِه من أخلافِنا، جَمُّ الفائدة، عظيمُ العائدة، لِمَا فيهِ ممّا لا يَخْفَى على
مُتميِّز، إلى جهةٍ من جهاتِ المعرفةِ متحيِّزْ.
ولحِرصي على قَبولِ هذا التنبيه، وإن قلَّ ما عندي فيه، بادَرْتُ إلى جمع
المُفترِقِ الحاضِر، وإخراج ما في الحفظِ منهُ وإتعابِ الخاطِرِ، رجاءَ الثوابِ في
تنويهٍ بعالم، وتنبيهٍ على فَضْلِ فاضلٍ، وتوقيفٍ على غَرَضٍ، وتحقيقٍ لنَسبٍ أو
خبَرَ، ولا يخلو أن يكونَ في أثناءِ ذَلك زيادةُ عِلمٍ تُقْتَنَى، أو ثمرةُ أدبٍ وشِعرٍ
تُجْتَنَی .
(١) هو محمد بن حارث الخشني القروي المتوفى سنة ٣٦١هـ، ولعله يشير إلى كتابه
((أخبار الفقهاء والمحدثين))، وقد طبع في مدريد سنة ١٩٩٢م. وله أيضًا قضاة
قرطبة، مطبوع مشهور.
(٢) أحمد بن محمد بن عبد البر المتوفى سنة ٣٣٨ هـ، له كتاب في فقهاء قرطبة، نقل عنه
ابن الفرضي .
(٣) سيأتي ذكره في موضعه من هذا الكتاب (الترجمة ١٧٤).
(٤) أبو مروان حيان بن خلف بن حسين بن حيان القرطبي المتوفى سنة ٤٦٩ هـ صاحب
((المقتبس)) و((المتين)) والآتية ترجمته في الرقم ٣٩٨. وطبعت من المقتبس أربع
قطع .
٢٢

وعلينا إن بلَغْنا إلى المراد، في سُلوكِ تلك البلاد، أن نستأنفَ الاستيفاءَ
مع وجودِ الموادّ، إن شاء اللّهُ عزَّ وجل، وباللّهِ تعالى نستعيذُ من مواردِ الزَّلَل،
وإياه نستعينُ على إدراكِ الصَّوابِ في القولِ والعمَل، وهُوَ حسبُنا في كلِّ أمَل،
ونِعمَ الوكيل.
فأولُ ما نبدَأُ بِهِ: أن نَذكُرَ وقتَ افتتاحِها، ومَن فَتَحَها، ومَن وقَعَ إلينا
ذِكْرُهُ ممَّن دخَلَها منَ التابِعِين، وممَّن وَلِيَها منَ الأُمراء، وهلُمَّ جَرًّا.
ثم نَذكُرُ سائرَ مَن قصَدْنا ذِكْرَه، ممّا في الحِفْظ، أو في حاضِرِ الكُتُب،
مرتَّبًا على حروفِ المعجَم، ونعتمدُ ذلكِ أيضًا في كلِّ حرف، إذْ لم يَصحَّ لنا
ترتيبُهم على الأوقات، ولا على الطَّبقات. وكلُّ ذلك على الاختصارِ
المقصُود، ومَعَ ما في ذكْرِ أُمرائها وأزمانِهِم منَ المَعْرِفة، [٣ أ] فإنّ فيه فائدةً
أخرى، وهُوَ أنّا إذا لم نقِفْ على تحديدِ وقتٍ وفاةٍ أحدٍ ممَّن ذكَرْناهُ مِن
غيرِهم، نَسَبْناهُ إلى أيامٍ مَن عرَفْنا أنهُ كان في أيامِه منَ الأُمراء، فاستبانَتْ بذلك
طبقتُه، وعُرِفَ زمانُه.
فأَمّا أولُ أوقاتِ افتتاحِها ففي سنةِ اثنتَيْنِ وتسعينَ من الهِجرة، في القرنِ
الثاني الذي أخبَرَ النبيُّ، وَّه أنه خيرُ القُرُونِ بَعدَ قَرْنِهِ(١).
وأمّا الذي توَلَّى فتحَها، وكان أميرَ الجيشِ السابقَ إليها، فطارقٌ، قيل:
ابنُ زياد، وقيل: ابنُ عَمرو، وكان واليًا على طَنْجَةَ، مدينةٌ من المُدنِ المتَّصلةِ
بَرِّ القَيْرَوانِ في أقصَى المغرِب، بينَها وبيْنَ الأندَلُس فما يُقَابِلُها خلِيجٌ من البحرِ
يُعرَفُ بالزُّقَاقِ، وبالمَجَاز؛ رَتَبَهُ فيها مُوسى بنُ نُصَيرٍ، أميرُ القَيْروان.
وقيل: إنّ مروانَ بنَ موسى بنِ نُصيرٍ خَلَّفَ طارقًا هناك على العساكر،
(١) يشير إلى حديث: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))، وهو في
الصحيحين من حديث ابن مسعود: البخاري (٢٦٥٢) و(٣٦٥١) و(٦٤٢٩)
و(٦٦٥٨)، ومسلم (٢٥٣٣)، وينظر تمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي
(٣٨٥٩).
٢٣

وانصرَفَ إلى أبيه، لأمرٍ عَرَضَ له، فركِبَ طارقٌ البحرَ إلى الأندَلُس من جهةٍ
مَجازِ الخَضْرَاء، مُنتهِزًاَ لِفُرصَةٍ أمكَنَتْه، فدخَلَها وأمعَنَ فيها، واستَظهرَ على
العدُوِّ بها، وكتَبَ إلى موسى بنِ نُصَيْرِ بغَلَبِتِهِ على ما غَلَبَ عليه منَ الأندَلُس
وفَتْحِه، وما حصَلَ لهُ من الغنائم، فحسَدَهُ على الانفرادِ بذلك، وكَتَبَ إلى
الوليدِ بنِ عبدِ الملكِ بن مروانَ يُعلِمُهُ بالفتحِ، وينسُبُهُ إلى نفسِهِ، وكتَبَ إلى
طارقٍ يَتَوَّدُه إذا دخَلَها بغيرِ إذْنِهِ، ويَأْمُرُه ألَّ يتجاوزَ مكانَه حتى يلحَقَ به،
وخَرَجَ متوجِّهَا إلى الأندلس، واستَخْلفَ على القَيْرَوانِ ولَدَه عبدَ الله، وذلك
في رَجبٍ سنةَ ثلاثٍ وتسعين، وخرَجَ معَهُ حَبيبُ بنُ أبي عُبَيْدةً(١) الفِهريُّ،
ووُجوهُ العَرَبِ والمَوالي وعُرَفاءُ البَرْبر، في عَسكرٍ ضَخْم، ووَصَلَ من جهةِ
المَجاز إلى الأندلس، وقدِ استولى طارقٌ على قُرطُبةَ دارِ المملكة، وقَتَلَ
لُذَرِيقَ، ملكَ الرُّوم بالأندَلُس، فتَلقَّاه طارقٌ وترَضَّاه، ورامَ أن يَستسِلَّ ما [٣
ب] في نفْسِهِ من الحسَدِ له، وقال له: إنّما أنا مَوْلاك، ومِن قِبَلكِ، وهذا الفتحُ
لك.
وحمَلَ طارقٌ إليه ما كان غَنِمَ من الأموال، فلذلك نُسِبَ الفتْحُ إلى موسى
ابنِ نُصَيْر، لأنّ طارقًا مِن قِبَلِه، ولأنه استَزَادَ في الفتح ما بقِيَ على طارق.
وأقام موسى في الأندَلُس مُجاهدًا وجامعًا للأموال، ومرتِّبًا للأمورِ بقيّةً
سنةِ ثلاثٍ وتسعين، وسنةِ أربع وتسعين، وأشهرًا من سنةِ خمس وتسعينَ،
(١) في تاريخ الطبري (٦ / ٥٢٣): ((حبيب بن أبي عُبيد الفهري)) وهو تحريف. وفي
المعجب للمراكشي (ص ٣٤ و٣٥): ((حبيب بن أبي عبدة)) وسيأتي أنه وُجد كذلك
أيضًا، وهو ابن أبي عُبيدة في تاريخ خليفة ٣٤٨ و٣٥٣ و٣٥٥، والكامل لابن الأثير
٥ / ١٧٥ و١٩٠ - ١٩٣ و٣١١، وهو ينقل من تاريخ الطبري، فدل على أن ما في
المطبوع من تاريخ الطبري محرف، وهو حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع
الفهري، وهو مترجم في تاريخ دمشق لابن عساكر ١٢ / ٤٢، وتاريخ الإسلام
للذهبي ٣ / ٣٩٤، وتوفي سنة ١٢٤هـ.
٢٤

وقبض على طارق .
ثُم استَخلَفَ على الأندَلُس ولَدَه عبدَ العزیزِ بنَ موسى، وترَكَ معَهُ من
العساكرِ ووجُوهِ القبائلِ مَن يقومُ بحمايةِ البلاد، وسَدِّ الثغور، وجهادِ العدوِّ،
ورجَعَ إلى القَيْروان، ثُم سارَ منها بما حصَلَ له من الغنائم، وأعَدَّه منَ الهدايا،
إلى الوليدِ بنِ عبدِ الملِك، ومعَهُ - فيما يقالُ - طارق، فماتَ الوليدُ وقد وصَلَ
موسى إلى طَبَريَّةَ في سنةِ ستٍّ وتسعين، فحمَلَ ما كان مَعهُ إلى سُليمانَ بنِ
عبدِ الملكِ. ويقال: إنهُ وصَلَ وأدرَكَ الوليدَ حيًّا، فاللّهُ أعلم.
وأقام عبدُ العزيزِ بنُ موسى بن نُصَيرِ أميرًا على الأندَلُس، إلى أن ثار عليه
من الجُنْد جماعةٌ، فيهم: حَبِيبُ بنُ أبي عُبيدةَ الفِهِرِيُّ، وزيادُ بنُ النَّابغة
التِّمِيمِيُّ، فقَتَله بعضُهم، وخرجوا برأسِه إلى سُليمانَ بنِ عبدِ الملكِ بعدَ أن
أَقَرُوا على الأندَلُس أيوبَ، ابنَ أُختِ موسى بنِ نُصَير. ويقال: إنهم كتبوا إلى
سُليمانَ بما أنْكَروا من أمرِهِ، فأمرَهُم بما فَعَلوه.
ثُم اختلفتِ الأُمورُ هنالك، ومکَثَ أهلُ الأندَلُس بعدَ ذلك زمانًا لا
يجمَعُهم والٍ، ثُم وَلِيَ عليهِمُ السَّمْحُ بنُ مالكِ الخَوْلانِيُّ، قبلَ المئة، ثُم وَلِيَ
عليها الحُرُّ بنُ عبدِ الرَّحمِنِ القَيْسِيُّ، ثُم وَلِيَها عَنْبسةُ بنُ سُحَيم الكَلْبِيُّ، وعُزِلَ
الحُرُّ بنُ عبدِ الرَّحمن، ثُمَّ وَلِيَها عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ اللّه العَكِّيُّ نحوَ العشْرِ
ومئة، وكان رجلاً صالحًا. ثُم وَلِيَها عبدُ الملِك بنُ قَطَنِ الفِهِرُّ، ثُم عُقْبَةُ بنُ
الحَجّاجِ، [٤ أ] فهَلَكَ عُقْبةُ بالأندَلُس، فرُدَّ عبدُ الملِك بَنُ قَطَن.
ثُم جاء بَلْجُ بنُ بِشرٍ فادَّعَى ولايتَها، وشهِدَ لهُ بعضُ مَن كان معَهُ،
ووقَعت فِتَنٌّ من أجلِ ذلَكِ، افترَقَ أَهَلُ الأندَلُس فيها على أربعةِ أُمراء، حتى
أُرسِلَ إليهم واليًا أبَوَ الخطَّارِ حُسامُ بنُ ضِرَارِ الكَلْبِيُّ، فحَسَمَ موادَّ الفتنة،
وجَمَعهم على الطاعةِ بعدَ الفُرْقَة .
وفي تقديمٍ بعضٍ(١) على بعضٍ اختلافٌ، إلّ أنّ هؤلاءِ المذكورينَ كانوا
(١) جعلها الشيخ الطنجي ((بعضهم)) استنادًا إلى ما ورد في بغية الملتمس للضبي، =
٢٥

أُمْراءَها، ووُلاةَ الحروبِ فيها، أيامَ بني أُميّة، قَبْلَ ذهابٍ دَوْلِتِهِم منَ المشرِق.
وسنَذْكرُ، إن شاء اللّهُ، في الأبوابِ، ممَّن دخَلَ الأَندَلُسَ للجهادِ من
التابِعِينَ، جماعةً، ومنهم: محمدُ بنُ أَوْسَ بنِ ثابتِ الأَنصَاريُّ، يَرْوي عن أبي
هريرة. ومنهم: حَتَشُ بنُ عبدِ الله الصَّنعانيَُّ، يَرْوي عن عليٍّ بنِ أبي طالب،
وفَضَالَةَ بنِ عُبيد(١). ومنهم: عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ اللّه الغافقيُّ، يَرْوِي عنِ ابنِ
عُمَر. ومنهم: زَيدُ بنُ قاصدِ السَّكْسَكيُّ المصرِيُّ، يَرْوي عن عبدِ الله بنِ عَمْرِو
ابنِ العاص. ومنهم: موسى بنُ نُصَيْر، الذي يُنسَبُ الفتحُ إليه، يَرْوي عن تميمٍ
الدَّارِيّ.
وقد جاء في فَضلِ المغربِ غيرُ حديثٍ، من ذلك: ما أخرَجَهُ مسلمُ بنُ
الحجّاج في ((الصَّحيح)»(٢)، رواهُ عن يحيى بن يحيى، عن هُشَيْم بنِ بشيرٍ
الواسِطيِّ، عن داودَ بنِ أبي هند، عن أبي عثمانَ النَّهْديِّ، عن سعدٍ بن أبي
وقّاص، أنّ رسُولَ اللّهِ وَّهِ، قال: ((لا يزالُ أهلُ الغَرْبِ(٣) ظاهِرِينَ(٤) حتى تقومَ
الساعة)).
وهذا النصُّ، وإن كان عامًا لِمَا يقَعُ عليه، فللأندَلُس منهُ حظّ وافر،
لدخولِها في العموم، ومَزِيّةٌ، لتحقُّقِها بالغَرْب، وأنّها مِن(٥) آخرِ المعمورِ فيه،
وبعضُ ساحلِها الغربيِّ على البحرِ المحيط، وليس بعدَه مَسلَك(٦).
والعبارة سليمة لا تحتاج إلى مثل هذا التعديل.
=
(١) روايته عنه عند مسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي كما في تهذيب الكمال
٧ / ٤٣٠.
(٢) صحيح مسلم (١٩٢٥).
(٣) في طبعة الشيخ الطنجي: ((المغرب))، لعلها من غلط الطبع.
(٤) في صحيح مسلم: ((ظاهرين علي الحق))، وأثبتنا ما في الأصل.
(٥) قرأها العلامة الطنجي يرحمه الله: ((وانتهاء)) وهي قراءة غير موفقة.
(٦) هكذا قال المؤلف، والعلماء مختلفون في معنى ((الغرب))، فقيل: أراد بهم أهل =
٢٦

ومن فضلِها أنهُ لم يُذكَرْ قَطُّ على مَنابرِها أحدٌ من السلَفِ إلا بخَيْرِ، وإلى
الآنَ، وهِيَ ثَغْرٌ من ثُغورِ المسلمينَ لمُجاوَرتِهِمُ الرُّومَ، واتصالِ بلادِهم
ببلادهم.
[٤ ب] وإنّما قيل: جزيرةُ الأندَلُس، لأنّ البحرَ محيطٌ بجميع جهاتِها،
إلّ ما كان الرُّومُ فيه من جهةِ الشَّمالِ منها، فصَارتْ كالجزيرةِ بَيْنَ البحرِ
والرُّوم، وإلّ فمنها إلى القُسطنطينيةِ بَرِّ متّصلٌ من جهةٍ بلادِ الرُّوم.
وقد بشَّرَ النبيُّ، وَلَّ، وهم أهلُ تلك البلادِ (١)، في هذا الحديثِ المتّصلِ
الإسناد، بظهورِ الإسلام فيها وثَباتِه، إلى أن تقومَ الساعةُ بها، هذا معَ زيادةٍ
أعدادِ الرُّوم وبلادِهم أَضْعافا مضاعفةً عليهم، وقِلةِ المسلمينَ هنالكَ بالإضافةِ
إليهم، وَصَحَّ بخبَرِ الصادِقِ، وََّ، أنه ثَغْرٌ منصُورٌ إلى قيام الساعة. والحمدُ لله
ربِّ العالمين.
الشام لأنهم غرب الحجاز. وقال القاضي عياض: المراد بأهل الغرب: أهل الشدة
=
والجلد، وغرب كل شي حدّه. وقال علي ابن المديني: الغرب ها هنا الدلو، وأراد
بهم العرب، لأنهم أصحابها وهم يستقون بها (تنظر النهاية لابن الأثير ٣ / ٣٥١،
وشرح النووي على مسلم ٨ / ١٥١).
(١) عَدّ العلامة الطنجي لفظة ((وهم)) تصحيفًا، مع أنّ الجملة كلها اعتراضية فهي صحيحة
تقرأ: ((وقد بشّر النبي وَّ في هذا الحديث المتصل ... )) إلخ.
٢٧

فصلٌ
وما زالتِ الوُلاةُ بالأندَلُس، أيامَ بني أُميةَ، تَليها مِن قِبَلِهم، ومِن قِبَلِ مَن
يُقيمونَهُ بالقَيْروانِ أو بمصرَ. فلمّا اضْطَرَبَ أمرُ بني أُميةَ في سنةِ ستٍّ وعشرينَ
ومئة، بقتلِ الوليدِ بنِ يَزِيدَ بنِ عبدِ الملك، واشتغلوا عن مراعاةٍ أَقاصي البلاد،
وقَعَ الاضطرابُ بإفريقيّةَ، وَالاختلافُ بالأندَلُس أيضًا منَ القبائل، ثُم اتفَقوا
بالأندَلُس على تقديم قُرَشيٍّ يجمَعُ الكلمةَ إلى أن تَستقرَّ الأُمورُ بالشام لمن
يُخاطَبُ، فَفَعَلوا، وَقَدَّموا يوسُفَ بنَ عبدِ الرَّحمن الفِهْريَّ أميرًا، فسكَنَتْ به
الأُمورُ، واتفَقَتْ عليه القُلُوب، واتصلَتْ إمارتُه إلى سنةٍ ثمانٍ وثلاثينَ، بعدَ
ذهابٍ دولةٍ بني أميةَ بستٌّ سنين؛ وكان ذهابُ دولتِهِم جُملةً بقتلِ مروانَ بنِ
محمدِ بن مَرْوانَ بن الحَكم، في بعض نواحي الفَيُّوم من أعمالِ مصرَ، في آخِرِ
ذي الحجّةِ سنةَ اثنتَيْنِ وثلاثينَ ومئة، بعدَ بَيْعةِ أبي العبّاس السفّاحِ بتسعة أشهر.
وكان ممَّن هَرَبَ إلى الأندَلُس من بني أُميةَ عبدُ الرَّحمَن بنُ معاوية،
ونحنُ نَذْكُرُ تاريخَ وصُولِه إليها، وسببَ ولايتِهِ عليها، [٥ أ] ومَن وَلِيَها بعدَهُ
من أولادِهِ وغيرِهم، إلى آخرِ ما عندَنا، ثُمَّ نَذكُرُ ما بعدَ ذلك على ما شَرَطْناه،
إن شاء اللَّهُ، ولَا حولَ لنا ولا قوةَ إلا باللّهِ تعالی وجَلَّ.
أولُ أُمراءِ بني أُميّةَ بالأندَلُسِ: عبدُ الرَّحمن(١) بنُ معاويةَ بنِ هشام بنِ
عبدِ الملِك بنِ مَرْوان، يُكْنَى أبا المُطَرِّف، مَولدُهُ بالشام سنةَ ثلاثَ عشْرةَ ومئة.
وأُّه أُمُّ وَلد، اسمُها: راح.
هرَبَ لمّا ظَهَرتْ دولةُ بني العباس، ولم يزَلْ مُستِرًا إلى أن دخَلَ الأندَلُسَ
سنةَ ثمانٍ وثلاثينَ ومئة، في زمنٍ أبي جَعْفرِ المنصُور، فقامَتْ معَهُ اليَمَانيةُ،
(١) ينظر تاريخ خليفة ٤١٥، وتاريخ الطبري ٧ / ٥٠٠، وتاريخ ابن الفرضي ١ / ٧،
والكامل لابن الأثير ٥ / ٤٩٣، والمعجب للمراكشي ٤٠، وتاريخ الإسلام للذهبي
٤ / ٦٧٩، وسير أعلام النبلاء، له ٨ / ٢٤٤، ونفح الطيب للمقري ١ / ٣٢٧.
٢٨
٠

وحارَبَ يوسُفَ بنَ عبدِ الرَّحمن بن أبي عبيدةَ بن عُقْبَةَ بن نافع الفِهْرِيَّ، الواليَ
على الأندَلُس، فهَزَمَهُ، واستَوْلى عبدُ الرَّحمنِ على قُرْطَبَةَ يُومَ الأضحى منَ
العام المذكور، فاتّصلَتْ وِلايتُهُ إلى أنْ ماتَ سَنَةَ اثنتَيْنِ وسَبْعينَ ومئة. كذا قال
لنا أَبَو محمدٍ عليُّ بنُ أحمدَ بنِ سَعيدٍ الفقيهُ: يوسُفُ بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ أبي
عُبَيدةَ. ورأيتُ في غيرِ موضعٍ: يوسُفُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بن أبي عَبْدةً(١)، فاللهُ
أعلم.
وكان عبدُ الرَّحمن بنُ معاويةَ من أهلِ العِلم، وعلى سِيرةٍ جَميلةٍ من
العَدْل، ومن قُضاتِهِ: معاويةُ بنُ صَالح (٢) الحَضْرميُّ الِحِمْصيُّ، وله أدبٌ وشعر.
وممّا أنشَدونا له يَتشوَّقُ إلى مَعاهدِهِ بالشام، قولُه [من الخفيف]:
أَقْرٍ من بَعضيَ السلامَ لِبعضي
أيها الرَّاكبُ المُيَمِّمُ أرضي
وفُؤادي ومالكيهِ بأرضٍ
إنّ جِسمي كما عِلِمْتَ بأرضٍ
وطَوَى البَيْنُ عن جُفونيَ غَمْضي
قُدِّرَ البَينُ بينَنَا فاقْتَرَقْنَا
فعسَى باجتماعِنا سوفَ يَقْضي
قد قَضَى اللّهُ بالفِراقِ علينا
ولايةُ الأميرِ هشامٍ بنِ عبدِ الرّحمن(٣)
ثُم وَلِيَ [٥ ب] بعدَ عبدِ الرَّحَمنَ ابنُهُ هشام، يُكْنى أبا الوليد، وسِتُهُ
(١) في الأصل: ((عُبيدة)) ولا يستقيم لانعدام الاختلاف، وما أثبتناه هو المعروف في
المعجب لعبد الواحد المراکشي ص ٤٠.
(٢) قرأها الشيخ الطنجي: ((طليح))، وهي قراءة غير موفقة، وقد كتبت في النسخة الخطية
((صلح)) على قاعدة النساخ في حذف الألف الوسطية من كثير من الأسماء عند كتابتها
من نحو ((معوية)) و((إبرهيم)) و((إسمعيل)) وغيرها، ومعاوية بن صالح من رجال
التهذيب المشهورين، وستأتي ترجمته الموسعة في هذا الكتاب.
(٣) ابن الفرضي: تاريخ ١ / ٨، الضبي: بغية الملتمس ١٦، المراكشي: المعجب ٤٣،
الذهبي: تاريخ الإسلام ٤ / ٧٦٠، وسير أعلام النبلاء ٨ / ٢٥٣، وفيه مزيد
مصادر، المقري: نفح الطيب ١ / ٣٣٤ .
٢٩

حينئذٍ ثلاثونَ سنةً، فاتّصَلتْ وِلايتُه سبعةَ أعوام إلى أن ماتَ في صَفرِ سنةً
ثمانينَ ومئة. وكان حسَنَ السِّيرة، مُتحرِّيَا(١) للعِّدْل، يَعودُ المَرْضَى، وَيَشْهَدُ
الجَنائزَ. أمُّه حَوْراءُ .
ولايةُ الحكم بن هشام(٢)
ثُم وَلِيَ بعدَهُ ابنُهُ الحُكمُ، ولهُ اثْنتَانِ وعشرونَ سنةً، يُكْنى أبا العاصِ،
أُّهُ أُمُّ وَلَد، اسمُها زُخْرُفُ. وكان طاغيًا مُسْرِفًا، ولهُ آثارُ سَوْءٍ قبيحة، وهُوَ
الذي أوقَعَ بأهلِ الرَّبَض الوَقْعةَ المشهورةَ فقتَّلَهم وهدَمَ ديارَهم ومساجدَهم،
وكان الرَّبَضُ مَحَلَّةً متَّصلةً بقَصْرِهِ، فاتَّهمَهم في بعض أمرِهِ، ففَعَلَ بِهِم ذلك،
فسُمِّيَ الحَكُمُ الرَّبَضيَّ لذلك، واتّصلَتْ وِلايتُهُ إلى أن ماتَ في آخرِ ذي الحجةِ
سنةَ ستُّ ومئتینِ.
ولايةُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحَكم(٣)
ثُم وَلِيَ بعدَهُ ابنُهُ عبدُ الرَّحمن، يُّكْنَىَ أبا المُطرِّف، ولهُ ثلاثونَ سنةً،
وأُّه ◌ُمُّ وَلد، اسمُها حَلاوةُ. فاتَّصَلَتْ وِلايتُهُ إلى أن ماتَ في صفَرِ سنةَ ثمانٍ
وثلاثينَ ومئتين، وكان وادِعًا محمودَ السِّيرة.
(١) قرأها الشيخ الطنجي: ((متحيزًا))، وهي قراءة غير موفقة، واللفظة واضحة في الأصل
الخطي كما أثبتناها، وكذلك نقلها الضبي في البغية ١٦ .
(٢) ابن الفرضي: تاريخ ١ / ٨، الضبي: بغية الملتمس ١٦، المراكشي: المعجب:
٤٤، الذهبي: تاريخ الإسلام ٥ / ٦٠، وسير أعلام النبلاء ٩ / ٥٢١، و٨ / ٢٥٣
وفيه مزيد مصادر، المقري: نفح الطيب ١ / ٣٣٨ .
(٣) ابن الفرضي: تاريخ ١ / ٩، الضبي: بغية الملتمس ١٦، المراكشي: المعجب ٤٨،
الذهبي: تاريخ الإسلام ٥ / ٨٦٢، وسير أعلام النبلاء ٨ / ٢٦٠ وفيه مزيد مصادر،
المقري: نفح الطيب ١ / ٣٤٤.
٣٠

ولايةُ الأميرِ محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمن(١)
ثُم وَلِيَ بعدَهُ ابنُهُ محمدٌ، يُكْنى أبا عَبدِ اللّه، وأُّه ◌ُمُّ ولَد، اسمُها: تهتَزُّ،
فاتَّصلَتْ وِلايتُه إلى أن ماتَ في آخرِ صِفَرٍ سنةَ ثلاثٍ وسَبْعينَ ومئتين.
قال لنا أبو محمدٍ عليّ بنُ أحمدً (٢): وكان مُحبًّا للعلوم، مؤثرًا لأهلِ
الحديثِ، عارِفًا، حسَنَ السِّيرة. ولمّا دخَلَ الأندَلُسَ أبو عبدِ الرَّحمن بَقِيُّ بنُ
مَخْلَدٍ بكتاب ((مُصنَّفِ أبي بكرٍ بنِ أبي شَيْبة))، وقُرِئَّ عليه، أنكَرَ جماعةٌ من
أهلِ الرأي ما فيه منَ الخلافِ واستَشْنَعُوهُ، وبَسَطُوا العامةَ عليه، ومَنعوهُ من
قراءتِه، إلى أنِ [٦ أ] اتّصلَ ذلك بالأميرِ محمدٍ، فاستَحْضَرَهُ وإياهم،
واستَحضَرَ الكتابَ كلَّه، وجعَلَ يَتَصفَّحُهُ جزءًا جزءًا، إلى أن أتَى على آخرِهِ،
وقد ظَنُّوا أنه يُوافقُهم في الإنكارِ عليه، ثُم قال لخازنِ الكتُب: هذا كتابٌ لا
تَستغني خِزانتنا عنه، فانظَرْ في نَسخِهِ لنا؛ ثُم قال لبَقَيِّ بنِ مَخْلَد: انشُرْ عِلمَك،
وارْوِ ما عندَك مِنَ الحديث، واجلسْ للناس حتى ينتفعوا بك، أو كما قال،
ونَهاَهُم أن يتعرَّضُوا له.
ولايةُ المنذرِ بنِ محمدٍ(٣)
ثُم وَلِيَ بعدَهُ ابنُهُ المُنذرُ بنُ محمدَ، ويُكْنَى أبا الحَكَم، وأُّهُ أُ ولَد،
اسمُها أَثَل.
(١) ابن الفرضي: تاريخ ١ / ٩، الضبي: بغية الملتمس ١٦، المراكشي: المعجب ٤٩،
الذهبي: تاريخ الإسلام ٦ / ٦١٢، وسير أعلام النبلاء ٨ / ٢٦٢ وفيه مزيد مصادر،
المقري: نفح الطيب ١ / ٣٥٠.
(٢) هو ابن حَزْم.
(٣) ابن عبد ربه: العقد الفريد ٤ / ٤٩٦، ابن الفرضي: تاريخ ١ / ١٠، الضبي: بغية
الملتمس ١٧، ابن الأثير: الكامل ٧ / ٥١، المراكشي: المعجب ٥٢، الذهبي:
تاريخ الإسلام ٦ / ٦٣١، وسير أعلام النبلاء ٨ / ٢٦٣، المقري: نفح الطيب
٣٥٢/١.
٣١

وكان مَولدُهُ في سنةٍ تسع وعشرينَ ومئتين، فاتَّصَلتْ وِلايتُه سنتَيْنِ غيرَ
خمسةَ عشَرَ يومًا، ومات وهُوَ على قَلْعةٍ يقالُ لها: بُبَاشْتَر، محاصِرًا لعُمَّرَ بنِ
حَفْصُون، خارجيٌّ قامَ هناك وتحصَّنَ. وكان موتُهُ في سنةٍ خمس وسبعينَ
ومئتين. وقدِ انقَرَضَ عَقِبُ المنذر.
ولايةُ عبدِ الله بن محمد(١)
فَولِيَ بعدَه أخوهُ عبدُ اللّه بنُ محمدٌ. وكان مَولدُهُ سنةَ ثلاثينَ ومئتين،
يُكْنَى أبا محمدٍ. أُّه أُمُّ وَلَد، اسمُها: عِشَارُ، طال عُمرُها إلى أن ماتَتْ قبلَ
موته بسنةٍ وشَهْر.
وكان وادِعًا، لا يشرَبُ الخمرَ، وفي أيامِهِ امتلأتِ الأَندَلُسُ بالفِتَن،
وصار في كلِّ جهةٍ متغلّبٌ، فلم يزَلْ كذلك طولَ ولايتهِ إلى أن ماتَ مُستَهَلَّ
ربيعِ الأولِ سنةَ ثلاثِ مئة.
ولايةُ عبدِ الرَّحمنِ الناصِر(٢) .
ثُم وَلِيَ بعدَهُ ابنُ ابْنِهِ عبدُ الرَّحمن بَنُ محمدِ بنِ عبدِ الله. وكان والدُهُ
محمدٌ قد قتَلَهُ أخوهُ المُطرِّفُ بنُ عبدِ اللّه في صدرِ دَوْلَةَ أبيهِما عبدِ الله، وترَكَ
ابنَهُ عبدَ الرَّحمنِ هذا وهُوَ ابنُ عشرينَ يومًا، فوَلِيَ الأمرَ وله اثنتانٍ وعشرونَ
سنةً.
قال لي أبو محمدٍ [٦ ب] عليُّ بنُ أحمدَ: وكانتْ وِلا يتُهُ من المستطرَف،
(١) ابن عبد ربه: العقد الفريد ٤ / ٤٩٧، ابن الفرضي: تاريخ ١ / ١٠، الضبي: بغية
الملتمس ١٧، المراكشي: المعجب ٥٣، الذهبي: تاريخ الإسلام ٦ / ٩٦٨، وسير
أعلام النبلاء ٨ / ٢٦٤ وفيه مصادر أخرى، المقري: نفح الطيب ١ / ٣٥٢.
(٢) ابن عبد ربه: العقد الفريد ٤ / ٤٩٨، ابن الفرضي: تاريخ ١ / ١١، الضبي: بغية
الملتمس ١٧، المراكشي: المعجب ٥٤، ابن الأبار: الحلة السيراء ١ / ١٩٧،
الذهبي: تاريخ الإسلام ٧ / ٨٩١، وسير أعلام النبلاء ٨ / ٢٦٥ وفيه مصادر طيبة،
والمقري: نفح الطيب ١ / ٣٥٣.
٣٢

لأنه كان في هذا الوقتِ شابًّا، وبالحَضرةِ جماعةٌ أكابرُ من أعمامِه وأعمام أبيه،
وَذوي القُعْدُدِ في النسَبِ من أهلِ بيتِهِ، فلم يَعترِضْ مُعترِض، واستمَرَّ لهُ الأمرُ.
وكان شَهْمًا صارمًا.
وكلُّ مَن ذَكَرْنا من الأُمراءِ أجدادُه إلى عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمدٍ هذا، فليسَ
منهم أحدٌ تَسَمَّى بإِمْرةِ المؤمنينَ، وإنّما كان يُسَلَّمُ عليهِم، ويُخطَبُ لهم
بالإمارةِ فقَطْ، وجَرى على ذلك عبدُ الرَّحمن بنُ محمدٍ إلى آخرِ السَّنةِ السابعةَ
عشْرةَ من ولايتِه، فلمّا بلَغَهُ ضَعفُ الخلافةِ بالعِراقِ في أيام المقتدر، وظهورُ
الشِّيعةِ بالقَيْروان، تسَمَّى عبدُ الرَّحمِنِ بأميرِ المؤمنين، وتلَقَّبَ بالناصِرِ لدينِ
اللّه، وكان يُكْنَى أبا المُطَرِّف. وأُّه أُمَ وَلَد، اسمُها مُزْنَةُ.
ولم يزَلْ منذُ وَلِيَ يَستنزِلُ المتغلِّبِينَ حتى استكملَ إنزالَ جميعِهم في
خمس وعشرينَ سنةً من ولايتِه، وصار جميعُ أقطارِ الأندَلُس في طاعتِهِ. ثُم
اتَّصلَتْ ولايتُهُ إلى أن ماتَ في صدرِ رَمَضانَ سنةَ خمسينَ وثلاثٍ مئة، ولم يَبلُغْ
أحدٌ من بني أُمَيَةَ في الولايةِ مُدَّتَه فيها .
ولايةُ الحَكمِ المُستنصِر(١)
ثُم وَلِيَ بعدَهُ ابنُهُ الحَكُمُ بنُ عبدَ الرَّحمنِ، ويُلقَّبُ بالمُستَنِصِرِ بالله، ولهُ
إذْ وَلِيَ سبعٌ وأربعونَ سنةً، يُكْنَى أبا العاصِ، أُنُّه ◌ُمُ ولَد، اسمُها مَرْجان.
وكان حسَنَ السِّيرة، جامعًا للعلوم، مُحبًّا لها، مُكْرِمًا لأهلِها، وجمَعَ
منَ الكتُبِ في أنواعِها ما لم يَجمَعْهُ أحدٌ من الملوكِ قَبلَهُ هنالك، وذلك
بإرسالهِ عنها إلى الأقطار، واشترائهِ لها بأغلى الأثمان، ونفَقَ ذلك عليه فحُمِلَ
إليه .
(١) ابن الفرضي: تاريخ ١ / ١١، الضبي: بغية الملتمس ١٨، المراكشي: المعجب
٥٩، ابن الأبار: الحلة السيراء ١ / ٢٠٠، الذهبي: تاريخ الإسلام ٨ / ٢٤٠، وسير
أعلام النبلاء ٨ / ٢٦٩، المقري: نفح الطيب ١ / ٣٨٢.
جذوة المقتبس م ٣
٣٣

وكان قد رامَ قَطْعَ الخمرِ منَ الأندَلُس، وأَمَرَ بإراقتِها وتشدَّدَ في ذلك،
وشاوَرَ في استئصالِ [٧ أ] شجَرةِ العِنبِ من جميع أعمالِه، فقيل له: إنهُم
يعملونَها من التِّينِ وغيرِهِ، فتوقّف عن ذلك.
وفي أمرِهِ بإراقةِ الخمورِ في سائرِ الجِهاتِ يقولُ أبو عُمَرَ يوسُفُ بنُ
هارونَ الكِنْدِيُّ(١)، قصيدتَهُ المشهورةَ فيها، متوجِّعًا لشاربِها، وإنّما أورَدْناها
تحقيقًا لِمَا ذكَرْنا عنهُ من ذلك، وهِيَ قولُه [من الوافر]:
وتُرْمِضُني بَلِيَّتُهِمْ لَعَمْري
بِخَطْبِ الشارِبِينَ يَضيقُ صَدري
بِفَقْدِ حبَائبٍ ومُنُوا بِهَجْرٍ
وهَل هُمْ غيرُ عُشَّاقٍ أُصِيبوا
لِفُرْقِتِها فليس مكانَ صَبْرٍ
أعُشَّاقَ المُدامةِ إن جَزَعْتُمْ
دماءٌ فوقَ وَجهِ الأرض تَجْري
وَطَبَّق أُفْقَ قُرْطُبةٍ بِعِطْرٍ
وما سَكَتَنْه من ظَرْفٍ بِكَسْرٍ
ترَكْتُمْ أهلَها سكّانَ قَفْرٍ
بزَعِمِكُمُ فإن يَكُ عن تَحرِّي
وفَرَّ عنِ القضاءِ مَسِيرَ شَهْرٍ
إذا جاءَ القياسُ أتَى بِدُرِّ
يُقَطُّعُهُ بلا تَغْميض شَفْرٍ
يُواصلُ مَغرِبًا فيها بفَجرِ
ـمُضَاع بسَجْنِه من آلِ عَمْرٍو
ليوم كريهةٍ وسَدادِ ثَغْرٍ)
ولم يَكُنِ الفقيهُ بذاكَ يَدري
ولم يسمَعْهُ غنَّى ليتَ شِعري!
سَعى طُلّبُكمْ حتّى أُرِيقَتْ
تَضَوَّعَ عَرْفُها شَرْقًا وغَرْبًا
فَقُلْ للمُسْفِحِينَ لها بسَفح
وللأبوابٍ إحْراقًا إلى أنّ
تحرَّيتُمْ بذاكَ العدلَ فيها
فإنّ أبا حنيفةَ وهْوَ عَدْلٌ
فقيةٌ لا يُدانيهِ فقيهٌ
وكان منَ الصَّلاةِ طويلَ لَيْلِ
وكان لهُ من الشُّرَّابِ جارٌ
وكان إذا انتَشَى غَنَّى بصَوْتِ الـ
(أضاعوني وأيَّ فتّى أضاعُوا
فغيَّبَ صَوتَ ذاك الجارِ سِجنٌ
فقال وقد مَضَى ليلٌ وثانٍ
(١) هو المعروف بالرمادي، ستأتي ترجمته في موضعها من هذا الكتاب (الترجمة ٨٧٩).
٣٤

أجاري المُؤْنِسِي لَيْلاً غِنَاءً
فقالوا إنَّهُ في سِجنٍ عِيسَى
فنادى بالطّويلَةِ وهْيَ ممَّا
ويَمَّمَ جارَهُ عيسَى بنَ موسى
وقال أَحاجةٌ عَرَضَتْ؟ فإني
فقال سَجَنْتَ لي جارًا يُسَمَّى
بِسِجْنِي حِينَ وافقَهُ اسمُ جَارِ الْـ
فأطلقَهمْ لهُ عيسَى جميعًا
فإنْ أحبَبْتَ قُلْ لجوارِ جارٍ
فإنّ أبا حنيفةً لم يَؤُبْ من
نُواقِعُها منَ أجْلِ النَّهْي سرًّا
لخيرٍ قَطْعُ ذلك أم لشرِّ
أتاهُ بهِ المُحارِسُ وَهْوَ يَسرِي
تكونُ برأسِهِ لجليلِ أمْرٍ
فلاقاهُ بإكرام وبِرِّ
لَقاضِيها ومُتْبِعُها بَشُكرِ
بِعَمْرٍو، قال يُطلَّقُ كلُّ عَمْرٍو
ـفَقيهِ ولو سَجنتُهمُ بِوِتْرٍ
لجارٍ لا يَبِيتُ بغيرِ سُكرٍ
وإن أحبَبْتَ قُلْ لِطِلاَبٍ أجْرٍ
تَطَلُّبِهِ تَخَلُّصُهُ بوِزْرِ
وكم نَهْيٌ نُواقِعُهُ بجَهْرٍ
وقد وقَعَ لنا معنى هذا الخبرِ الذي نظَمَهُ يوسُفُ بنُ هارونَ عن أبي
حنيفةً بإسناد، حدَّثَنَاهُ الخَطيبُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليٍّ بن ثابتِ البَغْداديُّ
الحافظ، قراءةً علينا بدمشقَ من كتابِه، قال(١): أخبرني عليٌّ بنُ أحمدَ
الرزَّازُ، قال: حدثنا أبو اللَّيثِ نَصْرُ بنُ محمدٍ الزاهدُ البُخاريُّ، قَدِمَ علينا،
قال: حدّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ سَهْلِ النَّيسابُوريُّ، قال: حدثنا أبو أحمدَ
محمدُ بنُ أحمدَ الشُّعيبيُّ(٢)، قال: حدثنا أسدُ بنُ نُوح، قال: حدثنا
محمدُ بنُ عَبّاد، قال: حدثنا القاسمُ بنُ غسّانَ، قال: أخبرني أبي، قال:
(١) تاريخ مدينة السلام ١٥ / ٤٩٦.
(٢) ألف الشعيبي هذا كتابًا في فضل أبي حنيفة في عشرين جزءًا، وتوفي سنة ٣٥٧هـ،
ذكر ذلك الحاكم في تاريخ نيسابور، ونقله عنه السمعاني في (الشعيبي) من
الأنساب. وشيخه أسد بن نوح، ثم القاسم بن غسان، وأبوه لم نعرفهم وعبد الله بن
رجاء الغداني ثقة، فالله أعلم بصحة هذه الحكاية، وانظر بلا بد الدكتور بشار على
تاريخ الخطيب ١٥ / ٤٩٦ .
٣٥

حدثنا(١) عبدُ اللّه بنُ رَجاءِ الغُدَانيُّ، قال: كان لأبي حنيفةَ جارٌ بالكوفةِ إسكافٌ
يعمَلُ نهارَهُ أجمَعَ، حتى إذا جَنَّهُ الليلُ رجَعَ إلى منزِلِهِ وقد حمَلَ لحمًا فطَبَخَه،
أو سمكةً فشواها، ثُم لا يزالُ يشرَبُ، حتى إذا دَبَّ الشرابُ فيهِ غنَّى بصوتٍ
وهُوَ یقولُ [من الوافر]:
أضاعوني وأيَّ فتّى أضاعوا
ليوم كريهةٍ وسَدَادِ ثَغْرٍ
فلا يزالُ يشرَبُ ويُردِّدُ هذا البيتَ حتى يَأْخُذَهُ النومُ.
وكان [٨ أ] أبو حنيفةَ يسمَعُ جَلَبتَهُ كلَّ يوم(٢)، وأبو حنيفةَ كان يُصلِّي
الليلَ كلَّه، ففَقَدَ أبو حنيفةَ صوتَه، فسأل عنهُ، فقيل: أخَذَه العَسَسُ منذُ لَيَال،
وهُوَ محبوسٌ، فصَلَّى أبو حنيفةَ صَلاةَ الفجرِ من غَدٍ، ورَكِبَ بَغْلةً(٣) واستأْذَنَ
على الأميرِ، قال الأميرُ: ائْذَنوا له، وأقبلوا به راكبًا ولا تَدَعوهُ ينزِلُ حتى يطَّأَ
البِسَاط، فَفُعِلَ، فلم يزَلِ الأميرُ يوسعُ لهُ في(٤) مجلسِه، وقال: مَا حاجتُك؟
قال: لي جارٌ إسكافٌ أخَذَهُ العَسَسُ منذُ ليالٍ، يَأْمُر الأميرُ بتَخْليتِه، فقال:
نعَمْ، وكُلُّ مَن أُخِذَ في تلك الليلةِ إلى يومِنا هذا، فأمرَ بتَخْليتِهم أجمعين،
فركِبَ أبو حنيفةَ، والإسكافُ يمشي وراءه، فلمّا نزَلَ أبو حنيفةَ مضَى إليه،
فقال: يا فتى! أضَعْناكَ؟ فقال: لا، بل حفِظْتَ ورَعَيْتَ. جزَاكَ اللّهُ خيرًا عن
حُرمةِ الجِوارِ ورعايةِ الحقّ؛ وتابَ الرَّجُلُ ولم يعُدْ إلى ما كان.
وكان الحَكُمُ المُستنصِرُ مُواصِلاً لغَزْوِ الرُّوم، ومَن خَالفَهُ من المحارِبينَ،
فاتَّصَلَتْ وِلايتُهُ إلى أن ماتَ في صفَرِ سنةَ ستٍّ وستينَ وثلاث مئة، وقدِ انقرَضَ
عقِبُه.
(١) قوله: ((قال: حدتنا)) ظنها الشيخ الطنجي رحمه اللّه ساقطة فأكملها من تاريخ
الخطيب، مع أن الناسخ استدركها في أعلى السطر على الاختصار (نا).
(٢) ضبّب عليها الناسخ.
(٣) في تاريخ الخطيب: بغلته.
(٤) في تاريخ الخطيب: من.
٣٦

ولايةُ هشام المؤيَّد(١)
ثُم وَلِيَ بعدَهُ ابنُهُ هشام، يُكْنَى أبا الوليد، وأُّه ◌ُمُّ وَلَد تسَمَّى صُبْحَ.
وكان له إذْ وَلِيَ عشَرةُ أعوام وأشهرٌ، فلم تزَلْ مُتغلِّبةً عليه، لا يظهَرُ ولا ينفُذُ له
أمرٌ.
وتغَلَّبَ عليه أبو عامرٍ محمدُ بنُ أبي عامر، الملقَّبُ بالمنصُور(٢)، فكان
يَتَوَلَّى جميعَ الأُمورِ إلى أن مات، فصارَ مكانَهُ ابنُهُ عبدُ الملِكِ بنُ محمد،
المُلقَّبُ بالمُظفَّر، فَجَرى على ذلك أيضًا إلى أن مات، فصار مكانَهُ أخوهُ
عبدُ الرَّحمن بنُ محمد، الملقَّبُ بالناصِر، فخَلَّطَ وتسَمَّى وَليَّ العهد، وبقيَ
كذلك أربعةَ أشهر، إلى أن قام عليهِ محمدُ بنُ هشامِ بنِ عبدِ الجبّارِ يومَ الثلاثاءِ
لثمانٍ عشْرةَ ليلةً خَلَتْ من جمادى الآخرةِ سنةَ تسع وتسعينَ وثلاث مئة، فخَلَعَ
هشامَ بنَ الحكم، وأسلَمَتِ الجيوشُ عبدَ الرَّحمن بنَ محمدٍ بن أبي عامر؛
فقُتلَ وصُلب، وبقيَ كذلك إلى أن قُتلَ محمدُ بنُ هشام بن عبدِ الجبّار.
وصُرِفَ هشامٌ المؤيَّدُ إلى الأمرِ، وذلك يومَ الأحدِ السابع من ذي الحجةِ
سنةَ أربع مئة، فبقيَ كذلك، وجيوشُ البَرْبرِ تُحاصِرُهُ معَ سُليمانَ بنِ الحَكم بنِ
سُليمان، واتَّصلَ ذلك إلى خمس خَلَوْنَ من شوّالِ سنةَ ثلاثٍ وأربع مئة، فدخَلَ
البَرْبرُ معَ سُليمانَ قُرطُبةَ، وأخلَوها من أهلِها، حاشى المدينةَ وبعضَ الرَّبَض
الشرقيِّ، وقُتلَ هشامٌ.
وكان في طولِ دولتِهِ مُتغلَّبًا عليه، لا ينفُذُ له أمرٌ، وتغلَّبَ عليهِ في هذا
الحِصارِ واحدٌ بعدَ واحدٍ من العَبِيد، ولم يُولَدْ له قَطُ .
(١) ابن الفرضي: تاريخ ١ / ١١، الضبي: بغية الملتمس ١٩، المراكشي: المعجب
٧٢، الذهبي: تاريخ الإسلام ٩ / ٦٦، وسير أعلام النبلاء ٨ / ٢٧١، المقري: نفح
الطيب ١ / ٣٩٦.
(٢) ستأتي ترجمته مفصلة في موضعها من هذا الكتاب (الترجمة ١٢١) فراجعها.
٣٧

ولايةُ محمدِ بنِ هشامِ المَهْدِيِّ(١)
قام محمدُ بنُ هشام بن عبدِ الجَبّار بنّ عبدِ الرَّحمن الناصِر، على هشام
ابن الحكم في جمادى الآخرة سنةَ تسع وتسعين وثلاث مئة، فخَلَعَهُ وتسَمَّی
بالمَهْدِيّ، وبقيَ كذلك إلى أن قامَ عليه، يومَ الخميس لخمس خَلَوْنَ من شوّالٍ
سنةَ تسع وتسعينَ، هشامُ بنُ سُليمانَ ابنِ الناصِر، معَ البَرْبرِ، فِحارَبَهُ بقيّةً يومِهِ
والليلةَ المُقبلةَ وصَبيحةَ اليوم الثاني، وقَام عليه عامةُ أهلِ قُرْطَبةَ معَ محمدِ بنِ
هشام، فانهزَمَ البَرْبرُ، وأَسِرَ هشامُ بنُ سُليمانَ، فأَتَيَ بهِ إلَى المَهْدِيِّ، فضَرَبَ
عُنقَه.
واجتَمَعَ البَرْبرُ عندَ ذلك، فقَدَّموا على أنفُسِهِم سُليمانَ بنَ الحَكم بن
سُليمانَ الناصِر، ابنَ أخي هشام القائم، المذكور، ونهضَ بهم إلى الثَّغر،
فاستَجاشَ بالنَّصارى، وأتَى بهم إلى بابِ قُرْطُبةَ. وبرَزَ إليه جماعةُ أهلِ قُرطُبة،
فلم تكُنْ إلّ ساعةٌ حتّى قُتْلَ مِن أهلِ قُرَطُبةَ نِيٌِّ على عشرينَ ألفَ رَجُل، في
جبلٍ هناك يعرَفُ بجبلٍ قُنْطيشٍ، وهَيَ الوَقْعةُ المشهورة، ذهَبَ فيها، [٩ أ] منَ
الخِيَارِ وأئمةِ المساجدِ والمؤذِّنِينَ، خَلْقٌ عظيم .
واستَتَرَ محمدُ بنُ هشام المهديُّ أيامًا، ثُم لحِقَ بطُلَيطُلةَ، وكانتِ الثُّغورُ
كلُّها: منَ طَرْطُوشةَ إلى الأُشبونة باقيةً على طاعتِهِ ودعوتِهِ، فاستَجاشَ
بالإفرَنْجَ، وأتَى بِهِم إلى قُرطُبةَ، فَبَرَزَ إليه سُليمانُ بنُ الحَكم معَ البَرْبِرِ إلى
مَوضع بقُربٍ قُرطَبةً على نحوٍ بضعةَ عِشَرَ ميلاً يُدعَى عَقَبَةَ البَقَر، فانهزَمَ سُليمانُ
والبَرْبر، واستَوْلى المَهْديُّ على قُرطبة. ثُم خرَجَ بعدَ أيامِ إلى قتالِ جُمهورٍ
البَرْبر، وكانوا قد صاروا بالجزيرة، فالتقَوْا بوادي آرُه، فكانتِ الهزيمةُ على
محمدِ بنِ هشام، وانصَرَفَ إلى قُرطَبَة، فوَثَبَ عليهِ العَبِيدُ معَ واضح الصَّقْلَبِيِّ
فقَتَلُوهُ، وَصَرَفُوا هشامًا المؤيَّدَ كما ذكَرْنا قبْلُ.
(١) الضبي: بغية الملتمس ٢٠، المراكشي: المعجب ٨٨، الذهبي: تاريخ الإسلام
٨ / ٨٢١.
٣٨

فكانتْ مُدةُ ولايةِ محمدِ المَهْديِّ، مُذْ قامَ إلى أن قُتلَ، ستةَ عشَرَ شهرًا،
مِن جُملتِها الستةُ الأَشهرِ التي كان فيها سُليمانُ بِقُرطُبة، وكان هُوَ بالثَّغر.
وكان يُكْنَى أبا الوليد، أُمُّه أُمّ ولَد، تسَمَّى مُزْنَةَ. وكان لهُ ولَدُ اسمُهُ
عُبَيْدُ اللّه، انقَرَضَ. ولا عَقِبَ للمَهْديِّ. وكان مَولدُ المهديِّ في سنةِ ستٍّ
وستِّيْنَ وثلاث مئة.
ولايةُ سُليمانَ بنِ الحَكم المُستعينِ(١)
قام سُليمانُ بنُ الحَكم، كما ذَكَرْنا، يومَ الجُمعةَ لستِّ خَلَوْنَ مِن شوّالٍ
سنةَ تسع وتسعينَ وثلاث مئة، وتلَقَّبَ بالمُستعينِ باللّهِ. ثُم دخَلَ قُرْطُبةَ، كما
ذكَرْنا، في ربيع الآخِرِ سنةَ أربع مئة، وتلقَّبَ حينَذٍ بالظافرِ بحَوْلِ اللّه، مضافًا
إلى المستعين،َ ثُم خرَجَ عنها في شوّالٍ سنةَ أربع مئة.
فلم يزَلْ يجُولُ بعساكِرِ البَرْبِرِ فِي بلادِ الأندَلُس، يُفسِدُ وينهَبُ، ويُقْفِرُ
المدائنَ والقُرَى بالسَّيفِ والغارةِ، لا تُبقي البَرْبرُ مَعهُ على صغيرٍ ولا كبير، ولا
امرأةٍ، إلى أن دخَلَ قُرطُبةَ، في صدرِ شوّالِ سنةَ ثلاثٍ وأربع مئة، وكان من
جُملةِ جُندِه رجُلانِ من [٩ ب] وَلَدِ الحسَنِ بنِ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ، يُسمَّیانِ
القاسمَ وعليًّا، ابنَيْ حَمُّودٍ (٢) بنِ مَيمونِ بن أحمدَ بن عليٍّ بن عُبَيدِ اللّه بن عُمرَ
ابن إدريسَ بنِ إدريسَ بنِ عبدِ الله بن الحسَنِ بنِ الحسَنِ بن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ
رضيَ اللّهُ عنهُ، فقَوَّدَهُمَا على المغاربة، ثُمَ وَلَّى أحدَهَما سَبْتَةً وطَنجَةَ، وَهُوَ
عليٌّ الأصغَرُ منهما، ووَلَّى القاسمَ الجزيرةَ الخَضْراءَ، وبيْنَ الموضِعَيْنِ المَجازُ
المعروفُ بالزُّقَاق، وسَعَةُ البَحْرِ هناك اثنا عشر ميلاً .
وافترَقَ العبيدُ، إذ دخَلَ البَرْبرُ معَ سُليمانَ قُرْطُبةَ، فمَلكوا مُدُنًا عظيمةً،
(١) الضبي: بغية الملتمس ٢١، المراكشي: المعجب ٩٠، ابن الأبار: الحلة السيراء
٢ / ٥، الذهبي: تاريخ الإسلام ٩ / ١١٨، وسير أعلام النبلاء ١٧ / ١٣٣ وفيه
مصادر أخرى، المقري: نفح الطيب ١ / ٤٢٨ .
(٢) ضبطه صاحب القاموس فقال: ((كَتَنُّور)).
٣٩

وتحصَّنُوا فيها، فراسَلَهم عليُّ بنُ حَقُّودِ المذكورُ، وقد حَدَثَ له طَمَعٌ في ولايةِ
الأندَلُس، وكتَبَ إليهم يَذْكُرُ لهم أنّ هشامَ بنَ الحَكم، إذْ كان مُحاصَرًا بقُرطُبةَ،
كتَبَ إليه يُولِّيهِ عهدَهُ، فاستَجابوا لهُ وبايَعوه، فزَحَفَ من سَبْتَةَ إلى مالَقَةَ، وفيها
عامرُ بنُ فُتُوح الفائقيُّ مَولى فائقٍ، مولى الحكم المستنصِر، فأطاع له وأدخَلَهُ
مالَقَةَ، فَتَملَّكها عليُّ بنُ حَمُّودٍ، وأخرَجَ عنها عامرَ بنَ فُتُوح.
ثُمَ زَحَفَ بمَن معَهُ من البَرْبرِ وجُمهورِ العبيدِ إلی قُرطَبة، فخرَجَ إليه
محمدُ بنُ سليمانَ في عساكرِ البَرْبر، فانهزَمَ محمدُ بنُ سُليمان، ودخَلَ عليُّ بنُ
حَمُودٍ قُرطُبة، وقتَلَ سُليمانَ بنَ الحكم صَبْرًا، ضرَبَ عنُقَهُ بَيَدِه يومَ الأحدِ لتسع
بقينَ من المحرَّم سنةَ سبع وأربع مئة، وقَتلَ أباهُ الحَكَمَ بنَ سُليمانَ ابن الناصِرِ
أيضًا في ذلك اليوم، وهُوَّ شيخٌ كبيرٌ له اثنتانِ وسَبْعونَ سنةً.
فكانتْ مدةُ سُليمانَ، منذُ دخَلَ قُرْطُبةَ إلى أن قُتْلَ، ثلاثةَ أعوام وثلاثةَ
أشهرٍ وأيامًا، وقد كان مَلَكها قبْلَ ذلك ستةَ أشهرِ كما ذكَرْنا. وكانتْ مُدَّتُه، مذْ
قام معَ البَرْبرِ إلى أن قُتل، سبعةَ أعوامٍ وثلاثةَ أشهرٍ وأيامًا .
وانقَطعتْ دولةُ بني أُميةَ في هذا الوقتِ وذِكْرُهم على المنابرِ في جميع
أقطارِ الأندَلُس، إلى أن عادَ [١٠ أ] بعدَ ذلك في الوقتِ الذي نَذكرُهُ إن شاء
اللّه. وكانتْ أمّهُ أَمَّ وَلَدِ اسمُها ظَبْيةُ.
ومَوْلِدُهُ سنةَ أربع وخمسينَ وثلاث مئة، وترَكَ من الوَلِدِ: وليَّ عهدِهِ
محمدًا، لم يُعِقِبْ، والوليدَ، ومَسْلَمةَ.
وكان سُلَيمانُ أديبًا شاعرًا. أنشَدني أبو محمدٍ عليّ بنُ أحمد، قال:
أنشَدني فتّى مِن وَلَدِ إسماعيلَ بن إسحاقَ المُنادِي الشاعرِ، كان يَكتُبُ لأبي
جَعْفرٍ أحمدَ بن سعيدٍ بن الذُّبِّ، قال: أنشدني أبو جَعْفرٍ، قال: أنشَدني
أميرُ المؤمنينَ سُليمانُ الظافرُ لنفْسِه. قال أبو محمد: وأنشَدَنيها قاسمُ
ابنُ محمدِ المَرْوانِيُّ، قال: أنشَدَنيها وليدُ بنُ محمدٍ الكاتبُ، لسُليمانَ
٤٠