النص المفهرس
صفحات 1-20
٢ سْلِسْلَةُ الَرَمِ الأَنْالسَيَّة III أَ المََّةِالأَ لُ لِ عَبَدًالَهَُبْرِ فُتُخِ ◌َدَالهُ الجَيْدِي المُتُوَقَّةَ ٤٨٨ هـ حَشْقَد وعَّ عليه بشار عواد معروف محمّ بشار عواد داغ دَار الغرب الإسلامي تونس NS حـ لِ عَبْدِ هِفُتُع ◌ِنْعَبْدَهُ الْخِيَّدِي المُتُوَقَرَّةَ ٤٨٨ هـ حشّقة وعَّ عليه محمد بشّار عواد بشارعواد معروف دَار الغرب الإسلامي تونس دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى 1429 هـ - 2008م دار الغرب الإسلامي العنوان: ص.ب .: 200 تونس 1015 جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تقدیم الحمدُ للّهِ رَبِّ العالمين، نَحْمَدُه ونَسْتعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شُرور أنفُسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يَهْدِهِ اللّهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سَيِّدَنا وإمامَنا وأُسْوَتَنَا وشفيعَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، بعثَهُ اللّهُ بالهُدَى ودينِ الحَقِّ ليُظْهِرَهُ على الدِّين كُلِّه ولو كَرِهَ المشركون. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢ ]. ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿وَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ -٧١]. أما بعدُ، فيسعدُني أنّ أقدِّم للباحثين من عُشّاق التراث العربي كتاب ((جذوة المقتبس)) للإمام القدوة الأثري أبي عبد الله الحُميدي، وهو الإصدار الثالث من ((سلسلة التراجم الأندلسية)) التي رغب إليَّ فيها صديقي الفاضل الأستاذ حبيب اللمسي صاحب دار الغرب الإسلامي عاشق الكتب الأصيلة والطبعات المتقنة والباذل فيها كل نفيس، احترامًا للأمة، ودفعًا لغوائلِ التشويه عن تراثها منجم عزها ومجدها الذي تتربى عليه أجيالها . ٥ الحميديّ: وأبو عبد الله محمد (١) بن أبي نصر فُتُوح (٢) بن عبد الله بن فُتُوح بن حُميد بن يَصِل(٣) الحُمَيْدي عربي صليبة من الأزْد، كانت عائلته تسكن محلة الرُّصافة بقرطبة، وتحوّل والده منها إلى جزيرة مَيُورقة(٤)، جزيرة من جزر (١) ذكره ابن ماكولا في الإكمال ٦ / ٢٤٣، والسمعاني في ((الحميدي)) من الأنساب، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٥ / ٧٧ - ٨٢، وابن بشكوال في الصلة (١٢٣٠)، وابن الجوزي في المنتظم ٩ / ٩٦، والضبي في بغية الملتمس (٢٥٧)، وياقوت في معجم الأدباء ٦ / ٢٥٩٨ - ٢٦٠٠، وابن نقطة في إكمال الإكمال ٢ / ١٢٦، وابن الأثير في ((الحميدي)) من اللباب، وفي الكامل ١٠ / ٢٥٤، وابن النجار في تاريخه (كما دل عليه المستفاد ١٢٢ - ١٢٤)، وابن خلكان في وفيات الأعيان ٤ / ٢٨٢ - ٢٨٤، والذهبي في تاريخ الإسلام ١٠ / ٧٤ - ٨٢، وسير أعلام النبلاء ١٩ / ١٢٠ - ١٢٧، وتذكرة الحفاظ ٤ / ١٢١٨، والعبر ٣ / ٣٢٣، والمشتبه ٢٥٠، ودول الإسلام ٢ / ١٨، والصفدي في الوافي ٤ / ٣١٧ - ٣١٨، واليافعي في مرآة الجنان ٣ / ١٤٩، وابن كثير في البداية والنهاية ١٣ / ٢٥٤ (ط. دار ابن كثير المحققة)، وابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ٢ / ٢٨٦ و٣ / ٣٢٩ و٧ / ٤١، والمقريزي في المقفى ٦ / ٢٦٧، وابن حجر في تبصير المنتبه ٢ / ٥١٦، وابن تغري بردي في النجوم ٥ / ١٥٦، والسيوطي في طبقات الحفاظ ٤٤٧، والمقري في نفح الطيب ٢ / ١١٢ - ١١٦، وابن العماد في شذرات الذهب ٣ / ٣٩٢، وحاجي خليفة في كشف الظنون ١ / ٥٨١، وإسماعيل باشا في هدية العارفين ٧٧، وغيرهم. (٢) قيده بعض المحققين بتشديد التاء ثالث الحروف، منهم صديقنا العلامة الدكتور إحسان عباس يرحمه اللّه (ينظر مثلاً: نفح الطيب ٢ / ١١٢)، ولم نجد لذلك أصلاً، وقد قيده ابن ناصر الدين بالحروف ولم يشر إلى التشديد، فلو كان موجودًا لذكره، قال: بضم أوله والمثناة فوق، تليها واو ساكنة، ثم حاء مهملة، جماعة، منهم: محمد بن فتوح الأندلسي (توضيح المشتبه ٧ / ٤١). (٣) قيّده ابن خلكان بالحروف فقال: بفتح الياء المثناة من تحتها وكسر الصاد المهملة وبعدها لام (وفيات الأعيان ٤ / ٢٨٤). (٤) Mallorca وهي كبرى هذه الجزر تبلغ مساحتها ٦٤٠كم٢، وقد تبعت في عهد = ٦ البليار في البحر المتوسط تجاه شرق الأندلس، حيث ولد فيها قبل سنة عشرين وأربع مئة . وقد اعتنت به عائلته منذ نعومة أظفاره، فكان، وهو لما يزل طفلاً، يُحمل إلى مجالس العلم ليثبت اسمه في طباق السماعات، قال تلميذه محمد بن طرخان ((ت ٥١٣هـ)): سمعت أبا عبد اللّه الحميدي يقول: كنت أُحمل للسماع على الكتف وذلك في سنة خمس وعشرين وأربع مئة، فأول ما سمعت من الفقيه أصبغ بن راشد، وكنتُ أفهم ما يُقرأ عليه(١). وفي مَيُورقة اتصل الحميدي اتصالاً قويًا بالإمام الفقيه الكبير أبي محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم وقرأ عليه أكثر مصنفاته، وأكثرَ من الأخذ عنه وشُهِرَ بصُحبته(٢)، فكان تأثير ابن حزم عليه عظيمًا في آرائه العقائدية، وميله الشديد إلى الحديث، والابتعاد عن التقليد، وتبنيه لمذهب داود بن علي الظاهري، وهو مذهب شيخه ابن حزم، وإن لم يصرح بذلك، ولكنه يظهر واضحًا جليًا من أبياتٍ له عَبَّر فيها عن هذا التوجه: وما صحت به الآثار ديني كلام اللّه عز وجل قولي وعودًا فهو عن حق مبينٍ وما اتفق الجميع عليه بدءًا تكن منها على عين اليقينِ فدع ما صد عن هذا وهذا ومع أنه قرأ الفقه المالكي على شيوخ عصره وعُني بفقه أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، فروى من طريق شيخه أصبغ بن راشد بن أصبغ الطوائف لمملكة مجاهد العامري الذي اتخذها قاعدة له (معجم البلدان ٥ / ٢٤٦ - = ٢٤٧، وابن حوقل ١١٠، وبلدان الأندلس لصديقنا الدكتور بني ياسين ٥٠٠). (١) الجذوة، الترجمة (٣٢٥)، ومعجم الأدباء لياقوت ٦ / ٢٥٩٩، وتاريخ الإسلام ٩ / ٥٩٩. (٢) معجم الأدباء ٦ / ٢٦٠٠، وسير أعلام النبلاء ١٩ / ١٢٧، ونفح الطيب ٢ / ١١٥ وغيرها. ٧ ((رسالته)) و((مختصر المدونة))(١)، واتصل اتصالاً قويًا بالمحدث الفقيه أبي عمر ابن عبد البر النمري شارح ((الموطأ))، لكنه ظل متأثرًا بابن حزم تأثرًا كبيرًا، حتى قال عنه: ((ما رأينا مثله رحمه اللّه فيما اجتمع له، مع الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس، والتدين ... وكان له في الآداب والشعر نَفَس واسع وباع طويل، وما رأيتُ من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، وشعره كثير، وقد جمعناه على حروف المعجم))(٢). وحين امتُحِنَ ابنُ حزم وشُرِّدَ عن وطنه بسبب تعصب المالكية عليه(٣) اضطر الحميدي إلى هجران الوطن والتوجه إلى المشرق لطلب العلم سنة ٤٤٨ هـ، فحج وسمع بمكة من المحدثة الكبيرة كريمة بنت أحمد بن محمد المروزية المجاورة بحرم اللّه تعالى والمتوفاة سنة ٤٦٣ هـ أشهر رواة صحيح البخاري يومئذٍ(٤). وكان قد سمع في طريقه بمصر من طائفة، منهم: القاضي أبو عبد اللّه القُضاعي صاحب ((مسند الشهاب))، ومحمد بن أحمد القزويني، وأبو إسحاق الحبال، والحافظ عبد الرحيم بن أحمد البخاري(٥)، وعبد العزيز الضَّراب. والتقى الحميدي بدمشق بالحافظ الكبير أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي الذي كان قد هاجر إليها أوائل سنة ٤٥١ هـ بعد المحنة التي (١) الجذوة، الترجمة (٣٢٥)، ومعجم الأدباء ٦ / ٢٥٩٩، والمقفى للمقريزي ٦ / ٢٦٧. (٢) جذوة المقتبس، الترجمة ٧٠٩. (٣) ينظر تاريخ الإسلام للذهبي ١٠ / ٧٨. (٤) إكمال ابن ماكولا ٧ / ١٧١، والمنتظم لابن الجوزي ٨ / ٢٧٠، وتاريخ الإسلام للذهبي ١٠ / ١٩٥ و٢٢٣، وسير أعلام النبلاء ١٨ / ٢٣٣. (٥) روى الحميدي كتاب ((المؤتلف)» لعبد الغني بن سعيد المصري من طريق عبد الرحيم ابن البخاري، وتعد روايته من أتقن الروايات (تنظر مقدمة المؤتلف لعبد الغني ١ / ٢٧). ٨ أصابته ببغداد إثر مقتل الوزير ابن المُسلمة في أواخر ذي الحجة سنة ٤٥٠ هـ(١)، فسمع منه تاريخ مدينة السلام وكتب أكثر كتبه الأخرى، كما سمع منه الخطيب أكثر كتبه(٢). كما سمع من عبد العزيز الكتاني، وأبي القاسم الحنائي، وغيرهما. ودخل بغداد فسمع بها، ثم رحل إلى واسط فسمع بها من العلامة أبي غالب بن بشران اللغوي(٣). وعاد الحميدي إلى بغداد واستوطنها، واتصل بالمظفر أبي الفتح بن علي بن الحسن بن أحمد المعروف بابن المُسلمة (٤٣٧ - ٤٩١هـ))، نائب الوزارة في خلافة المقتدي، وأقام بداره معززًا مكرمًا، قال الذهبي: ((وكانت دار أبي الفتح مجمعًا لأهل العلم والدين والأدب، ومن جملة من أقام في داره ومرض عنده ومات: أبو إسحاق مصنف التنبيه، وممن كان يقيم عنده: أبو عبد الله الحميدي))(٤)، ولا يستغرب مثل هذا على هذه العائلة الكريمة، فقد كان والده الوزير القدير أبو القاسم علي بن الحسن (٣٩٧ - ٤٥٠هـ))، وزير الخليفة القائم بأمر الله هو الذي تولَّى رعاية علامة بغداد أبي بكر الخطيب، وغيره من العلماء، وكان ذا رأي سديد وعقل وافر، ختمت حياته بالشهادة على أيدي أعوان العُبيديين(٥) الذين زعموا أنهم من نسل فاطمة الزهراء البتول، وفاطمة عليها السلام براء منهم. وفي بغداد سمع الجم الغفير، وأفاد، وسمع منه عشرات الطلبة، وفيها ألف معظم كتبه الأساسية ومنها ((الجمع بين الصحيحين)) أبرز مؤلفاته، ومنها هذا الكتاب ((جذوة المقتبس)). (١) تنظر مقدمتنا لتاريخ مدينة السلام ١ / ٣٣. (٢) معجم الأدباء ٦ / ٢٥٩٩. (٣) تاريخ دمشق ٥٥ / ١٧٧ . (٤) تاريخ الإسلام ١٠ / ٧١٢. (٥) مقدمتنا لتاريخ الخطيب ١ / ٣١. ٩ وقد حدث عنه كبار الحفاظ من شيوخه وأقرانه وتلامذته، وفي مقدمتهم شيخه أبو بكر الخطيب ومات قبله بدهر، وصديق بن عثمان الديباجي، ورفيقه وصديقه الأمير أبو نصر ابن ماكولا صاحب ((الإكمال))، وأبو عامر محمد بن سعدون العبدري، ومحمد بن طرخان التركي، ويوسف بن أيوب الهمذاني الزاهد، وإسماعيل بن محمد التيمي صاحب ((الترغيب والترهيب))، والقاضي محمد بن علي الجلابي، والحسين بن الحسن المقدسي، وأبو إسحاق بن نبهان الغنوي، وأبو عبد اللّه الحسين بن نصر بن خميس الموصلي، وأبو القاسم إسماعيل ابن السمرقندي، وأبو الفتح ابن البطي، ومحمد بن ناصر السلامي، وأبو الحسن بن سرحان، وأبو بكر ابن الخاضبة، وأبو علي ابن سكرة الصدفي، وغيرهم من متعيني الرواة(١). أحب الحميدي مدينة السلام بغداد رغم حرارة صيفها حتى أنه كان يجلس في إجانة ماء يتبرد به، وهو لا ينقطع عن الكتابة والتحصيل(٢)، وعزم على قضاء بقية حياته فيها طالبًا للعلم ومفيدًا، وهي يومذاك عاصمة الدنيا العربية الإسلامية ومعدن العلوم والعلماء. وحين شعر الحميدي بدنو أجله أوصى ولي نعمته المظفر ابن رئيس الرؤساء أن يدفنه في مقبرة باب حرب وعند بشر بن الحارث الحافي حيث يرقد هناك الإمام المبجل أحمد بن حنبل والخطيب البغدادي وثلة من علماء الحدیث. وتوفي الحميدي في سابع عشر ذي الحجة من سنة ٤٨٨ هـ، فرأى المظفر أن يدفنه بمقبرة باب أبرز بالقرب من قبر الشيخ الفقيه الكبير أبي إسحاق الشيرازي، فدفنه هناك بعد أن صلى عليه الفقيه أبو بكر الشاشي بجامع القصر، (١) ينظر تاريخ الإسلام ١٠ / ٦١٧، وسير أعلام النبلاء ١٩ / ١٢٢، وتاريخ دمشق ٥٥ / ٧٨ وغيرها. (٢) تاريخ الإسلام ١٠ / ٦١٨. ١٠ مخالفًا بذلك وصيته. فلما كان بعد مدة رآه في النوم يعاتبه على ذلك، فنقله في صفر سنة ٤٩١ هـ إلى مقبرة باب حرب، وحين كشف قبره لينقل وجدوا كفنه جديدًا وبدنه طريًا تفوح منه رائحة الطيب على الرغم من مرور أكثر من عامين على وفاته(١)، رحمه الله. لقد أجمع العلماء الذين عاصروا الحميدي أو جاءوا بعده على الثناء علیه ثناءً عاطرًا. قال الأمير ابن ماكولا: ((أنشدني صديقنا الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ))(٢). وقال في موضع آخر: ((لم أر مثل صديقنا أبي عبد الله الحميدي في نزاهته وعفته وورعه وتشاغله بالعلم))(٣). وقال الإمام أبو طاهر إبراهيم بن أحمد بن محمد السلماسي ((المتوفى سنة ٤٩٦هـ))، وكان قد لقي الأئمة بالعراق وخراسان وأذربيجان وأرّان: ((لم تر عيناي مثل أبي عبد اللّه الحميدي رضي اللّه عنه في فضله ونبله وغزارة علمه ونزاهة نفسه وحرصه على نشر العلم وبثه في أهله. وكان ورعًا تقيًا إمامًا في علم الحديث وعلله ومعرفة متونه ورواته، متحققًا بعلم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث بموافقة الكتاب والسنة، فصيح العبارة نظيف الإشارة، متبحرًا في علم الأدب والعربية والشعر والترسّل)) (٤). وقال أبو طاهر السلفي ((ت ٥٧٦هـ)): سألت أبا عامر محمد بن سعدون العبدري (ت ٥٢٤هـ) عن الحميدي فقال: ((لا يُرى مثله قط، وعن مثله لا يُسأل، جمع بين الفقه والحديث والأدب، ورأى علماء الأندلس، وكان حافظًا)»(٥). (١) تاريخ دمشق ٥٥ / ٨١. (٢) الإكمال ٦ / ٢٤٣. سير أعلام النبلاء ١٩ / ١٢٢ - ١٢٣. (٣) (٤) تاریخ دمشق ٥٥ / ٨٠ -٨١. (٥) تاريخ الإسلام ١٠ / ٦١٨، وسير أعلام النبلاء ١٩ / ١٢٣. ١١ وقال جمال الدين ابن الجوزي ((ت ٥٩٧هـ)): ((وكان حافظًا دينًا نزهًا عفيفًا، كتب من مصنفات ابن حزم الكثير، وكتب تصانيف الخطيب، وصنّف فأحسن، ووقف كتبه على طلبة العلم فنفع الله بها، حدثنا عنه أشياخنا))(١). ووصفه الذهبي بأنه ((الإمام القدوة، الأثري، المتقن الحافظ، شيخ المحدثين))(٢)، وقال في موضع آخر: «كان ثقة، متدينًا، بصيرًا بالحديث، عارفًا بفنونه، خبيرًا بالرجال، لا سيما بأهل الأندلس وأخبارها، مليح النظم، حسن النغمة في قراءة الحديث، صينًا ورعًا، جيّد المشاركة في العلوم))(٣). وهذه شهادات من كبار العلماء، ولم أقف على أي قول فيما اطلعت عليه، قد أخذ عليه مأخذًا ما صغيرًا كان أو كبيرًا، في دينه، أو علمه، أو ضبطه. تأليف الكتاب: ألف الحميدي هذا الكتاب بناءً على طلب من أحد البغداديين، ولعلي لا أجانب الصواب إذا ما استرجمت أن صاحب هذا الطلب هو المظفر ابن رئيس الرؤساء الذي كان الحميدي يقيم في داره، يظهر ذلك من قوله في مقدمة كتابه: «فإن بعض من ألتزمُ واجبَ شُكره على جميلٍ بِرّه ... نبهني على أن أجمع ما يحضرني من أسماء رواة الحديث بالأندلس ... إلخ))، فالذي يُشْكَر على بِرِّه هو المظفر هذا. إِنَّ كثيرًا ممن ترجم للحميدي وذكر كتابه هذا، أشار إلى أنه كتبه من حفظه بناءً على ما ورد في مقدمة الكتاب، وهو رأي مرجوح فيما أظن، فليس في مقدمة المؤلف ما يؤكد ذلك، وإنما أشار المؤلف في مقدمته إلى قلة ما بين يديه من مؤلفات تفي بهذا الغرض، فاستعان على ذلك بحفظه، فمصادر الكتاب إذن مما كان عنده من كتب، ومما كان يحفظه، يدل على ذلك قوله في (١) المنتظم ٩ / ٩٦. (٢) سير أعلام النبلاء ١٩ / ١٢٠ . (٣) تاريخ الإسلام ١٠ / ٦١٧. ١٢ المقدمة: ((بادرت إلى جمع المفترق الحاضر، وإخراج ما في الحفظ منه وإتعاب الخاطر)). وكان الحميدي شديد الكلف بكتب شيخه ابن حزم، وأشار ابن الجوزي وغيره إلى أنه كتب من مصنفات ابن حزم الكثير، ونحن نعلم يقينًا أن المصدر الرئيس لهذا الكتاب هو كتب ابن حزم، فكيف يقال عندئذٍ: إنّه اقتصر في تأليفه على الحفظ؟ فضلاً عن نقله عن كتب سماها بعينها . عنوان الكتاب: اختلف المترجمون للحمیدي الذاکرون کتابه في عنوانه، فسماه ابن خیر الإشبيلي ((جذوة المقتبس في تاريخ الأندلس))(١)، وسماه ياقوت الحموي: ((جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس))(٢) وتبعه المقريزي في المقفى(٣)، والمقري في نفح الطيب(٤). أما ابن النجار البغدادي فسماه: ((تاريخ الأندلس))(٥)، وتبعه الذهبي في كتبه(٦)، والصفدي في الوافي(٧). وقال ابن خلكان: ((تاريخ علماء الأندلس سماه: جذوة المقتبس)) (٨). أما حاجي خليفة وإسماعيل(٩) باشا البغدادي(١٠) فسمياه: ((جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس)). وغالبًا ما كان الآخرون يقتصرون على القسم الأول من عنوان (١) فهرسة ابن خير ٢٢٦ . معجم الأدباء ٦ / ٢٦٠٠. (٢) (٣) المقفى ٦ / ٢٦٨. (٤) نفح الطيب ٢ / ١١٣ . كما في المستفاد من ذيل تاريخ بغداد ١٢٤ . (٥) (٦) تاريخ الإسلام ١٠ / ٦١٨، وسير أعلام النبلاء ١٩ / ١٢٣. (٧) الوافي ٤ / ٣١٧. (٨) وفيات الأعيان ٤ / ٢٨٢. (٩) كشف الظنون ١ / ٥٨١. (١٠) هدية العارفين ٧٧ . ١٣ الكتاب وهو ((جذوة المقتبس)) (١). يتبين مما تقدم أن ((جذوة المقتبس)) لا خلاف عليه، وإنما وقع الخلف في تتمة العنوان، وأقربها إلى الصحة فيما أرى هو ((في تاريخ علماء الأندلس)) كما ذكر حاجي خليفة والبغدادي، وهو قريب مما ذكره ابن خير الإشبيلي وابن خلكان . نسخة الكتاب الخطية : وصلت إلينا من هذا الكتاب نسخة فريدة محفوظة في مكتبة البودليان بأكسفورد برقم ٤٦٤ Hunt تتكون من عشرة أجزاء حديثية عدد أوراقها ١٧٨ ورقة، ومسطرتها (٢٢) سطرًا في كل سطر (١٢) كلمة تقريبًا، وخطها أندلسي فيه ميل إلى خطوط المشارقة، وهي غير مؤرخة، ولا نعرف ناسخها، لكننا نسترجم أنها من منتسخات المئة السابعة . ويظهر في حواشي النسخة أثر مقابلتها على الأصل المنتسخ منه، والذي لا نعرف عنه شيئًا أيضًا، وهي نسخة جيدة صحيحة من حيث العموم. وعلى هذه النسخة الفريدة نشر العلامة الشيخ محمد بن تاويت الطنجي يرحمه الله الكتاب منذ مدة مبكرة من حياته العلمية سنة ١٩٥٢م(٢)، فلم يوفق في كثير من الأحيان إلى قراءة متقنة للنص فوقع فيها غير قليل من التصحيف والتحريف الذي أشرنا إلى بعضه في تعليقاتنا على الكتاب. ويبدو أن الشيخ يرحمه اللّه لم يعتنِ العناية التامة بمقابلة النسخة على أصلها بعد نسخها، أو عدم الرجوع إليها في أقل الأحوال عند وقوع الخلف بينها وبين ((بغية الملتمس)) للضبي، وهو ممن نقل عن نسخة كانت عنده، ودلالة ذلك أننا كثيرًا ما وجدناه يثبت شيئًا من ((بغية الملتمس)) في الهامش أو يصحح في المتن لشيء (١) ينظر الإعلان بالتوبيخ للسخاوي ٦١٨ . (٢) ولد الشيخ الطنجي سنة ١٩١٨ م وتوفي إلى رحمة الله سنة ١٩٧٤م. ١٤ موجود في أصل النسخة(١). أما طبعة الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر سنة ١٩٦٦ م وطبعة السيد إبراهيم الأبياري فقد نضدت على طبعة الشيخ الطنجي على الرغم من قيام الأبياري بوضع نموذجين من النسخة الخطية في مقدمة طبعته، فهو لم يراجع النسخة، بدليل وقوعه في جميع الأخطاء التي وقعت في طبعة الشيخ يرحمه اللّه، نسأل الله العافية! نهج العمل في التحقيق : لما كانت النسخة التي وصلت إلينا نسخة فريدة، كان لا بد من اعتبار الناقلين عن ((الجذوة)) نسخًا أخرى. وفي طليعة هؤلاء ابن عميرة الضبي (ت ٥٩٩هـ) في ((بغية الملتمس)) حيث يعد هذا الكتاب نسخة ثانية من ((جذوة المقتبس)) إذ اقتبس جميع التراجم وأضاف إليها تراجم جديدة. ومن الناقلين المكثرين عن الحميدي في ((الجذوة)): ابن ماكولا ((ت ٤٧٥ هـ)) في ((الإكمال))، وابن بشكوال ((ت ٥٧٨هـ)) في ((الصلة))، وياقوت الحموي ((ت ٦٢٦ هـ)) في ((معجم الأدباء))، والذهبي ((ت ٧٤٨هـ)) في ((تاريخ الإسلام))، والسيوطي (ت ٩١١ هـ)) في ((بغية الوعاة)) وغيرهم ممن أشرنا إليهم في التعليقات. ولقد تبين أن بسام الشنتريني كان يمتلك نسخة من ((جذوة المقتبس))(٢). ولا أشك أن الناقلين الآخرين ممن ذكرتهم كانوا قد اطلعوا على نسخ منها، لا سيما المشارقة منهم حيث اشتهر هذا الكتاب عندهم. ومن ثم قابلنا النص بأصل ((البغية)) وبالنقول الأخرى عند الاختلاف وثبتنا ما رأيناه صوابًا، وهذه هي الطريقة الفضلى عند توفر نسخة واحدة بغير خط المؤلف من كتاب ما عند تحقيقه . ولا أراني بحاجة إلى ذكر ما بذلنا من جهد في تفصيل مادة الكتاب، (١) تنظر مثلاً التراجم: ٣٣٢، ٣٤٠، ٤٦٠، ٥٤٣، ٦٣٠، ٦٧٠، ٩١١، ٩١٤ وغيرها، وتعلیقنا عليها . (٢) تنظر مقدمة العلامة إحسان عباس للذخيرة ١ / ٩. ١٥ وضبط النصوص بالحركات، وهو أمر لا بُد منه في كتب التراجم، فإن الأسماء شيء لا يدخله القياس، وليس لها إلا التقييد والضبط، ضبط القلم تارة وضبط الحروف عند الضرورة. فضلاً عن أننا ذكرنا لكل ترجمة مجموعة مختارة من المصادر، وعنينا خاصة بالمصادر المعنية بالنقل عن الكتاب، وقابلنا في الأغلب الأعم مادتها المنقولة بما جاء في النسخة الخطية الفريدة. كما طرزنا الكتاب ببعض الفوائد العوائد التي تجلي النص وتقدم خدمة لقارئه، لا سيما وفيات من لم يذكر المؤلف لهم وفاةً. وختمنا الكتاب بفهارس رتبناها على حروف المعجم، وثنينا بفهرس آخر ذكرنا فيه الأنساب والألقاب وما اشتهر به كل مترجم لتسهل على طالبه بغيته، ولم نكتفٍ بالإحالة على الأسماء، بل ذكرنا رقم الترجمة والصفحة تيسيرًا لطالبها بدلاً من أن يعود إلى الاسم المحال مما يربكه ويضيّع وقته، فضلاً عما لهذا الفهرس من فوائد للدارسين والباحثين. ثم ذكرنا الفهارس الخاصة بأسماء الكتب الواردة في المتن، والمواضع والبلدان، والقوافي، وأطراف الأحاديث المرفوعة، وجريدة المصادر والمراجع . وقد رأيت أن يشاركني في تحقيق هذا الكتاب ولدي: محمد بشار، بعد أن تدرج في مراتب العلم العملية والعلمية، إذ نال في مطلع هذا العام رتبة الماجستير في العلوم الإسلامية، وهو ساع إلى تحصيل رتبة الدكتوراه في السنيات القادمة بعون الله وتوفيقه، فقابل معي النصوص، وشارك في تخريج التراجم، والتصحيح، وعمل الفهارس، نسأل الله جل في علاه أن يوفقه لكل خير وأن ينفع به العلم وأهليه، ويجعله من عباده الصالحين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجنبني وإياه مواطن الزلل، ويثبتنا بقوله الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه بدار هجرته عمان البلقاء عاصمة الهواشم - أدام الله عزهم - في رجب من سنة ١٤٢٩ هـ. أفقر العباد بَشّار بن عَوَّاد ١٦ وصريف غل من القرد وطالل الشجر شم الذالم كُ نْ السَلامِ عَلَهُ رَجُز الربُ أَعْلَنا عم رسول المعلم شطة المسعليؤ البرد حية شم ١١٠ ولانا مؤ للد خير فذكر نابرشا و-قراء القدس ثا ذرا عاقل النظام مستقامة على الش الاكرام جذابا حب الناجم بلوغ المتم اعلام الاخئة والأول وم دن على سيد عبد المعطى غلا أمام لت ذاكر تقول معد ومة والقبولمقتضبة للشركات ناصحة بانتر الشعارات تفر اله زبكل علي وعليه تعلغا زات الأمد داء العزم ط اشترت الفكر المت الأرض والشناك (شهر ان نتز مع الشور د اجت شكره على صل بره لاوتلك رن تهداء تختلف من ١١٠١ هد غالإ بها مشهاد مج تبى فزً ا ذامخ متر ـول مزلضمان ذات الحديث بالانزخسر داخل العفي واحد و أور المتاحة الشهير رمز وهو ستنتجمن ذ خ الطهو از٠٠°٥ ) 4 متر من عبر العالم ذالهـ ١١. قلت: بلطيم عن ثلان غذا الرفي ذلك ماعبر من العلى ص ب زازان يست هل باخ ٢٠ عبيد وتعا ميت غلانيا. راتكَ بِزائر وُجِدسة القاان الخبر العزيز خلف زائفة تفلت لا نفزر معين منالوزاتُ وَ امَتْ مُؤْ وَبِ (٧ عيّزا. السلـ ما الل العقل بلد البَلَاءِ الأزمة الإ فراج ٣ كونَ بَغْرَاحَظ 3 ٦٥٠° وان تخ ذار" الأمة كرثا الزعب بعدبتز مش) االمنشلع العرفضير بداءة النسخة الخطية جذوة المقتبس م ٢ ١٧ ومشرهذا ما نشرمن مزا د ◌ًدون خبر عن الاض ا غيرنا خلافذلك. كانت وزير معسكر التاء ان شاالله ولاحول الاق لامذة] الفشل زجل ٥ أحكامراء كاملة الانتاج عبر الزمن بمعونة بوهشام من عبيد الهر مون نفذ كذ با العرب مؤلف الشار سنة ثلاث عشرةوبادر واستائر ذاب اصفى مرشح حزب المفرطة والأ ضعى العطاس ذلك بلال محمد الز ان .. خل ٧٤مرلو سيقد مان وفلاشـ وبايديا زخربد شير النصر للإنشاء الذاتية وكارب وسيف منهشر المختمن المكسله من عقبة من ذامع الحزب الذالفنى فى الانزئير القامت دلفشار عبد الرمحتر فا مركبة بين الاحتز من الغَامِ الذكاء منتلك والمؤ من ات منته أحت ومتعيز أمام كذا فان له الزمد هامن الور شعبد الغعب وسب من عبد الرحمن مزايا عبيده وذات +عيش توضع وتسب من عبد الرحمن بن عبيد رئيس الوج مناجل البل وغرست!" جملة من المنزل ٥ ومز القالد مخرج واحد الخضروبر الحي وأفادت وشعر كهة الأَخَرُ ولإله نا ذاُمُ الجرارات ـوله الفا الواجب الإتزان فى الزمن تغير السلام لبؤ أن حي مطعم جنة الايدز الكساء صـ بزواجدا مختا بالترتا دكتور العجز عن تبر عـ مرفية سوبرميان وكالة الكبير عنتاج وتعبوالرحمزه شاؤلير راموز الصفحة ٥ ١ من النسخة ١٨ لازفائها ـرار تان الفواز منظر الله شظامية الغز لله 2. زفوا فى الفاء وأحمده جف فيه راموز الورقة الأخيرة من النسخة الخطية ١٩ BODLEIAN LIBRARY . OXFORD SHELFMARK HUNT 464 MS . PHOTOGRAPHIC ORDER NO. - PHOTOGRAPHED BY OXFORD UNIVERSITY PRESS SCALE IN INCHES SCALE IN CENTIMETRES صورة لأمر التصوير من مكتبة البودليان بجامعة أكسفورد ٢٠