النص المفهرس

صفحات 421-440

مكان كذا وكذا أحبّ إليّ من أن تُسْتَحل بي - يعني مَكّةَ - قال :
فبكى ابنُ عَبّاس ، وقال : أَقْرَرْتَ عَينَ ابن الزُّبير - ( ثم كان ابن
عباس یقول بعد ذلك )(١) : فذاك الذي سلی نفسي عنه - ثم خرجَ
عبد الله بن عباس من عنده ، وهو مُغْضِب وابن الزُّبير على الباب ،
فلما رآه قال : يا ابن الزبير قد أتى ما أحببت قَرَّت عينك ، هذا أبو
عبد الله يَخْرُج ويتركك والحجاز .
يَا لكِ من ◌ُثْبَرَةٍ بِمَعْمَرٍ .
خَلَ لك البَرّ فبيضي واصْفِرِي.
ونَقّرِي ما شئتِ أن تُنْقِّرِي(٢).
وبعثَ حُسين إلى المدينة ، فَقَدِمَ عليه من خَفَّ معه من بني
عبد المطلب وهم تسعة عشر رجلًا ونساء وصبيان من أخواته وبناته
ونسائهم ، وتبعهم محمد بن الحنفية فأدركَ حُسين بمكّة وأعلمه أنّ
الخروج ليس له برأي يومه هذا ، فأبَى الحُسين أن يَقْبَل ، فحبسَ
محمد بن علي وَلَده فلم يبعث معه أحداً منهم حتى وَجَدَ حُسين في
نفسه على محمد ، وقال : تَرْغَب بَوَلَدِكَ عن موضعٍ أَصاب فيه ؟!
فقال محمد : وما حاجتي أن تُصاب ويُصابوا معك ، وإن كان
مصيبتك أعظم عندنا منهم !
وبعث أهل العِراق إلى الحُسين الرُّسل والكُتُب يدعونه إليهم !
(١) إضافة ضرورية من عندي لابد منها لإظهار المعنى .
(٢) وانظر رواية أبي مخنف في الطبري: ٥ / ٢٨٣ - ٢٨٤ وينسب الرجز لطرفة بن العبد ،
كما هو في ملحق ديوانه : ١٩٣ .
٤٢١

فخرجَ متوجهاً إلى العراق في أهل بيته وستين شَيْخاً من أهل الكُوفة
وذلك يوم الاثنين في عشر ذي الحجة سنة ستين .
فكتب مروان إلى عُبيد الله بن زياد: أما بعد ؛ فإن الحُسين
ابن عليّ قد توجه إليك ، وهو الحُسين بن فاطمة ، وفاطمة بنت
رسولِ اللهِ وَ﴿ه وتالله ما أحدٌ يُسَلِّمُه الله أحب إلينا من الحُسين وإياك
أن تُهَيِّج على نفسك ما لا يسده شيء ، ولا يَنساه العامة ، ولا يُدَع
ذِكْره ، والسلام عليك .
وكتب إليه عَمرو بن سعيد بن العاص : أما بعد : فقد تَوَجّه
إليك الحُسين وفي مثلها تُعتق أو تكون عَبْداً تُسْتَرَق كما تُسترق
العبيد .
وقال أبو الوليد أحمد بن جَناب المِصِّيصِيُّ (١) : حدثنا خالد
ابن يزيد بن أُسَد بن عبد الله القَسْريُّ ، قال : حدثنا عَمَّار بن أبي
معاوية الدُّهْنِيُّ ، قال : قلت لأبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين
عليه السلام : حَدِّثْنِي بقَتْل الحُسين عليه السَّلام حتى كأني
حَضَرتُهُ ، قال : ماتَ مُعاويةُ، والوليدُ بن عُتْبَة بن أبي سُفيان على
المدينة ، فأرسلَ إلى الحُسين بن عليّ ليأخذ بيعتَهُ فقال: أُخِّرْني ،
وَرَفَقَ بِهِ فَأَخَّرَهُ، فَخَرَجَ إلى مكّةً فأتاهُ رُسُلُ أهل الكوفة : إنا قد
حَبَسنا أنفسَنا عليكَ ولسنا نحضر الجُمُعَة مع الوالي فاقدم علينا -
قال : وكان النُّعمان بن بَشِير الأنصاريّ على الكُوفة - فبعثَ
(١) أخرجه الطبري في تاريخه عن زكريا بن يحيى الضرير ، عن أحمدبن جناب المصيصي
(٥/ ٣٤٧ فما بعدها ) .
٤٢٢

الحُسين بنُ عليّ إلى مُسلم بن عَقِيل بن أبي طالب ابن عمِّه ، فقال
له : سِرْ إلى الكُوفة فانظر ما كتبوا به إِليَّ فإنْ كانَ حقاً قَدِمْتُ إليهم ،
فخرجَ مُسْلِم حتى أتى المدينةَ، فأخذَ منها دَليلين ، فمرّا به في البَرّيّة
فأصابَهُم عطشٌ، فماتَ أحدُ الدَّليلين ، وكتبَ مُسلم إلى الحُسين -
عليه السلام - يستعفيه ، فَأَبَى أن يعفيه ، وكتب إليه : أنِ امضٍ إلى
الكُوفة ، فخرجَ حتى قَدِمَها فَنَزَل على رَجُلٍ من أَهلِها يقال له :
عَوْسَجةٍ (١) ، فلما تَحَدَّث أهلُ الكوفة بقدومِهِ دَبّوا إليه، فبايَعَهُ منهم
اثنا عشر ألفاً، فقامَ رجلٌ ممن يَهَوى يزيد بن معاوية يقال له :
عبيد الله بن مُسْلم بن شُعبة الحَضْرَمي (٢) إلى النُّعمان بن بَشِير،
فقال له : إِنَّكَ لضعيفٌ أو مُسْتَضْعَفٌ (٣) قد فَسَدَ البلَدَ ، فقال له
النُّعمان: لأن (٤) أكون ضعيفاً في طاعةِ الله أَحَبّ إِليَّ من أنْ أكونَ
قوياً في مَعْصِيَة الله ، وما كنتُ لأهتِكَ سِتراً سَتَرَهُ الله . فكتبَ بقوله
إلى يزيد بن معاوية ، فدعا يزيد مولىٌ له يقال له : سَرْجون - قد كان
يستشيره - فأخبَرَهُ الخبرَ ، فقال له : أكنتَ قابلاً من معاوية لو كان
حَياً ؟ قال : نعم ، قال : فاقبَلْ مني ، إنه ليس للكوفة إلا عُبيد الله
ابن زياد ، فولِّها إيّاه - وكان يزيد عليه ساخطاً، وكان قد هَمَّ بعَزْلِهِ ،
وكان على البَصْرة - فكتبَ إليه برضاهُ عنه، وأَنَّه قد وَلّه الكوفةً مع
البَصْرَة وكتبَ إليه أن يَطْلُبَ مُسْلَمَ بنَ عَقِيلِ فَيَقْتُلَهُ إن وجدَهُ .
فأقبلَ عبيدُ الله بن زياد في وجوه أهل البَصْرة حتى قَدِمَ الكوفةً
(١) في تاريخ الطبري: ((ابن عوسجة)).
(٢) لم تذكر رواية الطبري الاسم .
(٣) في الطبري: ((مُتَضَعْف)).
(٤) في الطبري: ((أن)).
٤٢٣

مُتَلَكِّماً ، فلا يمر على مَجْلسٍ من مجالسهم فُيُسَلّم عليهم إلا
وقالوا : وعليك السلام يا ابنَ رسول الله (١)، وهم يظنون أنه الحُسين
ابن عليّ - عليه السلام - حتى نَزَلَ القَصْرَ فدعا مولى له فأعطاه ثلاثة
آلاف دِرْهَم (٢)، وقال : اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع
أهل (٣) الكُوفة، فأَعْلِمِه أَنَّك رَجُلٌ من أهل حِمْص جئتَ لهذا
الأمر ، وهذا مالٌ تدفعُه إليه ليقوى (٤) به ، فخرجَ الرجلُ فلم يزل
يَتَلَطّفُ ويَرْفُقُ حتى دُلَّ على شيخٍ يلي البَيْعة، فَلَقِيَهُ فأخبرَهُ الخبرَ
فقال له الشّيخ : لقد سَرَّني لقاؤك إياي ولقد ساءني ذلك ، فأما ما
سَرَّني من ذلك فما هداك الله له ، وأما ما ساءني فإنَّ أمرَنا لم
يستحكم بعدُ. فَأَدْخَلَهُ على مُسْلم ، فأخذَ منه المالَ وبايَعَهُ وَرَجَعَ
إلى عُبيد الله فأخبرَهُ .
وتَحوَّل مُسلم حينَ قَدِمَ عُبيد الله من الدَّار التي كانَ فيها إلى
دار هانىء بن عُروة المُراديّ ، وكَتَبَ مُسلم بن عَقِيل إلى الحُسين -
عليه السلام - يخبره ببيعة اثني عشر ألفاً من أهل الكُوفة ويأمُرُه
بالقُدوم . قال : وقال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة : ما بال هانىء بن
عُروة لم يأتني فيمن أتى ؟ قال : فخرجَ إليه محمد بن الأشعث في
أُناس منهم ، فأتوه وهو على باب داره ، فقالوا له : إِنَّ الأميرَ قد
ذكركَ واستبطأَكَ، فانطلِقٍ به(٥)، فلم يزالوا به حتى ركب
(١) في الطبري (٥ / ٣٤٨): ((يا ابن بنت رسول اللّه))، والمعنى واحد.
(٢) قوله: ((درهم)) ليس في الطبري.
٤٠٠.
(٣) في الطبري: (( يبايع له أهل .
(٤) في الطبري: ((يتقوى)).
(٥) في الطبري: ((فانطلق إليه )).
٤٢٤

معهم (١) ، فدخلَ على عُبيد الله بن زياد وعنده شُرَيْح القاضي ، فلما
نظرَ إليه قال لشُرَيْح: ((أتتك بحائنٍ رِجْلاه)) (٢)، فلما سَلَّم عليه قال
له : يا هانىء أين مُسْلِم ؟ قال: ما أدري، قال : فأمر عُبيدُ الله
صاحبَ الدَّرَاهم (٣) فخرج إليه فلما فَظِعَ (٤) به ، فقال: أصلح الله
الأمير ، واللهِ ما دعوتُهُ إلى منزلي ، ولكنه جاء فطرَحَ نفسَهُ عليَّ .
فقال : ائتني به ، قال : واللهِ لو كان تحتَ قدمَيَّ ما رَفَعْتُها عنه .
قال : ادنُوه إليَّ، قال : فَأُدنِيَ، فضربه بالقَضِيب، فَشَجَّهُ على
حاجبه وأَهوَى هانىء إلى سيفٍ شُرطيّ ليستله(٥) ، فدُفِعَ عن ذلك ،
وقال له : قد أَحَلَّ الله دَمَكَ، وأمرَ به فحُبِسَ (٦) في جانب القَصْر ،
فخرجَ الخَبَرُ إلى مَذْحِج ، فإذا على باب القصر جَلَبَةً فسمعَها
عُبَيْدُ الله، فقال: ما هذا؟ قالوا: مَذْحِج . فقال لشُرَيح : اخرج
إليهم فأَعْلِمهم أني إنما حَبَسْتُه لأسائِلُه ؛ وبعثَ عيناً عليه من مواليه
يسمع ما يقول ، فمر بهانىء ، فقال له هانىء: يا شُرَيح اتقِ الله،
فإِنَّه قاتلي . فخَرَج شُرَيح حتى قامَ على باب القَصْرِ، فقال : لا
بأسَ عليه إنما حَبَسَهُ الأميرُ ليُسائِلَه، فقالوا : صَدَق ، ليس على
(١) وقال غير أبي جعفر : الذي جاء بهانىء بن عروة إلى عبيد الله بن زياد : عمروبن
الحجاج الزّبيدي ( انظر تفاصيل ذلك في الطبري: ٥ / ٣٤٩).
(٢) هذا مثل ، يقال: ان أول من قاله هو عبيد بن الأبرص ، وانظر الفاخر : ٢٥١ .
(٣) هو مولى لعبيد الله بن زياد .
(٤) جودها ابن المهندس وكتب فوقها ((صح))، وتصحفت في تاريخ الطبري إلى: ((قُطع
به )). وفَِعَ الأمر - كفَرِحَ -: استعظمه ولم يثق بأن يطيقه . وقال أبو زيد في نوادره : فَظِع بالأمر
فظاعة : إذا هاله وغلبه .
(٥) في الطبري: ((ليسله)).
(٦) في م: ((فجلس)) وما أثبتناه تؤيده رواية الطبري، وقول عبيد الله بعد: ((إنما
حبسته ... ).
٤٢٥

صاحِبِكُم بأسٌ ، قالَ : فَتَفَرّقوا، وأَتى مُسلماً الخبر، فنادَى
بشعاره ، فاجتمع إليه أربعونَ ألفاً (١) من أهل الكوفة، فَقَدَّمَ مُقَدّمة ،
وهيّا ميمنةٌ، وهيّا مَيْسَرَةً ، وسارَ في القلب إلى عُبيد الله ، وبعثَ
عبيدُ الله إلى وجوهِ أهل الكُوفة ، فجمعَهُم عندَهُ في القَصْر، فلمّا
سارَ إليه مسلمٌ وانتهى إلى بابِ القَصْر أشرَفوا مِن فوقِهِ على
عشائِرِهم ، فجعلوا يكلّمونَهُم ويَرُدُّونَهُم فجعلَ أصحابُ مسلم
يتسلّلون حتى أمسى في خمس مئة ، فلما، أختلَطَ الظَّلامُ ، ذهبَ
أولئك أيضاً .
فلما رأى مسلم أنّه قد بقي وحدَهُ، تَردِّدَ في الطريق (٢)، فأتى
بابَ منزلٍ فخرجت إليه إمرأةٌ ، فقال لها : اسقيني ماءً، فسَقَتْهُ ، ثم
دخلت ، فمكثت ما شاء الله ، ثم خَرَجت فإذا هو على الباب ،
قالت : يا عبدَ الله إِنَّ مجلسَكَ مجلسُ رِيْبة ، فقُمْ ، فقال لها : إني
مسلم بن عَقِيل فهل عندك مأوى؟ قالت : نعم ، فادخل ،
فدخل ، وكان ابنها مولىٌ لمحمد بن الأشعث ، فلما عَلِمَ به
الغُلام ، انطلقَ إلى محمد بن الأشعث فأخبرَهُ ، فبعث عبيدُ الله
عَمرو بنَ حُرَيث المَخْزُومِيَّ صاحبَ شُرطته إليه ومعه محمد بن
الأشعث (٣) فلم يَعْلَم مُسلم حتى أُحيط بالدَّار ، فلما رأى ذلكَ مسلم
خرجَ بسيفه فقاتَلَهُم ، فأعطاهُ محمد (٤) بن الأشعث الأمانَ ، فأمكنَ
من يده ، فجاء به إلى عُبيد الله فأمرَ به فَأَصْعِدَ إلى أعلى القَصْر ،
(١) في تاريخ الطبري (٥/ ٣٥٠): ((أربعة آلاف)) وهو الأصوب.
(٢) في تاريخ الطبري: ((يتردد في الطرق)).
(٣) في تاريخ الطبري: ((عبد الرحمان بن محمد بن الأشعث)).
(٤) في تاريخ الطبري: ((عبد الرحمان)).
٤٢٦

فَضُرِبَ عُنُقُه وألقَىْ جُثَّتَهُ إلى النَّاس، وأمَرَ بهانىء فسُحِب إلى
الكُنَاسَةِ ، فَصُلِبَ هناك ، فقال شاعرهم :
إلى هانيء في السوق وابنٍ عَقِيلِ
فإن كنت لا تدرین ما الموتُ فانظري
أحاديثَ من يَسْعَىْ بكلِّ سَبِيل
أصابَهُمَا أَمْرُ الأمير(١) فأصبحا
وقد طلبته مَذْحِج بقتيل(٢)
أيركبُ أسماءُ الهماليج آمِناً
وأقبلَ (٣) الحُسين عليه السلام بكتاب مُسلم بن عَقِيل إليه ،
حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال لقيَهُ الحُرّ بن يزيد
التَّمِيميّ ، فقال له : أين تريد ؟ فقال : أريد هذا المِصْرَ. قال له :
ارجِعْ ، فإني لم أُدْع لك خَلْفِي خَيْراً أرجوه ، فهمَّ أن يَرْجِعَ ، وكان
معه إخوة مُسلم بن عَقِيل ، فقالوا : والله لا نَرْجِعُ حتى نُصيبَ بثأرنا
أو نُقْتَل ، فقال : لا خيرَ في الحياة بعدكم . فسار فلقيته أوّلُ خَيْل
عُبيد الله ، فلما رأى ذلك عَدَلَ إلى كربلاء وأسنَدَ ظَهرَه إلى قصباء
حتى لا يُقاتل إلا من وجهٍ واحد ، فَزَلَ وضَرَبَ أبنيتَهُ ، وكان أصحابه
خمسةٌ وأربعين فارساً ونحواً من مئة راجل ، وكانَ عُمر بن سعد بن
أبي وقاص قد وَلّهِ عُبيد الله بن زياد الرَّي وعَهدَ إليه ، فدعاه ،
فقال : اكفني هذا الرجلَ ، فقال : اعفني، فأبى أن يُعفيَهُ ، قال :
فأنظرني الليلة ، فأخَّرِه ، فنظرَ في أمرِهِ ، فلما أصبحَ غدا إليه راضياً
(١) في تاريخ الطبري: ((الإِمام))، وما هنا أصوب.
(٢) في تاريخ الطبري: ((بذُحول)).
(٣) ذكر الطبري بعد هذا رواية أبي مخنف في قصة مسلم بن عقيل وشخوصه إلى الكوفة
ومقتله، وقال: ((هي أشبع وأتم من خبر عمار الدهني عن أبي جعفر الذي ذكرناه)) ثم ساقها ( ٥/
٣٥١ - ٣٨٩)، وعاد إلى حديث عمار الدهني ، عن أبي جعفر، فاستغرقت رواية أبي مخنف قرابة
الأربعين صفحة .
٤٢٧

بما أمره به ، فتوجّه عمر بن سَعْد إلى الحُسين - عليه السلام - ، فلما
أتاه قال له الحُسين - عليه السلام -: اختر واحدة من ثلاث: إما أن
تَدَعُوني فألحق بالثُّغور، وإما أن تَدَعُوني فأذهب إلى يزيد ، وإما أن
تَدَعُوني فأذهب من حيثُ جئت . فَقَبَلَ ذلك عُمر بن سَعْد ، وكتبَ
بذلكَ إلى عُبيد الله ، فكتب إليه عُبيد الله : لا ولا كرامة حتى يضع
يده في يدي! فقال الحُسين - عليه السلام: لا، واللهِ لا يكون
ذلك أبداً، فقاتَله فَقُتِلَ أصحابُهُ كُلُّهم، وفيهم بضعة عَشَرَ شاباً من
أهل بيته - عليه السلام - ويجيءُ سَهْم فيقع بابنٍ له صغير في
حِجْره ، فجعلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عنه ويقول : اللَّهم احكم بينا وبين قوم.
دَعَوْنا لينصرونا ثم يقتلوننا، ثم أمرَ بسراويل حِبَرة(١)، فَشَقَّها، ثم
لَبِسَها ثم خرجَ بسيفِهِ فقاتَلَ حتى قُتِلَ، وقتلَهُ رجلٌ من مَذْحِج ، وحَزَّ
رأسَهُ فانطلقَ به إلى عُبيد الله بن زياد ، فقال(٢):
فقد قَتَلتُ الملكَ المُحَجَّبا
أَوْقِر ركابي فِضَّةً وَذَهباً
قتلتُ خيرَ النَّاسِ أُمَّاً وأبا وخيرَهُمْ إذ يُنْسَبُون نَسَبا
فَوَقَّدَهُ إلى يزيد ومعه الرأسُ ، فَوُضِعَ بين يديه وعنده أبو بَرْزَةَ
الأَسْلَمِيّ، فجعلَ يزيد يَنْكُثُ بالقَضِيب على فيه ويقول(٣):
نُقلِّقُ هاماً من رجالٍ أَعِزّةٍّ علينا وَهُمْ كانوا أعقَّ وَأَظْلَمَا
(١) بوزن : عنبة ، برد يماني .
(٢) جاء في حواشي النسخ من قول المؤلف: ((وفي رواية أخرى أن سنان بن أبي سنان
النخعي قتله ، وأن خولي بن يزيد الأصبحي أجهز عليه وحزّ رأسه وقال هذا الشعر)).
(٣) البيت للحصين بن الحمام بن ربيعة المري الذبياني ، شاعر فارس جاهلي ، وهو بيت
من قصيدة في المفضليات : ٦٤ - ٦٩، وانظر ديوان الحماسة بشرح التبريزي: ١ / ١٩٣.
٤٢٨

فقال له أبو بَرْزَة : ارفع قضيبَكَ، فوالله لُرُبّما رأيتُ فاهَ
رسول الله وَلَ على فيه يَلْتَمُهُ(١).
وسَرَّحَ عُمر بن سَعْد بحُرَمِهِ وعیالِهِ إلى عُبيد الله ، ولم يَكُن
بقيَ من أهلِ بيت الحُسين عليه السلام إلا غلامٌ كانَ مريضاً مع
النِّساء ، فأمر به عبيد الله ليُقْتَل ، فَطَرَحت زينبُ بنت عليّ نفسها
عليه ، وقالت : لا يُقتل حتى تقتلوني ، فَرَقُّ لها ، فترَكَهُ ، وَكَفَّ
عنه. ثم جَهُّزَهُم وحَمَلَهُم إلى يزيد ، فلما قَدِموا عليه جَمَع مَنْ كان
بحضرتِهِ من أهل الشَّام ، ثم أُدخِلُوا عليه فهنؤوه بالفَتْح ، فقام رجلٌ
منهم أحمر أزرق ونَظَرَ إلى وَصِيفة من بناتِهم ، فقال : يا أميرَ
المؤمنين هَبْ لي هذه ، فقالت زينب: لا ، والله ولا كَرَامة لك ولا
له إلا أن يَخْرُج من دين الله ، فأعادها الأُزْرَقُ فقال له يزيد : كُفَّ .
ثم أدخلَهُم إلى عياله فجهّزَهُم وحَمَلَهُم إلى المدينة ، فلما دخلوها
خرجت امرأةٌ من بناتِ عبد المطلب(٢) ناشرةٌ شعرها واضعةً كَفَّها (٣)
على رأسِها تتلقاهم وتبكي وهي تقول :
ماذا تقولُونَ إِنْ قالَ النبيُّ لكُم
ماذا فَعَلْتم وأنتُم آخِرُ الأمَمِ
(١) ويذكر مثل ذلك في مجلس عبيد الله بن زياد ، والقائل : أنس بن مالك ( تاريخ ابن
عساكر: ٣١٨)، وذكر أن الحاضر عند عبيد الله هو زيد بن أرقم ( تاريخ الطبري : ٥ / ٤٥٦) .
(٢) روى الطبراني عن علي بن عبد العزيز ، عن الزبير بن بكار ، عن عمه مصعب انها زينب
الصغرى بنت عقيل بن أبي طالب ( المعجم الكبير : ٢٨٥٣ ) ، ورواه أيضاً عن زكريا الساجي ،
عن أحمد بن محمد عن حميد الجهمي ( ٢٨٧٥).
(٣) في تاريخ الطبري (٣٩٠/٥): ((كمّها)).
٤٢٩

بعِتْرَتِي وبأَهْلِي بَعْدَ مُفْتَقَدِي
منهم أُسارَى وَقَتْلَى ضُرِّجوا بِدَمٍ
ما كَانَ هذا جزائي إذْ نصحتُ لكم
أن تُخْلِفُونِي بِشرِّ في ذوي رحمي(١)
قال أبو الوليد أحمد بن جَناب : لم أسمع هذا البيت الأخير
إلا من هذا الشيخ .
وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا : أخبرني العَبّاس بن هشام بن
محمد الكَلْبِيّ ، عن أبيه ، عن جَدِّه ، قال : كانَ رَجَلٌ من بني أُبَان
ابن دارم يقال له : زُرْعَة ، شَهِدَ قَتْلَ الحُسين ، فَرَمَى الحُسَينَ بِسَهْم
فأصابَ حَتَكَهُ ، فجعَلَ يلتقي الدَّمَ ، ثم يقول هكذا إلى السماء ،
فيرقى به ، وذلك أن الحُسَين دعا بماءٍ لَيَشْرَبَ ، فلما رماهُ حالَ بينَهُ
وبينَ الماءِ فقال : اللهم ظَمِّه ، اللهم ظَمِّه ، قال: فحدَّثني من
شَهدَهُ وهو يموت وهو يصيحُ من الحَرِّ فِي بَطْنِهِ والبَرْدِ في ظَهْرِهِ وبين
يديه المراوح والثّلجْ وخلفه الكانون وهو يقول : اسقوني ، أهلكني
العَطَشِ فُيُؤتى بالعُسّ العظيم فيه السَّويق أو الماء واللَّبَن لو شَربَهُ
خمسةٌ لكفاهُم ، قال : فَيَشْرَبُهُ ، ثم يعودُ فيقول : اسقوني أهلكني
العطشُ ، قال : فانقدَّ بطنُهُ كانقداد الْبَعِيْرِ(٢).
وقال سُفيان بن عُيَيْنَة عن إسرائيل أبي موسى ، سمت
(١) في تاريخ الطبري (٥ / ٣٩٠) ومعجم الطبراني (٢٨٥٣) و(٢٨٧٥): (( بسو؛ٍ في ذري
رحمي )) .
(٢) تاريخ الطبري (٥ / ٤٤٩ - ٤٥٠)، وتاريخ ابن عساكر (٢٨٢).
٤٣٠

الحسنَ (١) يقول: قُتِلَ مع الحُسين ستةً عشر رجلاً من أهل بيته(٢).
وقال أبو يَعْلَى محمد بن شَدّاد المِسْمَعِيُّ : حدثنا أبو نُعَيْم ،
قال : حدثنا عبد الله بن حَبِيب بن أبي ثابت ، عن أبيه ، عن سعيد
ابن جبير ، عن ابن عباس، قال: أوحى الله تعالى إلى محمد دَليل:
أني قد قتلتُ بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً وأنا قاتلٌ بابن بنتِكَ سبعين
ألفاً وسبعين ألفاً .
أخبرنا بذلك أبو العز ابن المجاور ، قال : أخبرنا أبو اليُمْن
الكِنْدِيّ ، قال : أخبرنا أبو منصور القَزّاز قال : أخبرنا أبو بكر
(١) الحسن البصري .
(٢) تاريخ خليفة ٢٣٥، وتاريخ ابن عساكر (٢٨٤) وتصنيف الرواية: ((ما على وجه الأرض
يومئذٍ أهل بيت لهم شبيهون)) . وروى خليفة عن الحسن بن أبي عمرو، قال : سمعت فطر بن
خليفة ، قال : سمعت منذر الثوري عن ابن الحنفية ، قال : قتل مع الحسين بن علي سبعة عشر
رجلًا كلهم قد ارتكض في بطن فاطمة)). وقال أبو الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيين: ((فجميع
من قتل يوم الطف من ولد أبي طالب سوى من يختلف في أمره: اثنان وعشرون رجلاً)) (٦٥). قال
بشار : هذا العدد الذي ذكره أبو الفرج يتضمن المختلف فيهم ، وقد ذكر ذلك هو في المقاتل (٥٣ -
٦٥). ولعل أدق قائمة هي التي ذكرها أبو مخنف ، وتصح بها رواية ابن الحنفية التي أوردها
خليفة بن خياط (وهي لا تشمل المختلف فيهم، فقد قتل مع الحسين عليه السلام ستة من اخوته
هم : العباس ، وجعفر ، وعبد الله، وعثمان ، ومحمد ، وأبو بكر أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب ، وقد شك بعضهم بمقتل أبي بكر بن علي بن أبي طالب . وقتل من أولاده : علي الأكبر ،
وعبد الله . وقتل من أولاد أخيه الحسن : أبو بكر ، وعبد الله ، والقاسم . وقتل من أبناء أخيه عقيل
سوى مسلم ثلاثة هم: جعفر بن عقيل ، وعبد الرحمان بن عقيل ، وعبد الله بن عقيل ، وقُتِل
عبد الله بن مسلم بن عقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل . وقتل من أولاد ابن عمه عبد الله بن
جعفر بن أبي طالب اثنان هما : عون بن عبد الله، ومحمد بن عبد الله. ( انظر تاريخ الطبري :
٥ / ٤٦٨ - ٤٦٩، وتاريخ خليفة: ٢٣٤ - ٢٣٥ وقائمته منقولة عن المدائني وأبي عبيدة، ومقاتل
الطالبيين: ٥٣ - ٦٥). وفي الرواية التي أسندها خليفة إلى محمد بن الحنفية ((كلهم قد ارتكض
في بطن فاطمة)) نظر لأنهم ليسوا كلهم من نسل فاطمة بنت رسول اللّه بصير ، كما هو معروف
مشهور ، فلا رضي الله عن قاتليهم .
٤٣١

الحافظ ، قال(١): أخبرنا أحمد بن عُثمان بن مَيّاح السُّكّريُّ ،
قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعيُّ ، قال : حدثنا
محمد بن شَدَّاد المِسْمَعِيُّ ، فذكرَهُ .
وقال الحُسين بن إسماعيل المَحَامِليُّ : حدثنا الحسن بن
شيب المؤدِّب ، قال : حدثنا خَلَف بن خَلِيفة ، عن أبيه ، قال : لما
قُتِلَ الحُسين اسودّت السماء، وظهرت الكواكبُ نهاراً حتى رأيتُ
الجَوْزَاءِ عند العَصْر وسقطَ التُّراب الأحمر(٢).
وقال : وقال عليّ بن مُسْهر، عن جدّته: لما قُتِلَ الحُسَين
كنتُ جاريةً شابةً ، فمكثت السَّماءُ بضعة أيامٍ بلياليهن كأنّها
عَلَقة (٣) .
وقال عليّ بن محمد المدائنيّ ، عن عليّ بن مُدْرِك، عن جَدِّه
الأسود بن قَيْس : أحمرت آفاقُ السَّماء بعد قَتْل الحُسين بستة
أشهر ، نرى ذلك في آفاق السَّماء كأنَّها الدَّمُ . قال : فَحَدَّثتُ بذلك
شَرِيكاً ، فقال لي : ما أنتَ من الأسود ؟ ، قلت : هو جدي أبو أُمّي
قال : أَمَ والله إنْ كان لصدوقَ الحديثِ ، عظيمَ الأمانةِ ، مُكْرماً
للضيف (٤).
وقال عُثمان بن محمد بن أبي شَيْبَة : حدثني أبي ، عن
جَدِّي ، عن عيسى بن الحارث الكِنْدي، قال: لما قُتِلَ الحُسين
(١) تاريخه : ١ / ١٤٢.
(٢) تاريخ ابن عساكر (٢٨٨).
(٣) معجم الطبراني (٢٨٣٦)، وتاريخ ابن عساكر (٢٨٩) و(٢٩٠).
(٤) تاريخ ابن عساكر (٢٩٢).
٤٣٢

مكثنا سبعة أيام إذا صَلّينا فَتَظَرْنا إلى الشِّمس على أطراف الحِيْطان
كأَنَّها الملاحفُ المُعَصْفَرَة ، ونظرنا إلى الكواكب يضربُ بعضُهَا
بعضاً(١) .
وقال محمد بن الصَّلْت الأسَدِيُّ ، عن الرَّبيع بن المُنذَر
التَّوْرِيِّ، عن أبيه : جاءَ رجلٌ يُبَشِّر الناسَ بقَتْلِ الحُسين فرأيتُهُ أعمى
يُقاد (٢).
وقال مُسلم بن إبراهيم : حدثتنا أم شَوْق(٣) العَبْدِيّة ، قالت :
حدثتني نضرة الأزْدِيّة ، قالت : لمّا أنْ قُتِلَ الحُسين بن عليّ مَطَرَت
السَّماءُ دماً، فأصبحت وكُلّ شيء لنا ملآن دماً (٤).
وقال أبو الأسود النَّضْر بن عبد الجبار ، عن ابن لَهيعة ، عن
أبي قَبِيل ، لما قُتِلَ الحُسين بن علي كُسِفَتِ الشَّمْسُ كسفةً بَدَت
الكواكبُ نصف النهار حتى ظننا أنها هي(٥) .
وقال أبو القاسم البَغَويّ : حدثنا قَطَن بن نُسَير أبو عَبّاد ،
قال : حدثنا جعفر بن سُلَيْمَان ، قال : حدثتني خالتي أمُّ سالم ،
قالت : لما قُتِلَ الحُسين بن عليّ مُطِرْنا مَطَراً كالدَّمِ على البيوت
والجُدُر ، قال: وبلغني أنّه كان بخُراسان والشَّام والكُوفة (٦).
(١) معجم الطبراني الكبير (٢٨٣٩)، وتاريخ ابن عساكر (٢٩٣).
(٢) تاريخ ابن عساكر (٢٩٤).
(٣) وقع في المطبوع من تاريخ دمشق (أم شرف))، وفي السير: ((سوق)) فلعله من غلط
الطبع ، وإلا فهي أم شوق - بالمعجمة .
(٤) تاريخ ابن عساكر (٢٩٥) .
(٥) معجم الطبراني الكبير (٢٨٣٨) وتاريخ ابن عساكر (٢٩٦).
(٦) تاريخ ابن عساكر (٢٩٩) .
٤٣٣

وقال أيضاً : حدثني أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد ،
قال : حدثنا زيد بن الحُباب ، قال : حدثني أبو يحيى مهدي بن
مَيْمون قال : سمعتُ مروانَ مولى هِنْد بنت المُهَلَّب ، قال : حدثني
بَوّابُ عُبيد الله بن زيادٍ أنه لما جيءَ برأسِ الحُسين فُوُضِعَ بين يديه ،
رأيت حيطان دار الإِمارة تَسَايلُ دَماً(١).
وقال يعقوب بن سُفيان الفارسيُّ : حدثني أيوب بن محمد
الرّقِّيُّ، قال: حدثنا سَلَّم بن سُلَيْمَان الثَّقَفِيُّ، عن زيد بن عَمرو
الكِنْدِيِّ، قال: حدثتني أمُّ حَيّان، قالت : يومَ قُتِلَ الحُسين
أظلمت علينا ثلاثاً ولم يَمَسّ أحدٌ من زَعْفَرَانهم شيئاً فجعَلَهُ على
وجهه إلا احترقَ ولم يَقْلِبَ حجراً ببيت المقدس إلا أُصِيبَ تحته دم
عَبِيط(٢).
وقال أيضاً : حدثنا سُلَيْمَان بن حَرْب ، قال : حدثنا حَمّاد بن
زيد، عن مَعْمَر، قال : أوّل ما عُرِفَ الزُّهرِيّ تَكَلَّم في مجلس
الوليد بن عبد الملك ، فقال الوليد : أيكم يَعْلَم ما فعلت أحجارُ
بيت المقدس يوم قُتِلَ الحُسين بن عليّ؟ ، فقال الزّهريُّ : بلغني
أنه لم يُقْلَب حَجَرٌ إلا وجِدَ تَحته دَمٌ عَبِيط(٣).
وقال عَبّاس بن محمد الدُّوري ، عن يحيى بن معين : حدثنا
جرير ، عن يزيد بن أبي زياد ، قال : قُتِلَ الحُسين ولي أربعَ عشرةَ
(١) تاريخ ابن عساكر (٣٠٠).
(٢) تاريخ ابن عساكر (٣٠١).
(٣) تاريخ ابن عساكر (٣٠٢) وانظر معجم الطبراني (٢٨٥٦) مع عبد الملك بن مروان .
٤٣٤

سنةً، وصار الوَرْس(١) الذي كان في عَسْكَرهم رماداً واحمرت آفاق
السماء وَنَحَرُوا ناقة في عَسْكَرِهِم فكانوا يرون في لَحْمِهَا النِّيران (٢).
وقال أبو بكر الحُمَيديُّ ، عن سفيان بن عيينة ، عن جدّته أم
أبيه : لقد رأيتُ الوَرْسَ عادَ رماداً، ولقد رأيتُ اللَّحمَ كأنَّ فيه النَّارَ
حين قُتِلَ الحُسَيْن(٣).
وقال محمد بن المُنذر البَغْدَادِي ، عن سُفيان بن عُيَيْنَة :
حدثتني جدّتي أم عُيَيْنَة : أن حَمّالاً كان يحمل وَرْساً فهوى قَتْل
الحُسين ، فصارَ وَرْسُه رماداً (٤).
وقال محمد بن عبد الله الحَضْرَمِيُّ : حدثنا أحمد بن يحيى
الصُّوفِيُّ، قال: حدثنا أبو غَسّان، قال: حدثنا أبو نُمَير عَمُّ الحسن
ابن شُعيب ، عن أبي حُمَيْد الطَّحّان ، قال : كنتُ في خُزاعة فجاءوا
بشيء من ترِكَةِ الحسين فقيل لهم : ننحرُ أو نبيع فنَقْسم ؟ قالوا :
انحروا ، قال : فجعل على جَفْنَة فلما وضعت فارت ناراً(٥).
وقال حَمّاد بن زيد ، عن جَمِيل بن مُرَّة : أصابوا إيلا في
عَسْكر الحسين يَومَ قُتِلَ ، فنحروها وطبخوها ، قال : فصارت مثل
العَلْقَم ، فما استطاعوا أن يُسيغوا منها شيئاً (٦) .
(١) نبت أصفر يكون باليمن تتخذ منه الغمرة للوجه .
(٢) تاريخ ابن عساكر (٣٠٤).
(٣) تاريخ ابن عساكر (٣٠٥).
(٤) تاريخ الخطيب : ٣/ ٣٠٠ في ترجمة محمد بن المنذر البغدادي ، وتاريخ ابن عساكر
(٣٠٧)، وفي تاريخ الخطيب: ((دماً))، بدلاً من ((رماداً)).
(٥) معجم الطبراني (٢٨٦٣)، وتاريخ ابن عساكر (٣٠٨).
(٦) تاريخ ابن عساكر (٣٠٩) .
٤٣٥

وقال قُرّة بن خالد السَّدُوسِيُّ، عن أبي رجاء العُطَارِدِيِّ : لا
تسبوا أهلَ هذا البيت ، فإنّه كان لنا جارٌ من بلهُجَيْم قدِمَ علينا من
الكُوفة ، قال : أما تَرون إلى هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله - يعني
الحُسين بن عليّ - فرماهُ الله بكوكبين في عينيه فذهبَ بصرُه .
وفي رواية : فرماهُ الله بكوكبين من السَّماء فَطَمَسَ بصرَهُ .
قال أبو رجاء : فأنا رأيتُهُ(١).
وقال عمر بن شَبّة النُّمَيْرِيُّ: حدثني عُبيد بن جناد ، قال :
أخبرني عَطاء بن مُسْلم قال : قال السُّدّي : أتيتُ كربلاء أبيعُ البُنَّ
بها فَعَمِلَ لنا شَيخٌ من طَيّ طعاماً فتعشينا عنده ، فذكرنا قَبْل
الحُسين ، فقلنا : ما شَركَ في قْلِه أحدٌ إلا ماتَ بأسوءِ مِيْتَة ، فقال :
ما أكذبَكُم يا أهلَ العراق ! فأنا ممن شَرِك في ذلك ، فلم يبرح حتى
دنا من المِصْباح وهو يتّقِد، فَتَفِط (٢)، فذهَبَ يُخْرِجُ الفتيلةَ بإصبعه
فأخذت النار فيها ، فذهب يطفئها بريقه ، فأخذت النار في لحيته ،
فَغَدَا فألقى نفسَهُ في الماء ، فرأيته كأَنَّه حُمَمَةٍ (٣).
أخبرنا بذلك أبو العز الحَرَّانيُّ بمصر ، فقال : أنبأنا أبو الفرج
ابن كُلَيب ، قال : أخبرنا أبو عليّ بن نّبْهان ، قال : أخبرنا أبو عليّ
ابن شاذان ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن مِقْسَم ،
٠
(١) أنساب الأشراف للبلاذري : ٣ / ٢١١، ومعجم الطبراني (٢٨٣٠)، وتاريخ ابن عساكر
(٣١١) و (٣١٢).
(٢) تصحفت في المطبوع من تاريخ ابن عساكر إلى: ((يتقد بنفط)).
(٣) تاريخ ابن عساكر (٣١٤).
٤٣٦

قال : حدثني أبو العَبّاس أحمد بن يحيى ثَعْلَب ، قال : حدثني
عُمر بن شَبّة ، فذكره .
ورواه أحمد بن العلاء أخو هِلال بن العلاء ، عن عُبيد بن
جناد ، عن عطاء بن مُسْلم عن ابن السُّدّي ، عن أبيه(١).
رواه أبو السُّكين الطَّائيُّ ، عن عم أبيه زحر بن حِصْن ، عن
إسماعيل بن داود من بني أسد ، عن أبيه ، عن مولى لبني سلامة ،
قال : كنا في ضَيْعَتنا بالنَّهْرَين ونحن نتحدث بالليل ، فقلنا : ما أحدٌ
ممن أعانَ على قَتْل الحُسين خرجَ من الدُّنيا حتى تصيبه بَلِيَّةٌ ، ومعنا
رجلٌ من طيّ ، فقال الطائي : فأنا ممن أعانَ على قَتْل الحُسين ،
فما أصابني إلا خير ، قال : وَعَشِيَ السِّراجُ فقام الطائي يُصْلِحُهُ
فَعَلِقَت النار في سبّاحته ، فمر يعدو نحو الفُرات ، فرمى بنفسه في
الماء فأتبعناه ، فجعلَ إذا انغمسَ في الماء رَفْرَفتِ النَّارُ على الماء ،
فإذا ظهرَ أخذتُهُ حتى قَتَلتَهُ(٢).
أخبرنا بذلك أبو الفرج عبد الرحمان بن أبي عُمر بن قُدامة وأبو
الحسن ابن البُخاريّ ، وأحمد بن شَيْبان ، وزينب بنت مكيّ ،
قالوا : أخبرنا أبو حفص بن طَبَرْزَدْ ، قال : أخبرنا أبو منصور محمد
ابن عبد الملك بن خَيْرون ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ
الخطيب الحافظ ، قال : أخبرنا أبو العلاء الوَرّاق هو محمد بن
الحسن بن محمد ، قال : حدثنا بكّار بن أحمد المقرىء ، قال :
(١) تاريخ ابن عساكر (٣١٥).
(٢) تاريخ ابن عساكر (٣١٣).
٤٣٧

حدثنا الحُسين بن محمد الأنصاريُّ ، قال : حدثني محمد بن
الحسن المَدَنِيُّ، عن أبي السُّكَين البَصْرِيّ، فذكره(١).
وقال شَريك ، عن عطاء بن السَّائِب ، عن عَلْقَمَة بن وائل ،
أو وائل بن عَلْقَمة : أنه شَهِدَ ما هناك، قال : قامَ رجلٌ فقالَ :
أفيكم الحُسين ؟ قالوا : نعم ، قال : أبشر بالنَّار، قال : أَبَشّر برب
رحيم وشفيعٍ مُطاع، من أنتَ؟ قال: أنا حُوَيْزة (٢)، قال : اللهم
حُزْهُ إلى النار ، فَتَفَرَت به الدَّابةُ ، فتعلقت رِجُهُ في الرّكاب ، فوالله
ما بقي عليها منه إلا رِجله(٣).
وقال إسحاق بن إسماعيل ، عن سُفيان بن عُيَيْنَة : حدثتني
جدّتي أمُّ أبي، قالت : شَهِدَ رجلانٍ من الجُعَفِيِينَ قَتْل الحُسين بن
عليّ ، قالت: فأمّا أحدُهُما فطالَ ذَكَرُهُ حتى كان يَلُفّه، وأما الآخر
فكان يستقبل الرَّاوية بفيه حتى يأتي على آخرِها .
قال سُفيان : رأيتُ ابنَ أحدِهِما كان به خَبَلٌ ، وكان
مجنوناً (٤).
وقال محمد بن الصَّلْتِ الأسَدِيُّ : حدثنا سعيد بن خُثْم ، عن
(١) هذا هو آخر الجزء الثامن والثلاثين من الأصل ، وكتب ابن المهندس في حاشية
نسخته: ((بلغ مقابلة بأصله بخط مصنفه أبقاه الله )).
(٢) في تاريخ الطبري (٥/ ٤٣٠): ((حَوْزَة)».
(٣) معجم الطبراني (٢٨٤٩)، وتاريخ ابن عساكر (٣١٨)، ومجمع الزوائد: ٩/ ١٩٣
وأخرجه الطبري من طريق أبي مخنف لوط بن يحيى : حدثني حسين بن جعفر ، قال ...
( تاريخه : ٥ / ٤٣٠ - ٤٣١) .
(٤) معجم الطبراني (٢٨٥٧)، وتاريخ ابن عساكر (٣١٦) و(٣١٧)، ومجمع الزوائد : ٩/
١٩٧ .
٤٣٨

محمد بن خالد ، قال : قال إبراهيم - يعني النَّخَعِيَّ - لو كنتُ ممن
قاتَلَ الحُسين ثم أُدخلت الجَنَّةَ لاستحييت أن أنظر إلى وجه النبيّ
وَليد (١) .
وقال حَمّاد بن سَلَمَة، عن عمَّار بن أبي عَمَّار، عن ابن
عباس : رأيتُ رسولَ الله ◌َ ﴿ فيما يرى النَّائِم بنصف النهار أشعثَ
أغبرَ وبيده قارورةٌ فيها دمٌ ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما
هذا؟ قال : هذا دَمُ الحُسين وأصحابه لم أَزَل ألتَقِطُهُ منذُ اليوم .
فَأُحْصِيَ ذلك اليوم فوجدوه قُتِلَ يومئذ (٢) .
وقال أبو خالد الأحمر : حدثني رزين ، قال : حدثتني سَلْمَى
قالت : دخلتُ على أمِّ سَلَمَة وهي تبكي ، فقلتُ : ما يبكيك ؟
قالت: رأيتُ رسولَ الله وَ طهر في المنام وعلى رأسه ولحيته التُّراب،
فقلت : ما لك يا رسول الله ؟ قال : شَهدت قَتْل الحُسين آنفاً(٣).
وقال محمد بن سعد : أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاريّ ،
قال : حدثنا قُرّة بن خالد ، قال : أخبرني عامر بن عبد الواحد عن
شَهْر بن حَوْشَب، قال: إنّا لعند أم سَلَمَة زوج النبي ◌َّرَ، قال:
فسمعتُ صارخةً فأقبلتْ حتى انتهت إلى أمِّ سَلَمَة ، فقالت : قُتِلَ
الحُسين . قالت : قد فعلوها ، ملأ الله بيوتَهُم ، أو قبورهم ، عليهم
ناراً، ووقعت مَغْشِيّاً عليها، وقُمْنا (٤).
(١) معجم الطبراني (١٨٢٩)، والعقد الفريد: ٣ / ١٣٨، ومجمع الزوائد: ٩ / ١٩٥.
(٢) مسند أحمد ١ / ٢٨٣، ومعجم الطبراني (٢٨٢٢)، وتاريخ ابن عساكر (٣٢٤).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٧٧١).
(٤) تاريخ ابن عساكر (٣٢٩) .
٤٣٩

وقال أيضاً : أخبرنا محمد بن عُمر ، قال : حدثني محمد بن
عبد الله بن عُبَيد بن عُمَيْر، قال : حدثنا ابن أبي مُلَيْكَة ، قال : بينما
ابن عباس جالسٌ في المسجد الحرام ، وهو يتوقع خبرَ الحُسين بن
عليّ إلى أنْ أتاه آت فسارّه بشيء، فأظهرَ الاسترجاع(١) فقلنا : ما
حَدَثَ يا أبا العباس؟ قال: مصيبةٌ عَظِيمَةٌ عند الله نحتسبها . أخبرني
مولاي أنه سَمِعَ ابنَ الزُّبير يقول : قُتِلَ الحُسين بن عليّ فلم نّبْرَح
حتى جاء ابن الزبير ، فعَزّاه ثم انصرف ، فقام ابن عباس فدخل
منزلَهُ ودخل عليه النَّاس يُعزُّونَهُ ، فقال : إنه ليعدل عندي مُصيبَةً
حُسين شماتة ابن الزُّبير ، أترون مَشْيَ ابنِ الزُّبير إليَّ يُعَزّيني ، إنْ
ذلكَ منه إلا شَمَاتَةٍ (٢).
قال محمد بن عُمر: فحدثني ابنُ جُرَيْج ، قال : وكان
المِسْوَر بن مَخْرَمة بمكةَ حينَ جاءَ نَعْيُ الحُسين بن عليّ فلقيَ ابنَ
الزُّبير ، فقال: قد جاء ما كنتَ تَمَنَّى موتَ حُسين بن عليّ ، فقال
ابنُ الزُّبير : يا أبا عبد الرّحمان تقول لي هذا؟ فوالله ليته بقيَ ما بقيَ
بالحِمَى حَجَرٌ ، والله ما تمنيتُ ذلكَ له ، قال المِسْوَر : أنتَ أشرتَ
إليه بالخُرُوجِ إلى غير وجه ؟ قال : نعم أشرتُ عليه ولم أُدرِ أنَّه
يُقْتَل ، ولم يكن بيدي أجَلُه ، ولقد جئت ابنَ عَبّاس فعزّيته ، فعرفتُ
أنَّ ذلك يثقلُ عليه مني ، ولو أني تركتُ تعزيتَهُ ، قال : مثلي يُترك لا
تُعزّيني بحسين؟ فما أصنعُ ؛ أخوالي وَغِرَة الصُّدور عليَّ وما أدري
على أيِّ شيء ذلك . فقال له المِسْوَر : ما حاجتك إلى ذكر ما مضى
(١) أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(٢) تاريخ ابن عساكر (٣٣٠).
٤٤٠