النص المفهرس

صفحات 401-420

رجل عن دم البعوض ، فقال : ممن أنت ؟ قال : من أهل العراق .
قال : انظروا إلى هذا يسألني عن دَمِ البَعُوض ، وقد قتلوا ابنَ
رسولِ اللهِ وَ﴿ه وقد سمعتُ رسول الله وَل يقول: ((هما ريحانَتَاي من
الدُّنيا))(١) .
وقد تقدم في ترجمة الحسن بن علي أنه # أخذ الحسن
والحسين فقال: (( من أَحَبَّني، وأُحَبَّ هذين وأباهما وأُمَّهما كان معي
في درجتي يوم القيامة )). وقوله: ((مَنْ أَحَبَّهما فقد أَحَبَّني ، ومن
أبغَضَهُما فقد أبغَضَنِي)). وقوله: ((الحَسَنُ والحُسَينُ سَيّدا شباب
أَهْلِ الجَنّة )) . وحديث الكِساء، وحديث أبي هُريرة: صَلَّى النبيُّ
﴿﴿ العِشَاءَ فجعلَ الحسنُ والحُسين يَثِبان على ظَهْرِه فلما قَضَى
الصَّلَاة ، قال : يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أُمِّهما ؟ قال : لا ،
فبرقت بَرْقة فلم يزالا في ضَوْئها حتى دَخَلا على أَمِّهما)) ، وغير
ذلك .
وقال عبد الله بن عُثمان بن خُثَيم عن سعيد بن أبي راشد عن
يَعْلَى بن مُرَّة أنه خرج مع رسول الله بَّهِ إلى طعام دُعوا له فاستنتل(٢)
رسول الله بَّ أمام القوم، وحُسين مع غِلْمَان يَلْعَب، فأرادَ
رسولُ اللهِ وَّ أَن يأخذه قال: فَطَفِقَ الصَّبيُّ يَفِرُّ ها هنا مَرَّةً وها هنا
مرةً ، فجعلَ رسولُ اللهِ وَِّ يُضاحكه حتى أَخَذهُ فوضع إحدى يديه
(١) حديث صحيح أخرجه البخاري ٥/ ٣٣، ٧/ ٨، والترمذي (٣٧٧٠)، وأحمد : ٢ /
٩٣، ١١٤، والطبراني (٢٨٨٤) وغيرهم. والريحانة : الرزق والراحة ، ويسمى الولد ريحاناً
وريحانة لذلك .
(٢) استنتل : تَقَدَّم . ووقع في مسند أحمد ٤ / ١٧٢ والمطبوع من تاريخ ابن عساكر
(١١٢): ((استمثل))، وما أثبتناه هو الصواب.
٤٠١

تحت قَفاه والأخرى تحت ذقنه ، فوضع فاه على فيه فقَّله وقال :
((حُسين مِنّي وأنا من حُسين أَحَبُّ الله من أَحَبَّ حُسَيناً، حُسين سِبْط
من الأسباط ))(١) .
وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب ، عن عبد الله بن شَدَّاد
ابن الهاد، عن أبيه: خَرَجَ علينا رسولُ الله ◌ََّ في إحدى صَلَاتي
العَشِي الظُّهر أو العَصْر وهو حاملٌ حَسَناً أو حسيناً، فتقدَّم النّبِيُّ وَه
فوضَعَهُ ثم كَبَّر للصلاة ، فَصَلَّى فَسَجَدَ بين ظهري صلاته سَجْدَةٌ
أطالها . قال أَبِي : فرفعتُ رأسي فإذا الصَِّيُّ على ظَهْرِ رسولِ الله
وَ﴿ وهو ساجِدٌ، فرجعت في سُجودي، فلما قَضَى رسولُ اللهِ وَهـ
الصَّلاة ، قال الناس : يا رسول الله إنك سَجَدت بين ظَهْرَي الصَّلاة
سَجْدَة أَطَلْتَها حتى ظَنَنّا أنه قد حَدَّث أمرٌ أو أنه يُوحِى إليكَ ، قال :
كل ذلك لم يكن ، ولكن ابني ارتحلنى فكَرِهْتُ أن أعجله حتى
يقضي حاجته .
أخبرنا بذلك أبو الحسن ابن البُخاريّ ، وأبو الغنائم بن
عَلّان ، وأحمد بن شَيْيان ، قالوا : أخبرنا حنبل بن عبد الله ، قال :
أخبرنا أبو القاسم بن الحُصَين ، قال : أخبرنا أبو عليّ بن المُذْهِب ،
قال : أخبرنا أبو بكر بن مالك ، قال : حدثنا عبد الله بن أحمد ،
قال : حدثني أبي ، قال(٢) : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا
جرير بن حازم ، قال : حدثنا محمد بن أبي يعقوب ، فذكره .
(١) مسند أحمد: ٤ / ١٧٢، والترمذي (٣٧٧٥)، والمستدرك (٣ / ١٧٧ )، وتاريخ
ابن عساكر (١١٢) و(١١٣) و (١١٤ ).
(٢) المسند: ٣ / ٤٩٣، ٦ / ٤٦٧، وتاريخ ابن عساكر (١٤٢) و (١٤٣).
٤٠٢

وقال زيد بن الحُبَاب : حدثني حُسَين بن واقد ، عن
عبد الله بن واقد ، عن عبد الله بن بُرَيْدَة ، عن أبيه ، قال : كانَ
رسولُ الله ◌َ﴿ يَخْطُبُنا فجاءَ الحَسَنُ والحُسَين وعليهما قَمِيصان
أَحْمَران يمشيان ويَعْثُران فَتَزَلَ رسولُ اللهِوَلِ من المِنْبَرِ فَحَمَلَهُما
فوضعهُما بين يديه ثم قال : صدق الله ورسول: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ
وأولادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ نظرتُ إلى هذين الصَّبِين يَمْشِيان ويَعْثُران فلم أَصْبِر
حتى قَطَّعْتُ حديثي ورَفَعْتُهُما .
أخبرنا بذلك أبو الفرج بن أبي عمر بن قُدامة ، وابن عَلّن
وابن شيبان ، قالوا : أخبرنا حنبل ، قال : أخبرنا ابن الحُصَين ،
قال : أخبرنا ابن المُذْهِب ، قال : أخبرنا ابن مالك ، قال : حدثنا
عبد الله بن أحمد ، قال : حدثني أبي ، قال(١) : حدثنا زيد بن
الحُبَاب ، فذكره .
وقال أبو داود الطَّالسِيُّ (٢): حدثنا عَمرو بن ثابت ، عن
أبيه ، عن أبي فاختة، قال: قال عليٍّ: زارَنا رسولُ اللهِ وَّهِ فباتَ
عندنا والحَسَن والحُسين نائمان فاستسقى الحسن ، فقام رسولُ الله
وَلَ﴿ إلى قِرْبَةٍ لنا فجعلَ يَعْصرها في القدم ثم جاء لسقيه ، فتناول
الحُسين ليشرب فمنعه ، وبدأ بالحسن ، فقالت فاطمة : يا
رسول الله كأنّه أَحَبّهما إِليك؟ فقال : لا ، ولكنه استَسْقَى أول مَرّة ،
ثم قال رسول الله وَله: إني وإياك وهذين وأحسبه قال : وهذا
(١) المسند : ٥ / ٣٥٤. وأخرجه الترمذي (٣٧٧٤) في المناقب ، وقال : حديث حسن
غريب ، إنما نعرفه من حديث الحسين بن واقد .
(٢) مسند الطيالسيّ (١٩٠)، وتاريخ ابن عساكر (١٤٩).
٤٠٣

الراقد - يعني علياً - يوم القيامة في مكان واحد .
أخبرنا بذلك أبو الحسن ابن البُخاريّ، قال : أنبأنا أبو المكارم
اللَّان وأبو جعفر الصَّيْدلانِيُّ، قالا : أخبرنا أبو عليّ الحَدَّاد ، قال :
أخبرنا أبو نُعَيم ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا
يُونُس بن حبيب قال : حدثنا أبو داود ، فذكره .
وقال حَمّاد بن زيد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عُبيد بن
حُنّين ، قال : حدثني الحُسين بن عليّ ، قال : أتيت على عُمر بن
الخطاب وهو على المنبر ، فصعدتُ إليه ، فقلت له : انزل عن منبر
أبي واذهب إلى منبر أبيك، فقال عمر: لم يكن لأبي منبر ،
وأخذني فأجلسني معه فجعلت أقلب حصىًّ بيدي ، فلما نزل انطلق
بي إلى منزله ، فقال لي : مَن علّمك؟ فقلت: والله ما علَّمَنيه
أحد . قال : يا بُنَيّ لو جعلت تغشانا . قال : فأتيته يوماً ، وهو خال
بمعاوية وابن عمر بالباب فرجع ابن عمر ورجعت معه فلقيني بعدُ
فقال : لم أرك . فقلت : يا أمير المؤمنين إني جئتُ وأنتَ خالٍ
بُمُعاوية وابن عمر بالباب ، فَرَجَع ابنُ عُمر ورَجَعْتُ معه فقال : أنتَ
أحقّ بالإِذن من ابن عُمر، وإنما أَنَبَتَ ما تَرَى في رؤوسنا الله ثم
أَنْتُم .
أخبرنا بذلك أبو العز الشَّيبانِيُّ ، قال أخبرنا أبو اليُمْن
الكِنْدِيُّ ، قال : أخبرنا أبو منصور بن زُرَيق ، قال : أخبرنا أبو بكر
الحافظ ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن رِزْق ، قال : أخبرنا
دَعْلَج بن أحمد المُعَدَّل ، قال : حدثنا موسى بن هارون ، قال :
حدثنا أبو الرَّبيع ، قال : حدثنا حَمّاد بن زيد ، فذكَرَهُ .
٤٠٤

وقال الدَّراوردِيُّ ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه : إنَّ
عُمر بن الخطّاب جعلَ عطاء حَسَن وحُسَين مثل عطاء أبيهما(٢).
وقال سُلَيْمان بن بلال، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : قَدِمَ
على عُمر حُلل من الْيَمَن فكسا النَّاس فراحوا في الحُلَل ، وهو
جالسٌ بين القَبْرِ والمِنْبَرِ والنَّاسُ يأتونه فَيُسَلِّمون عليه ويدعون ،
فخرج الحسنُ والحُسين ابنا علي من بيت أُمّهما فاطمة بنت رسول
الله (+﴾ یتخطیان النَّاس - وكانَ بیتُ فاطمة في جوف المسجد - ليسَ
عليهما من تلك الحُلل شيء وعُمر قاطبٌ، صَارِّ بين عينيه، ثم قال:
والله ما هنأني ما كسوتكم قالوا : لِمَ يا أمير المؤمنين ، كسوت رعيتك
وأحسنت . قال : من أجل الغُلامين يتخطيان النَّاس ليسَ عليهما
منها شيء كبرت عنهما وصَغُرا عنها ، ثم كتبَ إلى صاحب اليَمَن أَنِ
ابعث إليّ بِحُلّتين لحسن وحُسين وعَجِّل ، فبعثَ إليه بحُلّتين
فكساهما(٣).
وقال عليُّ بن محمد المَدَائِيُّ ، عن جُوَيْرِيَة بن أسماء ، عن
مُسافع بن شَيْبَة ، قال : حَجّ مُعاوية ، فلما كان عند الردم (٤) أخذ
حُسين بخطامه فأناخَ به ثم سارّه طويلاً ثم انصرف وزجر معاوية
راحلته فسار، فقال عمرو بن عُثمان : يُتيح بك حُسين وتكفّ عنه
وهو ابن أبي طالب ؟ فقال معاوية : دعني من عليّ فوالله ما فارقني
(١) تاريخه: ١ / ١٤١، وتاريخ ابن عساكر (١٧٩) و (١٨٠).
(٢) تاريخ ابن عساكر (١٨١).
(٣) تاريخ ابن عساكر (١٨٣).
(٤) موضع بمكة ، كما في معجم البلدان .
٤٠٥

حتى خفت أن يقتلني ولو قتلني ما أقلحتم ، وإنَّ لكمُ من بني هاشم
ليوماً .
وقال حَبيب بن أبي ثابت ، عن أبي إدريس ، عن المُسَيَّب بن
نَجَبَة ، قال عليّ: ألا أُحَدِّثُكُم عن خاصة نفسي وأهل بيتي ؟ قلنا :
بلى قال : أما حَسَن فصاحبُ جَفْنٍ وخِوان فتى من فِتيان قُريش ولو
قد التقت حلقتا البطان لم يُغْنِ عنكم في الحرب حِبالة عصفور ،
وأما عبد الله بن جعفر فصاحب لهوٍ وباطل ولا يغرنكم ابنا عَبّاس وأما
أنا وحسين فإِنّا منكم وأنتم منا(١).
وقال سُلَيْمان بن أبي شَيْخ ، عن خالد بن سعيد بن عمرو بن
سعيد بن العاص ، عن أبيه : كان الحسن يقول للحُسين : أي أخ ،
والله لودِدتُ أنَّ لي بعضَ شِدّةٍ قَلْبِك، فيقولُ له الحُسين : وأنا والله
ودِدتُ أنَّ لي بعضَ ما بُسطَ لك من لِسانِكَ .
وقال يُونُس بن أبي إسحاق ، عن العيزار بن حُرَيث : بينما
عَمرو بن العاص جالسٌ في ظل الكعبة إذ رأى الحسينَ بنَ علي
مُقبلاً، فقال : هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السَّماءِ اليوم .
وقال الزُّبير بن بَكّار، عن عَمّه مُصْعَب بن عبد الله: حَجّ
الحُسين خمساً وعشرين حجة ماشياً(٢) .
وقال محمد بن يُونُس الكُدَيمِيُّ ، عن الأصمعيِّ ، عن ابن
(١) المعجم الكبير للطبراني (٢٨٠١)، وقال الذهبي: إسناده قوي (سير: ٣ / ٢٨٧)،
وانظر مجمع الزوائد : ٩ / ١٩١ .
(٢) أخرجه الطبراني (٢٨٤٤)، وإسناده منقطع (انظر مجمع الزوائد: ٩ / ٢٠١).
٤٠٦

عَوْن : كتبَ الحسن إلى الحُسين يعتب عليه إعطاء الشعراء ، فكتب
إليه : ((إنَّ خير المال ما وَقِيَ العرض)). رواها يحيى بن معين عن
الأصمعيِّ ، قال : بلغنا عن ابن عون .
وقال المدائنيُّ ، عن أبي الأسود العَبْدي ، عن الأسود بن
قيس : قيل لمحمد بن بُشَيْرِ الحَضْرميّ : قد أُسِرَ ابنُك بثَغْرِ الرَّي .
قال : عند الله أحتسبه ونفسي ما كنت أحب أن يُؤسر ولا أن أبقى
بعده . فسمعَ الحُسين قوله ، فقال له : رَحمكَ الله أنتَ في حِلّ من
بَيْعَتِي فاعمل في فكاك ابنك . قال : أكلتني السّباع حَيّاً إن فارقتك.
قال : فاعط ابنك هذه الأثواب البُرود يستعين بها في فداء أخيه ؛
فأعطاه خمسة أثواب ثمنها ألف دينار .
وقال محمد بن عُبيد الطنافسي : حدثنا شُرَحبيل بن مُدْرِك
الجُعْفِيّ ، عن عبد الله بن نُجَيّ ، عن أبيه أَنّه سافرَ مع عليّ بن أبي
طالب ، وكان صاحب مطهرته ، فلما حاذوا نينوى ، وهو منطلق إلى
صِفّين ، نادى عليٍّ : صَبْراً أبا عبد الله صبراً أبا عبد الله
بشَطّ الفُرات . قلتُ : ومن ذا أبو عبد الله ؟ قال : دخلتُ
على رسولِ اللهَ وَّرَ وعيناه تفِيضان فقلتُ يا نبي الله أغضبك أحد ما
شأن عينيك تفيضان؟قال : بلى ، قامَ من عندي جبريل قبل فحدَّثَنِي
أن الحُسين يُقْتَل بشطّ الفُرات وقال : هل لك أن أُشِمَّكَ من تُربته ؟
قلت : نعم . فمدَّ يَدَهُ فقبضَ قبضةً من تُراب ، فأعطانيها فلم أملِك
عيني أن فاضتا(١) .
(١) مسند أحمد: ١/ ٨٥، والمعجم الكبير للطبراني (٢٨١١)، وابن عساكر (٢١٣)
و (٢١٤) و(٢١٥)، وتاريخ الإسلام: ٣/ ٩، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ٢٨٨.
٤٠٧

أخبرنا بذلك أبو العباس أحمد بن أبي الخير ، قال : أنبأنا أبو
القاسم يحيى بن أسعد بن بَوْش قال : أخبرنا أبو غالب ابن البناء
قال : أخبرنا أبو الغنائم بن المأمون ، قال : أخبرنا أبو القاسم بن
حبابة قال : أخبرنا أبو القاسم البَغَويُّ قال : حدثني يوسف بن موسى
القطان ، قال : حدثنا محمد بن عبيد، فذكره.
وقال أبو القاسم البَغَوِيُّ بن أبي شيبة الحَبَطَيّ ، قال : حدثنا
عُمارة بن زاذان قال : حدثنا ثابت، عن أنس ، قال : استأذن مَلَكُ
القَطْرِ رَبَّهُ عز وجل أن يزور النَّبِيَّ ◌َ ﴿ فَأَذِنَ له وكان في يومٍ أُمِّ سَلَمة ،
فقال النّبِيُّ وَّهِ: يَا أَمَّ سَلَمَة احفظي علينا الباب ، لا يدخل علينا
أحد . قال : فَبَينما هي على الباب إذ جاءَ الحُسين بن علي فطفر
واقتحم فدخل فَوثب على رسول الله وَّ فجعلَ رسولُ اللهِ وَلِّ يَلثمه
ويُقَبِّلُه، فقال له المَلَكُ : أَتُحِبُّه ؟ قال: نعم ، قال : أما إنّ أمتك
ستقتله ، وإن شئتَ أريتُكَ المكان الذي يُقْتَلُ فيه، فأراه إياه فجاءَ بسَهْلَة أو
تُرابِ أحمرَ فأخذته أم سَلَمَة فجعلته في ثوبها(١) .
قال ثابت : كنا نقول : إنها كربلاء .
وقال عَبادة بن زِياد الأسَدِيُّ : حدثنا عمروبن ثابت ، عن
الأعمش، عن أبي وائل شَقِيق بن سَلَمَة، عن أُمِّ سَلَمَة ، قالت :
كان الحسن والحُسين يلعبان بين يَدَي النَّبِيّ وَّهُ فِي بَيْتِي فنزلَ
جبريل ، فقال : يا محمد إنَّ أُمّتك تقتُل ابنك هذا من بعدك . وأومأ
(١) مسند أحمد: ٣ / ٢٤٢، ٢٦٥، والمعجم الكبير للطبراني (٢٨١٣) دلائل النبوة لأبي
نعيم: ٤٨٦، وتاريخ ابن عساكر (٢١٦) و(٢١٧) و(٢١٨)، وانظر مجمع الزوائد: ٩/ ١٨٧.
٤٠٨

بيده إلى الحُسين. فبكى رسولُ اللهِ وَّهِ وَضَمَّه إلى صَدْرِه، ثم قال
رسول الله صل: ((وضعتُ(١) عندكِ هذه التربة))، فشَمّها رسولُ
اللهِ وَّه، وقال: ريح كَرْب وبلاء. وقال رسول الله وَّةٍ: يا أُمّ
سَلَمَة إذا تحوّلت هذه التَّربة دَمَاً فاعلمي أن ابني قد قُتِلَ . فَجَعَلَتها
أُمُّ سَلَمَة في قارورة ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول : إن يوماً
تحوَّلين دَماً ليومٌ عظيم .
أخبرنا بذلك أبو إسحاق ابن الدَّرجيّ ، قال : أنبأنا أبو جعفر
الصَّيدلانيُّ في جماعةٍ ، قالوا : أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله ، قالت
أخبرنا أبو بكر بن رِيذَة ، قال : أخبرنا أبو القاسم الطَّبَرانيُّ ،
قال(٢): حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني عَبادة بن
زياد الأسَدِيّ ، فذكره .
وقال عبد الرحمان بن صالح الأزْديُّ ، عن أبي بكر بن
عَيّاش ، عن موسى بن عُقبة ، عن داود : قالت أم سلمة : دخلَ
الحُسين على رسول الله وَّ فَفَزِعَ، فقالت أمُّ سلمة : مالك يا رسول
الله ؟ قال : إن جبريل أخبرني أن ابني هذا يقتل وأنّه اشتد غضب
الله على من يقتله(٣).
وفي الباب عن عائشة (٤) ، وزينب بنت جحش(٥)، وأم
(١) في معجم الطبراني وتاريخ ابن عساكر: ((وديعة)).
(٢) المعجم الكبير (٢٨١٧)، وتاريخ ابن عساكر (٢٢٣).
(٣) تاريخ ابن عساكر (٢٢٤).
(٤) طبقات ابن سعد، ومسند أحمد ٦ / ٢٩٤، وتاريخ ابن عساكر (٢٢٨) و(٢٢٩).
(٥) تاريخ ابن عساكر (٢٣٠)، ومجمع الزوائد: ٩/ ١٨٨.
!
٤٠٩

الفضل بنت الحارث(١)، وأبي أمامة الباهليّ(٢)، وأنس بن
الحارث (٣) وغيرهم .
وقال عبد الجبار بن العباس ، عن عَمّار الدُّهْنِي : مَرّ عليّ
على كَعْب فقال : يُقْتَل من وَلَد هذا رجلٌ في عصابةٍ لا يجف عَرَق
خيولهم حتى يَرِدوا على محمد نََّ، فمر حسنٌ ، فقالوا : هذا يا أبا
إسحاق ؟ قال : لا . فمر حُسين فقالوا : هذا؟ قال : نعم (٤).
وقال محمد بن سَعْد : أخبرنا يحيى بن حَمّاد ، قال : أخبرنا
أبو عَوَانة ، عن سُلَيمان - يعني الأعمش - قال: حدثنا أبو عبد الله
الضّبِّيُّ، قال: دخلنا على ابن هَرثم الضّبِّ حين أقبل من صفين
وهو مع علي، وهو جالس على دكان له، وله امرأة يقال لها خَرْداء(٥)
هي أشد حُباً لعلي وأشدّ لقوله تَصْدِيقاً ، فجاءت شاةً(٦) فبعرت ،
فقال : لقد ذَكّرني بَعْر هذه الشَّاة حديثاً لعليّ . قالوا : وما عِلْم عليّ
بهذا ؟ قال : أَقْبَلنا مَرْجعنا من صِفّين فنزلنا كَرْبلاء ، فنزل فَصَلَّى بنا
عليٌّ صَلَةَ الفَجْر بين شُجَيرات ودَوْحَاتِ حَرْمَلٍ ، ثم أخذ كَفّاً من بَعْر
(١) مستدرك الحاكم: ٣ / ١٧٩، وتاريخ ابن عساكر (٢٣١) و(٢٣٢).
(٢) تاريخ ابن عساكر (٢١٩)، ومجمع الزوائد: ٩ / ١٨٩.
(٣) جاء في تعليق للمؤلف في حواشي النسخ: ((أنس بن الحارث له صحبة ، وهو ممن
قتل مع الحسين رضي الله عنهما)). قلت: انظر أسد الغابة: ١/ ١٢٣ وحديثه عن مقتل الحسين
فيه .
(٤) المعجم الكبير للطبراني (٢٨٥١)، وتاريخ ابن عساكر (٢٤٠)، وهو منقطع فإن الدهني
لم يدرك القصة .
(٥) في المطبوع من تاريخ ابن عساكر: ((جرداء))، ولعل ما ورد في التهذيب هو
الصحيح ، فالخرداء هي البكر الطويلة الصمت ، وهي صفة حسنة للمرأة . .
(٦) في تاريخ ابن عساكر: ((شاة له)).
٤١٠

الغزلان فَشَمَّه ، ثم قال : أوْه! أوْه ! يُقتل بهذا الغائط قَومٌ يدخلون
الجنة بغير حساب . قال : فقالت خَرْداء : وما يُنكر من هذا؟ هو
أعلم بما قال منك . نادت بذلك وهي في جوف البيت(١).
وقال أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيُّ : حدثنا محمد بن نوح الجند
يسأبُوريُّ ، قال : حدثنا عليّ بن حَرْب الجند يسابوري ، قال :
حدثنا إسحاق بن سُليمان قال : حدثنا عمرو بن أبي قيس ، عن
يحيى بن سعيد أبي حيان ، عن قُدامة الضَّبِّي، عن خَرْداء بنت
سُمَير، عن زوجها هَرْثَمة بن سُلْمَى ، قال : خرجنا مع عليّ في
بعض غَزْوه ، فسار حتى انتهى إلى كَرْبلاء ، فنزل إلى شجرةٍ يُصَلّي
إليها ، فأخذَ تُربةً من الأرض ، فَشَمَّها ، ثم قال : واهاً لك تُربة
لِيُقْتَلنَّ بك قومٌ يدخلون الجنة بغير حساب . قال : فقفلنا من غَزاتِنا
وقُتِلَ عليٍّ ونسيت الحديث ، قال : فَكُنتُ في الجيش الذين ساروا
إلى الحُسين فلما انتهيت إليه نظرتُ إلى الشجرة(٢) ، فذكرتُ
الحديث فتقدّمت على فرسٍ لي ، فقلت : أَبَشِّرك ابن بنت رسول
اللهِ وَلَهُ وحَدَّثْتُهُ الحديثَ . قال: معنا أو علينا ؟ قلت : لا معك ولا
عليك ، تركتُ عيالاً وتركت(٣). قال : أمّا لا ، فولَّ في الأرض ،
فوالذي نفس حُسين بيده، لا يشهد قَتْلنا اليوم رجلٌ إلا دخلَ جهنم.
قال: فانطلقتُ هارباً مولياً في الأرض حتى خفي (٤) عليّ مقتله(٥).
(١) تاريخ ابن عساكر (٢٣٧) و (٢٣٨).
(٢) في م: ((الجنة)) وليس بشيء.
(٣) يعني وذكر أموراً أخرى مما ترك وراءه .
(٤) سقطت من (( م)).
(٥) صفين لنصر بن مزاحم : ١٤٠، وتاريخ ابن عساكر (٢٨٠).
٤١١
-

وقال محمد بن سَعْد : أخبرنا محمد بن عُمر ، قال : حدثنا
ابن أبي ذِئْب ، قال : حدثني عبد الله بن عُمَير مولى أم الفضل .
قال محمد بن عمر : وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عُمر بن
عليّ ، عن أبيه .
قال : وأخبرنا يحيى بن سعيد بن دِينار السَّعْدِيّ عن أبيه .
قال : وحدثني عبد الرحمن بن علي بن حسين .
قال أبي الزناد ، عن أبي وجزة السعدي عن محمد بن عُمر :
وغير هؤلاء أيضاً قد حدثني .
قال محمد بن سَعْد : وأخبرنا عليّ بن محمد ، عن يحيى بن
إسماعيل بن عُبيد الله بن أبي المهاجر ، عن أبيه وعن لوط بن يحيى
الغامدِيِّ، عن محمد بن نَشْر (١) الهَمْدانيّ ، وغيره، وعن محمد بن
الحَجّاج عن عبد الملك بن عُمير ، وعن هارون بن عيسى عن
يونس بن أبي إسحاق عن أبيه ، وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة
عن مُجالد عن الشعبي .
قال محمد بن سَعْد : وغير هؤلاء أيضاً قد حدثني في هذا
الحديث مطابقة فكتبتُ جوامعَ حديثِهم في مَقْتَل الحُسين رحمه الله
عليه ورضوانه وصلواته وبَرَكاتُه .
قال(٢): لما بايعَ النّاس ليزيد بن معاوية، كان حُسين بن
(١) تصحف في المطبوع من تاريخ ابن عساكر إلى: ((بشير))، وهو بفتح النون وسكون
الشين المعجمة ، قيّده الذهبي في المشتبه (٨٠)
(٢) هو في المجلد الثامن من مخطوطة طبقات ابن سعد ( نسخة أحمد الثالث ) وقد سقطت
ترجمة الحسين من المطبوع جملة ، ونقله ابن عساكر في تاريخه (٢٥٤) .
٤١٢

عليّ بن أبي طالب ممن لم يبايع له ، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى
حُسين يدعونه إلى الخروج إليهم في خِلافة مُعاوية ، كل ذلك
يأبَى، فَقَدِمَ منهم قومٌ إلى محمد بن الحَنَفِيّة فطلبوا إليه أن يخرج
معهم فَأَبَى ، وجاء إلى الحُسين فأخبره بما عرضوا عليه ، وقال : إنّ
القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا ويُشيطوا (١) دماءنا، فأقامَ حُسين على
ما هو عليه من الهُمُوم ؛ مَرّة يريد أن يسيرَ إليهم ومرة يُجمع الإِقامةَ،
فجاءَهُ أبو سعيد الخُدْري فقال : يا أبا عبد الله إني لك ناصحُ ، وإني
عليك مُشْفِقٌ وقد بلغني أنّه كاتَبكَ قومٌ من شيعتكم بالكُوفة يدعونك
إلى الخروج إليهم ، فلا تخرج فإني سمعتُ أباك يقول بالكوفة :
والله لقد مللتهم وأبغضتهم وملّوني وأبغضوني وما بلوتُ منهم وفاءً
ومَن فازَ بهم فازَ بالسهم الأُخْيَب ، والله ما لهم ثَبَاتٌ ولا عَزْمِ أَمْر ولا
صَبْرٌ على السَّيف .
قال : وقَدِمَ المُسَيَّب بن نَجَبَة الفَزَارِيُّ وعِدَةٌ معه إلى الحُسين
بعد وفاة الحَسَن ، فدعوه إلى خَلْعِ معاوية ، وقالوا : قد عَلِمِنا رأيكَ
ورأي أَخيك . فقال : إني لأرجو أن يعطي الله أخي على نِيّته في
حُبِّهِ الكَفَّ وأن يُعطيني على نِيّتي في حُبِّي جهادَ الظالمين .
وكتب مروان بن الحكم إلى مُعاوية : إنّي لست آمن أن يكون
حُسين مرصداً للفتنة وأظن يومكم من حسين طويلاً .
فكتب معاوية إلى الحُسين : إنَّ من أعطَى اللّه صَفْقَةَ يمينه
وعَهْدِه لجديرٌ بالوفاءِ ، وقد أُنبئتُ أنَّ قوماً من أهل الكُوفةِ قد دَعَوْكَ
(١) أي : يسفكوا .
٤١٣

إلى الشِّقاق ، وأهل العراق مَنْ قد جَرَّبْتَ ، قد أفسدوا على أبيك
وأخيك ، فاتقِ الله واذكر الميثاقَ وإنكَ متى تَكِدْني أُكِدْكَ .
فكتب إليه الحُسين : أتاني كتابُك ، وأنا بغير الذي بَلَغَكَ عني
جديرٌ ، والحسناتُ لا يَهْدي لها إلا الله ، وما أردتُ لك محاربةً ولا
عليك خِلافً ، وما أَظُنُّ لي عند الله عُذراً في ترك جهادِك ، وما أعلمُ
فتنةً أعظمَ من ولايتك أمر هذه الأمة .
فقال معاوية : إنْ أَثَرْنا بأبي عبد الله إلّ أسَداً .
وكتبَ إليه معاوية أيضاً في بعض ما بلغه عنه : إني لأظُنُّ أنَّ
في رأسكَ نَزْوَةِ(١) ، فوَدِدْتُ أَنّي أدركها وأغفرها لك.
قالوا : ولما حُضِرَ مُعاوية دعا يزيد بن معاوية فأوصاه بما أوصاه
به، وقال له: انظر حُسَين بنَ عليّ ابن فاطمة بنت رسول الله وَّ فإِنَّهُ
أحبّ النّاس إلى الناس فَصل رَحِمَهُ وارْفِق به يَصْلُح لك أمره ، فإِنْ
يَكُ منه شيءٌ فإِنّي أرجو أن يَكْفِيكهُ الله بمن قَتَلَ أَباهُ وخَذَلَ أخاهُ .
وتوفِّي معاويةُ ليلة النصف من رَجَب سنة ستين ، وبايَعَ النَّاسُ
ليزيد ، فكتبَ يزيد مع عبد الله بن عَمرو بن أَوَيس العامريّ -
عامر بن لؤي - إلى الوليد بن عُتْبَة بن أبي سفيان وهو على المدينة أن
ادعُ النَّاس فبايعهم وابدأ بوجوهِ قُريش ، وليكن أَوّل مَن تبدأ به
الحُسين بن عليّ ، فإِنَّ أميرَ المؤمنين - رحمه الله - عَهِدَ إليَّ في أمره
الرِّفق به واستصلاحه . فبعثَ الوليدُ من ساعتِه نصف الليل إلى
(١) في المطبوع من تاريخ ابن عساكر: ((فزوة)) وليس بشيء.
٤١٤

الحُسين بن عليّ، وعبد الله بن الزُّبير، وأخبرهما بوفاة معاوية ،
ودعاهُما إلى البَيْعَة ليزيد فقالا : نُصْبِح وننظُرُ ما يصنع الناس .
وَثَبَ الحُسين فخرجَ وخَرَجَ معه ابنُ الزُبير ، وهو يقول : هو يزيد
الذي تَعْرف ، والله ما حدث له حزم ولا مروءة (١) . وقد كان الوليد
أغلظَ للحُسين فشتَمهُ الحُسينُ وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه ، فقال
الوليد : إن هِجْنا بأبي عبد الله إلا أَسَدا ، فقال له مروان أو بعض
جُلَسائه : اقتله ، قال : إن ذلك لدم مَضْنُون(٢) في بني عبد مناف .
فَلَمّا صارَ الوليد إلى منزلِهِ ، قالت له امرأتُهُ أسماء ابنة
عبد الرحمان بن الحارث بن هشام : أسببتَ حُسَيناً؟ قال : هو
بدأني فَسَبَّني، قالت: وإنْ سَبَّكَ حُسَين تسُبُّه وإن سَبَّ أباك تَسُب
أباه ؟ قال : لا .
وخرجَ الحُسين وعبد الله بن الزُّبير من لَيْلَتِهما إلى مَكّةً ،
وأصبحَ النَّاسُ فغدوا على البيعة ليزيد وطُلِبَ الحُسين وابن الزُّبير فلم
يُوجَدَا، فقال المِسْوَر بن مَخْرَمة: عَجّلَ أبو عبد الله، وابنُ الزُّبير
الآن يَلْفِتُهُ(٣) ويزْجِيه (٤) إلى العراق ليخلوا بمكة .
فَقَدِما مكةَ فَنَزَل الحُسين دار العباس بن عبد المطلب ولزم ابنُ
الزبير الحِجْر ولبس المَعَافريَّ (٥)، وجَعَلَ يُحَرِّض الناسَ على بني
أمية ، وكانَ يغدو ويروح إلى الحُسين ويُشيرُ عليه أنْ يَقْدِمَ العراقَ
(١) في م: ((حزم ولا معاوية)) ولا معنى لها .
(٢) في سير أعلام النبلاء: ((مصون))، لعله من غلط الطبع .
(٣) لفته عن رأيه : صرفه .
(٤) يزجيه : يدفعه برفق .
(٥) برود باليمن منسوبة إلى قبيلة معافر .
٤١٥

ويقول : هم شيعتُك وشيعةُ أبيك .
وكان عبد الله بن عَبّاس ينهاه عن ذلك ويقول : لا تفعل .
وقال له عبد الله بن مُطِيع : لا تفعل أي فداك أبي وأمي مَتِّعنا
بنِفْسِك ولا تَسِر إلى العراق ، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا
خَوَلاً وعَبِيداً (١) .
ولقيهما عبد الله بن عُمر ، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة
بِالأَبْواء مُنْصَرفين من العُمْرَة ، فقال لهما ابنُ عمر: أُذَكِّركما الله إلّ
رجعتما ، فَدَخَلْتُما في صالح ما يَدْخُل فيه الناس، وتُنْظران فإِن
اجتمعَ النَّاسُ عليه لم تَشُذًّا، وإن افتُرِق عليه كان الذي تُريدان .
وقال ابنُ عمر لحُسين : لا تخرج، فإِنَّ رسولَ اللهِ وَ خَيَّرَهُ
الله بين الدُّنيا والآخرة ، فاختار الآخرة ، وإنّكَ بَضْعَةٌ منه ولا تنالُها
- يعني الدُّنيا - فاعتنقه، وبكى ، وودَّعَهُ . وكان ابن عمر يقول :
غلبنا حُسَين بن عليّ بالخروج ، فَلَعَمْرِي لقد رأى في أبيه وأخيه
عِبْرةً ، ورأى من الفِتْنة وخِذْلان النَّاس لهم ما كان ينبغي له أن لا
يتحرك ما عاشَ ، وأن يدخلَ في صالحِ ما دخلَ فيه الناس ، فإِنَّ
الجماعةَ خَيْرٌ .
وقال له ابنُ عَبّاس : أين تريد يا ابن فاطمة ؟ قال : العراق
وشيعتي . فقال : إني كارهُ لوجهك هذا تخرُجُ إلى قومٍ قتلوا أباكَ،
وطعنوا أخاكَ حتى تركهم سَخْطة ومَلّة لهم، أُذَكّرك الله أن تغرِّرَ
بنفسك .
(١) وذكره ابن سعد في ترجمة عبد الله بن مطيع من الطبقات : ٥ / ١٤٥.
٤١٦

وقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ : غَلَبني الحُسين بن عليّ على
الخروج ، وقد قلتُ له : اتقِ الله في نَفْسِكَ والزم بيتَكَ، ولا تخرج
على إمامك .
وقال أبو واقد اللَّيْثِي: بلغني خروج حُسين فأدركتُه بملَل(١)
فناشدتُهُ الله أن لا يخرج ، فإِنه يخرج في غير وجه خُروج ، إنما يقتل
نفسَهُ ، فقال : لا أرجع .
وقال جابر بن عبد الله : كَلَّمتُ حُسيناً فقلت : اتقِ الله ولا
تضرب النّاس بعضهم ببعض فوالله ما حُمِدتم ما صنعتم ،
فعصاني .
وقال سعيد بن المُسَيِّب : لو أن حُسَيناً لم يخرج لكان خيراً
له .
وقال أبو سَلَمَة بن عبد الرحمان : قد كان ينبغي لحُسين أن
يعرف أهلَ العِراق ولا يخرُج إليهم ، ولكن شَجَّعَهُ على ذلك ابن
الزبير .
وكتبَ إليه المِسْوَر بن مَخْرَمة : إياكَ أن تغترَّ بِكُتُب أهل
العراق ، ويقول لك ابن الزبير : الحق بهم فإِنّهم ناصِرُوك ، إياك أن
تَبْرَحِ الحَرَم ، فإنهم إن كانت لهم بك حاجة فسيضربون آباط الإِبل
حتى يوافوك، فتخرج في قُوةٍ وعُدّة . فجزاهُ خَيْراً، وقال: أستخيرُ الله
في ذلك .
(١) اسم موضع بين مكة والمدينة .
٤١٧

وكَتَبَتْ (١) إليه عَمْرةُ بنت عبد الرحمان تُعَظِّم عليه ما يريد أن
يَصْنَع وتأمرهُ بالطّاعة ولزوم الجماعة وتخبره أنه إنما يُسَاق إلى
مَصْرَعِه وتقول: أَشْهَدُ لحدثتني عائشةُ أنها سمعتْ رسولَ اللهِوَّه
يقول : ((يُقتل حُسين بأَرض بابل)). فلما قرأ كتابها قال: فلا بُد لي
إذاً من مَصْرَعي .
وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام ، فقال :
يا ابن عم إِنَّ الرَّحم تظارني عليك، وما أدري كيف أنا عندك في النَّصيحة
لك ؟ قال : يا أبا بكر ما أنتَ ممن يُسْتَغَشّ ولا يُتَّهَم فَقُلْ. فقال :
رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك وأنت تريد أن تسيرَ إليهم
وهم عَبِيد الدُّنيا فيُقاتلُك مَن قد وَعَدَك أن ينصرَكَ ويخذلك من أنتَ
أحب إليه ممن ينصره ، فأُذكرك الله في نَفْسِكَ، فقال : جَزَاكَ الله يا
ابن عَم خيراً ، فقد اجتهدتَ رأيكَ ومهما يقض الله من أمر يكن .
فقال أبو بكر : إنا لله ، عند الله نحتسب أبا عبد الله !
وكتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إليه كتاباً يُحَذِّره أهلَ
الكُوفة ويُناشِدُه الله أن يشخص إليهم ، فكتب إليه الحُسين : إِني
رأيتُ رؤيا ، ورأيتُ فيها رسولَ الله وَّه، وأمَرَني بأمرٍ أنا ماضٍ له،
ولستُ بمخبرها أحداً حتى أُلاقي عَمَلي .
وكتبَ إليه عَمرو بن سعيد بن العاص : إني أسألُ الله أن
يُلهمك رُشْدك وأن يصرفك عما يردِيكَ، بلغني أنّكَ قد اعتزمتَ
(١) هذه كلها رواية ابن سعد عن أشياخه ، كما ذكرنا ، وكثير من التفاصيل في الكتب
الأخرى ، فقد ذكر الطبري نص كتاب جعفر إليه ، وجواب الحسين (٥/ ٣٨٧ - ٣٨٨) من رواية
أبي مخنف ، عن الحارث بن كعب الوالبي ، عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .
٤١٨

على الشخوص إلى العِراق فإِنِي أعيذُكَ بالله من الشُّقاق ، فإِن كنتَ
خائفاً فأقْبل إليَّ، فلكَ عندي البِرّ والصلة(١). فكتب إليه الحُسين:
إن كنتَ أردتَ بكتابك إليَّ بَرّي وصِلَتِي فِجُزيت خَيْراً في الدُّنيا
والآخرة ، وإن لم تُشَاقِق من دَعَا إلى الله وعَمِل صالحاً وقال: إنني من
المُسلمين (٢)، وخيرُ الأمان أَمانُ الله، ولم يؤمن بالله من لم يَخَفْه
في الدُّنيا ، فنسألُ الله مخافةً في الدُّنيا تُوجِبُ لنا أمانَ الآخرة عنده .
وكتبَ يزيدُ بنُ معاوية إلى عبد الله بن عَبّاس يخبره بخروج
حُسين إلى مَكّة ونحسب جاءهُ رجالٌ من أهل المَشْرق فمنّوه الخلافة
وعندك منهم خِبْرة وتَجْرِبة ، فإن كان فَعَلَ فقد قطعَ واشِجَ القَرَابة
وأنت كبير أهل بيتك ، والمنظور إليه فاكفُفه عن السَّعي في الفُرقة
وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكة والمدينة من قُريش .
على عُذَافِرةٍ فِي سَيْرها قَحِمُ (٣)
يا أيها الراكب الغادي لِطيته
بيني وبين حسين الله والرَّحِمُ
أبلِغِ قُرَيشاً على نأي المَزار بها
عهد الإِله وما تُوفَى به الذِّمم
وموقفٌ بفناء البيت أنشده
أُمّ لعمزي حَصانٌ بَرَةٍ كَرَمُ
غنيتم قومكم فخراً بأمكم
بنتُ الرسول وخيرُ الناس قد علموا
هي التي لا يُداني فضلَها أحدٌ
(١) في تاريخ الطبري وابن عساكر - فيما نقل عن ابن سعد -: ((الأمان والبر والصِّلة)) ولعله
هو الأصوب .
(٢) تضمين لقوله تعالى في سورة فصّلت (٣٣): (( ومن أحسنُ قولاً مِمَن دعا إلى الله وعَمِلَ
صالحاً وقال إنني من المسلمين )) .
(٣) جاء في حواشي النسخ من تعليق المؤلف: ((الطية: الحاجة . والعُذافِرة: الناقة
الشديدة الأمون)) قلت: وتحرفت ((لطيته)) في المطبوع من تاريخ دمشق إلى: ((مطيته)) وتحَرفت:
(((عُذافرة)) إلى: ((غدا فرة)).
٤١٩

من قومِكُم لهم في فَضْلها قِسَمُ
وفَضْلُها لكم فَضْلُ وغيرُكم
والظُّنُّ يَصْدُق أحياناً فينتَظِمُ
إني لأَعْلَمُ أو ظَناً كعالمِهِ
أن سوف یترککم ما تدعون بها
قَتْلَى تهاداكُمُ الْعُقبان والرَّخَمُ (١)
وأمسكوا بحبال السّلم واعتصموا
یا قومنا لا تشبّوا الحرب إذ سکنت
قد غَرّت الحرب من قد كان قبلكم من القرون وقد بادت بها الأمم
فأنصفوا قومكم لا يهلكوا بَذْخاً فَرُبّ ذِي بَذَخٍ زَلّت به القَدَمُ(٢)
قال : فكتب إليه عبد الله بن عباس : إني لأرجو أن لا يكون
خروج الحُسينِ (٣) لأمرٍ تكرهه ، ولستُ أَدَعُ النَّصيحةَ له في كلِّ ما
يجمع الله به الألفة ويطفىء به الثائرة . ودخلَ عبد الله بن عباس على
الحُسين فكلَّمَهُ ليلاً طويلاً، وقال : أنشدك الله أن تَهْلك غداً بحال
مضيعة ، لا تأت العراق ، وإن كنتَ لا بُد فاعلاً فأقم حتى ينقضي
المَوْسم ، وتلقى الناس ، وتَعْلم على ما يصدرون ، ثم ترى رأيك -
وذلك في عشر ذي الحجة سنة ستين فأبى الحُسين إلا أن يمضي إلى
العراق ، فقال له ابن عباس : والله إني لأظُّك ستُقتل غداً بين
نِسائك وبناتِكَ كما قُتِلَ عُثمان بين نسائِهِ وبناته ، والله إني لأخاف أن
تكون الذي يُقاد بهِ عُثمان ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فقال : أبا
العباس إِنَّكَ شَيْخُ قد كَبِرتَ . فقال ابنُ عباس : لولا أن يُزْرَى ذلك
بي أو بك لنشبت يدي في رأسك ، ولو أعلم أنا إذا تَنَاحَيْنَا أقمتَ ،
لفعلتُ ، ولكن لا أخال ذلك نافعي . فقال له الحُسين : لأن أقتل
(١) جمع رَخَمَة ، وهو طائر أبقع يشبه النسر .
(٢) جاء في حواشي النسخ من تعليق المؤلف: ((البذخ : تطاول الرجل في كلامه
وافتخاره )).
(٣) في م: ((أن يكون الحسين))، ولا تؤدي المعنى.
٤٢٠