النص المفهرس
صفحات 421-440
وقال الصَّلْتُ بن مَسْعود : حدثنا حَمَّاد بن زيد ، عن خالدٍ الحذّاء ، أن إياساً قضى بشهادة رجل واحد ، ويمين الطالب . وقال هُشَيْم ، عن خالدٍ الحَذَّاء ، عن إياس بن معاوية : إنه قضى لذميُّ بشفعةٍ . وقال أبو نُعَيْم ، عن عبد الله بن حَبِيب بن أبي ثابت : سُئِلَ عامر عن شهادة الغِلمان ، فقال : هو ذا إياس بن معاوية ، لا يجيز شهادة الغِلْمان . وقال موسى بن الفَضْل عن ، مَطَر بن حمران : شهدت إياساً ، وجيء بغلام قد سرق أَكْسِية الحَمَّالين ، فقامت عليه البِّنَة ، فقال : اكشفوا عنه ، فكشفوا فلم يكن احتلم . فقال : لو كان احتلم لقطعته . اذهبوا به حيث سَرَقَ، فسوِّدُوا وَجْهَهُ وعَلَّقوا في عنقِهِ العِظامَ ، واضربوه حتى يدمى ظهره ، وطوفوا به ، فجاء رجل يسعى فقال : أَصْلَحك الله إنّه مملوك لي ، فإِنْ فعلتَ ذلك به كسرتَ ثمنَهُ ، فقال إياس : يَعْمِدُ أحدكم إلى الغُلام لم يَحْتَلِم فيكلّفه الضريبة ، ولا يحسن عملاً يَعْمله، فإِنّما يأمره أن يَسْرق ويُطعمه ، ويَعْمِدُ أحدُكم إلى الجارية ، فيقول لها اذهبي فأدّي الضريبة ، وإِنما يقول لها اذهبي فازنيْ وأطعميني . وقال حَمَّاد بن سَلَمَة ، عن حُمَيدٍ الطّويل : إن إياسَ بنَ مُعاوية ، اختصمَ إليه رَجُلان ، استودع أحدهما صاحبه وديعةً ، فقالَ صاحبُ الوديعة : استحلفه بالله ما لي عنده وديعة ، فقال إياس : بل استحلفه بالله ما لك عنده وديعة ولا غيرها . وقال حَمَّاد بن زيد ، عن أيوب : إن إياس بن معاوية كان يقضي في دكاكين السُّوق: ((مَن سَبَقَ إلى مكانٍ فهو أحق به ، حتى يقوم ٤٢١ عنه )) وكانَ يقول : هي مثل المَسْجِد الجامع . وقال حَمَّد بن سَلَمَة : شهدتُ إياس بن معاوية يقول في رجل ارتَهَنَ رَهْناً، فقال المُرْتَهن : رهنته بعشرة ، وقال الرَّاهنُ : رهنته بخمسة ، قال : إن كان للراهن بيّنة ، أنّه دفع إليه الرَّهن . فالقول ما قال الرَّاهن ، وإِن لم يكن له بَيِّنة ، يدفع الرهن إليه ، والرَّهنُ بيدٍ المُرْتَهن ، والقول ما قال المُرْتَهن، لأنّه لو شاءَ جَحَدَهُ الرَّهنَ . وقال : مَن أقرَّ بشيءٍ ، وليس عليه بَيِّنة ، فالقولُ ما قالَ . وقالَ أيضاً : سألتُ إياساً عن رجلٍ تركَ ابنَةً وجَدَّةً ، ومولى له، فقال : إذا كانَ صاحب فريضةٍ فليس له من الولاء شيء . إنما الولاء لابنه. وفي رواية قال : كُلِّ إنسان له فريضة مُسَمَّاة . فليسَ له من الولاءِ شيءٌ ، إنما الولاءُ لمن له ما بقيَ . وقال أيضاً عن إياس ، في رجل أعتقَ رجلاً، وأعتق آخر ابنُهُ ، قال : ولاء الأب لمن أعتَقَهُ ، وولاء الابن لمن أعتَقَهُ . وقال : سمعتُ إياساً يقول : الولاءُ لا يُبَاعُ، ولا يُوْهَب ، ولا يُورث . وقال : سُئِلَ إياس عن دِيَة العَبْد، فقال : ثمنه ما بَلَغَ . قال : وقالَ في رجلٍ قَطَعَ يَد عَبْدٍ ، قال : هو له ، وعليه لمولاه مثله . قال : وقال في عَبْدٍ شَجَّ حرّاً مُوضِحة(١): إن شاء موالي العبد دفعوا العبد بِرُمَّته ، وإِن شاؤوا أعطوا الدِّية . (١) المُوضِحة : الشجة التي تُبْدِي وَضَح العظم . ٤٢٢ وقال : سمعتُ إِياساً يقول : كلُّ شيء يُقتَل به ، فإِنّهُ يُقَادُ به ، نحو الحَجَر العظيم ، والخَشَبَة العظيمة التي تَقْتل . وقال عن إياس في عَبْدٍ قاتَلَ حرّاً، فشجَّ العَبْدُ الحرَّ ، فشهد رجلان أن العَبْدَ شَجَّ الحُرَّ ، وشهد شاهدان ، أن الشاهدين قاتلا العَبْدَ مع الحُرِّ ، قال : إن كانا ذَوَي عَدْل ، جازت شهادتهما - يعني الأوَّلين - . وقال عن إياس : إذا قيل للمُضاربِ : لا تذهب إلى واسط ، فذهب ، فهو ضامِن ، والرِّبح بينهما على ما اشتْرِطَ ، وإِذا قيل له : اشتر بُرّاً. فاشترى شعيراً، فهو ضامِنٌ ، والرِّبحُ بينهما على ما اشتُرِطَ . قال : وقالَ في رجلٍ استعار قِدراً على أن يطبخ فيها تَمْراً ، فطبخ فيها سُكّراً، فاحترقت القِدْرُ . قال : هو ضامِنٌ إذا خالَفَ ، هو ضامن إذا خالف ، مَرَّتين . إلى هنا عن حَمَّاد بن سَلَمَة ، عن إياس . وقال عبدالوارث بن سَعيدٍ : حدّثني سُكَّيْن أبو قَبيصة ، كاتب إياس بن معاوية ، قال : كان إياس يقول في الرَّجل يُطَلَّق المرأةَ وقد أَحْدَثت في بيتها أشياء : ما كَانَ من مَتَاعِ المَرأة ، فهو لها ، إلّ أن يُقيم الرَّجلُ البَيِّنة أَنَّهُ له . وقال محمد بن حاتِم بن مَيْمون ، عن إبراهيم بن مَرْزوقٍ البَصْريِّ : جاءَ رَجُلان إلى إياس بن معاوية ، يختصمان في قَطِيفتين، إحداهما حَمْراء ، والأخرىُ خَضْراء ، فقال أحدُهُما : دخلتُ الحَوْض لأغتسلَ ، ووضعتُ قَطِيفتي ، وجاءَ هذا فوضعَ قطيفته تحت قطيفتي ، ثم دخلَ فاغتسل ، فخرجَ قبلي ، فأخذ قطيفتي ٤٢٣ فمضى بها. ثم خرجت فتبعته، فزعم أنها قطيفته . فقال : ألك بِيِّنة؟ قال: لا. قال: ائتوني بمشط، فأتي بمُشْطٍ ، فَسَرَّحَ رأس هذا ، ورأس هذا ، فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر ، ومن رأسِ الآخر صُوف أخضر، فقضى بالحَمْراء للذي خرجَ من رأسه الصُّوف الأحمر ، وبالخضراء للذي خرج من رأسه الصَّوف الأخضر . وقال مُعْتَمِر بن سُلَيْمان ، عن زيد أبي العَلاء : شهدتُ إياس بن مُعاوية ، اختصم إليه رَجُلان ، فقال أحدُهما : إنَّهُ باعني جاريةً رَعْنَاءَ فقال إياس : وما هذا ؟ وما عسى أن تكون الرُّعونة ؟ قال : إنه يشبه الجنون ، قال إياس : يا جارية أتذكرين متى وُلدْتِ ؟ قالت : نعم . قال : فأيّ رجليك أطول ؟ قالت : هذه ، فقال إياس ردّها فإنها مجنونة(١). وقال أبو الحسن المَدَائنيُّ(٢): تنازع إلى إياس رجلان ، ادّعى أحدهما أنه أودعَ صاحبَهُ مالاً ، وجحدَهُ الآخر ، فقال إياس للمُدعي : أين أودعته هذا المال ؟ قال : في موضع كذا وكذا ، قال : وما كان في ذلك الموضع ؟ قال : شَجَرة . قال : فانطلق فالتمس مالك عند الشجرة ، فلعلك إذا رأيتها تذكر أين وضعتَ مالك ، فانطلق الرجل ، وقال إياس للمطلوب : إجلس إلى أن يجيء صاحبك ، فجلس فلبث إياس مليّاً يحكم بين الناس ، ثم قال للجالس عنده : أترى صاحبك بلغ الموضع الذي أودعك فيه ؟ قال : لا . قال : يا عدو الله إنك لخائن . فأقرّ عنده فحبسَهُ ، حتى جاءَ صاحبه ، ثم أمره بدفع الوديعة إليه . (١) ولكن سؤاله لها عن تذكرها يوم مولدها يناقض ما ادعاه هو من أنه يذكر ساعة ولدته أمه . (٢) وانظر ابن خلكان (١ /٤٦٧). وقد نوهنا إلى أن المدائني ألّف كتاباً في أخبار إياس بن معاوية . ٤٢٤ قال : وأودعَ رجلٌ رجلاً كيساً فيه دنانير ، فغابَ خمسَ عشرةَ سنة ، ثم رجعَ ، وقد فَتَقَ المُودَعُ الكيسَ من أسفَلِه ، فأخذَ ما فيه وجعل مكانه دَرَاهم . والخاتم على حاله ، فنازعه ، فقال إياس : مُذْ كم أودعته ؟ قال : من خمس عشرة سنة ، فسأل المودَعَ . فقال : صدق ، فأخرج الدَّراهم ، فوجد فيها ما ضُرِبَ مذ عشر سنين ، وخمس سنين ، فقال للمودَع : أقررتَ أنه أودعكَ مذ خمس عشرة سنة ، وهذا ضَرْبٌ أحدث مما ذكرت . فأقرّ له بوديعته ، وردّها عليه . وقال أبو الحسن المدائنيُّ ، عن عبد الله بن مُصعب السَّلِيْطِيِّ : أن معاوية بن قُرَّة ، شهد عند ابنه إياس بن معاوية ، مع رجالٍ عَدَّ لَهُم ، على رجلٍ بأربعة آلاف درهم . فقالَ المَشْهُود عليه : يا أبا واثلة ، تَثَبَّت في أمري ، فوالله ما أشهدتهم إلا بألفين ، فسأل إياس أباه والشهودَ ، أكانَ فيِ الصَّحِيفة التي شهدوا عليها فَضْل ؟ قالوا : نعم . كان الكتابِ في أَوَّلها ، والطّينة في وَسَطها . وباقي الصحيفة أبيض . فقال : أوَكان المشهودُ له يَلْقاكم أحياناً فيذكركم شهادتكم بأربعة آلاف ؟ قالوا : نعم ، كان لا يزال يلقانا فيقول : اذكروا شهادتكم على فلان بأربعة آلاف درهم . فَصَرَفَهُم ، ودعا المشهود له ، فقال : يا عدو الله ، تَغَفَّلْتَ قوماً صالحين، مُغَفَّلين فأشهدتَهُم على صَحِيفة ، جعلتَ طَيْنَتَها فِي وَسَطِها ، وتركت فيها بياضاً في أسفلها، فلما ختموا الطَّيْنَة ، قطعت الكتاب الذي فيه حقك ألفا درهم. وكتبت في البياض ، وصارت الطينة في آخر الكتاب ، ثم كنتَ تَلْقاهم فتلقّنهم وتذكّرهم أنها أربعة آلاف ! فأقرَّ بذلك ، وسأله السِّتر عليه ، فحكم له بألفين ، وسَتَر عليه . وقال أبو الحسن المدائنيُّ ، عن رَوْح أبي الحسن القَيْسيِّ ، ٤٢٥ قال(١): استودعَ رجلٌ رجلاً من أقْناء النَّاس مالاً، وكان أميناً لإِياس ، وخرجَ المُسْتَودِعُ إلى مكةَ ، فلما رجع طلبه ، فجحدَهُ ، فأتى إِياساً ، وأخبَرَهُ ، فقالَ له إياس : أُعَلِم أنّك أتيتني ؟ قال : لا . قال : فنازعته عند أحد ؟ قال : لا . لم يعلم أحدٌ بهذا . قال : فانصرف واكتم أمرك ، ثم عُد إليّ بعد يومين ، فمضى الرَّجلُ ، فدعا إياس أمينَهُ ذلك ، فقال : قد حضر مالٌ كثيرٌ أريد أن أُصَيِّرَهُ إليك ، أفحصينٌ منزلك ؟ قال: نعم . قال : فأُعِدَّ موضعاً للمال وقوماً يحملونه . وعادَ الرَّجل إلى إياس فقال له : انطلق إلى صاحبك ، فاطلب مالك ، فإن أعطاكَ فَذَاك ، وإن جَحَدك ، فقل له : إنّي أخبر القاضي . فأتى الرَّجلُ صاحبَهُ فقال: مالي وإلا أتيتُ القاضي ، فشكوت إليه ، وأخبرته بأمري . فدفع إليه مالَهُ ، فرجع الرَّجل إلى إياس ، فقال : قد أعطاني المال . وجاء الأمين إلى إياس لموعِده ، فَزَبَرَهُ وانتهرَهُ ، وقال : لا تقربني يا خائن . وقال نُعَيْمِ بنُ حَمَّدٍ . عن إبراهيم بن مَرْزُوق البَصْريِّ : كُنّا عند إياس بن معاويةً ، قبل أن يُسْتَقضى ، قال : وكنّا نكتب عنه الفِرَاسةَ كما نكتب من صاحب الحديثِ ، الحديثَ ، قال : إذ جاءَ رجلٌ فجلسَ على دُكّان مرتفع بالمِربَد(٢)، فجعل يَتَرَصَّد الطَّريقَ . فبينما هو كذلك ، إذ نزل فاستقبل رَجُلاً ، فنظرَ في وجهه ، ثم رجع إلى مَوْضعه ، قال : فقال إياس : قولوا في هذا الرجل . قالوا : ما نقول ؟ رجلٌ طالبُ حاجةٍ. قال : فقال : مُعَلَّمُ صبيان قد أَبَقَ(٣) له غلام أعور ، فإن أردتم أن تستفهموه ذلك ، فقوموا إليه ، فاسألوه . قال : (١) وانظر ابن خلكان (١ /٤٦٦ - ٤٦٧) (٢) الموضع المشهور بالبصرة . (٣) أَبَقَ : هرب . ٤٢٦ فقامَ إليه بعضُنا ، فقال له : إنا نراك منذ اليوم . أَلَّكَ حاجة ، تستعين بنا على حاجتك ؟ قال : فقال : لي غلامٌ نَسَّاج ، كان يُغِلّ علينا ، وقد زاغَ منذ أيام . قال : فقالوا : صف لنا غُلامَكَ ، وصِف لنا موضعك . فقال : أما أنا فأَعلّم الصبيان بالكَلَّاَءِ (١)، وأمّا غلامي ، فغلام من صفته كذا وكذا ، إحدى عينيه ذاهبة . قال : فرجعنا إليه فقلنا له : كما قلت . ولكن كيف علمت أنه مُعَلّم صبيان ؟ قال : رأيته جاء فجعلَ يطلب موضعاً يجلس فيه ، فعلمت أنه يطلب عادَتَهُ ، في الجلوس ، فنظر إلى أَرْفَع شيء يَقْدر عليه ، فجلسَ عليه ، فنظرت في قَدْرِهِ ، فاذا ليس قَدْرُهُ قَدْرَ الملوك ، فنظرت فيمن اعتاد في جلوسه جلوسَ المُلوك، فلم أجدهم إلا المُعَلِّمين ، فعلمتُ أنّه مُعَلُّم صبيان . فقلنا : كيف عَلِمت أنه أُبَقَ له غُلام أعور ؟ قال : إني رأيته يَتّرَصَّد الطريقَ ، فبينما هو كذلك ، إذ نزل فاستقبل رجلاً قد ذهبت إحدى عينيه ، فعلمت أنّه شَبَّهَهُ بغلامه . وقال سُلَيْمان بن أبي شَيْخ ، عن الحارث بن مُرَّة : نَظَرَ إياسُ بنُ معاويةً الى رجلٍ ، فقال : هذا غريبٌ ، وهو من أهل واسط ، وهو مُعَلّم ، وهو يطلب عبداً له أَبَقَ ، فوجدوا الأمرَ على ما قال . فقيل له ، فقال : رأيته يمشي ويلتفت ، فعلمتُ أنه غريب ، ورأيته على ثَوْبه حُمْرَةُ تُرْبة واسط ، فعلمتُ أنه من أَهْلِها ، ورأيته يمرّ بالصبيان فُيُسَلِّم عليهم ، ولا يُسَلِّم على الرِّجال. فعلمت أنه مُعَلِّم، ورأيته إذا مَرَّ بذي هيأة لم يلتفت إليه ، وإذا مرّ بذي أسمال ، تأمَّلَه ، فعلمتُ أنه يطلب آبقاً . (١) الكَلّاء : محلة مشهورة وسوق بالبصرة . ٤٢٧ وقال هِلال بن العَلاء الرَّقّيُّ، عن القاسم بن منصور ، عن عُمر ابن بُكَيْرِ: مَرَّ إياس بن معاوية ، فسمع قراءة من عِلَّيَّةِ(١) فقال : هذه امرأة حامل بغلام . فقيل له ، فقال : سمعت صوتَها ونَفَسُها يخالِطُهُ ، فعلمت أنها حامل ، وسمعتُ صوتاً صَحْلاً، فعلمت أنه غلام . ومرّ بعد حين بكُتّاب فيه صِبيان ، فنظر إلى صبيّ منهم ، فقال : هذا ابن تلك المرأة . وكان يوماً جالساً في المسجد ، فدخل من بابه ثلاث نسوة فقال : الأولى: ثَكْلَى، والثانية: حُبْلَى، والثالثة : حائِض ، فَسُئِلَ عنهن فكان كما قال . فقال : رأيتُ الأولى تنظر إلى الأحداث ، وترد طرفاً كَلِيلاً، فعلمتُ أنها تَكْلَى ، ورأيت الثانية تمشي وتَعْتَمد على وَركِها الأيسر، فعلمت أنها حُبْلَى ، ورأيت الثالثة تريد الدخول إلى المسجد وَتَهَيَّيَتْ ، فعلمت أنها حائِض . وقال عُمر بن شَبَّة النَّمَيريُّ، عن خَلّاد بن يزيد الأَرْقَط : كان الإِياس صديقٌ قد وطىءَ أَمَّةً له تخرجُ في حوائجه ، فولدت غُلاماً ، فشكّ فيه الرَّجل، فلم يَدَّعيه ، ولم ينكره ، وكانَ على باب الرَّجل كُتَّابٌ ، وكانَ الغلام يختلف إلى ذلك الكُتّابِ ، فجاءَ إياس يريد صديقَهُ ذلك ، فتصفَّحِ وجوهَ الغِلْمان ، ثم أقبلَ على ذلك الغُلام . فقال : يا ابن فلان ، قُم إلى أبيك فأعلمه أنّي بالباب . فقال مُعَلِّم الكُتَّاب لإِياس : ومن أينَ عَلِمت يا أبا واثلة أنه ابنه ؟ فقال: شبهُهُ فيه أَبْيَن من ذاك . فقامَ المُعَلَّمُ إلى الرَّجُلِ، فأخبَرَهُ خَبَرَ إياس والغُلام ، فخرجَ الرَّجلُ بنفسِهِ فَرِحاً بما أخبره المُعَلَّمُ ، فقال: يا أبا واثلة ، أحقُّ ما قالَ المُعَلَّم لي ؟ فقال: نعم شبَهُهُ فيك وشَبَهُكَ فيه أَبْيَن من ذاك . فادَّعى الرَّجلُ الغلامَ ونَسَبَهُ إلى نفسِهِ . (١) العِلية : الغرفة ٤٢٨ : وقالَ حَمَّاد بن سَلَمَة ، عن حُمَيْدِ الطّويل: إِن أَنَساً (١) شكّ في ولدٍ له ، فدعا إياس بن معاوية ، فنظر له . وقال عُمر بن شَبَّة ، عن أبي الحَسَن المدائنِيِّ: نَظَرَ إياس إلى ثلاثِ نسوة فَزِعْنَ من شيءٍ ، فقال : هذه حاملٌ ، وهذه مُرْضِعٌ ، وهذه بِكْر . فقامَ إليهن رجلٌ فسألهُنَّ فوجدهنَّ كما قال . فقيل له : من أين علمت؟ قال : لَمّا فَزِعْنَ وضَعَت كلَّ واحدةٍ يَدَها على أهَمِّ المواضع لها ؛ وضعت المُرضعُ يَدَها على ثَدْيها ، والحامل على بَطْنها ، والبِكْر على أسفل من ذلك . وقال عُمر بن شَبَّة أيضاً: سمعتُ غيرَ واحدٍ من عُلمائنا ، منهم خَلّاد بن يزيد ، يذكرون أن إياساً أتى المدينةَ ، فصلّى في مسجدٍ النبيِّ وَّهُ صلاة، ثم لبث في مَقْعَدٍ، فنظرَ إليه أهل حلقة فَزَكَنُوه ، حتى صاروا فرقتين ، فرقة تزعم أنه مُعَلُّم، وفرقة تزعم أنه قاضٍ ، فوجّهوا إليه رجلاً ، فجلسَ إليه ، فحادَتَهُ شيئاً ، ثم أخبرهُ خبر القوم ، وما صاروا إليه من الظَّنِّ به ، فقال : قد أصاب الذين ذكروا أني قاضٍ ، ورُوَيداً ، أخبرك عن القوم . أمّا الذي صفته كذا ، فهو كذا ، وأمّا الذي يليه ، فهو كذا ، وأما الذي يليه فهو كذا ، فلم يخطيء في أحد منهم ، إلّ في شيخٍ ، فإنّه قال: وأمّا ذاك الشيخ ، فإنّه نَجّار . قال : فقال الرجل : في كلّهم والله أصبْتَ ، إلّ في هذا الشيخ ، فإنّه شيخ من قريش . فقال إياس : وإن كان من قُريش ، فإنّه نَجّار . فقامَ الرَّجل إلى أصحابه ، فقال : جئتكم والله من عند أعجبِ النَّاس ، لا والله إنْ منكم من أحد إلّ أخبرني عن صناعته ، وأصاب ، إلّ فيك يا أبا فلان ، فإنّه زعم أنك نجّار ، فأخبرته : أنك من قريش . فقال : (١) أنس بن مالك ، وكان كثير الولد . ٤٢٩ وإن كان من قريش ، فإنه نجّار . قال : صَدَق والله إنّي أنا أعمل عِيْدان جَوارِيَّ . قال عمر بن شبّة : فحدثت بهذا الحديث الماجشون عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمَة ، فقال : أخْلِقْ بهذا أن يكون كان بمكة لأنّهم أهل قيافة وإِزْكَانٍ ، فَأَمّا المدينة ، فلا أعلمه ، ولكن خالي يوسف بن الماجشون ، حدثني : أنّ إِياساً قَدِم المدينة، فعمل عبد الرحمان بن القاسم بن محمد طَعَاماً ، ونَزَّهَهُم بالعَقِيق ، ودعا إياساً ، وكان للماجِشون لونان يُعْمَلان في منزله ، فيجاد صنعتهما ، فعُمِلا وَوُجِّهَ بهما إلى العقيق ، فقدما في أضعاف طعام عبد الرحمان ، والماجشون لا يعلم ، ولا عبد الرحمان. ابن القاسم، فقال إياس : ينبغي لهذين اللَّونين ، أن لا يكونا عُمِلا ها هنا ، وينبغي أن يكونا عُمِلا في منزل الماجشون ، فقال عبد الرحمان : لا عِلْم لي . وقال الماجشون: وأنا لا عِلْم لي . قال يوسف : فسألني أبي ، فقلتُ : صَدَق ، في منزلنا عُمِلا . فقيل الإِياس : ومن أين علمتَ ذاك ؟ قال : جيء بهما على غير مقادير سائر الطعام ، في حَرِّهِ وبَرْدِهِ ، ورأيت الماجِشون نَظَرَ إلى وجه ابنه حين وُضِعَ اللونان . وقال عُمر بن شبّة أيضاً : حدثني الأصمعيُّ ، قال : رأی إیاس رجلاً فقال(١): تعالَ يا يماميُّ . فقال : لست بيماميٍّ ، قال : فتعال يا أضاخيّ . قال : لست بأضاخيّ . قال: فتعال يا ضَرَويّ ، فجاء فسأله عن نفسه ، فقال : وُلِدتُ باليمامة ، ونشأت بأضاخَة (٢) ثم تحوّلت إلى ضَرِيَّة(٣). (١) في النسخ: ((قال)). (٢) ويقال فيها: ((أضاخ)) (٣) قرية كانت عامرة في طريق مكة من البصرة ، من نجد . ٤٣٠ وقال أيضاً: حدثني غير واحد، من أهل واسط، منهم إسماعيل بن إبراهيم بن هود بإسناد فيه سُفيان بن حُسين إن شاء الله: أن إياس بن معاوية كان جالساً، فنظر إلى رجل دخل المَسْجِدَ، مسجدَ واسط، فقال: هذا الرجل من أهل البَصْرة ، من ثَقِيف ، قد أُرْسَل حَمَامَاً له ، فذهبَ ولم يَرْجع إليه . فقامَ رجلٌ فسألَ ذلك الرَّجلَ، فَأُخْبَرَ عن نفسِهِ بما قال إياس . فسألوا إياساً عن ذلك ؟ فقال : أمّا معرفة البَصْريين ، فلا أَحْمَدُ عليه، وأمّا قولي : ثَقَّفِيّ، فإنّ لثقيف هيأةً لا تَخْفَى ، وأمّا قولي : فَقَدَ حَمَاماً له ، فإنّي رأيته يتصفّح الحَمَام ، لا يرى ناهِضاً، ولا طائراً ، ولا ساقِطاً، إلّ نظر إليه، فقلت: إنّه قد فَقَدَ حَماماً لنفسه . قال : وحدَّثوني أن إياساً كان يَلِي سوقَ واسط ، فكلَّمَهُ أَبَان بن الوليد ، في درهم يَحُطّه عن رجل من كِراء حانوتِهِ ، قال : أَنْظُرُ إليه ، فإن كان يمكنني أن أحطّ عنه ، حططتُ ، فنظر إلى الحانوت فرآه في باب البَصْرة، فقال: هذا في ديباجة الحَرَم ، ليس إلى الحطّ منه سبيل ، ثم كُلِّم إياس في كلام أبان بن الوليد ، فِي حَطّ مئة ألف من خَراج رجل ، فقال : رَدَدْتُ رجلاً في دِرهم ، وأكلَّمه في مئة ألف ! ثم اعتزم فكلَّمه، فقال له أبان : إنّي والله ما أعجب منك ، ولكنّ أعجب ممن يُحرِّمُكَ (١) ،رددتني عن درهم، وتكلّمني في مئة ألف؟ قال له إياس : فلا تعجب من ذلك ، فإنّ كنت رادّاً عن الدرهم، من هو فوقَك ، وكنتَ مُشَفِّعاً في المئة الألف من هو دوني ، ثم جرى الكلام بينهما ، حتى قال له أبان بن الوليد : يا مُفْلِس . فقال : أنت أفلسُ مني . قال : وهذه أعجب أيضاً ، أنا أفلس منك ؟! وأنا أشتغل كذا وكذا ، قال : نفقتك أكثر من غَلَّتك ، وغَلَّتي أكثر من نفقتي . (١) أي : يعرف قدرك ويعظمك . ٤٣١ قال : وحدثني محمد بن سَلَّم - إن شاء الله - عن مَسْلَمة بن مُحارب ، قال : تقدَّم إلى إياس رجلٌ من عَنَزَة أُعَيْمش ، تخاصِمه امرأة كالقلعة ، ومعها نفر فيهم فتىَّ شاب له منظر وَرُواء ، فأقبلت المرأة تَكَلَّم بلسان سَلِيط ، فقال لها إياس : أجملي في منازعة بَعلِكِ . فقالت : لو كان لذلك أهلاً فعلتُ ، ولكنّه هِلباجةٌ(١) نؤوم، لكلّ معروف عدوم ، فقال بَعْلُها : أما إذْ أَبَتْ ، فوالله لا أكتم خبرها ، ثم أنشده : نَبَتْ عَيْنُها عِنِّي وَرَاقَ فُؤَادُهَا فتىٍّ من بني جِلَّن رخوِ المكاشرِ وقَصَّرَ عن إدراكِ حُرِّ المآثِر فتِىَّ لو أُجَارِيِه إلى المَجْد فُتُّهُ إِلَيْهِ ورامتني بإحدى القناطر (٢) رأتْه جميلاً ذا رُواء فأُذْعنت ودُونَ الذي رامت مِن الموت عارض على رأسها جَمٌّ كثير الزَّماجر فرفع إياس رأسه ، فنظر في وجوه القوم ، فقال لفتىِّ: ما اسمك ؟ قال : رَوق بن عمرو، فقال: أجِلّانيٌّ أنت ، قال: نعم . قال : أَدْنُهْ ، فدنا منه ، فأخذ بأذنه وقال : والله لئن بلغني أنّك دخلت بينهما لَّطيلنَّ حَبْسك . فقال البَعْلُ: أما إذْ أظهرتُ ما كنت أخفي ، فهي طالق ثلاثاً ، فقال له إياس : إنّك لكريم ، ثم قال للمرأة : انهضي فغير فقيدة ولا حَميدة ، قَبَّحك الله ، وما تاقت إليه نفسُكِ . قال : وحدثنا محمد بن حُميد ، قال : حدثنا جرير ، عن صالح ابن مُسْلم، عن إياس بن معاوية قال : لو جَلَست على باب واسط ، لم يمرّ بي أحد إلّ أخبرتكم بعمله ، وصناعته . وقال أيضاً : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا القاسم بن (١) في حواشي النسخ تعليق للمؤلف: ((الهلباجة: الأحمق)). (٢) في حواشي النسخ من قول المؤلف: ((القِنْطر: الداهية)). ٤٣٢ الفضل عن إياس بن معاوية ، قال : إذا عمل الرجل عملاً ، يريد به الله ، فإِنّ ذلك يُقبَلُ منه وإن عَرَضَ الشيطانُ فيه ، وإن أراد به الله والناسَ ، فإنَّ ذلك يُرَدُّ عليه . وقال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا حَمَّاد بن سَلَمَة قال : قال إياس : لا تنظر إلى ما يصنع العالِمُ ، فإنّ العَالِمَ قد يَصْنع الشيءَ يكرهه ، ولكن سَلْه حتّى يخبرك بالحقّ . قال : وقال إياس : إذا فَزِعَ الناسُ فلا تكن أوَّل من يقوم . وقال : حدثنا عبد الواحد بن غياث قال : سمعت عُبيد الله بن الحسن يقول : قال إياس بن معاوية : التاجر الفقيه ، أفقه من الفقيه الذي ليس بتاجر ، قال : فلم أفهم ذلك حتى تبيَّنَ لي بعد . وقالَ : حَدَّثنا هارون بن معروف ، قال : حدثنا ضَمْرَة بن ربيعة ، عن ابن شوذب قال : شهدتُ إياس بن معاوية يقول : ما بَعُدَ عَهِدُ قوم بنبِيِّهم ، إلّا كان أحسنَ لقولهم وأسْوَأَ لفعلهم . وقال : حدثنا أحمد بن معاوية قال : حدثنا عبد الله بن بكر السَّهْمِيّ ، قال : حدثنا بعض أصحابنا : أنّ إياس بن معاوية ، كان في حلقة ، فتذاكروا : الولَّدُ أبرُّ أم الوالدُ ؟ فاجتمع رأيهم على أن الوالدَ أبرُّ، وإياس مُشْتَغل في شيءٍ ، فلما فَرَغَ ، أقبل عليهم فأخبروه ، قال : فإنّي أَخالفكم، أزعم أنّهما إذا كانا بَرَّيْنِ جميعاً ، فالولدُ أَبَرُّ . قالوا : وكيف ؟ قال : لأن بِرَّ الوالد طِباعٌ يطبعه الله عليه ، لا يستطيع إلا ذاك ، وبِرُّ الوَلَدِ بوالده تَشَدُّدٌ منه لما افترض الله علیه من حقّه . وقال : حدثنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا العَوّام بن حُوْشَب ٤٣٣ قال : التقيتُ أنا وإياس بن معاوية ، بذاتِ عِرقٍ(١)، فذكرنا إبراهيم - يعني التّيْميَّ - فقال: لولا كرامته عليَّ لأثنيتُ عليه . قلت : أتعرفه ؟ قال : نعم . قلتُ : فَلِمَ تكره أن تثني عليه؟ قال: إنّه كان يقال: إنّ الثَّناء من الجَزَاء . وقال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبو هلال، عن أيوب قال : قال إياس : إنّه لتأتيني القضيّة لها وجهان ، فأيَّهما أخذتُ عرفت أنّي قد أصبتُ الحقّ . وقال : حدثنا هارون بن معروف قال : حدثنا ضَمْرَة ، عن حَفْص بن عُمر الكِنْديِّ قال : قال إياس : أَكْرَهُ للرجل أن يكون رفيعاً ، لأنّ أولئك أقرب الناس من الذنوب . وقال : حدثنا الوليد بن شجاع، قال : حدثنا ضَمْرَة بن ربيعة(٢)، عن رجاء بن أبي سَلَمَة قال : قال خالد بن صفوان الإِياس : لولا خِصالٌ فيك ، كنتَ أنت الرَّجل . قال: وما هي؟ قال : تقضي قبل أن تَفْهم ، ولا تُبالي مع من جَلَسْتَ ، ولا تبالي ما لبستَ . قال : أمّا قولك : إنّي أقضي قبل أن أفهم ، فأيهما أكثر ثلاثٌ أو ثنتان ؟ قال : لا، بل ثلاث، ومَن لا يفهم هذا؟. قال : أنا كذلك . لا أقضي حتى أَفْهَم ، وأمّا قولك: لا أبالي مع من جَلَست، فإنّي أجلس مع من يرى لي أحبُّ إليَّ من أن أجلس مع من أَرَىْ له ، وأمّا قولك : لا أبالي ما لَبست ، فإِنّي ألبسُ ثَوْباً أقي به نفسي ، أحبُّ إليّ من أن ألبس ثوباً أقيه بنفسي . إلى هنا عن عُمر بن شبّة . (١) ذات عرق : ميقات الحج لأهل العراق من جهة نجد . (٢) وانظر المعرفة ليعقوب (٩٤/٢). ٤٣٤ وقال أبو هِلال ، عن داود بن أبي هِند : قال لي إياس بن مُعاوية : أنا أكلُّمُ الناس بنصف عقلي ، فإذا اختصم إليّ الاثنان جمعت عقلي كُلّه . وقال سفيان بن عُيَيْنَة(١). عن ابن شُبْرُمة، قالوا لإِياس بن معاوية : إنَّك معجب برأيك ، قال : لو لم أُعجَب به ، لم أقضِ به . وقال أحمد بن مروان الدِّينوريُّ ، عن إبراهيم بن عليّ ، عن محمد بن سَلام : قيلٍ لِإِياس : ما فيك عَيْب غير أنك مُعْجَب ٤,٤ بقولك . فقال لهم : افَأُعجَبكم قولي ؟ قالوا : نعم . قال : فأنا أحق أن أُعْجَبَ بما أقول ، وما يكون مني . قال : وهذا مما استحسنه الناس من قوله . وقال الأصمعيُّ ، عن حَمَّاد بن زيد : كان أيوب يقول : لقد رموها بحجرها - يعني إياس بن معاوية حين وَلَيَ القضاء -. وقال إسماعيل ابن عُلَيّة ، عن أيوب : كنت أسمع عن إياس ، بقضاء يشبه قضاء شُرَيْح . قال : فأخبرني إياس بعد ذلك قال : كنتُ أبعثُ خالداً الحذَّاء إلى محمد - يعني ابن سيرين - يسأله . وقال المُفَضَّل بن غَسَّانِ الغَلابِيُّ، عن محمد بن مِسْعَر : قال رجل لإِياس بن معاوية : عَلَّمني القضاء ! فقال : إنّ القضاء لا يُتَعَلَّمُ ، إنّما القضاء فَهْمٌ ، إنّ القضاء فَهْمٌ ، ولكن لو قلت : عَلِّمني من العِلْم . وقال ضَمْرَةٍ(٢) بن ربيعة ، عن ابن شوذب : سمعت إياس بن (١) انظر المعرفة ليعقوب (٢ / ٩٤) (٢) المعرفة (٩٦/٢)، والحلية (١٢٤/٣). ٤٣٥ مُعاوية يقول : إنّ الناس لا يعرفون عيوب أنفسهم ، وأنا أعرف عيب نفسي ، أنا رجل مِكْثَار ، - يعني كثرة الكلام - قال ابن شوذب : وكان كذلك ، كان لا يجلس مَجْلِساً إلّ غلب عليه . وقال ضَمْرَة(١): وسمعتُ مَن يقول : كان أبو إياس يقول : إنّ الناسَ وَلَدوا أبناءً ، وَوَلَدْتُ أباً . وقال سُفيان بن عُيَيْنَة ، عن الأعْمَش : دَعَوْني إلى إياس بن مُعاوية ، فكان كُلَّما حَدَّث بحديثٍ ، وصَلَه بآخر . وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا : حدثني أبو محمد التّمِيْميُّ ، عن شيخٍ من قريشٍ قال : قيل لإِياس بن معاوية : إنّك تكثر الكلام . قال : أفبصواب أتكلّم أم بخطأ؟ قالوا : بصواب. قال : فالإِكثار من الصواب أفضل . وقال محمد بن سَلَّمِ الجُمَحِيُّ : زَعَمَ عبد القاهر بن السَّرِيّ قال : قال إياس بن معاوية : ما من رجل عاقل ، إلّ وهو يعرف غَيْب نفسه . قال : فقيل له : فما عَيْبك يا أبا واثلة ؟ قال الإِكثار . قال : وقال : أما والله مع ذلك ، وإنْ أكثرت ، ما تُدُبِّر قولُ عاقلٍ إلّ وجد فيه بعض ما يُنْتَفْعُ به . وقالَ حَمَّاد بن سَلَمة ، عن حُمَيْد : لما ماتت أمُّ إياس بن معاوية ، بكى ، فقيل : ما يُبكيكَ يا أبا واثلة ؟ قال : كان لي بابان مفتوحان من الجَنَّة ، فَأُغلِقَ أحدهما . وقال داود بن المُحَبَّر (٢)، عن أَعْيَن الخَيَّاط: سمعت بكر بن (١) المعرفة (٩٦/٢). (٢) قيده الذهبي في المشتبه (٥٧١)، وهو مؤلف كتاب ((العقل)). ٤٣٦ عبد الله المُزَنِيَّ يُعَزّي إياساً على أُمّه فقال: يا أبا واثلة أمّا أحد بابيك ، فقد أغلق عنك ، فانظر كيف تكون في الباب المفتوح ، قال : فبكى الناس(١). وقال أبو بكر بن أبي خَيْئَمة ، عن سُلَيْمان بن أبي شَيْخ : وقع بين إياس بن معاوية ، وبين عديّ بن أرطاة ، تباعُدٌ ، فخرج إياس إلى عمر بن عبد العزيز، يشكو عدّاً ، فولّى عديُّ الحسنَ البصريَّ ، وكتب إلى عُمر يقع في إياس ، ويمدح الحَسَن . وقال عُمر بن شبّة ، عن أبي الحسن المَدَائنيِّ : قضى إياس سنة، ثم هرب ، وكانَ سبب هَرَبه ، أنه خاف عديَّ بن أرطاة ، قال : وقد اختلف أبو عُبَيْدة، وأبو الحَسَن في سَبَبِ ذاك ، حدثنا غير واحدٍ ، منهم أبو عبيدة وخلّاد الأَرْقَط ، وغيرهما : أنّ وكيع بن أبي سُوْد (٢)، شهد عند إیاس بشهادة فیعلّ به ، خافه على نفسه إن ردّ شهادته ، ورأى في الحق أن لا يجيزها ، فقال : يا أبا مُطَرِّف ، مالَكَ وللشهادة ؟، إنّما يشهد الموالي ، إليَّ ها هنا، فارتَفِعْ. قال : صَدَقْتَ والله ، فارتَفَعَ ، ثم أقبل على الذي أحضره فَسَبَّه ، فلما قامَ أقبلَ عليه الذي أحضَرَهُ ، فقال : إنّه والله ما به إلّ ردُّك ، وتزويرُ شهادتك ، ولقد شهدَ أشرافُ النَّاسِِ في قديمِ الدَّهرِ وحديثِهِ . فقالَ: صَدَقتَ والله، والله لأضربنَّهُ ضَرْبَةً بسيفي أَخَذت منه ما أخذت ، وكان وكيع حاقداً عليه . قال عُمر بن شبّة: فحدَّثنا أبو عُبَيدة ، عن إبراهيم بن شَقِيقٍ ، (١) هكذا في الأصل الذي نقل منه المؤلف ، وعلق عليه ، كما يظهر في حواشي النسخ بقوله : (( لعله إياس ». (٢) جاء في حواشي النسخ تعليق للمؤلف نصه: ((هو وكيع بن حَسّان بن أبي سود البصري ، وأحد الفرسان والشعراء، وكان يُحَمَّق)) قلت: وانظر الحكاية في العقد الفريد (٩٠/١) ٤٣٧ عن مُسْلم أبي زياد ، مولى عمرو بن الأشرف قال : تَزَوَّج رجلٌ من بني فَرَّاصٍ كانت أخته تحت عديّ بن أرطاة ، امرأةً من حُدَّان ، كانت عَقِيلةَ قَوْمِها ، فكان يشرب فيطلّقها ، ثم يجحد . فأتت إياس ابن معاوية، فذكرت ذلك له ، وجاءت بشاهد ، فسألَ عنه إیاس ، فَعُدِّل ، ولم تأتِ بغيره ، فَأَحلَفَ إياسٌ الفَرَّاصيَّ، فحلفَ ، فقالت المرأة: إن لي مملوكاً يَشهد، فهل تجوز شهادته ؟ قال : لا . قالت : فإن أعتقته ؟ قال : إن كان عَدْلاً فأعتقيه . فسأل عنه إياس ، فعُدِّل ، فانتزعها إياس من الفَرَّاصيِّ ، فوضعها على يد عبد الرحمان بن الْبُكَيْرِ السُّلَميّ ، فانتزعها عَدِيّ ، فَرَدَّها على الباهليِّ ، وكانَ عَدِيّ ناكحاً أختَهُ أمَّ عُباد بنت عَمَّار بن عطيّة ، فجاء إياس يوماً يريد الدخول على عَدِيّ وعنده وکیع بن أبي سُوْد ، وقد ائتمرا به ، وشجّعَ وكيعٌ عَدِيّاً على الإِقدام عليه ، فلقيه داود بن أبي هِنْد خارجاً من عند عَدِيّ فقال : إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ، فاخرج إني لك من الناصحين(١) . فخرجَ إلى عمر بن عبد العزيز. قال : وأمّا المدائنيّ ، فذكر أن المُهَلَّب بن القاسم بن عبد الرحمان الهلاليَّ ، كان من أجمل الناس ، فشرب يوماً ، وامرأته عنده ، فناولها قدحاً ، وأمرها بشربه ، فأبت عليه ، فقال : إن لم تشربيه فأنت طالق ثلاثاً . فقالت : ضعه من يدك ، فوضعه ، وفي الدار ظبيٌ يجول في الدارِ ، فمرّ بالقدح فكسره ، ولم يحضر ذلك إلّ نسوة ، فجحدَ المُهَلَّب طلاقَها، فأرسلت إلى أهلِها ، فاحتملوها ، فأتى القاسم بن عبد الرحمان عَدِيّ بن أرطاة ، فقال : إن أهل زوجة ابني غلبوه عليها . فتغَضِّبَ له عَدِيّ فانتزعها وردّها (١) القصص / ٢٠ . ٤٣٨ على المهلّب ، فخاصمته المرأة إلى إياس ، وجاءت بالنسوة فشهدنَ لها، وفَتَّش إياس عن الأمر، فوجده حقاً . فقال للمهلب : لئن قربتها لأَرجُمنَّك . فغضب عديّ على إياس فقال له عُمر بن يزيد بن عُمر الأُسَيْدُّ - وكان عدوّاً لإِياس، لأَنَّه كان حكم على ابنه بأَرْحَاءَ كانت في يده فأخرَجَها من يده -: أَنْظُرْ قوماً يشهدون على إياس أنه قَذَفَ المُهَلَّب بن القاسم ثم احدده واعزله . فقال : ائتني بمن يَشْهَد ، فأتاه بيزيد الرشك ، وابن رياطٍ ليلاً، فأجمع عديّ على أن يُرسِلَ إذا أصْبَحَ إلى إياس فيشهدان عليه ، والقاسم بن ربيعة الجَوْشَنِيّ حاضرٌ ، فقال عُمر بن يزيد لعَدِيّ : إنّ هذا سيأتي إياساً ، فيحذره ، فاستحلف عَدِيُّ القاسمَ بنَ ربيعةً ، أن لا يخبر إياساً بشيء ، فحلف ثم خرج ، فمرّ بدار إياس . فدقّ بابَهُ ، فقيل : من هذا ؟ فقال : القاسم بن ربيعة ، كنت عند الأمير ، فأحببت أن لا آتي أهلي حتى أمرٌ بيابك فَأَعْلِمَكَ ، ثم مضى . فقال إياس : ما جاءني الساعة إلّ لأمر خافه عليّ ، فتوارى ، ثم خرج إلى واسط . قال أبو عُبَيْدَة في حديثه ، بإسناده : فكتبَ عديٌّ إلى عمر بن عبد العزيز : إنّ إِياساً هربَ إليك من أمر لَزمه ، وإنّي وَلَيْتُ الحسن بن أبي الحسن القضاءَ . فكتب إليه عمر : الحَسَنُ أهلٌ لما ولَّيته ، ولكن ما أنت والقضاء ؟ فرِّقْ بينهما ، فَرَّقَ الله بين أعضائك ! قال أبو الحسن في حديثِهِ : لما هَرَب إياس ، غَمَّ ذلك عديّاً ، وخاف عُمَرَ ، فقال له يوسف بن عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثَّقَفِيُّ: إن أردت أن لا يَجِد عليك عُمر، فأكرِهِ الحسن على القَضاءِ ، فإنَّ عُمر لا يغيِّر ما صَنَعْتَ . ففعلَ ، وكتبَ إلى عمر : إنّ إياساً هربَ إليك من حقٍّ لزمه ، وقد ولَّيتُ الحسن القضاء ، فكتب إليه عمر : إن في الحسَن لخَلَفاً . ٤٣٩ وقال : حَدَّثنا هارون بن مَعْروف قال : حدثنا ضَمْرة عن ابن شوذب قال : وَليَ الحَسَن قضاء البصرة ، في خلافة عُمر بن عبد العزيز ، بعد إياس بن معاوية ، فما قام له ، ولا قويَ عليه ، وكان النَّاس إذا تداكّوا عليه، قال: إنّ الناس لا يصلحهم إلّ وَزَعَة(١) - يعني الشُّرَطِ -. إلى هنا عن عمر بن شبّة . قال أبو بكر بن أبي خَيْئَمة عن أبي الحسن المَدَائنيِّ : إياس ابن معاوية ، أدرك يوسف بن عُمر، وضَرَبَهُ يوسف بن عمر(٢)، ومات إياس بعبدسا ، وكانت له فيها ضَيْعَة ، فخرجَ من البصرة ، لرؤيا رآها . وقال الهيثم بن عَدِيّ (٣) وخليفةُ بنُ خَيّاط (٤): مات سنة اثنتين وعشرين ومئة . زادَ خليفةُ : بواسط . ذكرَهُ البخاريّ في ((الإِجارات)) وفي ((الأحكام )) وروى له مُسْلم في مقدمة كتابه . ٥٩٥ - عس: إِيَاسُ بن نُذَيْرِ الضَّبِّيُّ الكُوفيُّ ، والد رِفاعة بن إیاس . روى حديثه: حُسين بن حسن الأشْقَر ، عن رفاعة بن إياس ابن نُذَيْرِ الضَّبِيِّ، عن أبيه ، عن جدِّه، قال: كنت مع عليّ يوم (١) الوَزَّعَة - بالتحريك - جمع ((الوازع)) وهم الأعوان الذين يكفون الناس عن التعدي والشر والفساد. (٢) نقل ابن سعد عبارة المدائني إلى هذا الموضع (٥/٢/٧). (٣) رواه ابن زبر الربعي في موالد العلماء ووفياتهم ( الورقة : ٣٦). (٤) تاريخه : ٣٥٤، وقال في الطبقات (٢١٢): في أول ولاية يوسف بن عمر بعد العشرين ومئة. ٤٤٠