النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ تفقَّهَ عليه عددٌ كثير، ورَوَى عنه بِشرُ بن الوليد، وابنُ سَمَاعة، ويحيى بنُ مَعِين، وعليُّ بن الجَعْد، وأحمدُ بن حنبل، وعَمْروُ الناقدُ، وأحمدُ بن مَنِيع، وعليُّ بن مُسْلِم الطُّوْسِي، والحسَنُ بن أبي مالك، وهِلالُ الرَّأْي(١) وإبراهيمُ بن الجراح، ومُعَلَّى بنُ منصور الرازي، وأسَدُ بنُ الفرات، وعَمْرُوبنُ أبي عمرو الحَرَّاني. وأَجَلُ أصحابِهِ محمدُ بن الحسن. وَلِيَ قضاءَ بغداد لموسى الهادي(٢)، ثم وَلِيَ القضاء لهارون الرشيد. وعلا شأنُه، وهو أول من دُعِيَ قاضِيَ القضاة. قال مكرم القاضي: ثنا عبدالصمد بن عُبَيد الله، عن علي بن حرملة التيمي، عن أبي يوسف قال: كنتُ أطلُبُ الحديثَ والفقه وأنا مُقِل، فجاء أبي (٣) يوماً وأنا عند أبي حنيفة، فقال: يا بُنَّيَّ لا تَمُدُّنَّ رجلَك مع أبي حنيفة، فإنَّ خُبْزَهُ مَشْوِيٌّ وأنت مُحتاجٌ إلى المعاش، فآثرتُ طاعة أبي . (١) على صيغة المصدر بإضافة (هلال) إليه، وعند الفصل بينهما بذكرِ الأب يتعيَّنُ كونُه على صيغة النسبة، أو على صيغة (فاعِل) بمعنى النسبة، حيث لا يجوزُ اعتبارُ الإِضافةَ مع الفاصل (ز). (٢) بل وَلَيَ القضاءَ قبلَه في عهد المهدي، كما ذكره ابنُ عبدالبر في ((الانتقاء))، وقبلَه محمدُ بن خَلَف المعروفُ بوكيع القاضي في ((أخبار القضاة)) (ز). (٣) وهو الصحيح، وليست أمه صاحبة الحكاية وإن ذكر الخطيب ذلك، لأنَّ في سنده محمد بن الحسن النقاش وهو كذَّاب. وحكاية الفالوذج في روايته ما هي إلا حكاية سَمَر، ولذا أشار الذهبي إلى تضعيف حكاية أمه بقوله فيما بعد ((وحُكي أن أمه ... )) (ز). ٦٢ فتفقَّدَني أبو حنيفة، فجعلتُ أتعاهَدُ مجلسه، فلما أتيتُ دَفَع إليّ مئة درهم، وقال لي: الزَمْ الحَلْقَة، فإذا نَفِدَتْ هذه فأعلِمْني، ثم دَفَع إليَّ بعدَ مدة يسيرة مئةً أخرى ثم كان يتعاهدني . وحُكِيَ أنَّ أمه هي التي أَنكَرتْ عليه، وأن أباه مات وهو صغير، وأنها أَسْلَمَتْه عند قَصَّار، فاللَّهُ أعلم. ٤٠ / ثناء الأئمة على أبي يوسف ذَكَر أَسَدُ بن الفُرَات عن محمد بن الحسن قال: مَرِضَ أبو يوسف فعاده أبو حنيفة، فلما خرج قال: إن يَمُت هذا الفتى فهو أَعلَمُ من عليها، وأومأ إلى الأرض. عباس الدُّوري سمعت أحمد بن حنبل يقول: أوَّلَ ما كتبتُ الحديث اختَلَفتُ إلى أبي يوسف القاضي فكتبتُ عنه، ثم اختَلَفتُ بعدُ إلى الناس. قال: وكان أبو يوسف أميَلَ إلينا من أبي حنيفة ومحمد. إبراهيم بن أبي داود البُرُلُّسِي: سمعتُ يحيى بن معين يقول: ما رأيتُ في أصحاب الرأي أثْبَتَ في الحديث، ولا أحفَظَ ولا أُصَحَّ روايةً من أبي يوسف. وأبو حنيفة صَدُوقٌ، غيرَ أنَّ في حديثه ما في حديثٍ المشايخ - يعني من الغَلَطَ(١) -. (١) هذا التفسير من الذهبي ينافي ما في باقي الروايات عن ابن معين، من أنه ما كان يَروي إلا ما يَحِفَظُه، وقد عُرِفَ تشدُّده في الرواية، بحيث لا يُبيح للراوي أن يَروِيَ إلا ما استمرَّ على حفظه من آنٍ التحمل إلى آنِ الأداء، إلا أنه كان يُجيز الروايةَ بالمعنى للحافظ الفقيه، وكان ربما يَروي في مجلسٍ تفقيههِ الحديثَ مختصراً، على المعنى، أو يُرسِلُ المسنَدَ فيما هو معروفٌ لأصحابه المتفقهين عليه في مجلسه، كما هو شأنُ مجالسِ التفقيه، بخلافِ مجالسٍ الرواية المجرّدة، وليس هذا من الغَلَط في شيء (ز). ٦٣ عباس الدُّوري، سمعتُ ابن معين يقول: أبو يوسف صاحبُ حدیثٍ صاحبُ سنة. محمد بن سَمَاعة، عن يحيى بن خالد قال: قَدِمَ علينا أبو يوسف وأقلُّ ما فيه الفقهُ، وقد ملأ بفقهه ما بين الخافقين. بِشْرُ بن الوليد، سمعتُ أبا يوسف يقول: سأَلَني الأعمشُ عن مسألةٍ فأجبتُه عنها، فقال لي: من أين قلتَ هذا؟ قلتُ: لحديثٍ حدَّثْتَنَاهُ أنت. فقال: يا يعقوبُ، إني لأحفظ هذا الحديثَ قبل أن يجتمع أبواك، فما عَرفتُ تأويلَه إلا الآن. ابنُ الثَّلْجِي، سمعتُ عبدالله بن داود الخُرَيْبِيِّ يقول: كان أبو يوسف قد اطّلع على الفقه أو العلم اطَّلاعاً، يَتناولُهُ كيف يشاء. عَمْروبن محمد الناقد قال: ما أُحِبُّ أن أُروِيَ عن أحدٍ من أصحاب الرأي إلا عن أبي يوسف، فإنه كان صاحبَ سنة. يحيى بن يحيى النيسابوري، سمعتُ أبا يوسف يقولُ عند وفاته: ٤١ كلُّ ما أفتيتُ به فقد رجَعتُ عنه إلا ما وافَقَ / الكتاب والسنّة(١). (١) هذا شأن من يخاف الله سبحانه في دينه، لكن ليس معناه أنه يُعَدُّ راجعاً عن كل فتيا يَعُدُّها كلُّ من هَبَّ وَبَّ مخالفةً للكتابِ على فهمِهِ، ولصحيح الخبرِ في نظرِهِ. وكم من فَهْمٍ سقيم ! وتصحيحٍ غيرِ مستقيم !والأنظارُ في هذا وذاك مختلفة. وقولُ أبي يوسف هذا كقول الشافعي: إذا صح الحديثُ فهو مذهبي؛ لأنه ليس بمعنى أن كلَّ ما قال فيه أحدٌ: إنه حديثٌ صحيح، آخُذُ به راجعاً عما قلته من قبل، بل بمَعْنَى أن الحديث إذا صَحَّ بشَرْطه، ووَضَحَتْ دلالتُه آخُذُ به، وإلا اختلط مذهبُه. وقد أقاموا النكير على أبي محمد الجُوَيني حيث حاول أن يؤلف كتاباً يَجمَعُ فيه مسائلَ صَحِّ الحديثُ فيها في نظره، عازياً إياها إلى الشافعي، تعويلاً منه = ٦٤ حنبلٌ، سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: أبو يوسف كان منصِفاً في الحديث. قال الفَلَّسُ: أبو يوسف صدوقٌ، كثيرُ الغلط(١). إبراهيم بن إسحاق الزهري، ثنا بِشْر المَرِيسِي، سمعتُ أبا يوسف يقول: صَحِبتُ أبا حنيفة سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَة، ثم رَتعتُ في الدنيا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وإني أظنُّ أنَّ أجلي قد قَرُبَ. فما عَبَرَ يَسِيرٌ حتى مات. ابنُ كأس، ثنا أحمد بن عمار بن أبي مالك، سمعتُ أبي يقول: لم يكن في أصحاب أبي حنيفة مثلُ أبي يوسف علماً وفقهاً ومعرفة، ولولاه لم يُذكَر أبو حنيفة ولا ابنُ أبي ليلى (٢)، لكنه نَشَر عِلْمَهُمَا. أبو خَازِم القاضي، عن بكر العَمِّي، عن هِلالِ الرَّأْيِ ، قال: كان أبو يوسف يَحفظُ التفسيرَ والمغازيَ وأيامَ العرب، وكان أحَدُ علومِهِ الفقه. قال المُزَنيُّ: كان أبو يوسف أتبَعَهم للحديث. أحمدُ بن عطية، سمعتُ محمد بن سَمَاعة يقول: كان أبو يوسف يُصلِّي - بعدَما وَلِيَ القضاءَ - كلّ يوم مِثْتَيْ ركعة. على هذا القول المحكيِّ عن الشافعي، وقد استبان لأهل العلم بالحديث أنه كان يُصحِّحُ أحاديثَ غيرَ صحيحة، ويَجعلُ المسائلَ المستنبطةَ منها أقوالاً للشافعي، فزجروه عن ذلك (ز). (١) الفَلَّسُ متعنّت في أصحاب أبي حنيفة. وأبو يوسف ذكره ابنُ حبان وغيرُه بالحفظ والإتقان (ز). (٢) في هذا الكلام غُلُوِّ لا يرضاه أبو يوسف نفسُه، بل لولاهما لما ارتفع لأبي يوسف شأنّ أصلاً. وهو القائل: ما كان في الدنيا مجلسٌ أجلِسُه أحبَّ إلي من مجلِسَيْ أبي حنيفة وابن أبي ليلى، فإني ما رأيتُ فقيهاً أفقَهَ من أبي حنيفة، ولا قاضياً خيراً من ابنٍ أبي ليلى. أخرجه الصَّيْمَرِي بسنده إليه. نعم كان تلميذاً باراً لهما، فبارَكَ اللَّهُ في علمه (ز). = ٦٥ عباسٌ، سمعتُ يحيى بن معين يقول: كان أبو يوسف يُحِبُّ أصحاب الحديث، ویمیلُ إلیھم. عبدُ الله بن علي المديني، سمعت أبي يقول: كنا نأتي أبا يوسف لما قَدِمَ البصرة / سنة ثمانين ومئة، فكان يُحدِّثُ بعشَرَةٍ أحاديث وعَشَرَةٍ ٤٢ رَأْي(١)، وأراهُ قال: ما أجِدُ على أبي يوسف إلا حديثَهُ عن هشام بن عروة في الحَجْر (٢)، وكان صدوقاً. ومن شمائله الطَّحَاوِيُّ، نا بَكَّار بن قتيبة، سمعتُ أبا الوليد الطَّيَالِسِيَّ يقول: لما قَدِمَ أبو يوسف البصرةَ مع الرشيد، اجتَمَع أصحابُ الرَّأَي وأصحابُ الحديث على بابه، فطَلَب كلَّ فريق منهم الدخول إليه أولاً، فأشرَفَ عليهم فلم يأذن لفريق منهم وقال: أنا من الفريقين جميعاً، ولا أُقدَّمُ فِرقةً على فِرقة، ولكني أسألُ الفريقينِ عن مسألة، فأيُّهم أصابوا دَخَلوا. ثم قال: رجلٌ مَضَغ خاتمي هذا حتى هشمه، ما لِيَ عليه؟ فاختَلَف أصحابُ الحديث، فلم يُعجبه قولُهم، وقال فقيه: عليه قيمتُهُ مصوغاً، ويأخذُ الفِضَّةَ المهشومةَ إلا أن يشاء رَبُّ الخاتم أن يُمسِكَه لنفسه، ولا شيءً علی هاشِمه. فقال أبو يوسف: يَدخُلُ أصحابُ هذا القول، ودخلتُ معهم، فسأله المستملِي، فأملَى حديثاً عن الحسن بن صالح وقال: ما أخافُ (١) هكذا في الأصل، والأظهَرُ (عَشَرَةٍ آراء)، ولعل وُرودَ ذلك بصيغة الإِفراد هنا، من جهة أنه مصدر يستوي فيه المثنَّى والمجموعُ (ز). (٢) بل لهُ متابع، راجع ((التلخيص الحبير)) ٢٤٩، و((سنن البيهقي)) ٦١:٦ (ز). ٦٦ على رجلٍ من شيءٍ خوفي عليه من كلامِهِ في الحسن بن صالح، فوقع لي أنه أراد شعبةً، فقمتُ وقلتُ: لا أجلِسُ في مجلسٍ يُعرَّضُ فيه بأبي بِسْطام(١). ثم خرجتُ، فرجعَتْ إليَّ نفسي، فقلتُ: هذا قاضِي الآفاق، ووزيرُ أميرِ المؤمنين، وزميلُه في حَجِّهِ، وما يَضُرُّه غَضَبي! فرجعتُ فجلستُ حتى فَرَغ المجلسُ، فأقبل عليَّ إقبالَ رجل ما كان له هَمُّ غيري، فقال: يا هشام - وإذا هو يَعنيني لأني كنتُ عنده ببغداد -: واللَّهِ ما أردتُ بأبي بِسْطام سُوءاً، ولَهُوَ في قلبي أكبرُ منه في قلبك فيما أَرى، ولكن لا أعلَمُ أني رأيتُ رجلاً مثلَ الحسَنِ بن صالح . قال بكّار: فذكرتُ هذا لهِلالِ بنِ يحيى(٢)، فقال: أنا واللَّهِ ٤٣ الذي أجبتُ / أبا يوسف عن الخاتم. ابنُ الثلجي، سمعتُ الحسن بن أبي مالك، يقول: قال أبو يوسف: لو استطعتُ أن أشاطِركم ما في قلبي من العلم لفعلتُ. وسمعتُهُ يقول: مَرِضتُ مرضاً نَسِيتُ فيه كلَّ ما كنتُ أحفظُه، حتى القرآن! ولم أنسَ الفقهَ، لأنَّ عِلمي بما سوى الفقه عِلمُ حفظ، وعِلمي بالفقهِ عِلمُ هداية، كرجلٍ غاب عن بلده مدة، ثم قَدِمَ أفْتَراه يغيبُ عن طريقٍ منزله؟. عن هلالِ الرَّأْيِ ، سمعتُ أبا يوسف يقول: مُخاشَنَةُ الولاة ذُلُّ، ومُخاشَنَةُ القُضاةِ فَقْر. (١) هو شعبة . (٢) هو: هِلالُ الرَّأْيِ. ٦٧ وسمعتُهُ يقول في كتاب الصَّكِّ - يعني الْأَسْجال ــ ونحوِهِ: لا أقلّ من عَشَرَة شهود، اثنانٍ يموتان، واثنانِ يَغِيبان، واثنانٍ لا يُؤدِّیان، واثنانِ يَثْبُتَان، واثنانِ يُزَوِّران. محمد بن شجاع، سمعتُ الحسن بن أبي مالك، سمعتُ أبا يوسف يقول: القرآنُ كلامُ الله، ومن قال: كيفَ ولِمَ؟ وتعاطَى مِراءً ومُجادلةً، استَوجَبَ الحَبْسَ والضربَ المُبرِّحَ. وسمعته يقول: لا يُفلِح من استَحَلَى شيئاً من الكلام. وسمعته يقول: لا يُصلَّى خَلْفَ من قال: القرآنُ مخلوق. إبراهيمُ بن الجراح، سمعتُ أبا يوسف يقول: كان أبو العباس - يعني السفّاحَ - قد أَشخص العلماءَ، فكنا نَسمِعُ تلك الأيام. عليُّ بن الجَعْد، سمعتُ أبا يوسف يقول: من قال: إيمانِي كإيمانٍ جبريل، فهو صاحبُ بِدعة . أحمدُ بنُ أبي عمران الفقيه، حدَّثني فَرَجٌ مولى أبي يوسف، قال: رأيتُ مولاي أبا يوسف إذا دَخَل في القنوت للوتر رَفَع يديه في الدعاء، إن كان فَرَجٌ ثقةً (١). أبو خَازِم القاضي: ثنا الحسن بن موسى قاضي هَمَذان، ثنا بِشْرُ بن الوليد، قال: كان أبو يوسف: (١) وعند ابن أبي العوام قال لنا ابنُ أبي عمران: لم يُحدِّثنا بهذا عن أبي يوسف غيرُ فَرَج، وكان ثقة. فلعله ((وكان فَرَجٌ ثقة)) (أبو الوفاء). قلتُ: ومثلُه في ((الجواهر المضية)) ٢: ٦٩٠ (ز). ٦٨ إذا ذَكَر محمد بن الحسن قال: أُّ سيفٍ هو؟ غيرَ أنَّ فيه صَدَأَ، وهو يحتاجُ إلى چِلاء. وإذا ذَكَر الحسَنَ بن زياد قال: هو عندي كالصَّيْدَلاني، إذا سأله رجلٌ أن يُعطِيَهُ ما يُطلِقُ بطنَه، أعطاه ما يُمسِكُه. وإذا ذَكَر بِشْراً يقول: هو كابرة الرَّفَّاءِ، طَرَفُها دقيق، وهي سريعةٌ الانكسار. وإذا ذَكَر الحسنَ بنَ أبي مالك قال: هو كجَمَلٍ حَمَل حِمْلاً / في يومٍ مَطِير، فَيَذهَبُ مرةً هكذا ومرةً هكذا ثم يَسْلَمُ. ٤٤ الطحاويُّ، ثنا ابن أبي عمران، ثنا محمد بن سَمَاعة، عن أبي يوسف قال: قَدِمَ علينا رَبِيعةُ بن أبي عبدالرحمن(١)، فأتيتُه فقلت: ما تقول في عبدٍ بين رجلين، أعتَقَه أحدُهما؟ فقال: العِتقُ باطل. قلتُ: فإن أعتَقَ الآخَرُ ينبغي على قولك أن يكون أيضاً باطلاً! فإذا كان عِنْقُ مَوْلَيْهِ لا يَجُوزُ، فمن يَجُوزُ عتقه فیه! أبو بكر الخَصَّاف، حدثني أبي، ثنا الحسن بن زياد قال: كنا يوماً باب أبي يوسف إذْ أقبَلَ من دار الرشيد يبتسِمُ، فقال: حَدَثَتْ مسألةٌ في دار أمير المؤمنين، وهي أنَّ قاضياً بإِرْمِيْنِيَة اختَصَم إليه جاريتان في جَرَّتينِ، وقد استَقَتَا ماءً، فوضَعَتَا الجَرَّتِينِ لتستريحًا، فَسَقَطَتْ جَرَّةٌ على الأخرى فانكسَرَتا، فاختَصَمَتا إلى القاضي، فقالت كلَّ واحدة منهما: سَقَطَتْ جَرَّةُ هذه على جَرَّتِي وكسَرَتْها . (١) هذا شيخُ مالك في الفقه، لكن من الصعب المقاومةُ لمُناظرةِ أبي يوسف في المسائل، ولذا كان يأبى مالكٌ مناظرتَه في مجلس الرشيد، كما في ((كشف المغطّى)» لابن عساكر (ز). ٦٩ فجعَلَ القاضي يَنظُرُ إليهما لا يَعرِفُ المدَّعِيَ منهما من المدَّعَى عليه، فقال للقيِّم: أخَّرْهما! ثم صاحَتَا وَاوَيْحَتَا! فقال للقيم: اذهَبْ فاشترِ لهما جَرَّتينِ، وأَرْضِ كلّ منهما. فلما كان العَشِيُّ قال لرجل كان يَأْنَسُ به: ماذا يقولُ الناسَ ويَخُوضون فيه من أمرِنا؟ قال يقولون: إنَّ القاضِيّ لم يُحسِن أن يَحكُمَ في جَرَّتِينِ حتى غَرِمَهُمَا! فقال: سبحان الله! أفلا يَرْضَوْن مني أن أحكم فيما أُحْسِن، وأَغرَمُ فيما لا أُحْسِنِ؟! قال أبو يوسف: فقلتُ يا أمير المؤمنين، هذا رجلٌ عاقل، فزِدْ في أرزاقِه للغراماتِ ألفَ درهم في كل شهر. فقلنا لأبي يوسف: كيف جوابُ هذه المسألة؟ قال: إن كانتا وَضَعَتَا الجرََّيْنِ في مُستَراحٍ للمسلمين، فكلُّ واحدةٍ منهما جاعلةُ جرَّتَها في حَقُّها، غيرَ جانية على صاحبتها، وعلى كلِّ واحدةٍ منهما قيمةُ جَرَّةٍ صاحِبتِها. وإن كانت إحداهما في مُستراح، والأخرى في غيرِ مستراح، فالتي في غيرِ المستراح جانيةٌ على صاحبتها. بِشْرُ بن الوليد، سمعتُ أبا يوسف يقول: من طَلَب المالَ بالكيمياءِ أَفَلَس، ومن طَلَب العلمَ بالكلام تَزَنْدَق، ومن طَلَب غريبَ الحديثِ كَذَب. / محمد بن سعد، إني سمعتُ أبا سليمان الجُوزَجَاني، سمعتُ ٤٥ أبا يوسف يقول: دخلتُ على الرشيد وفي يدِهِ دُرَّتانٍ يُقْلَّبُهما، فقال: يا يعقوبُ، هل رأيتَ أحسَنَ من هاتينٍ؟ قلت: نعم. قال: وما هو؟ قلتُ: الوِعاءُ الذي هُمَا فيه. قال: فرَمَى بهما إليّ وقالَ: شأنَّك بهما. فأخذتُهما وقُمتُ. ٧٠ الطحاويُّ: نا ابن أبي عمران، نا محمد بن شُجَاعِ، سمعتُ الحسَنَ بنَ أبي مالك، سمعتُ أبا يوسف في مَرَضِه يقول: واللَّهِ ما زنيتُ قط، ولا جُرْتُ في حكم، ولا أخافُ من شيء إلا من شيء كان مني: كنتُ آخُذُ القِصَصَ فأقرؤها على الرشيد، ثم أُوَقِّعُ لأصحابها بحضرته . فأخذتُ قصةً لنصرانيٍّ في ضَيْعةٍ بيد الرشيد، يَزْعُمُ أنه غَصَبه إياها، فدَعوتُ النصرانيَّ وقرأتُ قِصَّتَهُ على الرشيد، فقال: هذه الضيعةُ لنا، وَرِثناها عن المنصور. فقلتُ للنصراني: قد سمعتَ، أفلَكَ بِيِّنةٌ؟ قال: لا، ولكنْ حَلِّقْهُ. فقلتُ: الحَلِفَ يا أمير المؤمنين، قال: نَعَمْ، فَحَلَف وذَهَب النصراني، فأخافُ من تَرْكِي أن أُقْعِدَ النصرانيَّ مع أمير المؤمنين مجلِسَ الخَصْم. عليُّ بن الجعد، سمعتُ أبا يوسف وسأله رجل، فقال: يَذْكُرون تُجِيزُ شهادةَ من يقول: إنَّ الله لا يَعلَمُ ما يكونُ حتى يكون؟ قال: ويحَك! هذا إن تاب وإلا قتلتُه. بشرُ بن الوليد، سمعتُ أبا يوسف يقول في مَرَضِه: اللهم إنك تعلم أني لم أطأ فرجاً حراماً، وأني لم آكل درهماً حراماً وأنا أعلم. ابنُ كأس: ثنا أبو عَمْرو القَزْوِيني، ثنا القاسم بن الحَكَم العربي، سمعتُ أبا يوسف عند موته يقول: ليتني مِتَّ على ما كنتُ عليه من الفقه، وإني واللهِ دَخلتُ في القضاءِ ولم أتعمَّد جَوْراً، ولا رَفعتُ خَصْماً على خَصم من سلطانٍ ولا سُوْقَة . ٧١ الطحاوي، ثنا أحمد بن أبي عمران، ثنا داود بن وهب، حدثني عبدالرحمن القَوَّاس - وقيل لم يكن ببغداد أفضَلُ منه - قال: قال لي معروفٌ الكَرْخِي: إن تُوفِّيَ أبو يوسف فأعلِمْني، فمَضيتُ، فإذا أنا بجنازةِ أبي يوسف، فمضيتُ معها وقلتُ: إِن رَجعتُ إلى معروفٍ فاتَّتْنِي الجنازةُ ولم يُدركها هو. فلما انصرفتُ أتيتُهُ وقلتُ: لو رجعَتُ إليك لم تدركها، فاغتَمَّ! فقلتُ: ما يَغُمُّك؟ قال: إني / رأيتُ في ليلتي هذه، كأني أُدخِلتُ ٤٦ الجنة، فرأيتُ قصراً فقلت: لمن هذا؟ قال: ليعقوبِ القاضي. قلتُ: بأيِّ شيء استحقَّ هذا؟ قال: بتعليمه العِلمَ، وبكثرةٍ وقيعةِ الناس فيه. قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: سمعتُ أبي يقول: كان في أبي يوسف رحمه الله لثغة (١)، فكان يحدثنا فيقول: ثنا مطيف بن طيف الحايثي، أي مُطرِّف بنُ طَرِيف الحارِثي. قال أبو حسان الزيادي: كان أبو يوسف قاضيَ الرشيد، فاستَخلَفَ ولدَهُ يوسف، وكان يقضِي معه، فلما مات أبو يوسف أقرَّ الرشيدُ ابنَه على القضاء إلى أن مات يوسف. الحسن بن حماد سَجَّادة، سمعتُ يوسفَ بن أبي يوسف يقول: وَلِيتُ القضاء، ووَلِيَ أبي من قبلي، فكانت ولايتنا للقضاءِ ثلاثين سنة، ما بالَيْنَا أن نقضِيَ بين جَدٍّ وأخ. (١) ومثلُ هذه اللثغة مما لا يَصبِرُ عليه مثلُ الرشيد، فشواهدُ الحال تَدُّ على عدم صحة هذا الخبر، على أنَّ الراوي عن عبدالله حَشوي هالك (ز). ٧٢ قال ابنُ عدي وذَكَر أبا يوسف فقال: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: يُكتَبُ حديثُه(١). وقال أبو عبدالله البخاري: تركوه(٢). وقال أبو حفص الفَلَّس: صدوقٌ، كثيرُ الغلط. قلتُ: ولقاضي القضاة أبي يوسف رحمه الله ورضِيَ عنه أخبارٌ في السُّؤدَد والكَرَم والمروءة والجاهِ العريض والحُرمةِ التامةِ في العلم والفضل، وأخبارٌ في الحطُّ عليه، بعضُها ليس بصحيح، أوردها ٤٧ العُقَيْلِيُّ (٣) وابنُ ثابت في / ((تاريخ بغداد)) وغيرُهما. (١) ذكره ببالغ الحفظ ابنُ الجوزي في ((أخبار الحفاظ)) ص ٨٧، في عِدادِ المِئة الأفذاذِ من هذه الأمة، المعروفين بقوة الحفظ للغاية، حيث كان يُملي نحوَ ستين حديثاً بأسانيده على الرواة بسماع واحد. وقَبْلَهُ ابنُ عبدالبر، وقَبْلَهُ ابنُ حِبان، وقَبْلَهُ ابنُ جرير، حيث قال في ((ذيل المذيل)): كان يُعرَفُ بحفظٍ الحديث، وكان يَحضُر المحدِّثَ فيحفظ خمسين وستين حديثاً - يعني بسماع واحد - ثم يقومُ فُيُمليها على الناس، وكان كثيرَ الحديث. وقال أحمدُ بن كامل الشجري في («تاريخ القضاة»: لم يَختلف يحيى بنُ معين وأحمدُ بن حنبل وعليُّ بن المديني في ثقتِهِ في النقل (ز). (٢) قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) عن البخاري: تركه أبو زرعة وأبو حاتم. قلت: وهذه كلمة كبيرة في شيخ الحفاظ، كما أن كلمة البخاري في أبي يوسف الإِمام المجتهد الحافظ المتقن خارجةٌ عن حد الإِنصاف. ولعل كلمة ابن أبي حاتم في البخاري ثأر معنوي من الله لأبي يوسف، وإلا فلا هذا بمتروك ولا ذاك (ز). (٣) هذا حشوي مجازف، لم يَدع أبا حنيفة ولا أحداً من أصحابه من غير أن يَنهشَ أديمه، ولم يَذكر لواحدٍ منهم مَنْقَبةً واحدة، وقد سَوَّد صفحاتٍ تراجمهم بما يدل على ضغينتِهِ نحوَ أهل الحق. وقد كَفَى مَؤُنةً الرد عليه راوِيَتُهُ = ٧٣ قال علي بن سَلَمة اللَّبَقي: سمعتُ يحيى بن يحيى يقول: دخلنا على أبي يوسف وهو مريضٌ بجُرْجَان، فقال: اشهدوا أني قد رَجعتُ عن كلِّ ما أفتيتُ به الناسَ إلا ما في القرآن، واجتَمَع عليه المسلمون(١). = ابنُ الدَّخيل الصَّيدلاني في ((جزء)) خاص، ألَّفه في مناقب أبي حنيفة. وقد سَمِعَه منه الحكّمُ بنُ المنذر، ومنه سَمِعَه صاحبُه ابنُ عبدالبر. وقد دَوَّن ابنُ عبدالبر غالبَ ما في هذا الجزء في ((الانتقاء في أخبار الأئمةَ الثلاثة الفقهاء»، فكفَی وشفی . وقد قال الذهبي في ((الميزان))، في ترجمة علي بن المديني، بعد أنْ ذَكَّر رجالاً طَعَنْ فيهم العُقَيليُّ هذا: ((ولو تُرِكَ حديثُ هؤلاء لغلَّقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتَتْ الآثار، واستولَتْ الزنادقةُ، ولَخرَجَ الدجّال! فما لك عَقْلٌ يا عُقَيلي! أتدري فيمن تتكلم؟ ... كأنك لا تدري أنَّ كلَّ واحد من هؤلاء أوثَقُ منك بطبقات)). وأما ابنُ ثابت - وهو الخطيبُ البغدادي صاحبُ ((تاريخ بغداد)) - فقد آذى نفسه بما صَنع، وقد كشفتُ الستارَ عن منحاه في ((تأنيب الخطیب)»، وله دسائسُ غريبة في وَصْم أصحابنا، بأسانيدَ في رجالها الكذَّابون حتى في نظره، كما فَعَل في ترجمة أبي يوسف كأنه تحيَّلَ في إباحةٍ جارية للرشيد بصورة یأباها أهلُ الدين وبتزيدٍ مفضوح، مع أنَّ في سندٍ هذه الحكاية عنده محمد بن أبي الأزهر، وهو القائلُ فيه: ((كان كذَّاباً قبيحَ الكذب)). فتّبًّا لمن يستدلُّ بحكاية من يكون كذاباً قبيحَ الكذب حتى في نظره نفسِهِ، في جَرْح إمامٍ عظيم مثلٍ أبي يوسف! (ز). (١) هذه الحكاية مختلَقَةٌ ومعها ما يدلُّ على الاختلاق: لأنه ليس من مذهبه قَصْرُ الحجة على القرآن والإِجماع، بل هو ممن يأخذُ بالسنة على أنواعها وبالقياس. ولأنه اتفق أهلُ العلم بالتاريخ على أنه توفي في بغداد لا في جُرجان. ولأنه رَوَى بعضُ أصحابه في مرض موتِهِ مسائلَ عنه، أدِلّتُها ليست مقصورةً على الكتاب والإِجماع. = ٧٤ قال بشربن الوليد: تُوقِّ أبو يوسف رحمه الله يومَ الخميس، لخمسٍ خَلَوْنَ من ربيعٍ الأول سنةَ اثنتين وثمانين ومئة. وقال غيرُه: في ربيعِ الآخِر ببغداد، وله تسع وستون سنة(١). يعقوب بن شيبة، سمعتُ شجاعَ بن مَخْلَد يقول: حَضَرْنا جنازةَ أبي يوسف، فقال عَبَّادُ بن العَوَّام: ينبغي لأهل الإِسلام أن يُعزِّيَ بعضُهم بعضاً بأبي يوسف. ومن حديثِهِ ما أخبرنا به أحمد بن إسحاق الأبَرْقُوْهِي سنةً خَمْسٍ ٤٨ / وتسعين وست مئة، أنا المبارك بن أبي الجُود، أنا أحمد بن الطَّلَّية، أنا أبو القاسم الأنماطي، أنا أبو طاهر المُخَلَّص، ثنا أبو حامد الحضرمي، ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، أنا أبو يوسف، نا أبو حنيفة، ولأن في سندها أحمدَ بن حفص الجُرجاني، وهو صاحب مناكير، على أنه = ليس بين أئمة الدين من يُفتي مع الجهل بما في القرآن وبمواطن الإِجماع، أو يفتي على خلافهما، مع العلم بمخالفةِ فتياه لهما حتى يُتَصوَّرَ مثلُ هذا الرجوع . ولفظُ الخطيب يخالف ما ها هنا، مع كونه بطريق أحمد بن حفص عن اللَّبقي . ولفظُ يحيى بن يحيى في رواية الخطيب ((سمعتُ أبا يوسف القاضي عند وفاته يقول: كلُّ ما أفتيتُ به فقد رجعتُ عنه، إلا ما وافَقَ كتابَ الله وسنةً رسول الله صلی الله عليه وسلم)). ومَنْ مِنَ الفقهاءِ من لا يُبادرُ بالرجوع عن الفتيا - في جميع أدوار حياتِهِ - إذا عَلِمَ أنه خالف الكتاب أو السنة سهواً في فتياه؟ (ز). (١) هذا على المشهور في ميلاده، وأما على ما قاله أبو القاسم السِّمْنَاني. وابن فَضْلِ الله العُمَري، فكانت وفاته وهو ابنُ تسعٍ وثمانين سنة. والله أعلم (ز). ٧٥ عن علقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُرَيْدة، عن أبيه: أنَّ قومَ ماعزٍ سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم واستأذنوه في دفنِهِ والصلاةِ عليه فأذن لهم. أخبرنا عبدالعزيز بن محمد بن هبة الله العقيلي الحنفي، أنا يوسف بن خليل، أنا عبدالخالق بن الصابوني، وعبدُالرحمن بن نصر الله البِّع، قالا: أنا قَرَاتكِينُ بنُ أسعد، أنا أبو محمد الجوهري، أنا القاضي أبو بكر الْأَبْهَرِي، ثنا أبو عَرُوبة الحَرَّاني، ثنا جَدِّي عَمْرُو بن أبي عَمْرو، ثنا أبو يوسف يعقوبُ بن إبراهيم، ثنا عُبَيْدُ الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لَوْمَا وَجدتُ إلا مُدّاً لاغتَسَلْتُ. وبالإِسناد، ثنا أبو يوسف، ثنا أبو حنيفة، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، أنه قال: لا وُضوءَ في القُبْلَة . أخبرنا أبو الغنائم بن عَلَّن، والمؤمَّلُ بن محمد، ويوسف بن يعقوب كتابةً قالوا: أنا زيدُ بن الحسن المُقرىء، أنبأ عبدالرحمن بن رُزَيْق الشيباني، أنا أحمد بن علي الحافظ، أنا أبو عُمَر بن مَهْدِي، ثنا محمد بن مخلد، ثنا عَبْدُوسُ بن بِشْر الرازي، ثنا أبو يوسف القاضي، ثنا أبو حنيفة، عن نافع عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتَى الجمعةَ فليَغْتَسِل)). أخبرنا إسماعيل بن عبدالرحمن، أنا أبو القاسم بن صَصْرَى، أنا علي بن سُرور الخَشَّاب، أنا الحسن بن أحمد بن محمد بن أبي الحديد سنةَ ثمانين وأربع مئة، أنا المسدَّدُ بن علي الْأُمْلُوكي، ثنا إسماعيل بن القاسم الحَلَبِيُّ بحمص سنة سبعين وثلاث مئة، ثنا يحيى بن علي بن هاشم الكِنْدي، ثنا جَدِّي لأمي وهو محمدُ بنُ إبراهيم بن أبي سُكَّيْنَة ٧٦ الحلبي، ثنا أبو يوسف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجلٍ آتاه اللَّهُ مالاً فسلَّطَهُ على هَلَكَتِهِ في الحق، ورجلٍ آتاه الله علماً فعلَّمه وقَضَى به)). والحمدُ لله رب العالمين. مَرحَزُ الأَهامِ مُحمَد بن الحَسِ السََّبَعَانِى لِلِمَامِ الْحَافِظِ أَبِ عَبَدَاللَّهِ مُجَمَّدَ بٍ أُخْصَدُزْعُثَان الذَّهَيّ ولد سَنة ٦٧٣ وتوفي ٧ سَنة ٧٤٨ رَحِمَه الله تعَالى ٧٩ ◌ِاللهِ الرَّحِ الرّيمِ / بي ٥٠ الحمدُ لله رب العالمين. وصلَّى الله على سيدنا محمد وآلِهِ وصحبه أجمعين . هذه ترجمةِ الإِمام محمد بن الحسن الشيباني: هو محمدُ بنُ الحسن بن فَرْقَد الشيباني مولاهم. وقيل: محمدُ بن الحسن بن عبيدالله بن مروان(١). كان والدُهُ من أهل حَرَسْتا - قريةٍ مشهورةٍ بظاهِر دمشق -، فقَدِمَ العراقَ في آخر بني أمية، فُوُلِدَ له محمدٌ بواسِط، سنةً اثنتين وثلاثين ومئة. فحمَلَهُ إلى الكوفة فَنَشَأ بها، وكَتَبَ شيئاً من العلم عن أبي حنيفة، ثم لازَمَ أبا يوسف من بعدِهِ حتى بَرَع في الفقه. وسَمِعَ أيضاً من مِسْعَرِ بن ◌ِدَام، ومالكِ بن مِغْوَل، وعُمَرَ بنِ ذَرّ الهَمْدَاني، وسفيانَ الثوري، والأوزاعيِّ، ومالكِ بن أنس، ولازَمَ مالكاً مُدَّةً. وانتهَتْ إليه رياسةُ الفقهِ بالعراق بعدَ أبي يوسف. (١) لا تعويل على هذا، ولذا أَتَى بصيغة التمريض في أوله، وإنما اختلفوا في كونه صَلِيباً في بني شيبان أم غيرَ صَلِيب. وقال عبدالقاهر البغدادي: إنه شيباني النَّسَب (ز). ٨٠ وتفقّه به أئمة(١). وصَنَّفَ التصانيف، وكان من أذكياءِ العالم. وَلِي قضاءَ القُضاة للرشيد، ونال من الجاه والحِشمة ما لا مزيدَ عليه . رَوَى عنه الشافعي، وأبو عُبَيد القاسم بن سَلَّام، وهشامُ بن عُبَيد الله الرازي، وعليُّ بن مسلم الطَّوسي، وعَمْرُوبن أبي عمرو، ويحيى بنُ معين، ومحمدُ بن سَمَاعة، ويحيى بنُ صالح الوُحَاظِي، وآخرون. قال محمد بن سعد: أصلُهُ من الجزيرة، وسكن أبوه الشام، ثم قدِمَ واسطَ، فُلِدَ له محمدٌ بواسط. وسَمِعَ كثيراً، ونَظَر في الرأي، فَغَلَب عليه، نَزَل بغداد، واختَلَف إليه الناسُ، وسمعوا منه. أحمد بن عطية، سمعتُ أبا عُبَيد يقول: ما رأيتُ أعلَمَ بكتاب الله ٥١ من محمد / بن الحسن. الربيعُ بن سليمان، سمعتُ الشافعي يقول: لو أشاء أن أقول: نَزَل القرآنُ بلغة محمد بن الحسن لقلتُهُ لفصاحتِه . أبو بكر بن المنذر، سمعتُ المُزَنِيَّ يقول: سمعتُ الشافعي يقول: ما رأيتُ سميناً أخفَّ رُوحاً من محمدٍ بن الحسن، وما رأيتُ أفصحَ منه، كنتُ إذا رأيتُه يقرأ كأنَّ القرآن نَزَل بلغته . إسماعيل بن حَمَّاد بن أبي حنيفة، قال: قال محمد بن الحسن: بَلَغني أن داود الطائيّ كان يَسألُ عني وعن حالي، فإذا أُخبِرَ قال: إن عاش فسيكونُ له شأن. (١) مثلُ الشافعيِّ، وأبي عبيد، وأسدٍ بن الفرات، رحمهم الله (ز).