النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
لأحمد بن حنبل: ما الذي تَنْقِمُ على هذا الرجل؟ قال: الرأيَّ قلتُ:
فهذا مالك ألم يتكلّم بالرأي؟ قال: بلى، ولكِنْ رأيُ أبي حنيفة خُلَّدَ في
الكتب، قلتُ: فقد خُلُّد رأيُ مالك في الكتب. قال: أبو حنيفة أكثَرُ رأياً
منه. قلتُ: فهلا تكلمتُم في هذا بحصتِه وهذا بحصتِهِ؟! فسكَتَ.
فصل في وَرَ عِه سوی ما تقدم
قال ابنُ كَأْس القاضي: ثنا الحُسَينُ بن الحَكْم الحِبَرِي(١)، ثنا
علي بن حفص البزَّاز، قال: كان حفصُ بن عبدالرحمن شريكَ
أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يُجهِّزُ عليه، فبعَثَ إليه أنَّ في ثوبٍ كذا
عيباً، فإذا بعتَه فبيِّنْ، فَنَسِيَ حفصٌ وباعه / من غير تِبيان من رجل ٢٦
غريب، وعَلِمَ أبو حنيفة فتصدَّقَ بجميع ثمنه.
قال أبو نعيم: كان أبو حنيفة حسَنَ الدين، عظيمَ الأمانة .
قال محمد بن إسحاق بن خلف البَكَّائى (٢): نا جعفر بن عون
(١) وقع في الأصل (الحسن بن الحكم الحبري)، وصوابه: (الحُسَيْن) بالتصغير،
كما في ((أخبار الصيمري)) ص ٣٤، و((تاريخ بغداد)) ١٣: ٣٥٨، و((الأنساب))
للسمعاني ٤٥:٤، و((تبصير المنتبه)) لابن حجر ٣٦٣:١. و (الحِبَرِي) بكسر
الحاء وفتح الباء، نسبة إلى (الحِبَرَة) نوع من الثياب، كما في ((الأنساب))
(أبو الوفاء).
(٢) محمد بن إسحاق بن عون، ويقال: خلف البَكّائي (بالفتح) ثم العامري. روى
عن يعلى بن عبيد، وجعفر بن عون، وأبي غسان النهدي، وأحمد بن يونس،
وخالد بن مخلد، وعُبيدالله بن موسى، وقَبِيصة وغيرِهم، وعنه ابنُ ماجه،
وأبو عوانة، ومحمد بن المنذر شَكّر، والهيثم بن خلف الدُّوْرِي، وأبو العباس
أحمد بن محمد وغيرُهم، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). مات في شعبان سنة
أربع وستين ومئتين (أبو الوفاء).

٤٢
وغيرُه أنَّ امرأةً أتت أبا حنيفة تَطلُبُ منه ثوبَ خز، فأخرجوه إليها.
فقالت: إني امرأة ضعيفة فبعنيه بما تَقَوَّمَ عليك. فقال: خذيه بأربعة
دراهم. فقالت: لا تسخر بي. فقال: سبحان الله! إني ابتعت ثوبين
فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم.
علي بن الحسن بن شقيق، عن ابن المبارك، قال: سُئل أبو حنيفة
أُّ الأعمال أفضل؟ قال: طلَبُ العلم، قيل: ثم أيُّ؟ قال: ما اشتَدَّ
عليك.
وعن خارجة بن مُصْعَب قال: أجاز المنصورُ أبا حنيفة بعشرةِ آلافٍ
درهم، ودُعِيَ لَيَقْبِضَها، فشاوَرَني، ثم قال: هذا رجل إن رددتُها عليهِ
غضِب، وإن قبلتُها دَخَل عليَّ [في ديني](١) ما أكرهُهُ. فقلتُ: إِنَّ هذا
المالَ عظيم في عينه، فإذا دُعِيتَ لتقبضَها فقل لم يكن هذا أملي من أمير
المؤمنين، ففعل، ورُفِعَ ذلك إلى المنصور فحبَسَها عنه(٢).
وعن الحسن بن زياد اللؤلؤي قال: واللَّهِ ما قَبِلَ أبو حنيفة لأحد
منهم جائزة ولا هدية، يعني الأمراء.
محمد بن عبدالملك الدَّقِيقي، سمعتُ يزيد بن هارون يقول:
لم أر أعقَلَ، ولا أفضَلَ، ولا أورَعَ، من أبي حنيفة.
أبو قِلاَبَة، سمعتُ محمد بن عبدالله الأنصاري يقول: كان
أبو حنيفة تبيَّنَ عقلُه في منطقِه وفعلِهِ ومِشیتِهِ ومدخله ومخرجِه.
قال عبدالحميد الحِمَّاني: ما رأيتُ أفضَلَ من أبي حنيفة ديناً ووَرَعاً.
(١) ما بين المربعين زيادة من مناقب الموفق ٢١١:١ (أبو الوفاء).
(٢) ولفظ الموفق («فدُعِيَ ليقبضها، فقال ذلك فُرُفِعَ إليه خبرُه فحبس الجائزة» (ز).

٤٣
محمد بن علي بن عفان، ثنا يحيى بن عبدالحميد الحِمَّاني، عن
أبيه قال: كنتُ عند أبي حنيفة، فجاءه رجل فقال: سمعتُ سفيان يَنالُ
منك ويتكلَّم فيك، / فقال: غَفَر الله لنا ولسفيان، لو أنَّ سفيان فُقِدَ في ٢٧
زمن إبراهيم النخعي لدَخَلَ على المسلمين فَقْدُه.
محمد بن الصقر بن مالك بن مِغْوَل(١)، سمعتُ إسماعيل بن
حماد بن أبي حنيفة يقول: قال أبو حنيفة: استَخَلَّ مني ابنُ أبي ليلى
ما لا أستحِلُّهُ أنا من بهيمة(٢).
أبو يحيى بنُ أبي مَيْسَرة: ثنا خَلَّاد بن يحيى قال: قال مِسْعَرُ بن
كِدَامٍ: طلبتُ مع أبي حنيفة الحديثَ فَغَلَبنا، وأخَذْنا في الزهد فَبَرَع
علينا، وطلبنا معه الفقه فجاء منه ما تَرَوْن.
قال ابنُ كأس: ثنا أبو بكر المَرُوْذِيُّ، سمعت أبا عبدالله أحمد بن
حنبل يقول: لم يَصِحَّ عندنا أن أبا حنيفة رحمه الله قال القرآنُ مخلوق،
فقلتُ: الحمدُ لله يا أبا عبدالله، هو من العلم بمنزلة، فقال: سبحان الله!
هو من العلم والورع والزهد وإيثارٍ الدار الآخرة بمحل لا يدركه فيه
أحَدٌ، ولقد ضُرِبَ بالسياط على أن يلي القضاء لأبي جعفر فلم يفعل.
(١) هكذا في الأصل، فنُسِبَ إلى جده لِأُمِّ أبيه، لأنه ((ابن عبد الرحمن ابن بنت
مالك بن مِغْوَل)). كما في الميزان واللسان وتاريخ الخطيب والتأنيب
ص ٢٩ و ٥٩ (ز).
(٢) وفي لفظ ابن أبي العوام ((من سِنَّوْرَة)) بدل ((من بهيمة)) (ز). قلتُ: وفي مناقب
الموفق ١٣:٢، من رواية شيبة بن عبدالرحمن بن إسحاق، عن محمد بن
خارجة الصيرفي، عن الإِمام بلفظ ((إن ابن أبي ليلى يستحل مني ما لم أكن
مستحلَّا له من سِنَّوْرَة وحِمَارة)) (أبو الوفاء).

٤٤
يحيى بن عبدالحميد الحِمَّاني، عن أبيه، سَمِع أبا حنيفة يقول:
جَهْمُ بنُ صفوان الخراساني كافر(١).
فصل في الاحتجاج بحديثه
اختلفوا في حديثه على قولين، فمنهم من قَبِلَه ورآه حُجَّة (٢)،
ومنهم من لَيَّه لكثرةِ غَطِه في الحديث ليس إلا .
قال علي بن المديني: قيل ليحيى بنٍ سعيد / القطان: كيف كان
حديثُ أبي حنيفة؟ قال: لم يكن بصاحب حديث(٣).
٢٨
(١) أما ما يقال من أنه قال له: ((اخرُجْ يا كافر)) فلم أرَهُ بسند متصل، وإن كان عند
جهم بدع مکفرة (ز).
(٢) وعليه جمهورُ الفقهاء وأهل الحديث الأيقاظ من غير متعصبة الحشوية، والثاني
زَعْمُ أذيال الحشوية الجهلة من النقلة المتعصبة، وهم ممن لا يُقامُ لكلامهم
وزن! فدونك ابنَ عدي صاحب ((الكامل))، تراه يحمل ما وقَع في كلام شيخه
أَبَّاءٍ بن جعفر من أوهام له في أحاديثِ أبي حنيفة على الإِمام نفسه ظلماً
وعدواناً، وقد أفضتُ في هذا البحث في تأنيب الخطيب (ز).
(٣) في سند هذا الخبر في ((تاريخ الخطيب)) ابنُ حَيُّويه، كان ضعيفاً متساهلاً في
الرواية، يحدث من كتب ليس عليها سَمَاعُه، وبمثل هذا السند لا يَثبُت عن
ابنِ المدينيِّ شيء، بل ابنُ المديني نفسُه لم يَنجُ من جروح الرواة حتى قال
قائلهم فيه:
يابن المدينيِّ الذي ◌ُرِضَتْ له دُنْيَا فجاد بدِينِهِ لينالَها!
نعم أبو حنيفة لم يكن متفرغاً للرواية، يَعقِدُ لصنوف النقلة مجالس تحديث،
بل كان مجلسُهُ مجلسَ تفقيه، يَحضرُه المتدربون على الاستنباط من أذكياءِ
المتفقهة، بل كبارُ المجتهدين المتخرجون عليه، فيحدثهم بمناسبات،
وصاحبُ الحديث عندهم هو المتفرغ لروايته بدون العناية بالتفقه فيه، وأين
التفقيه والتفقه في الدين من الرواية المجردة؟ (ز).

٤٥
قلتُ: لم يَصرِف الإِمامُ هِمَّتَهُ لضبط الألفاظ والإِسناد، وإنما كانت
هِمَّتُهُ القرآنَ والفقه(١). وكذلك حالُ كلِّ من أقبَلَ على فَنّ، فإنه يَقصُرُ
عن غيره.
من ثَمَّ لَيَّنوا حديثَ جماعة من أئمة القراء كحفص، وقالون،
وحديثَ جماعةٍ [من](٢) الفقهاء كابن أبي ليلى، وعثمان البَتِّي، وحديثَ
جماعةٍ من الزهاد كفَرْقَد السَّبَخِي، وشقيق البلخي، وحديثَ جماعة من
النحاة، وما ذاك لضعفٍ في عدالةِ الرجل، بل لقلةٍ إتقانه للحديث، ثم
هو أنَبلُ من أن يكذِب.
وقال ابن معين فيما رواه عنه صالح بن محمد جَزَرَة وغيرُه:
أبو حنيفة ثقة.
(١) الذهبي لم يحرر المقام تحت تأثير خلطائه من الحشوية المنحرفين البعداء عن
تعقل دقة مدارك أبي حنيفة ومنزلته السامية في سعة العلم، وليس شأنُ
المجتهدِ، الذي دان له شطرُ الأمة بل ثلثاها، وجَرَى باقي الأئمة على نُورٍ
تأصيله وتفريعِهِ مدى القرون: أن يُغْفِلَ ضبطَ الحديث إسناداً ومتناً، مع قرب
عهده من حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، لكن الهوى يجعل الضابط
الثقة ضعيفاً غالطاً!
وأين المتفرغُ إلى الاجتهاد ملتفاً حوله كبارُ المجتهدين المتخرجون عليه من
المتفرغ للقضاء أو القراءة أو الزهد؟ والاجتهادُ في مثله لا يتم إلا بالتضلع في
الكتاب والسنة والآثار، وفي معرفة مواقع الإِجماع والخلاف، لكن ذنبُ
أبي حنيفة أن أكثر القضاة الذين امتحَنوا الرواة في عهد المأمون كانوا على
مذهبه، فانتقموا منهم بالنيل من إمامهم! سامحهم الله. وتفصيلُ هذا البحث
في «التأنيب» (ز).
(٢) كان لفظ ((من)) ساقطاً من الأصل فزدته هنا لتصح العبارة (أبو الوفاء).
٠

٤٦
وقال أحمد بن محمد بن القاسم بن مُحرِز، عن يحيى بن معين:
لا بأسَ به(١). وقال أبو داود السجستاني: رَحِمَ الله مالكاً كان إماماً،
رَحِمَ الله أبا حنيفة كان إماماً.
٢٩
/ فَصْلٌ في منثورِ أخبارِه
روى الخطيب من طريق أحمد بن عطية: ثنا الحسن بن الربيع، نا
قيس بن الربيع: كان أبو حنيفة يَبعث بالبضائع إلى بغداد، فيشتري بها
الأمتعة ويحملها إلى الكوفة، ويَجمعُ الأرباحَ عنده من سنة [إلى
سنة](٢)، فيشتري بها حوائجَ الأشياخ المحدِّثين وأقواتَهم وكِسْوَتَهم
[وجميعَ حوائجهم]، ثم يُعطيهم (٣) ويقول: لا تَحْمَدُوا إلا الله، [فإني]
ما أعطيتكم من مالي شيئاً، ولكن من فضل الله عليَّ فيكم (٤).
(١) قال الخطيب: أخبرنا ابنُ رِزق، حدثنا أحمد بن علي بن عَمْروبن حُبَيش
الرازي، سمعت محمد بن أحمد بن عِصام يقول: سمعتُ محمد بن سعد
العَوْفيَّ يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: ((كان أبو حنيفة ثقةً، لا يُحدِّثُ
إلا ما يَحفَظُ، ولا يُحدِّثُ بما لا يحفظ)) وهذا يقضي على من يرميه بقلة
الضبط .
وقد أخرج ابن عبدالبر في ((الانتقاء)) بسنده عن ابن معين أيضاً أنه قال عن
أبي حنيفة: ((إنه ثقة، ما سمعت أحداً ضعَّفُه)). فظهر أن تضعيفَه حَدَثَ فيما
بعدَ ابنِ معين حيث استفحل شرُّ الحشويةِ الْبُعَداءِ عن الفهم (ز).
(٢) ما بين المربعات من هذه الصفحة زيد من تاريخ الخطيب (أبو الوفاء).
(٣) ولفظ الخطيب في تاريخه ((ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم فيقول:
أنفقوا في حوائجكم ولا تحمدوا إلا الله)) (أبو الوفاء).
(٤) زاد الخطيب في تاريخه ((وهذه أرباح بضائعكم فإنها هي والله مما يُجريه الله
لكم على يدي، فما في رزق الله حول لغيره)) (أبو الوفاء).

٤٧
قد جاء غيرُ حكاية في جُوْدِ أبي حنيفة وبذلِهِ لتلامذته
کأبي یوسف وغيره.
محمد بن علي بن عفان العامري، ثنا نمر بن
حَدَّاد، عن أبي يوسف، قال: دعا المنصورُ أبا حنيفة فقال الربيعُ
الحاجبُ - وكان يعادي أبا حنيفة: يا أميرَ المؤمنين، هذا يخالِفُ جَدَّك
ابنَ عباس، كان يقول إذا حَلَف ثم استَثْنَى بعدَ يوم أو يومين جاز
الاستثناء، وهذا لا يُجَوِّزُ الاستثناءَ إلا متصلاً باليمين!
فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين، إنَّ الربيع يَزْعُمُ أنه ليس لك في
رقاب جُندِك بَيعة! قال: وكيف؟ قال: يَحلفون لك ثم يَرجعون إلى
منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم، فضحك المنصور وقال: يا ربيع،
لا تَعَرَّضْ لأبي حنيفة.
يحيى بن عبدالحميد الحِمَّاني، سمعتُ ابن المبارك يقول: رأيتُ
الحَسَنَ بن عُمَارَةٍ آخذاً بركاب أبي حنيفة وهو يقول: واللَّهِ ما أدركنا
أحداً تكلّم في الفقه / أبلَغَ، ولا أصْبَرَ، ولا أحضَرَ جواباً منك، وإنك ٣٠
لسيدُ من تكلّم في وقتك غيرَ مدافَع، وما يَتكلَّمون فيك إلا لحسد.
سفيان بن وكيع، سمعت أبي يقول: دخلت على أبي حنيفة
فرأيتُه مطرقاً مفكراً، فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من عند شَرِيك،
فأنشأ يقول:
قَبْلي من الناس أهلَ الفضل قد حَسَدوا
إِنْ يَحسُدوني فإني غيرُ لائمهم
ومات أكثَرُنا غَيْظاً بما يَجِدُ
فَدَامٍ لي ولهم ما بي وما بِهِمُ

٤٨
فصل في وفاة أبي حنيفة
قيل: إنه بقي في نفس المنصور من أبي حنيفة، لقيامه مع
إبراهيم بن عَبْدِ الله، على المنصور، وكان أبو جعفر لا يُصطلَى له بنار،
وفيه جَبروتٌ وشهامة، قال بشربن الوليد: مات أبو حنيفة بالسجن
ببغداد، ودُفِنَ في مقابر الخَيزُرَان.
أحمد بن قاسم البِرْتِي، عن بشربن الوليد، عن أبي يوسف قال:
مات أبو حنيفة في نصفِ شوال سنَّةً خمسين ومِئة.
وقال الواقديُّ وغيرُهُ مات أبو حنيفة في رجب سنة خمسين ومئة،
وله سبعون سنة.
وقال أبو حسان الزِّيادِي ويعقوبُ بن شيبة: مات في رجب سنة
خمسین.
وجاء عن بعضهم: مات في شعبان. وفي رجبٍ أصح. وبلَغَنا أن
المنصور سَقَاه السُّمَّ فاسْوَدَّ ومات شهيداً، رحمه الله تعالى.
ومن حديثه
أخبرنا أبو المعالي أحمد(١) بن إسحاق بن محمد [بن المؤيَّد]
الهَمْدَاني بمصر، أنا أبو القاسم المبارك بن أبي الجود ببغداد، أنا
أحمد بن أبي غالب الزاهد، أنا أبو القاسم عبدالعزيز بن علي الأنماطي،
٣١ أنا أبو الطاهر (المُخَلَّص) محمد / بن عبدالرحمن الذهبي، سنة ثلاث
وتسعين وثلاث مئة، ثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي، ثنا
(١) هو الْأَبْرْقُوْهِي (ز).

٤٩
إسحاق بن أبي إسرائيل، أنا أبو يوسف، ثنا أبو حنيفة، عن علقمة بن
مَرْئَد، عن سلیمان بن بُرَيْدَة، عن أبيه قال:
أَتَى ماعزُ بنُ مالك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأقرَّ بالزنا،
فَرَدِّه، ثم عاد فأقرَّ بالزنا، فردَّه، ثم عاد فأقرَّ بالزنا، فردَّه، فلما كان في
الرابعة سأل عنه قومَه: هل تُنكرون من عقله شيئاً؟ قالوا: لا. فأَمَر به
فُرُجِمَ في موضع قليلِ الحجارة، فأبطأ عليه الموتُ، فانطلق يَسعى إلى
موضع كثيرِ الحجارة، واتَّبَعَه الناسُ فرجموه حتى قتلوه.
ثم ذكروا شأنَه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما يَصنَع، فقال:
فلولا(١) خَلّيتم سبيلَه! قال فسأل قومُه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم(٢)
واستأذنوه في دفنِهِ والصلاةِ عليهِ فأذِنَ لهم في ذلك، وقال: لقد تاب توبةً
لو تابها فِئَامٌ من الناسِ قُبِلَ منهم.
أخبرنا العباس بن أحمد بن عبدالرحمن، وأبو الفداء إسماعيل بن
عبدالرحمن، وأبو عبدالله محمد بن خازم الحنبليون، قالوا: أنا
أبو القاسم الحسين بن هبة الله التُّغْلِبي، زاد أبو الفداء: فقال: وأنا
أبو محمد بن قُدَامة، قالا: أنبأ أبو المكارم عبدالواحد بن محمد بن
(١) وفي مسند الحارثي من طريق أبي سعد وأسد بن عمرو والمقري عن الإِمام
(هلا)). ومن طريق الحسن بن عمر بن شقيق وأبي يوسف وكذا من طريق
محمد وأبي معاوية عن الإِمام ((لولا)). ومن طريق أبي يحيى الحماني ((ألا)).
ومن طريق حمزة الزيات ((فلولا)) كما هنا (أبو الوفاء).
(٢) وعند الحارثي في هذا الحديث ((ثم ذكروا شأنه وما صَنَع لرسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقال: لولا خليتم سبيله. قال: فاستأذن قومُهُ رسولَ الله صلى الله =

٥٠
هلال، أنا أبو الفضل عبدالكريم بن المؤمَّل الكَفَرْطابِي حُضُوراً سنة
إثنتين وتسعين وأربع مئة، أنا عبدالرحمن بن عثمان التميمي، أنا
خَيْئَمة بن سليمان القرشي بدمشق، أنا إسحاق بن سَيَّر بنَصِيبين، ثنا
عُبَيْدُ اللَّه بن موسى، عن أبي حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللّه
عنهما، قال: نَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ خيبر عن مُتعةٍ
النساء .
٣٢
/ ومن المَنَاماتِ المُبشِّرَةِ لأبي حنيفة
قال القاسم(١) بن غَسَّان القاضي: ثنا أبي، ثنا أبو نعيم، قال:
دخلتُ على الحسن بن صالح يومَ موتِ أخيه، فرأيتُه يَستطعم شيئاً من
رجل(٢) ويَضحك، فقلت: تَدفِنُ أخاك علياً غُدوةً وتَضحَكُ آخِرَ
النهار(٣)!
قال: ليس على أخي من بأس. قلتُ: وكيف ذاك؟ قال: دخلتُ
عليه فقلتُ: كيف تَجِدُك؟ قال: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين [وحَسُنَ أولئك رفيقاً]، فتوهمته يتلو الآية.
١
عليه وسلم في دفنه والصلاة عليه، الحديث)) إلا أن راوي أبي يوسف في
=
المسند الحسن بن عمر بن شقيق وهنا إسحاق (أبو الوفاء).
(١) كان في الأصل ((أبو القاسم)). والصواب (القاسم)) كما هو عند
ابن أبي العوام، وكما سيجيء أيضاً (أبو الوفاء).
(٢) وكان في الأصل ((يستطعم حديثاً)) والصواب ((يستطعم شيئاً من رجل))، كما
هو عند ابن أبي العوام (أبو الوفاء).
(٣) وعند ابن أبي العوام ((صَدْرَ نهاره)) (أبو الوفاء).

٥١
ثم قلتُ: يا أخي: كيف تَجِدُك؟ قال: مَعَ الذين أنعم الله عليهم
وأعاد الآية، فقلتُ: أتقرأْ أم تَرَى شيئاً؟ قال: أفلا تَرى ما أرى؟ قلت:
لا ، [فماذا ترى]؟ قال: بلى ورَفَع يده فقال: [هذا] نبيُّ الله محمد
صلى الله عليه وسلم يَضحَكُ إليَّ ويُبشرني بالجنة، وهؤلاء الملائكةُ معه
[كذلك] بأيديهم حُلَّلُ السُّنْدُسِ والإِسْتَبْرَق(١)، وهؤلاء الحُوْرُ العِينُ
متحلياتٍ متزيِّاتٍ ينتظرن متى أَصِيرُ إليهن. فتكلّم بهذا(٢) وقَضَى رحمةٌ
الله عليه، فلماذا أحزَنُ عليه وقد صار إلى نعيم؟
قال أبو نُعَيم: فلما كان بعدَ أيام صِرتُ إلى الحسن بن صالح،
فقال [لي حين رآني] يا أبا نُعَيم، علمتَ أني رأيتُ أخي البارحةَ [في منامي،
كأنه صار إليَّ] وعليه ثيابٌ خضر، فقلت [له: يا أخي] أليس قدْ مِتْ(٣)؟
قال: بلى. قلتُ فما هذه الثياب التي عليك؟ قال: السُّندُس والإِسْتَبْرَقُ،
ولك يا أخي عندي مثلُها.
قلتُ: ماذا فَعَل بك ربك؟ قال: غَفَر لي وباهى بي وبأبي حنيفة
رضي الله عنه الملائكة. قلت: أبو حنيفة النعمان بن ثابت؟ قال: نعم.
قلتُ: وأين / منزله؟ قال: نحن في جوار في أعلى عِلِّيِّين. قال القاسم:
قال أبي: فكان أبو نُعَيم إذا ذَكَر أبا حنيفة [أو ذُكِرَ بين يديه] يقولُ: بَخِ
ء
بَخٍ في أعلى عِلَّيِّين (٤)!
٣٣
(١) وزاد ابن أبي العوام ((وأطباقُ الطيب)) (أبو الوفاء).
(٢) وعند ابن أبي العوام ((فقالَ هذا)) (أبو الوفاء).
(٣) وفي كتاب ابن أبي العوام ((ألستَ قد مِتَّ)) (أبو الوفاء).
(٤) زاد ابن أبي العوام ((ثم يَذكُرُ هذا الحديث)) (أبو الوفاء).

٥٢
أبو بِشْر الدُّولابي: ثنا أحمد بن القاسم البِرْتي، حدثني أبو علي
أحمد بن محمد بن أبي رجاء، سمعتُ أبي يقول: رأيت محمدَ بنَ
الحسنِ في المنام، فقلتُ: إلامَ صِرتَ؟ قال: غُفِرَ لي. قلت: بم؟
قال: قيل لي: لم نجعل هذا العلمَ فيك إلا ونحن نَغْفِرُ لك.
قلتُ: فما فَعَل أبو يوسف؟ قال: فوقنا بدَرَجَة. قلت: فأبو حنيفة؟
قال: في أعلى عِلَّيِّين.
محمد بن حماد المِصِّيْصِي مولى بني هاشم، حدثني إبراهيم بن
واقد، ثنا المطلب بن زياد، أخبرني جعفر بن الحسن إمامُنا، قال: رأيتُ
أبا حنيفة في النوم فقلت له: ما فَعَل الله بك يا أبا حنيفة؟ قال: غَفَر لي .
قلتُ له: بالعلم؟ قال: ما أضرَّ الفتوى على صاحبها! قلتُ: بمَ؟ قال:
بقولِ الناس فيَّ ما لم يَعلَمْهُ مني .
محمد بن حماد أيضاً، ثنا محمد بن إبراهيم الليثي، ثنا حُسَين
الجُعْفِي، ثنا عَبَّد التّمَّار، قال: رأيتُ أبا حنيفة في النوم فقلت: إلامَ
صِرتَ؟ قال: إلى سعةِ رحمتِه. قلتُ: بالعلم؟ قال: هيهات! للعلم
شروط وآفات، قَلَّ من ينجو. قلتُ: فبِمَ ذاك؟ قال: بقولِ الناس فيَّ
ما لم أكُنْ عليه. والله أعلم بالصواب(١).
(١) انظر إلى هذه المبشرات وأسانيدها، وقد خَتَم الذهبي ((جزأه)) بها، ثم انظر
إلى ما خَتَم به الخطيب ترجمةً أبي حنيفة في تاريخه، لتَعتَّبِرَ بمبلغ ما ينطوي
عليه الخطيبُ من الخبث البالغ.
=

٥٣
وفي سند أُقصوصته، التي يَتخيلها المتخيلُ في نومِه أو يَقَطْتِهِ، عبدُ الله بن
=
جعفر بن درستويه، الذي ضعَّفه البَرْقَاني واللالكائي واتهم برواية ما لم يَسمعه إذا
دُفِع إليه درهم، والخطيبُ يشتم الناس على لسانِهِ بعد أن سعى في تبرئته
مما رُمِيَ به.
لكنَّ أكتافَ الخطيب تَضعُفُ عن حمل التهم الموجهة إليه بحق.
ويعقوبُ بنُ سفيان شيخُهُ في السند، قيل عنه: إنه كان يتكلم في عثمان رضي
الله عنه، فمثله إذا تكلم في أبي حنيفة لا يُستغرب.
وشيخُه عبدُالرحمن هورُسْتَهْ الذي تكلّم فيه الحافظ أبو مسعود الرازي كلاماً
شديداً، وابنُ المديني كان قويَّ الصلة بأحمد بن أبي دُؤاد في محنة أهل
الحديث، فترك أبو زرعة وأحمد الروايةً عنه بعد المحنة، وبِشْرُ بن أبي الأزهر
إمامُ أصحاب أبي حنيفة بنيسابور في عصره، ومن أتبَعِ أهل العلم
لأبي حنيفة. فلا تكون الرؤيا بمثل ذلك السند إلا مختلَقَّةً على لسانه. نسأل
الله السلامة (ز).

بعون الله تعالى تمت ترجمة الإِمام أبي حنيفة النعمان
ويليها
ترجمة الإِمام أبي يوسف، رضي الله عنهما

تَرَجَةُ الأَنَامِ الخَيُوسُف
لِلِمَامِ الحَافِظِ أبِ عَبَدَاللَّهِ مُجَمَّدَ زَأخْمَدُ بْ عُثْمَان الذَّهَيّ
ولد سنة ٦٧٣ وتوفي٧ سنة ٧٤٨ رَحِمَه الله تعَالى

٥٧
بيِـ
◌ِاله ◌َ الرَّيم
٣٧
الحمدُ للَّهِ العدلِ في قضائه، المتطوِّلِ بنَعْمَائه، العَلِيّ في
كِبْرِيَائه، وصلى الله على محمد أشرف أنبيائه، وسَلَّم تسليماً إلى يوم
لقائه .
هذه ترجمةُ الإِمام أبي يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم بن
حبيب بن خُنَيْس(١) بن سَعْد بن بَحِير(٢) بن معاوية الأنصاري.
عُرِضَ سعدٌ بن بَحِير يومَ أُحُدٍ على النبي صلى الله عليه وسلم
فاستصغره. وهو سَعْدُ بن حَبْتَةَ، شَهِدَ الخندقَ وما بعدَها، وإنَّ حَبْتَةَ هي
ابنَةُ خَوَّات بن بَحِير الأنصاري .
ونَسَبُ سعد في بَجِيلة، وإنما حالَفَ الأنصار. ومن ولده
النعمانُ بنُ سعد الراوي عن علي رضي الله عنه، وأخوه خُنَيْس بن سعد.
(١) هكذا عند الطحاوي أيضاً، لكن حقَّق ابن أبي العوام أنَّ خُنَيساً ليس في عمود
نَسَبِ أبي يوسف، وإنما هو أخو حبيبٍ لا أبوه، وهكذا أيضاً عندَ وكيع
القاضي (ز).
(٢) بالفتح والإِهمال (ز).

٥٨
وُلِدَ أبو يوسف سنة ثلاث عَشْرَة ومِئة بالكوفة(١).
وكتَبَ العلم عن طائفة من التابعين .
فَسَمِعَ من هشامٍ بن عروة، ويحيى بنِ سعيد، والأعمشِ،
٣٨ ويزيدَ بنِ أبي زياد، وعطاءٍ بن السائب، وعُبَيدِ الله / بن عمرو
أبي إسحاق الشيباني، وحَجَّاجِ بن أَرْطَاةَ وطبقتِهِم(٢).
(١) هذا ما ذكره الطحاوي وجرى عليه الجمهور، أخذاً بأحدثِ الروايات في
المواليد احتياطاً، لكن قال أبو القاسم علي بن محمد السِّمْناني المتوفى
سنة ٤٩٩هـ في «روضة القُضاة)): ((توفي أبو يوسف وله تسع وثمانون سنة على
خلاف في ذلك)). ومثلُه في ((مسالك الأبصار)) لابن فضل الله العمري، فيكون
ميلادُهُ سنة ثلاث وتسعين، وبين التاريخين تفاوت عظيم كما ترى.
ولعل ميلاده كتب في بعض النسخ القديمة بالرقم هكذا (٩٣)، فانطمس
رأس (٩)، أو كان غيرَ بارز فشابه (١)، فقرأ القارىء أن ميلاده سنة (١٣)،
ولظهور أن ميلاده ليس بهذا القِدَم عُدَّ هذا بعد المئة الأولى، وإنما حُذِفت
المئة اختصاراً كما هو المعتاد في المئات عند الأمن من الخطأ، فَجَرَى
ذكرُ (١١٣) كميلادٍ له - على إصلاح الرقم ظناً - في غالب الكتب.
وإلى ما ذهب إليه السِّمْناني جَنَحٌ صاحبُ ((أخبار الأُوَل)) وصاحب ((روضات
الجنات)) تقريباً. ويُستأنس فيما ذهبوا إليه بقول أبي يوسف: ((إن طال بالناس
الزمن رجعوا إلى فتى من أهل المدينة))، يُريدُ مالكاً، كما في جزء ((ما رواه
الأكابر عن مالك)) للحافظ محمد بن مخلد العطار المتوفى سنة ٣٣١هـ بسنده
إليه، ولو لم يكن أبو يوسف أكبرُ سناً من مالك أو في سِنَّهِ لما صح أن يقول عنه
هذا القول. ومواليدُ السلف فيها اضطرابٌ كبيرٌ لتأخر تدوين كتب الوفيات.
والله أعلم (ز).
(٢) ومن شيوخه محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وقد أَسنَد الموفَّقُ الخوارزمي في
((مناقب أبي حنيفة)) في ٢: ٢٣١، بطريق محمد بن موسى الحاسب، عن =

٥٩
٣٩
وتفقَّهَ / بأبي حنيفة، وهو أجلُّ أصحابه.
=
إسحاق بن أبي إسرائيل قال: كان أبو يوسف يقول: ((اختلفتُ إلى أبي حنيفة
في التعلم منه، ولكن كان لا يفوتني سَمَاعُ الحديث من المشايخِ. فَقَدِمَ
محمدُ بن إسحاق صاحبُ المغازي الكوفة، فاجتمعنا إليه وسألناه أن يقرأ علينا
كتابَ المغازي فأجابنا إلى ذلك، فتركتُ الاختلاف إلى أبي حنيفة، وأقمتُ
على محمد بن إسحاق أشهراً، حتى سمعتُ الكتابَ منه.
فلما فَرَغْ منه رجعتُ إلى أبي حنيفة، فقال لي: يا يعقوب ما هذا الجفاء؟
قلت: لم يكن ذلك، ولكن قَدِمَ محمدُ بن إسحاق المديني ها هنا، فاشتغلتُ
بسماع المغازي منه. فقال لي: يا يعقوبُ إذا رجعتَ إليه فسله من كان مُقَدِّمة
طالوت؟ وعلى يدَيْ من كان رايةُ جالوت؟ فقلت: دعنا من هذا يا أبا حنيفة،
فوالله ما أقبَحَ بالرجل يَدَّعي العلم، فيُسأل أبَدْرٌ كان قبلُ أم أُحُدٌ؟ فلا يعرفه!)).
وهذا كلام لا غُبارَ عليه، إذ لا لوم على أبي يوسف في أن ينتقي مما عند مثل
محمد بن إسحاق في المغازي، ولا على أبي حنيفة في عدم اطمئنانه إلى
علم محمد بن إسحاق في المغازي، وقد تلقى أبو حنيفة المغازي من مثل
الشعبي المعترف بسعة علمه في ذلك عند مثل ابن عمر رضي الله عنهما.
وابنُ إسحاق نُسِبَ إلى غيرٍ واحدةٍ من البدع، كما يقوله ابن رجب في ((شرح
علل الترمذي))، فلا مانع من أن يكونَ غَيرَ مرضي عند أبي حنيفة، كما أنه غيرُ
مرضي عند مالك، وعلمُ المغازي عنده قلما يستند على أصول سليمة، ومن
رضِيَ بعلم ابن إسحاق في المغازي إنما رَضِيَ به بشروط معروفة، وليس في
الخبر المذكور مِساسٌ بأحد الجانبين، كما لا مأخذ في سنده، لكن ما تزيَّدَهُ
ابنُ خلكان نقلاً من كتاب ((الجليس الصالح)) للمُعافَى النَّهْرَواني الجَرِيري
اختلاقٌ صِرْف، تُكذِّبُهُ شواهدُ الحال.
وأبو حنيفة هو الذي يُحدِّثُ أصحابَه في مسانيده، عن تفضيل عمر رضي الله
عنه أصحابَ بدر فيما فَرَض لهم في الديوان على باقي أصحاب الغزوات
المتأخرة، كما أنه لم يزل لسانه رطباً بتلاوة قوله تعالى: ﴿ولقد نصركم الله =

٦٠
.
ببدر وأنتم أذلة﴾، المعروفِ نزوله في أحد في ختماته ليلاً ونهاراً.
وهذا مما يَعلمه صغارُ أهل العلم، وهو الذي أملى على أصحابه كتابَ ((السِّيَر
الصغير)) فَرَدَّ عليه الأوزاعي، وانبرى للدفاع عن أبي حنيفة أبو يوسف نفسه
وفي كتابه المعروف، فكيف يُتصوَّرُ أن يَجهل أبو حنيفة في نظر أبي يوسف
أَبَدْرٌ كانت قبلَ أُحُد أم بالعكس، مع أن ذلك ليس مما يجهله إلا بعضُ أطفال
الكتاتيب؟ وكيف يظن بأبي يوسف أن يسيء الأدب مع أستاذه الذي إجلالُه له
بكل مناسبة مستفيضٌ متواتر، لما له من اليد البيضاء في تكوينه العلمي
والإِنفاقِ عليه مدة طلبه للعلم، وعرفانِهِ الدائم لهذا الجميل العظيم طولَ
حیاته؟
لكن ابن خلكان يَلَذُّه تسجيلُ ما يَنالُ من إمام الأئمة من كل مصدر تالف،
مُتغاضِياً عن نقلِ ما يَمَسُ إمامَه، فلا يتحاشى تدوينَ أسطورةِ الأباريق
الرَّصاص من حَمَّاد عَجْرَد المكشوفِ الأمر، وصَلاةِ القفال التي لا يَشُكُ في
اختلاقها سوى قلوب عليها أقفالُها . ،
وصاحبُ ((الجليس الصالح)) هو الذي يَزْعُمُ أن المأمون حَمَلَ الشافعيَّ على
شُرب عشرين رطلاً من النبيذ، ففعل ولم يتغير عقلُه كما في ((لسان الميزان))،
مع أنه لم يَجتمع به في عهد خلافته أصلاً، وهو كذِبٌ بحت كهذه الأقصوصة،
وليس النهروانيُّ من رجال التحري في النقل، وكتابُهُ جامعٌ بين الجِدَّ والهزل،
يَتوخّى فيه نقلَ طرائف الحكايات، والنوادرِ المضحكات - ولو في أكبر إمام
بأسخفِ سند، شأنَ كتب الأدب لغير المتحرين - وما رُوِيَ عن أمثالٍ
محمد بن أبي الأزهر، ومحمد بن الحسن النقاش، وابن دُرَيد، ومَعْمَر بن
شَبِيب، والحسن بن علي بن زكريا البَصْرِي، وعبد الله بن أيوب بن زاذان،
وغيرهم من المتروكين الكَذَبَة عند أهل النقد.
فإن كان النقلُ عنهم عن جهل بأحوالهم، فذلك فضيحة للناقل والمنقول عنه،
وإن كان عن علم فما هو إلا قلةُ دين. هكذا يُسقِطُ نفسَه من يحاول النيل من
كبار الأئمة بأكاذيب ملفقة. نسأل الله الصون (ز).
=