النص المفهرس
صفحات 21-40
يذاكرونه ما يروى في الثّقية من الأحاديث ، فقال أحمد : وكيف تصنعون بحديث خباب : (( إِن من كانَ قبلكم كان يُنشر أحدهم بالمنشار ثم لا يَصده ذلك عن دینه )) ؟ فيئسوا منه . إن تفاصيل المحنة تفاصيل مدهشة ومثيرة ، وإن المناظرة التي جرت بين أحمد وخصومه بها من العبر والعجائب ، ما يدل على أن العالم إذا صدق مع الله أَبان له الحق ، وأظهر له الحجة ، وجعل الغلبة له ، لقد امتحن أحمد فيها بالتهديد والترغيب ، لقد أسهم فيها الحكام والوزراءُ والعلماء والعامة ، ولكن ذلك لم يثن الرجل عن الحق . فكانت العاقبة له . وانتهت محنة القول بخلق القرآن ، وحصل لأحمد فيها من الأذى الشيء الكثير واتجهت الأنظار إليه بعد ذلك وحرص الخليفة على إعطائه من المال ما يوسع عليه ، ورغب أن يُعلم ولده الحديث ، وحاول كثيرون أن يصلوه بما يرفع عنه وعن أولاده الفاقة ، ولكنه وقف من ذلك كله موقفه من المحنة الأولى ، واعتبر هذا من المحن التي يجب الصبر عليها ، فرد كل العطايا وابتعد عن الولاة والرؤساءِ ، ووصل الأمر به إلى أن يقاطع أقاربه الذين يأخذون أموالًا من السلطان ، ونهاهم عن ذلك لأنهم إنما يأخذون بسببه ، وعاش بقية حياته زاهدًا عابدًا بعيدًا عن مغريات الدنيا وزخارفها - عليه من الله الرحمة والرضوان - . إن المحنة وما حصل فيها من أهوال درس يجب أن يقف عنده كل عالم ليتعظ ويعرف منهج العلماءِ الصابرين الذين لا يخافون في الحق لومة لائم ، والذين باعوا الدنيا طلبًا لما عند الله . إِن أَحمد - رحمه الله - يطبق منهج الإِسلام في سيرة العلماءِ ، وما يجب أن يكونوا عليه . فهل من مُذكر ؟ ولا شك أن امتحانه بذلك وصبره عليه علامة مميزة له ، ومنقبة من مناقبه ، قلما يجدها الإِنسان في كثير من علماءِ المسلمين في مختلف العصور . ** ٢٤ ء هذه نقاط عشر من أهم ما يتميز به الإمام أحمد - رحمه الله - ومن أهم ما يلحظه فيه الدارسون لحياته وسيرته وآثاره ، وهي أمور يجب تجليتها للناس ودعوتهم إِليها ، لأنها منهج الإسلام الحق الذي دعا إِليه رسول الله عَ ليه ، وسار عليه سلف الأمة الصالح (١). (١) ما تبقى من مقدمة الطبعة الأولى ورد ضمن مقدمة الطبعة الثانية، لذلك تم حذفه منعًا للتكرار . ٢٥ مقدمة الطبعة الثانية لا تزال أُمة الإِسلام تَبتدر من الأعمال الصالحة، وتَستنُّ من السنن الحَسنة ما يدل على سبقها ، وأصالتها ، وخيريتها ، وتَميزها، فضلًا من الله ونعمةً، وتوفیقًا . و (( أدب المناقب)» نهج في التأليف والتعريف، والتقدير والتنويه ، والوفاء والبر، والتواصل والتراحم، اختصت به هذه الأُمة، أو ظَهر فيها ، وتكاثر وَرَبًا ، واستفاضَ ، وعَظُم، وتأصّل على نحوٍ لم يتوافر لأمةٍ أخرى . لا جرم أن ذلك علامة واضحة من علامات الخيرية التي شهد الله تعالى بها لهذه الأمة المحمودة . فمن خصائص هذه الخيرية : * أن يَعرف اللاحقون قَدَرَ السابقين ، وأن يحلوهم مَكانتهم اللائقة بهم. * وأن يذكر من أتى مِن بعد، مَن قَدمه بإحسان بما هو له أهلٌ من الثناء والفضل . * وأن تمتدَّ صلة الإِيمان، وتتسع دائرة الإخاء لتشمل أهل التوحيد والسنة مهما فصلت بينهم القرون والأعراق . * وأن تَنواصى الأجيال بتكريم الأئمة الأعلام والدعاء لهم ، بثًّا للقدوة وحفزًا للهِمَم . ٢٧ * * * الأصول والمنابع : والأدب المناقب أصوله ومنابعه في منهج الإسلام : ١ - دعا الخليل إبراهيم عَ لّه رَبَّه فقال: ﴿واجْعَل لي لِسانَ صِدقٍ في الآخِرِين ﴾(١) . قال مُجاهد وقتادة: يعني الثناء الحسن، كما قال تعالى: ﴿وآتيناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةٍ﴾(٢) . أي : لسان صدق . وقال ابن كثير: وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَه في الدُّنْيا وإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصالحِين﴾(٣). ((أي: جَمع الله له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة ، فكانَ له في الدنيا الرزق الواسع الهنيئ، والمَنزل الرَّحِب، والمُورد العَذب، والزّوجه الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذِّكر الحسن))(٤). لقد استجابَ اللهُ تعالى دعاء خليله إبراهيم - عليه السلام - وجعله مذكورًا بالخير والصدق والمكارم مُنذ أن نَطق بذلك الدعاء، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . وهذه نعمة عظيمة . فالثناء الحسن عاجل بُشرى المؤمن إذا سمعه وهو حي ، وهو شرفه الباقي ، ورصيده المُسْند بَعد أن يقضي . ٢ - والأصل في العَلاقة بينَ المسلمين : الدعاء، والمحبة ، وذكر سابقة الإِيمان ، وطى القلوب على النَّقاء ، والثّقة، وحُسن الظن - مهما بعد الزمان، (١) سورة الشعراء : ٨٤. (٢) سورة النحل : ١٢٢. (٣) سورة العنكبوت : ٢٧ . (٤) ((تفسير ابن كثير)) ٣ / ٤١١ . ٢٨ وتباعد المكان -: ﴿والذينَ جَاؤوا من بَعْدِهم يَقولُونَ رَبَّنَا اغْفِر لَنا وَلإخواننا الذينَ سَبَقونا بالإِيمان ولا تَجْعَل في قُلوبنا غِلًّا لِلّذينَ آمَنوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٍ﴾(١). ٣ - وليس في الكون عَبث ، ولا ضياع ، ولا هَدر ، بل كلّ ما يقع في هذا الكون مُحصىً، ومُسجل، ومكتوب: ﴿ نَحنُ نَكتبُ ما قَدَّموا وآثارَهم وكلّ شَيءٍ أَحْصَيناهُ في إمامٍ مُبين﴾(٢) . والمناقب ، آثار صالحة يكتبها الله تعالى، ويأذن للبشر بكتابتها وتدوينها . ٤ - إن هذه الأمة ممدوحة - في كتاب الله وسنة رسوله حِلّه ومن ذلك قول الله تعالى : * - ﴿ محمدٌّ رَسُولُ اللهِ والذينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ على الكُفارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهم تَراهُم رُكَّعًا سُجّدًا يَبْتَغونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ ورضوانًا سِيماهُم في وُجُوهِهِمْ مِن أَثْر السجود ، ذَلِك مَثَلُهُم في النَّوراةِ ومَثَلُهم في الإِنْجيل كَزَرْعٍ أُخْرِجَ شَطْأَّهُ فَازَرهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوِى على سُوقِهِ يُعجِبُ الزُّعَ لِيَغِيظَ بِهِم الكُفار وَعَدَ اللهُ الذينَ آمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ منهُم مَغْفِرةً وأجرًا عَظِيمًا﴾(٣) . - ﴿ كُنتُمْ خَيرَ أُمِةٍ أُخْرِجَت للناسِ تَأمرونَ بالمَعِروفِ وَتَنْهَونَ عنِ المُنكَّرِ وتُيؤمنون بالله﴾(٤) . - ﴿ إنّ الذينَ آمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ أولئك هُمْ خَيْرُ البَريّةِ﴾(٥) (١) سورة الحشر: ١٠. (٢) سورة يسّ : ١٢ . (٣) سورة الفتح : ٢٩ . (٤) سورة آل عمران : ١١٠. (٥) سورة البينة : ٧ . ٢٩ ٠٬٠٠٠ : ................................. - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَاتٍ وعُيون، آخِذِينَ ما آتاهُم رَبُّهم إنَّهم كانوا قَبَلَ ذلك مُحْسِنِين ، كانوا قَليلًا مِن الليلِ ما يَهْجَعون، وبالأُسْحَارِ هُم يَسْتَغِفِرون وفي أموالِهِم حَقٌ لِلسائِلِ والمَحْروم ﴾(١) . * ومن ذلك ما جاء في السنة المطهرة، مما أثنى به الرسول عَ له على الصحابة - رضي الله عنهم - جُملةً أو تفصيلاً . ** * من خلال هذا المفهوم ، تحتفي بالّتاج العلمي الذي عُني بمناقب الإِمام أحمد ابن حنبل - رحمه الله - . فللإِمام أحمد نَصيب - إن شاء الله - من دُعاء إبراهيم - عليه السلام - فقد توارثت أمة التوحيد مَحبة هذا الإِمام الجليل ، وتواصت بالثناء عليه . وهو من الذينَ يدعون لمن سبقهم بإيمان ، ومن الذين يدعو لهم اللّاحقون من صالحي الأمة . وهو ممن كتبَ الآثار الصالحة ، ومن كُتبت آثارهم الحميدة . وهو ابنٌّ بأُّ من أبناءِ هذه الأمة المَمدوحة الذين شملتهم الخيرية الزمنية حيثُ عاش في القرنين الثاني والثالث للهجرة. فلقد قال رسول الله عَّ له: ((خَيرُ الناس قرني ، ثم الذينَ يَلونَهُم ثم الذينَ يَلونَهُم))(٢) . وهو أحد الأئمة الكبار المشهود لهم بخلوص الاعتقاد ، وحُسن الاتباع ، ولزوم السنة ، ورسوخ العِلم، والثَبات على الموقف الحق ، والجهاد المتصل في سبيل (١) سورة الذاريات : ١٥ - ١٩ . (٢) أخرجه البخارى ٥ / ١٩١، ومسلم (٢٥٣٣)، والترمذي (٣٨٥٨) من حديث ابن مسعود . ٣٠ ................. 1 إحياء مَنهج أهل السنة والجماعة ، وإبطال دَعاوى الفرق الضالة . ولقد أهَّلته هذه المناقب العَظيمَة لأن يكون عالمًا ثَبتًا، مُمسكا بالميزان ، مصيبًا للحق . يقول عنه شيخ الإسلام ابنُ تَّيمية - رحمه الله -: (( وأحمد كانَ أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، ولهذا لا يكادُ يوجد له قَول يُخالف نصًا كما يوجد لغيره، ولا يوجَد له قولٌ ضَعيف في الغالب إلا وفي مَذهبه قول يُوافق القول الأقوى . وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قَوله فيها راجًا ، كقوله بجواز فسخ الإِفْراد والقِران إلى التَّمتع ، وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عند الحاجة ، كالوصية فى السفر ، وقوله بتحريم نكاح الزانية حتى تَتوب ، وقوله بأن السنة للمُتَيمم أن يَمسح الكوعين بضَربة واحدة ، وقوله في المستحاضة بأنها تارةً ترجع إلى العادة ، وتارةً ترجع إلى التمييز ، وتارة ترجع إلى غالب عادات النِّساء ، فإنه رُوي عن النبي عَِّ فيها ثلاث سُنن، عَمل بالثلاثة أحمد دون غَيْرهِ . وقوله بجواز المساقاة والمُزارعة على الأرض البيضاء والتي فيها شَجر ، وسواء كان البذر منهما أو من أحدهما ، وجواز ما يشبه ذلك وإن كان من باب المُشاركة ليس من باب الإِجارة، ولا هو على خلاف القياس، ونَظير هذا كثير))(١). وإنما تتكامل الفضائل في الشخصية العظيمة . فهذا الحق الذي رزقه الإِمام أحمد ، وهذه الحكمة التي أوتيها تكاملا مع فَضيلة أو منقبة أخرى وهي : التواضع ، والإنصاف ، والفَرح بوجود شخصيات أخرى عظيمة مُتحرية للحق . مُصيبة له . يقول ابن تيمية: (( وأحمد كانَ معتدلا عالمًا بالأمور يعطي كل ذي حقٍ حقه ، ولهذا كان يُحب الشافعي ، ويُثني عليه ، ويدعو له ، ويَذبُّ عنه عند بعض من يَطعن في الشافعي ، ويذكر تعظيمه للسنة واتباعه لها ، ومعرفته بأصول (١) (مجموع فتاوى ابن تيمية)) ٢٠ / ٢٢٩. ٣١ ٠٫٠ الفقه : كالناسخ والمنسوخ ، والمُجمل والمُفسر ، ويثبت خبر الواحد ، ومناظرته عن مذهب أهل الحديث من خالفه بالرأي وغيره ﴾(١) . إن هذه لهي خصال العلماء الأكابر المتّقين . ولا غَرو ، فأحمد ابن حنبل - كما وصفه أبو الحسن الأشعري - هو : (( الإِمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبانَ الله به الحق ، ورفَع به الضلال ، وأوضح به المنهاج ، وقَمع به بدع المبتدعين ، وزَيغ الزائغين ، وشكّ الشاكين فَرحمة الله عليه من إمام مُقدم، وجَليل مُعظم، وكَبير مفخم))(٢) . وإن جاز لنا أن نختار عبارة موجزة تلخص شخصية الإمام أحمد ابن حنبل ، فإنا نقول : إن شَخصية الإِمام أحمد ابن حنبل هي : عافية النفس باستواء الفطرة ، وصفاء القلب ، وعُلو الهمة . وعافية العقل ، بالحضور الدائم ، ورجحان الحجة ، وكمال الرشد . وعافية الدين ، بالخلوص لله ، والفرار إليه ، والاعتصام بما اعتصم به رسول الله عَّ﴾ وصحابته ومَن تبعهم بإحسان . وإمام عظيم كهذا ، عالي النفس ، سليم القلب والدين ، صحيح المنهج ينبغي أن تتعرف على شخصيته ومناقبه الأجيالُ الجديدة من طلاب العلم ومُحبي المعرفة ، لا سيما في هذه الحِقب التي تتطلع فيها الأمة الإسلامية إلى الشفاء العام الحقيقي وهو : عافية النفس ، وعافية العقل ، وعافية الدين . .. ................ . - هذه هي مقدمة الطبعة الثانية لكتاب (( مناقب الإمام أحمد ابن حنبل)) للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي . (١) ((مجموع فتاوى ابن تيمية)): ٣٣٠/٢٠. (٢) (( الإبانة عن أصول الديانة )» : ١٥. ٣٢ ... . . ولقد صدرت الطبعة الأولى - التي تحرينا فيها استدراكات أساسية على النسخة الأولى المطبوعة عن طريق مقابلتها على مخطوطة المناقب التي حصلنا عليها - في عام ١٣٩٩ هـ لتوزع على نفقة الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله . ولقد فصل بيننا وبين ذلك الزمن تسع سنوات تبين لنا فيها أن نسخ مناقب الإِمام أحمد لابن الجوزي قد نفدت ، مما يدل على أن الوعي الإسلامي ، أو القارئ المسلم قد اتجه وجهة علمية وثقافية صحيحة وهي : التعامل الفكرى الجيد مع ما كتبه أئمة الإسلام ، ومع ما كُتب عن هؤلاء الأئمة . ولذا رأينا إصدار هذه الطبعة الجديدة من ((المناقب)). ولقد ذكرنا - في التقديم للطبعة الأولى - عشر مناقب مما تحلّى به الإِمام أحمد ابن حنبل من مزايا ، وخصال ، وفضائل . ويجدر بنا - إجتنابا للتكرار - أن ننوه بمفاهيم جديدة ، ودلالات عميقة في مناقب الإمام أحمد ابن حنبل : معًا : العلم والخلق : عظمة العلم : أن يقترن العلم بالخلق ، أو أن يكون الأخير ثَمرة الأول . وآفة العلم : أن يَنفصل العلم عن السلوك . وينبغي - ونحن نتدارس المناقب - أن تُعالج هذه الآفة ، ففي حياة العلماء أصحاب المناقب علاج لهذه الآفات والعلل التي اكتنفت حياة المسلمين في عهودهم المتأخرة ، وعصرهم الحاضر . إن (( الصبغة الخلقية)) تَظهر بوضوح شديد في المناقب . فكل منقبة يمدح بها العلماء الراسخون ذات صلة عميقة ووثيقة بـ (( مَلَكات نفسية )) سوية ومضيئة تتبدّى في الفهم ، والسلوك ، والموقف ، والحال . ونجد هذه الصبغة الخلقية بارزة في موضوعات المناقب وعناوينها ومن ذلك : * تعبده . ٣٣ ٢٠٠٠٠٠٠ .. ............... .... i- * اجتهاده في ستر الحال . * خوفه من الله عز وجل . * دعاؤه ومناجاته . * تواضعه . * وَرعه وزهده . تعظيمه لأهل السنة والنقل . * عَفافه . * بَذْله للعلم . * نظافته وطهارته . * ثباته في الحق . صَبِهِ وجَلَده . * تعقله واتّزانه . * تَمسكه بالأثر والسنة . * تأدّبه مع مَشايخه . إننا أمام حياة نفسية ، وسلوكية ، وخلقية مُتكاملة تجاورت فيها العقيدة مع مقتضاها ، والمعلومة الصحيحة مع ثمرتها ، والمبدأ مع الموقف السلوكي الذي يصدقه ويزكيه . وهذا هو المنهج القويم الذي تنبني عليه النهضات الصحيحة ، وتنبثق منه الأمة الحَية . وينبغي أن نُحيي - من خلال تأملنا في المناقب - هذا المنهج . فما تُعالج أدواء الأمة ، بَله أدواء الصفوة فيها إلا به . إن الانفصال بين العلم والخلق وضع مُحزن ومدمر ، ولا صلة له البتة بمنهج الإسلام . ألا إن منهج الإسلام هو الاتساق التام بين العلم والخلق : ٣٤ ﴿ أُفمن يَعلمُ أنما أُنزِلُ إليكَ مِنْ رَبَك الحَقّ كَمن هُو أُعمى إنما يَتذكَّر أُولُوا الأَلْباب ﴾(١) . فَمَن هم هؤلاء العلماء أولوا الألباب ؟ ﴿ الذينَ يوفون بعهد الله ولا يَنْقُضون الميثاق، والذين يَصِلونَ ما أَمر الله به أَنْ يوصَلَ وَيَخشونَ رَبَّهم وَيَخافونَ سوءَ الحِساب ، والذين صَبروا ابتغاءَ وجهِ ربِّهِم وأقاموا الصَّلاةَ وَأَنْفَقوا مما رَزَقْنَاهُم سِرًا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بالحَسَنِةِ السَّيْئَةَ أَوَائِكَ لَهُم عُقِبَى الدّار﴾(٢). * ﴿أُمَّن هُو قانِتٌ آناءَ اللَّيلِ ساجدًا وقائمًا يَحذرُ الآخِرةِ ويَرجوا رَحمَة رَبَه قُل هَل يَستوي الذينَ يَعلمونَ والذينَ لا يَعلمون إنَّما يَتَذْكرُ أولوا الألباب﴾(٣). * ﴿لَقِد جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنْفُسِكُم عَزِيزٌ عَليه ما عَنْتُم حَريصٌ عَلِيكُم بالمؤمنين رَؤُوفٌ رَحيم﴾(٤). ﴿ أَلَمْ يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نَزل مِن الحَقِّ ولا يكونوا كالذين أوتوا الكِتاب من قَبَل فَطال عليهم الأمد فَقَست قلوبهم وَكَثِيرٌ منهم فاسِقِون ﴾(٥). ولقد عابَ القرآن الكريم على أهل الكتاب هذا الانفصال الواسع المستمر بين العلم والسلوك : * ﴿يا بني إسرائيل اذكُرُوا نِعمتي التي أُنعمتُ عَليكم وأوفوا بعهدي أوفٍ بعَهدَكُم وإيايَ فارهَبون ، وآمنوا بما أنزلتُ مصدقًا لما مَعكم ولا تكونوا أوّل كافٍ ........ .. . . (١) سورة الرعد : ١٩. (٢) سورة الرعد : ٢٠ - ٢٢ . (٣) سورة الزمر : ٩ . (٤) سورة التوبة : ١٢٨ . (٥) سورة الحديد : ١٦ . ٣٥ ....... . i به ولا تَشتَروا بآياتي ثَمنَّا قَليلاً وإیای فاتَّقون، ولا تَلبسوا الحقَّ بالباطل وتَكتموا الحَقَّ وأنتُم تَعلمون، وأقيموا الصَّلاة وآتوا الزكاةَ واركعوا مَع الراكعين، أتأمُرون الناسَ بالبِرِّ وَتَنْسَون أنفسكم وأنتم تَتلونَ الكِتَابِ أَفْلا تَعِقِلون﴾(!) . ﴿ مَثل الذينَ حُمِّلوا الثَّوراةَ ثم لَم يَحمِلوها كَمثل الحِمارِ يَحمل أسفارًا بِسَ مَثَلُ القَومِ الذينَ كذَّبوا بآياتِ اللهِ والله لا يهدي القومَ الظالمين إِن العُلماءِ ليسو نَّقلةَ نصوص فَحسب، إنهم - إلى جانب النقل الصحيح - أسوة يرى الناس من خلالها ، ويشمون فيها عِطر الاستقامة ، والصدق ، والسمو . وإذا لم يكن العلماء على هذا النحو ، تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير . فالانفصال بين العلم والخلق يؤدي إلى هَزيمة المُثُل في واقع الحياة والناس ، وهي هزيمة تجري على يد من يدعو إلى تلك المثل . وهذه فِتنة . ونحن نرى أن أدب المناقب يعد جنة تَقي الناس هذه الفتنة ؛ ذلك أن دراسة المناقب ، دراسة تدبر وفقه ، واستعداد للعمل ، خليقة بسد . الفجوة القائمة بين العلم والخلق . وبَدهي أن إحياء المناقب لا يغني علماء اليوم عن الربط بين العلم والخلق في مسالكهم المعاصرة ، فلكل جيل من المسلمين ما كسب . ولا تصح الإِنابة في هذه الأمور . بيد أن إحياء المناقب حافز للمعاصرين على أن يتحلوا بمثل ما تحلى به أسلافهم: ﴿ هو الذي بَعث في الأُمّينَ رسولًا منهم يتلو عليهم آياتِه ويُزَكّهم ويُعَلِمُهُم الكِتَابَ والحِكمةَ وإِنْ كانوا مِنْ قَبْلُ لفي ضَلالٍ مُبين ، وآخرين منهم لما (١) سورة البقرة : ٤٠ - ٤٤ . (٢) سورة الجمعة : ٥ . ٣٦ يَلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ، ذلك فضل الله يُؤتيه مَن يشاء والله ذو الفَضل العَظيم﴾(١) . بعضهم أولياء بعض : ومن المفاهيم الراقية التي ينبغي أن تجلى في سياق الحديث عن المناقب والصفات الكريمة : مفهوم العلاقة بين العلماء . فالعلاقة بين العلماء هي علاقة إيمان ، وأخوة ، وتَراحم : قال تعالى: ﴿ واذكروا نعمةَ اللهِ عَليكم إذْ كنتم أعداءٌ فَأَلَّفَ بينَ قُلوبكم فأصبحتُم بنعمته إخوانا﴾(٢). (٣ إنما المؤمنون إخوة وقال رسول الله عَّةِ: ((المُسلمُ أُخو المُسلم))(٤). (( لا تَقَاطَعوا، ولا تدابروا، ولا تَبَاغَضوا، ولا تَحاسدوا، وكُونوا عباد الله إخوانًا))(٥) وحظ العلماء من ذلك كله هو الحظ الأعظم . لماذا ؟ لأن العلماء هم أعلم الناس بدلالة هذه النصوص ، وبوجوب العمل بمقتضاها . (١) سورة الجمعة : ٢ = ٤ . (٢) سورة آل عمران : ١٠٣. (٣) سورة الحجرات : ١٠ . (٤) قطعة من حديث رواه البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠)، وأبو داود (٤٨٩٣)، والترمذي (١٤٢٦) من حديث ابن عمر . (٥) قطعة من حديث رواه البخاري (٦٠٦٤)، ومسلم (٢٥٦٣)، ومالك في ((الموطأ): ٢ / ٩٠٧ و ٩٠٨، وأبو داود (٤٨٨٢) و (٤٩١٧)، والترمذي (١٩٢٨) من حديث أبي هريرة . ٣٧ فمن يعلم قيمة الصلة الإِيمانية ، إن لم يعلمها العلماء ! ومن يعلم مكانة الإِخاء ، إن لم يعلمها العلماء ! ومن يستطع أن يتمثل هذه القيم ، إن لم يستطع ذلك العلماء ! والعلماء إذ يعلمون الإيجاب في هذه القضية ، فإنهم يعلمون السلب فيها ، وهو سلب يجب أن يُتَّقى أبدًا . والسلب هاهنا هو : سلوك التباغي والتباغض والتدابر ، والتحاسد بين علماء أهل الكتاب . قال تعالى: ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا مِن بَعد ما جاءهم العِلم بَغِيًّا بَيْنَهم ﴾(١) . ﴿ وما تَفرقوا إلا من بَعد ما جاءَهم العِلم بَغياً بينهم﴾(٢) . وآتيناهم بَينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العِلم بَغْيا ﴾(٣) . وهذه الأمة مأمورة باتباع سبيل المؤمنين ، واجتناب سَبيل المغضوب عليهم وسَبيل الضالين . والعلماء في طليعة من أمر بذلك . ونحن نحمد الله تعالى أن جعل علماء هذه الأمة مستجيبين للأمر ، وأن جعل سرائرهم تَصفو ، وموازينهم تَستقيم ، وعُرى الإِخاء والمحبة والتراحم بينهم تقوى وتتوثق . لقد زكى الإِمام أحمد ابن حنبل وشَهد له بالفضل والتقديم جمهرة من العلماء الكبار . (١) سورة آل عمران : ١٩. (٢) سورة الشورى : ١٤ . (٣) سورة الجاشية : ١٧ . ٣٨ ففي باب (( ثناء نظرائه ومُقاربيه في السن عليه )) زكّاه وشهد له جمهرة علماء الأمة الثقات المشهود لهم بالعلم والفضل . فما دلالة ذلك ؟ دلالته - أولًا - أن للإِمام أحمد ابن حنبل مكانة سامية ، ليس عند جمهور الأمة فحسب ، بل لدى الصفوة فيها من أكابر العلماء . ودلالته- ثانيًا-طهارة القلب، ونقاء السريرة، فمن المعروف أن سوء الطَّوية قيد يقيد اللسان ويمنعه من النطق بشهادة الحق ، أو الإفصاح عن تزكية كريمة ، لكن جهر هؤلاء العلماء بالثناء على أحمد آية على طهارة قلوبهم . ودلالته - ثالثًا - أنه حين تعلو الرتب والهمم ، تنتفي الأضغان والأحقاد . لا يَحمِلُ الحِقدَ مَنْ تَعلوِهِ الرَُّبُ ولا يَنَالُ الْعُلَا مَنْ طَبِعُهُ الْغَضَبُ ودلالته - رابعًا - سَلامة المعيار ، فهؤلاء الرجال الأفذاذ لم يُعرفوا بالمداهنة بحال ، فهم أهل ديانة وصراحة . لقد قوموا الإِمام أحمد بمعيار سليم هو : كمال الاعتقاد ، وسداد المنهج ، وطهر السيرة . ووفق هذا المعيار السليم شهدوا له وزكوه . والعبرة في ذلك أن يتحلى علماء اليوم بهذه المكارم حتى ينتهى التباغض ، والتحاسد ، والتباغي ، ويحلّ محله التحابب ، والتناصح ، والتزاكي الشريف . فالعلماء طائفة من المؤمنين: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياءُ بَعض ﴾(١). الباب الصحيح للمجد : ومن هذه المفاهيم السديدة : أن يَتعرف مُسلمو اليوم على الأبواب الصحيحة (١) سورة التوبة : ٧١ . ٣٩ للمكانة ، والوزن ، والتقدير ، والمجد . فللكرامة ، وللمجد سنن وأسباب ، وليس الأمر أمنية تتمنى ، ولا دعوى تدعى . لقد أتى الإِمام أحمد ابن حنبل الأمر من بابه ، فأخذ يطلب العلم ، ويتواضع في طلبه : قال إسحاق الشهيدي: ((كنت أرى يحيى القطان يصلي العَصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجد فَيقف بين يديه علي بن المديني ، والشاذكوني ، وعمرو بن علي ، وأحمد ابن حنبل ، ويحيى بن مَعين وغيرهم يستمعون الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لأحدٍ منهم : اجلس ، ولا يَجلسون هيبة وإعظامًا)). : وقال قتيبة بن سعيد: (( قَدمت بَغداد وما كانَت لي همة إلا أن أَلقى أحمد ابن حنبل ، فإذا هو قد جاءني مع يحيى بن مَعين فتذاكرنا ، فقام أحمد ابن حنبل وجلس بين يدي ، وقال : أمل عليَّ هذا ، ثم تذاكرنا ، فقام أيضًا وجلس بين يدي ، فقلت : يا أبا عبد الله ، اجلس مكانك ، فقال : لا تشَتِغِل بي ، إنما أُريد أن آخذ العلم على وجهه)). وإنما يقتضي العلم العمل . وقد عمل الإِمام أحمد بما علم ، فكانت له الكرامة من الله تعالى وحسن الثناء والدعاء من المسلمين . والعلم والعمل هما الباب الواسع للمجد الحقيقي . ﴿ وتلك حُجَّتنا آتيناها إبراهيمَ على قَومه نَرفع درجاتٍ مَن نَشاءُ إِنَ ربِكَ حكيمٌ عليم ﴾(١) . ﴿ ﴿ يَرفعِ اللهُ الذينَ آمنوا منكُم والذينَ أَوّتوا العِلم دَرجات﴾(٢). إليه يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِبُ والْعَمِلُ الصالِحُ يَرفَعه﴾(٣). (١) سورة الأنعام : ٨٣ . (٢) سورة المجادلة : ١١ . (٣) سورة فاطر : ١٠ . ٤٠ ٠٫٫٣٠.٠٠ الاستمساك بالمنهج أبدًا ومهما كانت الظروف : من دعاء المؤمنين في كل ركعة في صلاتهم: ﴿اهْدِنا الصِّرَاطَ المُستقيم﴾. وحقيقة الهدى أن يُقيم المسلم حياته كلها على مَنهج الإِسلام في الغَضب والرضا ، والنَّشاط والكسل، والشّدة والرخاء ، والإِيتلاء والعافية .. فلا عَشوائية ، ولا مزاج ، ولا تَلون ، ولا استثناء ، ولا تجاوز : ﴿فَاسْتَقِم كما أُمِرت﴾(١). فالمنهج واضح . والتزامه واجب . وأبرز ما في الإِمام أحمد أنه صاحب منهج واضح . وأبرز ما فيه أنه ملتزم هذا المنهج دومًا . إن منهج الإمام أحمد ابن حنبل هو : التزام الجماعة ، والسمع والطاعة لولي الأمر ، والصبر على ذلك وإن غلت الدنيا بالأحداث الجسام ، وإن بدا من ولي الأمر ما يكرهه المرء . فلنتعرف على منهجه ، ثم لننظر كيف كان التزامه به ؟ يقول الإمام أحمد: ((والسمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين، البّ والفاجر ، ومن ولى الخلافة فاجتمع الناس عليه ورَضوا به ، ومَن غلبهم بالسيف حتى صار خليفةً وسُمي أمير المؤمنين . والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة ، والبر والفاجر ، لا يترك ، وقسمة الفىء ، وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض ، ليس لأحد أن يَطعن عليهم ولا ينازعهم ، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة ، من دَفعها إليهم أجزأت عنه بَرًّا كان أو فاجرًا . وصلاة الجمعة خلفه وخلف كل من ولي جائزة تامة ركعتين ، من أعادهما فهو مبتدع تارك للآثار ، مخالف للسنة ، ليس له من فضل الجمعة شىء إذا لم يَر (١) سورة هود : ١١٢. ٤١ .... i الصلاة خلف الأئمة ، من كانوا بَرّهم وفاجرهم ، فالسنة أن تصلي معهم ركعتين ، وتدين بأنها تامة ، لا يكون في صدرك شك . ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة، بأي وجه كان، بالرضا أو بالغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله، فإن ماتَ الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان ، ولا الخروج عليه لأحد من الناس ، فمن فعل ذلك فهو مُبتدع على غير السنة والطريق . والصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل أو جور ، ولا يخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا))(١) . هذا هو المنهج الواضح القويم . فكيف كان إلتزام الإِمام أحمد به في الواقع العملي ؟ . لقد نزل بالإِمام أحمد من الهول ، والبلاء ، والشدة ، والكرب ما تنوء به أمة بأسرها. ومن المعروف أن الناس يفرطون في المنهج ، ويتجاوزون القاعدة حين ينزل بهم ابتلاءٌ وتنكيل ، أو يتعرضون لمحنة عاصفة . فهل تزحزح أحمد عن منهجه وهو يواجه المحنة الشاقة الطويلة المريرة ؟ لقد التزم الرجل العظيم منهجه في الشدة كما التزمه في الرخاء . فلم ينزع يدًا من بَيعة، ولم يَدعُ إلى الخروج ، ولم يحرض على فتنة ، ولم يترك الصلاة خلف الأمراء ، ولم يلمح - ولو بكلمة واحدة - إلى عدم الشرعية ، بل كان يخاطب الحاكم - وهو في الأقياد والأصفاد - باللقب الشرعي: ((أمير المؤمنين)). امتنع عن كل إثارة وتهييج وهو يَعلم سعة شعبيته ، ومحبة المسلمين له ، ومدى استجابتهم لكلمته . (١) ((طبقات الحنابلة )٥ ١ / ٢٤١ - ٢٤٦. ٤٢ كان يقول لخصومه: (( بيننا وبينكم الجنائز)) . * * قال أحمد: (( قال لي محمد بن نوح ذات يوم : يا أبا عبد الله، إنك لست مثلي ، أنت رجل يُقتدى بك ، وقد مَذَّ الخلق أعناقهم ليسمعوا مقالتك ، فاتق الله واثبت لأمر الله))(١). فأحمد يعلم أن أعناق الخلق ممدودة إليه . * وقال أبو جعفر الأنباري: (( لما حُمل أحمد إلى المأمون أُخبرت، فعبرتُ الفرات فإذا هو جالس فسلمت عليه ، فقال : يا أبا جعفر ، تَعنَّيتَ ، فقلتُ: ليس في هذا عَناء ، وقلت له : أنتَ اليوم رأس والناس يقتدون بك ، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليُجيبنَّ بإجابتك خلق من خلق الله ، وإن أنت لم تجب يمتنعنَّ خلق من الناس كثير))(٢) . * قال المروذي: (( قال لي أبو عبد الله وهو بين الهنبازين: اخرج انظر أيَّ شيء تَرى ؟ قال : فخرجتُ إلى رحبة دار الخليفة فرأيتُ خَلقًا من الناس لا يحصي عددهم إلا الله ، والصحف والأقلام في أيديهم والمحابر في أذرعتهم فقال لهم المروذي : أي شيء تعملون ؟ فقالوا : ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه ، فدخل المروذي إلى أبي عبد الله وهو قائم بين الهنبازين ، فقال : رأيتُ قومًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبونه ، فقال: يا مروذي، أُضلّ هؤلاء كلهم؟ أَقتل نفسي ولا أُضل هؤلاء كلهم)) (٢). * وقال المروذي وعباس بن مشكويه الهمذاني: ((لقد رأينا أحمد رفع رأسه إلى السماء وحَرّك شفتيه فما استتمّ الدعاء حتى رُدَّ المئزر - الذي كاد يسقط تحت التعذيب - إلى موضعه بقدرة الله تعالى ، فضَجَّت العامة ، وهمّوا بالهجوم على دار السلطان فأمر بحله )) . (١) ((ذكر المحنة)): ٣٩، و((تاريخ بغداد)) ٣ / ٣٢٣. (٢) (تهذيب الكمال)) ١ / ٤٦١، و((مختصر تاريخ دمشق)) ٣ / ٢٥١. (٣) ((سير أعلام النبلاء)) ١١ / ٢٥٤. ٤٣