النص المفهرس

صفحات 1-20

مناقبْ
RODNEW
٤١٠٠ - ٥٥٩٧ ٥
فجر
X

مناقبُ
الأَرِّ الحمد ◌َ خَّل
للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجَوْزِ
(٥١٠٠ - ۵٩٧ ۵ ،،
تحقيق
الدكتورْ عَبدالله بن عبد المحسن التركى
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الثانية
١٤٠٩ هـ = ١٩٨٨ م
المكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
= ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس ٣٤٥١٧٥٦
المطبعة : ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - ٧ ٣٤٥٢٩٦٣
ص . ب ٦٣ إمبابة

بين يدى الكتاب
الحمد لله رب العالمين ، يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ، والعاقبة للمتقين
ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد : عبد الله ورسوله
إلى الناس أجمعين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسان إلى
يوم الدين .
أما بعد :
فهذه هى الطبعة الثانية من كتاب ( مناقب الإمام أحمد بن حنبل ) رحمه الله
تعالى للحافظ أبى الفرج عبد الرحمن بن الجوزى ، أصدرها - بعون الله عز وجل
وتوفيقه - بعد أن نفدت الطبعة الأولى ، ووجدت نسخا أخرى من مخطوطات
الكتاب استفدت منها فى تحقيقه ومقابلة أصوله ، فجاءت هذه الطبعة امتدادا
للطبعة السابقة ، وإضافة جديدة لها ، وكسبا زكيا فى سوق العلم والمعرفة .
والفضل فى نشر هذه الطبعة وما سبقها لله عز وجل ثم للملك خالد بن
عبد العزيز رحمه الله تعالى ، إذ ما إن علم بأن الكتاب يحقق ويعد للطبع فى طبعته
الأولى حتى أمر بتوزيعه على نفقته ، فأهدى بذلك إلى طلاب العلم والمعرفة كتابا
من أهم الكتب وأحيا به أثرا مهما من آثار السلف الصالح ، والملك خالد رحمه
الله فى باب الإِحسان أشهر من أن يذكر فهو ملك صالح ، رقيق القلب ، عابد
لله ، محب للعلم والعلماء ، حريص على نشر كتب السلف الصالح فى داخل
المملكة العربية السعودية وخارجها ، حريص على الدعوة إلى الله وتبصير الناس بما

يجب عليهم تجاه خالقهم ، وتجاه بعضهم بعضا ، حريص على إكرام العلماء
وتقديرهم وتشجيعهم للقيام بواجبهم تجاه العلوم الشرعية وبيان الحق للناس ، وهو
فى هذه الصفات سالك مسلك والده الملك عبد العزيز رحمه الله وأسلافه من
إخوانه الكرام الذين نشر فى عهدهم عشرات الكتب وأمهات المراجع ، وخلفهم
من بعدهم خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - أيده الله
وحفظه - الذى أولى العلم والعلماء جل اهتمامه ، وانطلق فى عهده انطلاقة لم
يسبق لها مثيل ، إذ قامت الجامعات ودور العلم والمكتبات بإصدار الكثير من
تلك الآثار العلمية المهمة . ومن يطلع على فهارس الكتب التى صدرت فى هذا
العهد الزاهر يتبين له مقدار هذا الاهتمام .
ونحن عاجزون حقا عن شكرهم والثناء عليهم ، وحسبنا أن ندعو الله سبحانه
وتعالى أن يجزيهم خيرا لقاء ما نشروا من العلم الأصيل ، ولقاء ما أبدوا من اهتمام
به ، وما بذلوا فى سبيله ، وأن يجعل ذلك فى موازين حسناتهم ، ويجعله من
الصدقات الجارية المقبولة الدائمة الأجر والثواب .
أما الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، وكتاب مناقبه هذا ، وأهميته فقد بينت فى
مقدمتى الطبعة الأولى وهذه الطبعة ما لو ذكرته أيضا هنا لاعتبر من قبيل التكرار
الذى لا داعى له ، ويكفى أن أشير إلى أنه حين صدرت الطبعة الأولى المحققة منه
تلقفها طلاب العلم ، واعتبروا الكتاب كسبا يضاف إلى كنوز المعرفة عن أسلافنا
الأوائل الذين جاهدوا فى الله تعالى حق جهاده ، وأمضوا حياتهم فى خدمة
الشريعة الإسلامية، وحفظ أصولها وفروعها، وبيانها للناس ونفى البدع والضلالات
عنها ، وتقديمها للأمة صافية خالصة من الشوائب ، كما جاءت عن الله تبارك
وتعالى الذى قال فى كتابه العزيز: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم
نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، وكما جاءت عن رسوله محمد عَ طلم الذى
قال: ((تركتكم على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك)).
٦

وقد سلك أئمة الهدى من سلف هذه الأمة رحمهم الله تعالى هذا المسلك ،
وساروا على هذا الطريق المضىء المستقيم ، لا يشتبه عليهم الحق من الباطل ، بل
يميزونه منه كما يميزون الأشياء المحسوسة المسلمة المعلومة بالضرورة ، فهم يقومون
بخدمة هذا الدين على علم وبصيرة وهدى ، يزين ذلك إخلاص وصدق وتقى
وجد ، وابتغاء وجه الله تعالى والدار الآخرة ، والغيرة على الإِسلام وشريعته
المطهرة ، وعقيدته الخالصة أن تمس أو يلحق بها ما ليس منها .
والإمام أحمد رحمه الله ، فى حياته العلمية وجهاده فى سبيل المحافظة على
شريعة الإِسلام والانقطاع لخدمته ، ونشر علومه - هو فى كل ذلك ينطلق من
هذا المنطلق ، ويتصف بتلك الصفات الحميدة التى ورثها عن رسول الله عَ لّم.
وأصحابه الكرام والتابعين لهم بإحسان .
ومن هنا جاء الاهتمام بكتاب مناقب الإمام أحمد ، لأنه يتحدث عن علم من
أعلام أهل السنة والجماعة ، وإمام من أئمتهم ، كان كالجبل الراسخ لا يتزحزح
عن الحق مهما ناله من الأذى ، يشهد بذلك موقفه ومحنته فى فتنة القول بخلق
القرآن وكان كالمصباح يضيىء طريق السالكين يشهد بذلك مبلغه من العلم ،
وكان قدوة فى الزهد فيما لدى الناس من المال والمتاع ، وقدوة فى الحيطة من الحرام
والشبهات ، وحياته العامة والخاصة تشهد بذلك .
وفى هذا المقام يحسن أن أشير إلى أنه من فضل الله عز وجل على أهل السنة
والجماعة أن مسلكهم وموقفهم من سلفهم الصالح فى باب الذكر الحسن لهم
والثناء عليهم ، والتأليف فى صفاتهم ومناقبهم ، أنهم يذكرون ذلك على سبيل المحبة
المشروعة ، ونسبة الفضل إلى أهله ، والتعريف بهم ، والإشادة بما كانوا عليه من
العلم والفضل وحسن الخلق وسائر الصفات الحسنة ليقتدى الخلف
بالسلف - بعيدا عن الغلو والإسراف والتعلق بالأشخاص ، إذ إن ذلك أوقع
كثيرا من الفرق فى الضلال ، بل أوقعهم فى الشرك ، حيث وجهوا لهم كثيرا من
٧

ومما لا شك فيه أن لتتلمذنا على علماء الحنابلة وكتبهم أثرًا واضحًا في ذلك ،
كما أن لانتشار المذهب الحنبلي في الجزيرة العربية أثره أيضًا .
وازدادت صلتي بهذا الإِمام - عليه من الله الرحمة والرضوان - عندما قررت
أن أكتب رسالة الدكتوراه في أصوله ، وقد تم لي أثناءَ تلك الدراسة الاطلاع على
أشياءَ كثيرة لم أكن أعرفها عن الإمام أحمد رحمه الله . فإذا كنت وغيري يعرفون
أنه إمام في الحديث والفقه وأنه امتحن وصبر في سبيل الله على ما لم يصبر عليه
أحد ، فإن هناك الكثير من الجوانب العظيمة التي لا يعرفها كثير من الناس ، مع
شدة حاجة المسلمين إلى معرفتها .
ولقد شهد لهذا الإمام رحمه الله إمام من كبار أئمة الإسلام ذلكم هو الإمام
الشافعى - رحمه الله - شهادة تكشف عن شىء من تلك الجوانب الخفية ،
وتقرب إلى الأذهان ما كان عليه .
يقول الإمام الشافعي فيما رواه عنه الربيع بن سليمان: (( أحمد إمام في ثمان
خصال : إمام في الحديث ، وإمام في الفقه ، إمام في اللغة ، إمام في القرآن ،
إمام في الفقر ، إمام في الزهد ، إمام في الورع ، إمام في السنة )) .
وقال إبراهيم الحربي عنه: (( أدركتُ ثلاثةً لم يُر مثلهم ، يعجز النساء أن يلدن
مثلهم ، رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام ما مَثّلته إلا بجبل نُفخ فيه روح ،
ورأيت بشر بن الحارث فما شَبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلًا،
ورأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل
صنف ، يقول ما شاءَ ويمسك ما شاءَ)).
ويقول عبد الرزاق بن همام: (( ما رأيت أَفقه من أحمد بن حنبل ولا أُورع)).
وقد تواتر مدحه والثناء عليه من كثير من مشايخه ، ومن كل من لقيه من
طلاب العلم وغيرهم ، وليس هذا موضع الحديث عن ذلك ، فقد تكفلت به
١٠

كتب الطبقات والتراجم والمناقب ، سواء منها ما كتب عن الإِمام أحمد باستقلال
أو ما اشترك فيه مع غيره .
ولكن الذي يهمني التركيز عليه بمناسبة تقدمتي مناقبه - رحمه الله ورضي عنه
- أمور :
١ - شدة تمسكه بالسنة والأثر:
اشتهر رحمه الله بشدة تمسكه بسنة رسول الله - عَ اله ـ واتباعه للآثار،
وحرصه على أن يكون له سلف فيما يقول ويفعل ، ولا ريب أن السنة النبوية
الأصل الثاني لشريعة الإِسلام هي متممة لكتاب الله ، وتعظيمها واتباعها من
مستلزمات الإِيمان ، والدين مصدره الأصلي الوحي ، وقد تعبد الله الأُمة بتلقيه
من ذلك المصدر ، ومجال الرأي في الشريعة هو مجال الاجتهاد في إلحاق ما لم يرد
به نص بالمنصوص عليه ، وتطبق الوقائع على النصوص . وهو رأي له ضوابطه
وحدوده .
والذين يتساهلون في السنة والأثر ، ويتوسعون في الرأي وقعوا في زلات شنيعة ،
وتجرأوا على دين الله وهديه .
ولقد أُنفق الإِمام أحمد - رحمه الله - جل حياته في تتبع ما أُثر عن رسول الله
- عَّ - وصحابته - رضوان الله عليهم - وجمع من ذلك الشيء الكثير ،
وكان يتحرج أن يقول في مسألة لم يتحدث فيها الصحابة رضوان الله عليهم .
روي أن أحمد - رحمه الله - استأذن زوجته في أَن يتسرى طلبًا للاتباع فأذنت له
فاشترى جاريةً بثمن يسير وسماها ريحانة، استنانًا برسول الله عَ لَّه.
ويقول عبد الملك الميموني - رحمه الله -: (( ما رأت عيني أفضل من أحمد
ابن حنبل ، وما رأيت أَحدًا من المحدثين أَشد تعظيمًا لحرمات الله عز وجل وسنة
نبيه - عَّ - إذا صحت عنده ولا أَشد اتباعًا منه)).
١١

وقد روى المّوذي عنه أنه قال: ((ما كتبتُ حديثًا عن النبي عَ ◌ٍّ إلا وقد
عملت به ، حتى مر بي في الحديث أن النبي عَ لِّ احتجمَ وأُعطى أَبا طيبةً
دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمتُ)).
وكان رحمه الله يعظم أهل السنة والأثر ، ويحث الناس عليه وينحي باللائمة
على من ينتقصهم أو يقلل من شأنهم ، ويعرض عن أهل البدع ، وينهى عن
كلامهم ويحرص على عدم مجالستهم ومحادثتهم ، روي أن أبا داود السجستاني -
رحمه الله - قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلا من أهل السنة
مع رجل من أهل البدع أترك كلامه ؟ قال : لا ، تعلمه أَن الذي رأيته معه
صاحب بدعة ، فإن ترك كلامه وإلا فألحقه به .
وجاءَ في رسالة كتبها الإِمام أحمد - رحمه الله - جوابًا على سؤال سأله إياه
المتوكل عمن يتقلد القضاء بعد ذكر أشخاص من المبتدعة لا يجوز توليهم أعمال
المسلمين قوله :
(( وفي الجملة أَن أهل البدع والأهواء لا ينبغى أن يستعان بهم في شيء من
أمور المسلمين ، فإن في ذلك أعظم الضرر على الدين)).
رحم الله الإِمام أحمد ، فقد وضع بهذا منهجا واضحًا لاحترام السنة
والمتمسكين بها ، ولامتهان البدعة ، والمبتدعين والتحذير منهم والنصح صراحة
لأئمة المسلمين فيمن يجب أن يقلد أُمور المسلمين ، وأن لا يتقلدها من المبتدعة
أحد .
٢ - من شدة حرصه على التمسك بالسنة ، ورجوع الناس إليها ، واعتمادهم
في فتاواهم وأحكامهم على ما جاءَ فيها كراهيته لكتب الرأي والتصنيف فيها ،
حتى يتوفر على النقل والسنة .
روي أن عثمان بن سعيد قال : قال لي أحمد بن حنبل : لا تنظر في كتب أبي
١٢

عبيد ، ولا فيما وضع إسحاق ، ولا سفيان ، ولا الشافعي ، ولا مالك، وعليك
بالأصل ، وكان يأمر من يسأله عن ذلك أن يلزم الحديث ويقرأً السنة .
روي أن رجلًا سأله - رضي الله عنه - فقال: أُكتب كتب الرأي ؟ قال: لا ، قال
السائل : فابن المبارك قد كتبها ، قال أحمد : ابن المبارك لم ينزل من السماء ، إنما
أمرنا أن نأخذ العلم من فوق .
وكان أحمد - رحمه الله - ينهى عن أن يكتب كلامه أو يروى .
يروي أحمد بن الربيع بن دينار أن أحمد بن حنبل قال : بلغني أن إسحاق
الكوسج يروي عني مسائل بخراسان اشهدوا أني قد رجعت عنها .
ولا شك أن المقصود من ذلك التوفر على كتب السنة ، والتمكن من معرفة
الحديث ، والابتعاد عن التقليد الضار واتباع آراء الرجال ، فليس ذلك طريق
العلم الصحيح .
أَما إذا تأهل الإِنسان ، وعرف كتاب الله سبحانه وتعالى ، وسنة رسول الله
- عٍَّ - وما عليه سلف الأمة الصالح وأئمتها ، فلا مانع من أن ينظر في كتب
الرأي والخلاف ، وأَن يكتبها وينقلها عن أصحابها .
وقد نقل أصحاب الإِمام أحمد - رحمه الله - وغيرهم من مسائله وآرائه ما
يدل على عدم تشدده وكراهيته لذلك في آخر حياته ، ولكن الأصل السنة
والاتباع، وعدم العدول عما كان عليه صحابة رسول الله عَ ليه .
٣ - ولأحمد - رحمه الله - مزية قلما توجد عند العلماءِ وبخاصة في العصور
المتأخرة وهي مزية في نظري يجب أن يتصف بها العلماء ، ذلكم أن العلماء ورثة
الأنبياء ، والأنبياء مبلّغون عن الله ومصلحون للناس بشريعة الله ، ومن لم يكن
على شاكلتهم من العلماء والدعاة فلن يتحقق على يديه الخير .
هذه المزية التي اتصف بها الإِمام أحمد - رحمه الله ورضي عنه - هي تعففه.
١٣

عن أموال الناس ، وكف نفسه عن التطلع إلى شيء منها ، وانصرافه إلى رسالته
الأساسية ؛ العلم النافع والعمل الصالح ، وبيان الحق للناس ، وهذه هي مهمة
العلماء والمصلحين لا يأخذون من هذه الدنيا إلا ما يعينهم على تلك المهمة ، مع
شدة صبرهم على اللَّأَواءِ والمشقة ، لأنهم يحتسبون ذلك عند الله ، ويأملون في
السعادة الأخروية ، وما فيها من نعيم مقيم . أما الدنيا فظل زائل ، وفترة محددة ،
وطريق قصير يجب أن تنصرف الهمم فيها إلى ما هو أسمى من الشهوات والملذات
المادية والجسدية .
لو تتبع القارئ الروايات التي رويت عن أحمد - رحمه الله - في هذا المعنى
لتعجب كل العجب كيف يقوى الرجال على ذلك ! ولكنه الإِيمان القوي ،
والصبر والاحتساب ، والتوكل على الله .
وياليت أننا نتعظ بما نقرأ من سير هؤلاءِ الصالحين ، وياليت أن علماء
المسلمين اليوم تكون لهم مراجعة لحياتهم وعلاقاتهم مع مجتمعاتهم على ضوءِ ما
اختطه لنا الأسلاف وما كانوا عليه .
أعتقد أن ذلك لو كان واقتدى الخلف بالسلف ، وأصلحوا من حالهم لكان
للعلماءِ شأن عظيم ، ولما آلت مجتمعات المسلمين اليوم ، وحالتهم إلى ما هي
عليه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
يقول أحمد بن سِنان الواسطي : بلغني أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز
على طعام أخذه منه عند خروجه من اليمن ، وأكرى نفسه من ناس من الحمالين
عند خروجه ، وعرض عليه عبد الرزاق دراهم صالحة فلم يقبلها .
وروي عن الرمادي أنه قال : سمعتُ عبد الرزاق - وذكر أحمد بن حنبل -
فدمعت عيناه وقال: (( قدم وبلغني أن نفقته نفدت فأخذت عشرة دنانير وأَقمته
خلف الباب وما معي ومعه أحد ، وقلت : إنه لا يجتمع عندنا الدنانير ، وقد
وجدت عند النساءِ عشرة دنانير فخذها ، فأرجو أن لا تنفقها حتى يتهياً عندنا
١٤

شيء ، فتبسم وقال لي : يا أبا بكر ، لو قبلتُ شيئًا من الناس قبلت منك ، ولم
يقبل )) .
وقد عرض على كثير من العلماء المعاصرين له المال فأخذوه ، منهم : يزيد بن
هارون ، ويحيى بن معين ، وأبو مسلم المستملي .
وكان الإمام أحمد - رحمه الله - يحتاج للنفقة أحيانًا فيبيع بعض ملابسه ويرهن
البعض .
وقد وقعت للإِمام أحمد - رحمه الله - قصة في مكة المكرمة رواها ابنه عبد الله
عن علي بن الجهم ، قال : كان لنا جار ، فأخرج لنا كتابًا ، فقال : أتعرفون
هذا الخط ؟ قلنا : نعم ، هذا خط أحمد بن حنبل كيف كتب لك ؟ قال : كنا
بمكة مقيمين عند سفيان بن عيينة ، ففقدنا أحمد بن حنبل أيامًا ثم جئنا إليه
لنسأل عنه ، فقال لنا أهل الدار التي هو فيها : هو في ذلك البيت فجئنا إِليه
والباب مردود عليه وإِذا عليه خلقتان ، فقلنا له : يا أبا عبد الله ، ما خبرك ؟ لم
نرك منذ أيام ؟ فقال : سرقت ثيابي ، فقلت له : معى دنانير فإن شئت خذ
قرضًا وإن شئت صلة، فأبى أن يفعل ، فقلت : تكتب لي بأُجرة ؟ قال : نعم ،
فأخرجت دينارًا فَأَبى أَن يأخذه وقال : اشتر لي ثوبًا واقطعه نصفين ، فأُوماً إلي
أنه يتزر بنصف ويرتدي بالنصف الآخر ، وقال : جئني ببقيته ، ففعلت وجئت
بورق فكتب لي ، فهذا خطه .
وفي رواية أُخرى أنه كتب له ما سمعه من ابن عيينة .
وقد روى صالح بن أحمد بن حنبل ، قال: (( أدخلت على أبي في أيام الواثق
والله يعلم في أي حالة نحن ، وقد خرج لصلاة العصر ، وكان له لبد يجلس عليه
قد أَتت عليه سنون كثيرة قد بلي ، فإِذا ثمة كتاب كاغد ، وإِذا فيه : بلغني يا أَبا
عبد الله ما أنت فيه من الضيق ، وما عليكَ من الدَّين ، وقد وجهت إليك بأربعة
١٥

آلاف درهم على يدي فلان لتقضي بها دينك ، وتوسع بها على عيالك ، وما هى
من صدقة ولا زكاة ، وإنما هو شيء ورثته عن أبي ، فقرأت الكتاب ووضعته ،
فلما دخل قلت : يا أبت ، ما هذا الكتاب ؟ فاحمر وجهه وقال : رفعته منك ،
ثم قال : تذهب بجوابه ، فكتب إلى الرجل : وصل كتابك إلي ونحن في عافية ،
فأما الدَّين فإنه لرجل لا يرهقنا ، وأما عيالنا فهم في نعمة الله والحمد لله ، فذهب
بالكتاب إِلى الرجل الذي كان أوصل كتاب الرجل فقال : ويحك ، لو أَن أَبا
عبد الله قبل هذا الشيء ورمى به مثلًا في دجلة كان مأجورًا، لأن هذا الرجل لا
يعرف له معروف ، فلما كان بعد حين ورد كتاب الرجل بمثل ذلك ، فرد عليه
الجواب بمثل ما رد فلما مضت سنة أو أقل أو أكثر ذكرناها، فقال: ((لو كنا
قبلناها كانت قد ذهبت )) .
هذه واحدة من قصص كثيرة ، وسيجد القارئ في كتاب ((المناقب)) أشياء
كثيرة من هذا النوع .
٤
الله أكبر ، كيف كانت همم الرجال ، ونفوس الصالحين ، أين هذه النماذج
ممن يحرص على جمع الدنيا ، ويتتبع سبلها ، ويحرص على كثرتها ؟ إن الدنيا محنة
وفتنة وما اتجه إليها عالم إلا هبط في أعين الناس ، وما تجنبها عالم إِلا وضع الله له
القبول والهيبة في قلوب العباد ، وهكذا كان أحمد - رحمه الله - فهل من متعظ !
٤ - ومما له صلة بما تقدم زهد الإمام أحمد - رحمه الله - وانقطاعه عن الدنيا
إلا ما يصلح شأنه ، فلم تكن الدنيا همه ، ومن صبر على الفقر والمشقة والخشونة
طول حياته ، كان همه الآخرة والعمل الصالح ، والخوف من الله سبحانه وتعالى ،
يقول سليمان بن الأُشعث : ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط ، وكان قوته
وقوت أُسرته من غزل زوجته .
روى صالح ابنه أن أباه قال: ((كانت والدتك في الغلاءِ تغزل غزلًا دقيقًا ،
فتبيع الأستار بدرهمين أقل أو أكثر فكان ذلك قوتنا )) .
١٦

وروي عن أبي بكر المروذي أنه قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (( أُسّ أيامي
إلي يوم أُصبح وليس عندي شيء )) .
وقد قال صالح بن أحمد لأبيه : بلغني أَن أَحمد الدورقي أُعطي ألف دينار ،
فقال: يا بني ﴿ ورِزْقُ رَبّكَ خيرٌ وَأَبقى﴾(١) وذكر له ابن أبي شيبة وعبد الأعلى
التَّرسي ومن قدم به إلى العسكر من المحدثين فقال: إنما كانت أيامًا قلائل ثم
تلاحقوا ، وما تخولوا منها بكبير شيءٍ . وذكر عنده يومًا رجل فقال: يا بني ،
الفائز من فاز غدًا ولم يكن لأحد عنده تبعة .
هكذا كان أحمد - رحمه الله ورضي عنه - نموذجًا في الزهد، منصرفًا للآخرة
مبتعدًا عن الدنيا وزخارفها ، لا تستثيره أخبارها ولا تستميله شؤونها ، مُعلقًا أَمله
بربه ، وما عند الله خير وأبقى . نسأل الله أن يرزقنا القناعة .
٥ - وكان - رحمه الله ورضي عنه - ورعًا إلى حد أنه يبتعد تنزهًا وورغما عن
أشياء ليست محرمة ، وكل شيء يشتبه فيه يتحرج منه ويبتعد عنه ، ومن ذلك كل
ما يتصل بصلات الولاة ، وعطاياهم .
ومما روته كتب المناقب عنه : أن المأمون دفع مالا إلى إسحاق بن موسى
الأَنصاري وقال : قسمه على أصحاب الحديث فإن فيهم ضعفاء ، فما بقي منهم
أُحد إِلا أُخذ ، إِلا أَحمد بن حنبل : فإنه أبى .
ويقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: ((دخل عليَّ أَبي - رحمه الله - في مرض
يعودني ، فقلت : يا أبت ، عندنا شيء قد بقي مما كان يبرنا به المتوكل ، أفاحج
٤٤
منه ؟ قال : نعم ، قلت : فإذا كان هذا عندك هكذا فلم لم تأخذ ؟ قال : يا
بني ، ليس هو عندي حرام ، ولكني تنزهت عنه )) .
ومن شدة ورعه رحمه الله أنه مع شدة حفظه وضبطه للحديث لا يحدث غالبًا
إلا من كتاب .
(١) سورة طه : ١٣١.
١٧

وحدث إبراهيم الحربي قال : لزمت أحمد بن حنبل سنتين ، فكان إذا خرج
يحدثنا يخرج معه محبرة مجلدة بجلد أحمر وقلمًا ، فإذا مر به سقط أو خطأ في
كتابه أصلحه بقلمه من محبته ، يتورع أن يأخذ من محبرة أحدنا شيئًا ، وكنا
نقول لأحمد في الشيء : تحفظه ؟ فيقول: لا ، إِلا من كتاب .
وقد ذكر أن أحمد بن حنبل أَتى عليه ثلاثة أيام ما كان طعم فيها ، فبعث إِلى
صديق له فاستقرض شيئًا من الدقيق ، فعرفوا في البيت شدة حاجته إلى الطعام ،
فخبزوا له بالعجلة ، فلما وضع بين يديه قال : كيف خبزتم هذا بسرعة ؟ فقيل
له ؛ كان التنور في بيت صالح مسجورًا فخبزنا بالعجلة ، فقال : ارفعوا ، ولم
يأكل ، وأمر بسد بابه إلى دار صالح .
٦ - وكان - رحمه الله - معرضًا عن الولايات والمناصب فلم يدخل في شيء
منها خوفًا على دينه وذمته ، ولعل عذره في ذلك أنه يخشى من تدخل السلطان في
قضائه ، أَو أنه يعتقد أن هناك من هو أولى منه وإلا فمنصب القضاء قد يتعين
على العلماءِ إذا لم يوجد أفضل منهم ، لأَن به تقام الشريعة ويحكم بالعدل وتستقيم
أمور الناس ، والمجتهد إِذا اجتهد وأخطأً فهو مأجور، وأَجر الحاكم بشرع الله
عظيم، ورسولنا عَ لّه وخلفاؤه الراشدون كلهم قضوا بين الناس ، وهم قدوة
الأُمة .
ومما يروى في عزوف أحمد - رحمه الله - عن الولاية ما حدث به إبراهيم المزني
قال : قال الشافعي - رحمه الله - : لما دخلت على هارون الرشيد قلت له بعد
المخاطبة : إني خلفت اليمن ضائعة تحتاج إلى حاكم ، فقال : انظر رجلًا ممن يجلس
إليك حتى نوليه قضاءها ، فلما رجع الشافعي إلى مجلسه ، ورأى أحمد بن حنبل
من أُمثلهم أُقبل عليه فقال: إني كلمت أمير المؤمنين أن يولي قاضيًا باليمن وإنه
أمرني أن أُختار رجلًا ممن يختلف إلي وإني قد اخترتك فتهياً حتى أدخلك على أمير
المؤمنين يوليك قضاءَ اليمن ، فأقبل عليه أحمد وقال: إنما جئت إليك لأقتبس
١٨

منك العلم ، تأمرني أن أُدخل لهم في القضاءِ ؟ ! ووبخه فاستحيا الشافعي .
وفي رواية أَن الشافعي قال له : إن أمير المؤمنين سألني أَن أَتمس له قاضيًا
لليمن ، وأنت تحب الخروج إلى عبد الرزاق ، فقد نلت حاجتك تقضي بالحق
وتنال من عبد الرزاق ما تريد ، فقال أحمد للشافعي : إن سمعت منك هذا ثانية لم
ترني عندك .
٧ - وكان - رحمه الله - متواضعًا، والتواضع صفة عظيمة من صفات
العلماءِ، فليس العالم الذي يغتر بعلمه ، أو جاهه أو منصبه ، وإن حصل ذلك
فسد قلبه ، وضعف إيمانه ، وقل أثره ، ولكن العالم الحق هو الذي يعتبر نفسه
فقيرًا لرحمة الله ، ويرى نفسه مهما بلغ في حاجة إلى التزود من العلم وأنه لا فضل
له على غيره .
ولنا في إِمامنا أحمد - رحمه الله - قدوة حسنة ، فقد بلغ من العلم شأوًا
عظيمًا وعظمه الناس ، واعترفوا له بالفضل ، ومع كل ذلك فكان ينفر من الجاه
والشهرة والذكر ، ويتناسى ما هو عليه ، ويتواضع لغيره ، ولا يفتخر بما وصل
إليه .
يقول يحيى بن معين : ما رأيت مثل أحمد بن حنبل صحبناه خمسين سنة ما
افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الصلاح والخير .
ويقول صالح بن أحمد : كان أبي ربما أَخذ القدوم ، وخرج إلى دار السكان
يعمل الشيء بيده ، وربما خرج إلى البقال فيشتري الجُرْزَة من الحطب ، والشيء
فيحمله بيده .
ويروى أن شيخًامن أَهل خراسان قال لأحمد: يا أبا عبدالله ، الله ، الله ، فإن
الناس يحتاجون إليك، قد ذهب الناس فإن كان الحديث لا يمكن فمسائل، فإن
الناس مضطرون إليك ، فقال أبو عبد الله : إِلي أَنا ؟ ... واغتم من قوله ،
١٩

وتنفس الصُّعَداء ، ورئي في وجهه أَثْر الغم .
ويقول محمد بن أحمد بن واصل : سمعت أبا عبد الله غير مرة يقول : من أَنا
حتى تجيئوا إلي ؟ من أنا حتى تجيئوا إلي ؟ اذهبوا اطلبوا الحديث . ويقول أبو
بكر المروذي : سمعت أحمد بن حنبل - وذكر أخلاق الورعين - فقال: أَسأَل
الله أَن لا يمقتنا ، أين نحن من هؤلاء ؟
وقلت لأبي عبد الله : ما أكثر الداعين لك ! فتغرغرت عينه ، وقال : أُخاف
أن يكون هذا استدراجًا، أَسأل الله أن يجعلنا خيرًا مما يظنون ويغفر لنا ما لا
يعلمون .
هكذا تواضع العلماء ، وبُعدهم عن الخيلاءِ والصَّلَف ، وقد عرف الله صدق
أحمد - رحمه الله - في هذا فكتب له من الشهرة ما لم يكن لغيره .
٨ - والعزلة والابتعاد عن الخلق قد تكون مناسبة أحيانًا حينما يعتقد العالم أنها
أصلح له ، وأن المصلحة المترتبة عليها تترجح على المفسدة المترتبة على الاختلاط
بالناس . وقد يكون فيها لذة المناجاة الله، والتفكّر في عجيب مخلوقاته ، ومآل
الدنيا وزوالها ، وقد تكون من أجل طلب علم ، وقد تكون غضبة لله سبحانه إِذا
عرف العالم أن ما غضب من أجله سيزول باعتزاله المجتمع .
والإِمام أحمد - رحمه الله - يتحرى المصلحة في تصرفاته ، فقد صبر على
البلاءِ والمحن والأذى ، وجهر بكلمة الحق يوم أن كانت مصلحة الإِسلام
والمسلمين تدعو إليه واعتزل وآثر الوحدة حينما لم يكن ذلك .
يقول ابنه عبد الله - رحمه الله - : كان أَبي أَصبر الناس على الوحدة . ويقول
أيضًا : لم ير أَحد أَبي إلا في مسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض ، وكان
يكره المشي في الأسواق .
وقد يكون مرد هذا - والله أعلم - المحافظة على الوقت ، والاستفادة من
٢٠

الفرص فليس العالم الذي تضيع منه الأوقات دونما فائدة ، بل هو الذي لا تمر به
ساعة إلا في علم وعمل ومصلحة للمسلمين . وفي قصص العلماء الأفذاذ من
سير حفظ الوقت ، والتضحية بشهوات الدنيا وملذاتها ما يدل على ذلك .
ويروى عن أحمد - رحمه الله - أنه قال: رأيت الخلوة أروح لقلبي. وقال في
مناسبة من المناسبات : أُريد النزول بمكة ألقي نفسي في شعب من تلك الشعاب
حتى لا أُعرف .
وهكذا تواضع أحمد ، ورغبته عن الشهرة ، ولعله - والله أعلم - رأى أن غيره
من بعض العلماءِ من افتتن بها ، فصرفته عن الحق .
ومما يروى في رغبته عنها أن عمه دخل عليه ويده تحت خده فقال له : يا ابن
أخي ، أي شيء هذا الغم ؟ أي شيء هذا الحزن ؟ فرفع أحمد رأسه ، فقال : يا
عم ، طوبى لمن أَحمل الله عز وجل ذكره .
وكان - رحمه الله - ينهى الناس عن اتباعه وهو يمشي في الطريق . يقول ابنه
عبد الله : كان أبي إذا خرج يوم الجمعة لا يدع أحدا يتبعه ، وربما وقف حتى
ينصرف الذي يتبعه .
٩ - أُما خوف الإمام أحمد - رحمه الله - من الله فقد بلغ فيه مبلغًا كبيرًا
حتى كان كثير الهم والغم ، والخوف من العاقبة ، وكثير التعبد لله ، طاعة له
ورجاء في مثوبته ، وخوفًا من عقابه .
يقول صالح ابنه : كان أبي إِذا دعا له رجل يقول: الأعمال بخواتيمها ، وكنت
أَسمعه كثيرًا يقول : اللهم سلِّم سلِّم .
ويقول ابنه عبد الله : سمعت أبي يقول : وددت أني نجوت من هذا الأمر كفافًا
لا عليَّ ولا لي .
٢١

........
ويقول المروذي : سمعت أبا عبد الله يقول : الخوف يمنعني من أكل الطعام
والشراب مما أَشتهيه .
وقال أيضًا: دخلت على أحمد يومًا فقلت : كيف أصبحت ؟ فقال : كيف
أصبح من ربه يطالبه بأداءِ الفرض ، ونبيه يطالبه بأداء السنة ، والملكان يطالبانه
بتصحيح العمل ، ونفسه تطالبه بهواها ، وإبليس يطالبه بالفحشاءِ ، وملك الموت
يطالبه بقبض روحه ، وعياله يطالبونه بالنفقة ؟
ولقد سار الإِمام أحمد - رحمه الله - في حياته سيرة الزهاد والعباد الذين
انقطعت آمالهم في الدنيا ، واتجهوا إلى الله في كل أعمالهم ولم يأخذ من هذه
الدنيا إلا ما يبلغه رضوان الله .
كان رحمه الله فريدًا في العلماء ، جمع بين العلم والعمل ، وبين التواضع
والزهد ، وبين القوة في الحق ، وإنكار الذات .
١٠ - أما ثباته على الحق ، وصدقه فيه، وصبره على الأذى فأَمر رافقه
طوال حياته ، وكان المثل الرائع في ذلك ، لقد امتحن بالشهرة فصبر ، وامتحن
بطلب الولاية والرياسة فأعرض وصبر ، وامتحن بمحن كثيرة إِلا أَن أبرزها أَمر
عجيب لا يصبر عليه إلا الأفذاذ من الرجال ، ذلكم هو امتحانه بالقول بخلق
القرآن ، وصبره على مالاقاه في سبيل ثباته على عقيدة السلف - القول الحق في
ذلك - من أن كتاب الله كلام الله نزله على نبيه علي له.
إِن قصته في ذلك مع عدد من خلفاء بني العباس قصة فيها الكثير من
الدروس والعبر، وقد كتبت فيها الكتب والروايات ، وإنها لتستحق أكثر وأكثر ،
إذ إن فيها منهجًا راشدًا للعلماءِ والدعاة في كل وقت . لقد امتحن المأمون
العلماء ، وبعث بكتبه إلى ولاته ليحملوا الناس على القول بخلق القرآن ، فأجاب
أكثرهم ، ومن امتنع: الإِمام أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح ، وعبيد الله بن
عمر القواريرى ، والحسن بن حماد سجادة . ثم أجاب الأخيران ، وبقي أحمد بن
حنبل ، ومحمد بن نوح في السجن ، ثم أمر بهما فحملا إليه في طرسوس مقيدين زميلين .
٢٢

وفي موقفه من القول بخلق القرآن يُحدث أَبو مَعمر القطيعي فيقول : لما
حضرنا في دار السلطان أيام المحنة ، وكان أبو عبد الله أحمد بن حنبل قد
أُحضر ، وكان رجلًا لينا فلما رأى الناس يجيبون انتفخت أوداجه ، واحمرت
عيناه ، وذهب ذلك اللين الذي كان فيه ، فقلت : إِنه قد غضب الله ، قال أبو
معمر : فلما رأيت ما به قلت : يا أبا عبد الله ، أَبشر ، حدثنا محمد بن فضيل
أبن غزوان عن الوليد عن عبد الله بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف ، قال: كان من أصحاب النبي عَ ◌ّه من إذا أُريد على شيء من دينه
رأيتَ حماليق عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون .
وقد روي أنه قيل لأحمد بن حنبل أيام المحنة : أَلا ترى الحق كيف ظهر عليه
الباطل ؟ فقال : كلا ، إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى
إلى الضلالة ، وقلوبنا بعد لازمة للحق .
ومات ابن نوح وهما في الطريق إلى طرسوس .
أَما أَحمد فبعد أن مات المأمون رجعوا به إلى بغداد وألقي به في الحبس . وتولى
المعتصم الخلافة بعد أَن أَوصاه المأمون بالمتابعة في القول بخلق القرآن ، ونفذ
الوصية ، وعقد مجلسًا دعا إليه أحمد بن حنبل وحاول المعتصم وشيعته حمل أحمد
على القول بذلك فأصر على موقفه السابق ، وعقد المجلس مرة ثانية وثالثة وهو
مصر على رأيه فأمر المعتصم الجلادين فضربوه ضربًا شديدًا ، وانتهى عهد
المعتصم ، وجاءَ من بعده الواثق واستمر كسلفيه السابقين في مسألة القول بخلق
القرآن .. وظل أُحمد في عهده ملازمًا لبيته .
وجاءَ من بعده المتوكل فأنهى هذه المحنة ومال إِلى السنة ونصر أهلها ، وكتب
بذلك إلى الآفاق . وعاش أحمد بقية حياته مكرمًا زاهدًا في الدنيا وأهلها .
يروى أن رجالًا من أهل الحديث دخلوا على أحمد وهو محبوس بالرّقة ، فجعلوا
٢٣