النص المفهرس

صفحات 481-500

الكراهة، بينما يحكم بكراهته في زمان آخر لوجود أسباب الكراهة، أو يحكم
بالجواز في مكان دون مكان. وكُتب الفقه الإسلامي غنية بنماذج وأمثلة لهذا
النوع من المسائل، وها نحن نرى أن رسول الله و خلال قد سمح للنساء بالصلاة في
المساجد في زمنه لانعدام احتمال الفتنة، ولكنّ الصحابة رضوان الله عليهم
أجمعين لما شهدوا الظروف المتغيرة، والأوضاع المختلفة منعوا من ذلك.
القاعدة الخامسة: ((الغاية لا تبرر الوسيلة)):
لو قام أحد بعمل غير مشروع، ونوى به حصول بعض المصالح والمنافع
التي لا يلزم شرعاً نيلها والحصول عليها، أو كان هناك طرق أخرى يمكن اختيارها
واستخدامها للحصول على تلك المنافع، فهذا العمل غير المشروع لا يجوز.
وذلك لأن العمل المباح والجائز قد يتحوّل إلى عبادة بحسن النية
وصدق الإخلاص، ولكن لا يمكن أن تتحول المعصية إلى مباح حتى لو
تضمّنت آلاف المصالح والمنافع، ولا يجوز ارتكابها ولا السكوت عليها،
وهذه قاعدة بديهية، مثلاً: لو جاء أحد يجمع المال بطرق غير شرعية؛ مثل :
القهر والظلم والغصب والنهب، بنيّة أنه سيقوم بتوزيعه بين الفقراء
والمحتاجين والمساكين، ويساعد به المعسرين، فلن يجوز هذا الظلم أو
الغصب أبداً، حتى ولو تضمن ذلك مئات الآلاف من الفوائد والمنافع.
خلاصة القول في الاحتفال بعيد ميلاد النبي وتلتر:
وفي ضوء هذه القواعد يتبيَّن لنا الواقع في مسألة الاحتفال بمولد النبي
وَ الر، وبالنظر إلى القاعدة الثانية فإنَّ هذا العمل المباح يتضمن عدة مفاسد
٤٨١

ومضار، والتجربة خير شاهد على ذلك، فإن عامّة الناس يعتبرون القيود
المبتدعة في مثل هذه المحافل من الأمور اللازمة، ويظنون أنه مثل المعلوم من
الدين بالضرورة، بل إنهم في بعض الأحيان يعتقدون أن العمل به آكد وأولى من
فرائض الدين الأخرى، وهذا ما يشهد عليه اهتمامهم الكبير، واعتناؤهم البالغ
والفائق برعايته وتنظيمه والإعداد له أكثر بكثير من الفرائض الشرعية،
والواجبات الدينية، مثل: الصلوات والجُمع والأعياد.
ومما يزيد الطين بلّة أن أحداً، لو نصحهم وأرشدهم إلى الحق الصواب،
وبيّن لهم الحكم الشرعي قاموا يهجمون عليه، ويؤذونه بشكل أسوأ وأقبح من
طعن الكفار والمبتدعين والفسّاق. بالإضافة إلى ذلك فإن هذا الاحتفال لم
ينقل عن السلف الصالح حتى ولو مع مراعاة جميع القيود الشرعية والضوابط
الدينية .
إذن فالأولى والأفضل والأحوط من حيث الدين والورع تجنّب هذه
الحفلات بكافة أشكالها، لأنها ليست من ضروريات الدين، ولا يتوقف عليها
أمر من أمور الشرع، بل يغلب على الظن أنها قد تُفضي إلى اقتراف البدع
والمحرَّمات. والله تعالى أعلم، وعلمه أتم وأحكم.
تفنيد بعض الشُّبهات الواردة في الموضوع:
قد يُشكل بعض الناس ويقولون: إن العلماء الكبار والفقهاء العظام
أمثال: الحافظ السيوطي، والعلاَّمة الحافظ ابن حجر العسقلاني، والمُلاّ علي
القاري وغيرهم رحمهم الله، قد أثبتوا ذلك، فيُجاب عليهم:
٤٨٢

أولاً: إن العلماء الآخرين الذين كانوا في عصورهم قد خالفوهم في
رأيهم هذا.
ثانياً: وبصرف النظر عن ذلك، فإن المفاسد والمضار التي توجد في
عصرنا، لم تكن في عصورهم، فلوا كانوا في عصرنا هذا، ورأوا ما نراه؛
لمنعوا ذلك.
ويقول البعض : إن علماء الحرمين اتفقوا على جوازه، فنقول:
أولاً: هذا الاتفاق غير مُسلّم.
ثانياً: إنهم أفتوا بجواز القيود المباحة، لكنهم لو اطّلعوا على تلك
المعتقدات الباطلة، والمفاسد التي من أجلها نحن نُنكر ذلك، لأنكروا ذلك.
ويقول البعض الآخر: إن معظم العلماء قالوا بالجواز.
فنقول :
أولاً: لم يقم أحد بإحصاء جميع علماء الدنيا .
ثانياً: إنّ المفسدة التي بسببها نقول بالمنع، لم يُجوّزها أحد من
العلماء، لا الكثير ولا القليل.
وهكذا هناك شبهات ركيكة أخرى لا تنبني على دليل، ولا تستند إلى
برهان لسنا في حاجة إلى الإطالة فيها، والله تعالى أعلم.
٩ - من هذه البدع والعادات الجاهلية: الاحتفال بذكرى أولياء الله،
٤٨٣

والاجتماع على ضرائح الصالحين، والقيام بالفاتحة المروّجة، وعقد
المجالس هناك.
وقد تناول المؤلف رحمه الله هذا الموضوع كذلك بشيء من التفصيل
والإطناب، وبيَّن أنها لا تمتّ إلى الدين بصلة لا من قريب ولا من بعيد، وكان
في كل ذلك مستشهداً بآيات من الذكر الحكيم، وأحاديث وسنن سيّد المرسلين
وَ*، كما تطرّق رحمه الله لمسألة التوسّل والوسيلة، وما وقع فيه عامة الناس
فريسة الجهل والضلال.
١٠ - من هذه البدع والعادات والتقاليد: ما يصنع من الحلويات، وتطبخ
أنواع الأطعمة الخاصة في ليلة الخامس عشر من شعبان، وفي الأعياد،
وكذلك في العاشر من المحرم الحرام.
وتناول المؤلف هذه البدع كلها واحدة تلو أخرى، وبيَّن للناس الطريق
الصحيح، وأرشدهم إلى الصراط المستقيم، وحذرهم من الوقوع فيما يضرّ
بدينهم ودنياهم.
١١ - البدع والتقاليد التي سادت المجتمع عند تجهيز الموتى ودفنهم.
١٢ - البدع المرتكبة في شهر رمضان المبارك.
١٣ - زيارة الأشياء المتبرّكة والأماكن المقدّسة، والبدع فيها.
١٤ - بدع تزيين المساجد وزخرفتها .
١٥ - عدم توزيع الميراث في صنف النساء.
٤٨٤

هذه كانت أهم الفصول والأبواب التي تضمَّنها هذا الكتاب القيّم النافع،
رحم الله المؤلف، ونفع به العباد والبلاد .
٤٨٥

١١ - تمهيد الفرش في تحديد العرش
هذه رسالة نافعة في بيان عقيدة السلف في إثبات صفة الاستواء الله
تعالى، وحمله على الحقيقة، وقد صرّح فيها المؤلف أنه رجع عن قوله الأول
الذي قال فيه بحمل الاستواء على الكناية، وها هو نص كلامه :
«لقد كنت فسّرته بحملي إياه على الكناية عن التدبير، كما يؤيده قوله
تعالى في بعض الآيات بعد الاستواء: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ﴾ وإنما حملته عليها لسهولة
فهمه للعوام، والأرجح حمله على الحقيقة وتفويض حقيقتها إلى الله تعالى)).
وأضاف قائلاً: ((هذا هو الذي عليه جمهور السلف، من حمل الاستواء
على الحقيقة، ثم تفويضها إلى الله تعالى، والمنع من الخوض فيها، وهذا
المنع معقول؛ لأن إدراكنا قاصر عنه، كما يمنع الأكمه عن الخوض في كنه
اللون بعين هذه العلة، وإياك أن تقيس استواءه على استوائك، لأن الصفة
تختلف حقيقتها باختلاف الموصوف، كما أنَّ استقرار زيد على شيء يغاير
بكنهه استقرار الرأي على أمر، كما أنَّ طول الخشب يغاير بكنهه طول الليل،
مع كون كل من الاستواء والطول حقيقياً، وإذا كان المستوي غير معلوم الكنه،
فکان الاستواء لا محالة غير معلوم الکنه، فأي وجه لقياس مجهول الکنه على
معلوم الکنه)).
٤٨٦

ثم ذكر رحمه الله عدداً من الحِكَم لبيان الاستواء، ومنها:
١ - الحكمة الأولى: تتأيد بقوله تعالى في سورة [غافر: ١٥]: ﴿رَفِیعُ
الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ﴾، لأنه يتبادر منه أنَّ المقصود من ذكر كونه ذا العرش
كونه رفع الدرجات.
٢ - الحكمة الثانية: تتأيد بقوله تعالى بعد ذكر الاستواء هاهنا: ﴿يُغْشِى
اَلَيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وفي سورة [يونس: ٣]، و[السجدة: ٥] بقوله
تعالى: ﴿ يُدَبِرُ اَلْأَمْرَ﴾.
٣ - الحكمة الثالثة: تقريب الطريق على العباد، فذكر لعباده أنه استوى
على العرش حتى يقصدوه بالدعاء لطلب الحوائج، فكان ذلك من جملة رحمته
بعباده، والتنزل لعقولهم، ولولا ذلك لبقي صاحب العقل حائراً، لا يدري أين
یتوجّه بقلبه.
كما ذكر رحمه الله المواضع السبعة من القرآن الكريم التي ذُكر فيها
الاستواء، وشرحها شرحاً وافياً.
وقال في آخر الرسالة: ((هذا كله كان على مذهب السلف، واختار
الخلف مسلك التأويل لمصلحة سهولة فهمه للعوام، ولهذا التأويل وجوه؛
أقربها إلى العربية وأوفقها بقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمَّرَ﴾ ونحوه، حمله على
التدبير، فقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ﴾ تفسير للاستواء عند الخلف، وبيان
للحكمة عند السلف كما فرزته آنفاً، ولا يرد على الخلف أن الملك لم يزل لله
تعالى، فما معنى تأخّره عن خلق العالم؟ لأني أقول: إن المراد التدبير الخاص
٤٨٧

في السموات والأرض، وظاهرٌ أنه يتأخر عن خلقهما، ولا يلزم منه حدوث
الصفة، بل حدوث الفعل، ولا محذور فيه، فافهم.
وقد كنتُ كتبتُ قبل هذ مذهب الخلف في المتن بصورة التفسير،
ومذهب السلف في الحاشية مع التصريح برجحانه، وغيّرت الآن إلى العكس،
بإشارة بعض أهل العلم، وإن لم يكن من أهل الحلم، لاعتدائه في إلقائه، لكن
عفوت وصفحت، ورضيت بما قد قدر، ونظرت إلى ما قيل: ((خذ ما صفا ودع
ما كدر)). والله الهادي إلى الرشد، وهو العزيز المقتدر(١).
(١) إرشاد الفتاوى: ٢٥/٦ -٥٥؛ بوادر البوادر: ٦٢١/٢ -٦٢٨.
٤٨٨

١٢ - جزاء الأعمال
هذه رسالة قيّمة صغيرة الحجم، لكنها تحمل في طيّاتها أسمى المعاني
وأهم المباحث المتعلقة بجزاء الأعمال، والثواب عليها في حالة الإتيان بها
بطريقة شرعية ومنهج مشروع، أو العقاب عليها إذا كان الأمر عكس ذلك.
يقول المؤلف رحمه الله في مقدمة الرسالة:
((الحمد لله الذي تُجلَبُ النعم بطاعته، والنقم بمعصيته، والصلاة
والسلام الأتمّان الأكملان على سيدنا محمد نبيّه، الذي جعل العزّ لمن والاه،
والذلّ والهوان على من عاداه، وعلى آله وأصحابه الذين اتّبعوه في المنشط
والمكره، واليسر والعسر، رضي الله تعالى عنهم، ووفّقنا للتأسّي بهم، وبعد؛
فيقول العبد الفقير: إن أحوالنا اليوم لا تخفى على أي أحد، وتكاسلنا في أمور
الطاعات، وتهاوننا بالأعمال الصالحة، وعكوفنا على المعاصي، واشتغالنا
بالملاهي والسيئات، أصبح أمراًبيّناً.
وقد بدا لنا بعد إمعان النظر في حقيقة الأمر أن من أهم أسباب هذه
المعضلة والآفة هو اعتقاد وقوع جزاء الأعمال - الحسنة والسيئة - في الآخرة
فقط، وغاب عن البال أن بعض آثار هذه الأعمال الحسنة منها والسيئة قد تظهر
في هذه الدنيا كذلك، وقد أدّى هذا الظن الخاطئ إلى القول بعدم تأثير الأعمال
٤٨٩

البتّة في الثواب والعقاب، مع أن هذه الفكرة الخاطئة تتعارض مع كثير من
الآيات الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، فمست الحاجة إلى دفع هذه
الشبهات الزائفة، وذلك بتوضيح أمرين مهمين هما :
١ - إثبات هذه الحقيقة أن الإنسان كما يُجازى في الآخرة على أعماله
بالثواب أو بالعقاب، فإنَّ بعض آثار ذلك الجزاء يظهر في الدنیا كذلك.
٢ - توضيح العلاقة الوطيدة، والصلة القوية التي تربط بين الأعمال وثمار
الآخرة، وأرجو الله تعالى أن هذه الفكرة إذا رسخت في أذهان الجماهير،
ودخلت في قلوبهم كانت حافزاً لهم على الرغبة في القيام بالأعمال الحسنة،
ودافعاً إلى فعل الطاعات، ورادعاً عن ارتكاب المعاصي ومنفُّراً عن اقتراف
المنكرات.
هذا وقد سمّيتُ هذه الرسالة (جزاء الأعمال)، وضمَّنتها مقدمة وأربعة
أبواب وخاتمة.
أما المقدّمة: ففي بيان أن الأعمال لها دخل في الثواب والعقاب.
الباب الأول: في بيان ما يترتّب من المضارّ والخسائر الفادحة في
الدنيا، على ارتكاب المعاصي، واقتراف الذنوب.
الباب الثاني: في بيان ما يترتّب من المنافع والخيرات في الدنيا، على
فعل الطاعات والقيام بالأعمال الصالحة.
الباب الثالث: في بيان مدى الرابطة القوية والصلة المُحكمة بين الذنوب
٤٩٠

وعقاب الآخرة.
الباب الرابع: في بيان ما للطاعات والأعمال الصالحة من التأثير على
جزاء الآخرة.
الخاتمة: في بيان بعض الأعمال الخاصة - السيئة أو الحسنة - التي تأكد
فيها الأمر أو النهي، وكذلك الرد على بعض الشبهات الواردة في هذا الصدد.
وكان الفراغ من تأليفها في ٢٣ ذي القعدة ١٣١٤هـ بمدرسة جامع
العلوم في مدينة كانفور، سبحان ربّك ربّ العزّة عما يصفون، وسلام على
المرسلين والحمد لله ربّ العالمين))(١).
كانت هذه نبذة يسيرة عن موضوعات الكتاب وسبب تأليفه كما تحدّث
إلينا المؤلف رحمه الله، ومما لا شك فيه فإن الكتاب برغم صغر حجمه نافع
ومفيد جداً، وميزته الأساسية أنه يعتمد في بيان كل الحقائق على نصوص من
الكتاب والسنة، وآثار السلف الصالحين، وتجاربهم ومشاهداتهم، فهو هدية
علمية، وتحفة ثمينة غالية للخاصة والعامة، ولذا فقد كتب الله له القبول، ونال
إعجاب القرّاء الكرام، وطبع طبعات كثيرة.
(١) جزاء الأعمال، ص١ - ٣، ط: مكتبة نصير، نيودهلي، الهند.
٤٩١

١٣ - إحياء السنن أو (جامع الآثار)
كان حكيم الأمة مولانا أشرف علي التهانوي رحمه الله يرى منذ زمان أنَّ
بعض الناس يُطيلون ألسنتهم في حقّ الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، ويقولون:
إِنَّ مذهبه غير مؤيد بالحديث، وإنه يقدم القياس والرأي على الحديث الصحيح
إلى غير ذلك من الدعاوي التي لا حجّة لها ولا دليل.
وأدلة الإمام أبي حنيفة رحمه الله وإن كانت مبسوطة في كثير من الكتب
القديمة، غير أنها مبعثرة في كتب مختلفة ورسائل شتى، فأراد حكيم الأمة
رحمه الله أن يجمعها في كتاب، وشرع في تأليف كتاب سمّاه (إحياء السنن)
وجمع فيه أدلة الإمام أبي حنيفة من الأحاديث الصحيحة في جميع الأبواب
الفقهية، ولكن مسودة هذا الكتاب العظيم قد ضاعت عن المؤلف قبل أن
تطبع، ثم بعد برهة من الزمان عاد الشيخ إلى تأليفه مرة أخرى، وغيّر فيه
منهجه، وسمّاه (جامع الآثار)، وجمع فيه أحاديث استنبط منها الحنفية
مذهبهم، مع التنبيه الموجز على كيفية إسنادها، ووجه الاستدلال منها، ثم
أضاف إليه تعليقاً باسم (تابع الآثار) ذكر فيه توجيه الأحاديث التي ظاهرُها
التعارضُ مما ذُكر في (جامع الآثار)، وقد طبع كلاهما في جزء لطيف في
المطبع القاسمي بديوبند في عام ١٣١٥ هـ طبعاً حجرياً. ولكن كلا الكتابين
كانا في غاية الاختصار، ولم يتجاوزا أبواب الصلاة، وكان يودّ رحمه الله أن
٤٩٢

يؤلّف مثل ما ألّف من قبل، ويبسط فيه الكلام عن الأحاديث سنداً ومتناً،
ورواية ودراية، حتى استعدّ لإنجاز هذه المهمّة مولانا الشيخ أحمد حسن
السنبهلي، ففوّض إليه الشيخ التهانوي خدمة هذا التأليف، فجمع في المتن
أحاديث وآثاراً مع الكلام على إسنادها باختصار، وشرحها في التعليق متناً
وإسناداً ببسط وتفصيل، وسمّى المتن بالاسم السابق (إحياء السنن)، والتعليق
باسم (التوضيح الحسن).
وكان حكيم الأمة التهانوي رحمه الله ينظر في كل ما يكتب مولانا
السنبهلي، حرفاً حرفاً، ويغيّر في مواضع منه، حيث يجد الحاجة إليه، حتى
بلغ كتاب الحج.
وها هي مقدمة الشيخ التهانوي رحمه الله لكتاب (إحياء السنن) في
طبعته الثانية :
وبعد؛ فهذه جملة من الأدلة على بعض الفروع من مذهب أقدم الأئمة
الأربعة المشهورين المجتهدين في الدين، أبي حنيفة النعمان رضي الله عنهم
وعن أتباعهم أجمعين، مسَّت الحاجة إليها في هذا الزمان، حيث أطال
الطاعنون ألسنتهم فيه، فلم يبقَ للسكوتِ مساغ، وقد كنت سوّدت قبل سنين
بعض ذلك من جميع الأبواب الفقهية، وسمّيته (إحياء السنن)، لكنه قد ضاع
عني، والحمد لله على كل حال، ثم بعد برهة من الزمان، عُدت إلى كتابة بعضه
على منهج غير المنهج السابق، وسمّيته (جامع الآثار)، وقد شاع بحمد الله
تعالى، لكنه لم يتجاوز أبواب الصلاة، ولم يتيسّر لي أسباب تكميله وتتميمه،
٤٩٣

إلى أن منَّ الله تعالى عليَّ الآن، ووفقني للعود إليه بإشارة بعض الناس من
المشتغلين لديّ بخدمة العلم، وشاركني في هذا الخطب، وأعانني عليه،
بحيث يصح أن يقال: إنه العامل وأنا المُعين، وغيّرت منهجه عن منهج الجامع
إلى المنهج السابق لكونه سهلاً خالياً من التعب، مراعياً فيه ترتيب (الهداية)(١)،
ولم أكتفٍ في هذه النوبة بالمسائل الاختلافية المقصودة بالجمع، بل أضفت
إليها بعض الفروع المتفق عليها، لفوائد مخصوصة.
ولما كان هذا مُشاكلاً لتسويد (إحياء السنن) رأيت أن أسمّيه بذلك الاسم
القديم، ليكون ذلك إحياءً للدارس الرميم، والله الموفق لإتمام كل أمر عظيم
وخطب جسيم، وعلّقتُ عليه تعليقاً موضحاً لمعاني الأحاديث، وباحثاً عن
أسانيدها، وسمّيته (التوضيح الحسن على إحياء السنن).
نمقه العبد الراجي رحمة ربه القوي
أشرف علي
غفر له ذنبه الخفي والجلي
ثناء العلماء على الكتاب:
هذا وقد أبدى كبار العلماء والمحقّقين إعجابهم بكتاب العلاَّمة التهانوي
رحمه الله، وأشادوا به في مقالاتهم وبحوثهم، وها هو الإمام البحّاثة الناقد
البصير المحقق المحدث الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري رحمه الله
(١) الهداية: اسم كتاب مشهور في الفقه الحنفي، للمرغيناني.
٤٩٤

يقول بعد أن أشار إلى جهود علماء الهند وباكستان ومآثرهم في خدمة السنّة
المطهّرة في القرون الأخيرة، ونهوضهم بأعباء علوم السنة من القرن العاشر
حتى الآن:
(ولبعض علمائهم أيضاً مؤلفات خاصة في أحاديث الأحكام على طراز
بديع مبتكر، وهو استقصاء الأحكام من مصادرها، وحشدها في صعيد واحد،
في الأبواب، والكلام على كل حديث منها، جرحاً وتعديلاً وتقوية وتوهيناً ...
إلى أن قال: وكذلك عني بهذا الأمر العلاَّمة الأوحد، والحبر المفرد، شيخ
المشايخ في البلاد الهندية، المحدث الكبير، والجهبذ الناقد، مولانا حكيم
الأمة أشرف علي التهانوي، صاحب المؤلفات، البالغ عددها نحو خمسمئة
مؤلّف ما بين صغير وكبير - بل زادت مؤلفاته على ألف عند وفاته - فألَّف كتاب
(جامع الآثار) في هذا الباب، ويُغني عن وصف هذا الكتاب ذكر اسم مؤلّفِه
العظيم، وهو مطبوع بالهند، إلا أن الظفر به أصبح بمكانة من الصعوبة، حيث
نفدت نسخه المطبوعة، لكثرة الراغبين في اقتناء مؤلّفات هذا العالم الربّاني،
وهو بركة البلاد الهندية، وله منزلة سامية عند علماء الهند، حتى لقَّبوه (حكيم
الأمة))(١).
(١) مقالات الکوثري، ص٧٥ .
٤٩٥

١٤ - إعلاء السنن
هذا الكتاب هو العمل الموسوعي العلمي الضخم، والمكمّل لما بدأه
حكيم الأمة التهانوي رحمه الله باسم (إحياء السنن) ثم (جامع الآثار)، ولكن
قدَّر الله تعالى أن يقوم بإنجاز هذه الفكرة، وإكمال هذا المشروع العلمي الكبير
ابن أخت الشيخ وتلميذه المتخرج في علوم الحديث لديه، وفي ظلّ إشرافه
العالي، المحدِّث الناقد والفقيه البارع مولانا ظفر أحمد العثماني، فاستوفى
رحمه الله أدلة أبواب الفقه بجمع أحاديث الأحكام في الأبواب من مصادر
صعبة المنال، مع الكلام على كل حديث في ذيل كل صفحة، بما تقضي به
صناعة الحديث، من تقوية وتوهين، وأخذ وردّ على اختلاف المذاهب.
اشتغل هذا العالم الغيور بهذه المهمّة الشاقة نحو عشرين سنة اشتغالاً لا
مزيد عليه، حتى أتم مهمّته بغاية من الإجادة، بتوفيق الله سبحانه.
يقول العلاَّمة الكوثري رحمه الله - وهو يثني عليه أطيب الثناء، ويطريه
أصدق الإطراء -: ((والحق يقال: إني دُهشت من هذا الجمع، وهذا الاستقصاء،
ومن هذا الاستيفاء البالغ في الكلام على كل حديث، بما تقضي به الصناعة،
متناً وسنداً، من غير أن يبدو عليه آثار التكلّف في تأييد مذهبه، بل الإنصاف
رائده عند الكلام على آراء أهل المذاهب، فاغتبطتُ به غاية الاغتباط، وهكذا
تکون همم الرجال، وجدّ الأبطال)).
٤٩٦

ويقول الشيخ المحدث الفقيه الباحث الناقد العلاَّمة عبد الفتاح أبو غدة
رحمه الله في تقريظه لكتاب (إعلاء السنن):
((فمن أهم ما خُدمت به السنة المطهّرة شرح أحاديث الأحكام، واستخراج
ما فيها من فقه وتعليم، وأمرونهي، وحلال وحرام. وقد تبارت همم المحدّثين
الفقهاء من كل عصر ومصر في جمع تلك الأحاديث في صعيد واحد، لتكون
مرجعاً سهلاً، قريب المنال لكل متفقه ومستفيد، ومن أفضل بل أفضل ما ألف
فيها في هذا القرن الرابع عشر، وأوسعه حجماً - من وجهة نظر السادة الحنفية -
كتاب (إعلاء السنن) تأليف شيخنا العلاَّمة المحدّث الفقيه، الأصولي البارع،
المتتبع الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي رحمه الله، وكان سبب تأليف هذا
الكتاب النافع العظيم ما حدث من حوالي منتصف هذا القرن، إذ قامت في
بعض بلاد الهند - قبل انقسام باكستان منها - نغمة من بعض المسمّين أنفسهم
(أهل الحديث) زعموا فيها أن مذهب السادة الحنفية الذي هو مذهب جمهور
المسلمين في تلك البلاد الواسعة العريضة يخالف الأحاديث النبوية في كثير من
مسائله، كما زعموا أيضاً أن السادة الحنفية يقدّمون القياس على الحديث
الشريف، وكما أنكروا أيضاً تقليد الأئمة الأربعة المتبوعين رضي الله عنهم،
وأطالوالسانهم في جنب فقه الحنفية، وجنب فقيه الملة الإمام أبي حنيفة بوجه
أخصّ، فتصدَّى لردّ هذه المزاعم الزائفة فحول الفقهاء والعلماء في تلك الديار
الهندية، وأبطلوا هذه الدعاوى بالتآليف الحديثية الكثيرة المحققة، وبيّنوا فيها
استناد السادة الحنفية في فقههم ومذهبهم إلى الأحاديث الشريفة، وأنهم
٤٩٧

يقدّمون الحديث الشريف حتى الحديث الضعيف على القياس، وأن القياس
بشروطه من الأدلة التي يجب العمل بها، وأن الحنفية لا ينقصون استدلالاً
بالسنة وتمسكاً بها عن غيرهم من الأئمة، إن لم يكونوا أقوى من سواهم تمسكاً
بالحدیث والأثر .
وقد استوفى العلاَّمة التهانوي في كتابه (إعلاء السنن) أدلة أبواب الفقه
كلها من باب الطهارة إلى ختام الأبواب الفقهية، بجهد بارع، وصناعة حديثية
فقهية دقيقة، لفتت الأنظار إلى هذا الكتاب، حتى تخاطفته أيدي العلماء من
حين صدوره، وأصبح الحصول على نسخة منه من الأماني الكبار في نفوس
العلماء الذين عرفوا هذا الكتاب عن كثب أو سمعوا عنه))(١).
هذا وقد تُوّج الكتاب بمقدّمتين علميتين، إحداهما حديثية(٢)، والأخرى
(١) من تقريظ الشيخ عبد الفتاح أبي غدة لكتاب (إعلاء السنن)، طبعة إدارة القرآن
والعلوم الإسلامية، كراتشي، باكستان، بتحقيق وتعليق: الشيخ العلامة
محمد تقي العثماني حفظه الله تعالی .
(٢)
ألّفها الشيخ ظفر العثماني بنفسه، وقد طبعت هذه المقدمة باسم (إنهاء السكن
لمن يطالع إعلاء السنن) في الهند، ثم طبعت بتحقيق وتعليق العلامة الشيخ
المحقق الباحث عبد الفتاح أبي غدة، رحمه الله، باسم (قواعد في علوم
الحديث)، فجاءت تحفة علمية رائعة المنظر والمخبر، ولقيت أطيب القبول
والاستحسان من كبار أولي العلم والعارفين بهذا الفن، وطبعت طبعات
كثيرة.
٤٩٨

أصولية (١) فقهية، نظراً لما انطوى عليه الكتاب من الأحاديث الشريفة في المتن،
والأحكام الفقهية المستخرجة منها في الشرح، فكان الكتاب بهذا الاستيفاء
والعناية في ذروة ما ألف في موضوعه، وفعلاً طلع هذا المشروع العلمي الضخم
الكبير على منصة الوجود، وقد تفضّل الشيخ التهانوي رحمه الله مشكوراً
بمراجعته كله حرفاً حرفاً، وزاد فيه أشياء، وحذف منه أشياء، حسب ما اقتضته
الحاجة، أو دعت إليه الضرورة.
ويجدر بنا أن نتحف القرّاء الكرام بما كتبه الشيخ أشرف علي التهانوي
خطبة لـ(إعلاء السنن) وعليه نختم هذه الكلمة التعريفية بالكتاب، يقول رحمه
الله :
((الحمد لله، أستعينه وأستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهدي
الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين
يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه
ولا يضر الله شيئاً.
(١) أنَّفها الشيخ حبيب أحمد الكيرانوي في ضوء ما أفاده الشيخ أشرف علي
التهانوي رحمه الله، وهي مقدمة علمية مفصّلة تتعلق بالمسائل الأصولية
والقواعد المهمة حول القياس، وقد طبعت في دار الفكر العربي، بيروت،
لبنان.
٤٩٩

أما بعد: فيا أخي! انظر أولاً في خطبة الحصة الأولى من (إحياء السنن)
تنكشف لك حقيقة الرسالة، ثم اسمع ثانياً، أنها مسّت الحاجة بسبب بعض
الأسباب التي لا طائل تحت ذكرها إلى تفويض تأليفها إلى ابن أختي الفطن
البارع الذكي المولوي ظفر أحمد، ثبّته الله على المنهج الأرشد، وتبديل اسمها
من (إحياء السنن) إلى (إعلاء السنن)، واسم تعليقاتها من (التوضيح الحسن)
إلى (إسداء المنن)، وتعديل بعض المقامات من الحصة الأولى التي أشيعت
سابقاً، وتلقيب مجموع المضاف والمضاف إليها بالحصة الأولى من (إعلاء
السنن)، فإذاً هذه هي الحصة الثانية منها، سرحت النظر فيها كالأولى حرفاً
حرفاً، فوجدتها - والحمد لله - أحسن من الأولى، رواية ودراية، وكفاية في
موضوعها، وباقي التزاماتها في تغيير بعض المواضع، وهو يسير بكثير، وتميز
كلامي من كلامه ونحو ذلك كالأولى، ولله الحمد على ما أبدى وأسدى،
ولَلآ خرةُ خيرٌ لك من الأولى.
وأنا العبد الراجي رحمة ربه القوي أشرف علي التهانوي غفر له ذنبه
الجلي والخفي)).
هذا وقد طبع هذا الكتاب الحديثي الفقهي العجاب في مدينة كراتشي من
باكستان مخدوماً بخدمة علمية ممتازة من العلامة المحقق الشيخ محمد تقي
العثماني نجل سماحة العلامة المفتي محمد شفيع رحمه الله، وقد قام حفظه الله
الوارث الألمعي لعلوم أبيه بتحقيق هذا الكتاب والتعليق عليه بما يستكمل
غاياته ومقاصده، ويتمّم فرائده وفوائده في ذوق علمي رفيع، وتنسيق فني
٥٠٠