النص المفهرس

صفحات 181-200

وهكذا كان شأن الصحابة رضي الله عنهم وأتباعهم، وأتباع أتباعهم،
كانوا متمسّكين بهذا المبدأ، وتاريخنا الإسلامي المجيد، المشرق الباهر،
غني بهذه الروائع والمواقف العظيمة.
كيفية التعامل مع الحكّام :
لقد أكّد الإسلام في جميع أحكامه، وسائر تعاليمه على ضرورة اتباع
أحكام الشريعة في كل الشؤون، فإنْ حَكَمَ حاكم، أو صدر أمر من الأمير
يخالف شريعة الله، فلا يجب تنفيذه ولا العمل به؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق، ويلزم العمل بأحكام الشريعة، إلا في حالة الاضطرار وإكراه
النفس، كما يجب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق الشروط
اللازمة، وإظهار الحق والصدع به عند الضرورة، لأنه أفضل الجهاد، كما ورد
في الحديث الشريف(١).
لرسول الله و ﴿ جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله مثل: تؤمن بالله
ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع، فلن أستعين بمشرك ... الحديث)). کتاب
الجهاد والسير، برقم (١٨١٧)؛ ورواه الترمذي في سننه، كتاب السير،
(١٥٥٨)؛ وأبو داود في سننه، كتاب الجهاد، (٢٧٣٢)؛ وابن ماجه في
سننه، کتاب الجهاد، (٢٨٣٢).
(١) روى الإمام أبو داود في سننه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وَل: ((أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، أو أمير جائر)).
كتاب الملاحم (٤٣٤٤)؛ ورواه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، برقم
(٤٠١١).
١٨١

إلا أن العامة وقعوا فريسة الإفراط والتفريط في الأوضاع الراهنة تجاه
معرفة حق الحاكم والمحكوم، فهناك فئة من الناس تكون ألسنتهم رطبة بمدح
الحُكّام والإشادة بهم، وذكر مآثرهم - وهذا أقرب ما يكون إلى المداهنة من
الحُبّ أو المدح - وهؤلاء يسكتون على المفاسد الموجودة في النظام،
ويصرفون أنظارهم عن الظلم السائد فيه، بينما هناك فئة أخرى تجعل مخالفة
الحكام نصب أعينها، ولا تألو أي جُهد في صبّ جام الغضب عليهم بكل
الطرق والوسائل المتاحة، ولا يلبثون إلا أن يصفوهم بصفات سيئة، وينبزوهم
بالألقاب، ويسخرون منهم في مجالسهم، وأحياناً لا يمتنعون عن سبّهم
وشتمهم، ويقترفون معاصي الافتراء والبهتان.
وها نحن نرى الشيخ التهانوي رحمه الله يرفض هذا المنهج رفضاً تاماً،
ويستنكر هذا الاتجاه، ويقول رحمه الله: ((إن الحجاج بن يوسف كان من أظلم
الناس في هذه الأمة، وقد اغتابه رجل في مجلس أحد الصالحين، واتهمه
بأشياء، فقال له الرجل الصالح: إن الحجاج وإن كان فاسقاً ظالماً، لكن الله
تعالى كما ينتقم منه من أجل حقوق المظلومين الآخرين، كذلك فإنه سبحانه
وتعالى سينتقم للحجاج ممن يظلمه ويغتابه أو يتهمه»(١).
وقد صرّح رحمه الله في مواضع عديدة بأن إهانة الحُكّام، والإساءة إليهم
على مرأى ومسمع من الناس، دون ضرورة قصوى، أمر مذموم ينبغي تجنّبه،
(١) مجالس حكيم الأمة، ص٩٢، (ملفوظات رمضان سنة ١٣٤٨ هـ).
١٨٢

يقول رحمه الله: إنَّ الجمهور والرعايا هم الذين سيتضرّرون بإهانة الحُكام
عَلَناً؛ لأن القلوب إذا خلت عن هيبتهم، أدى ذلك إلى نشوء الفتن الكثيرة،
وثار الغضب، ولذا فيجب على الجميع احترام سلاطين الإسلام وتوقير الحُكّام
المسلمين(١).
وإذا تأملنا في كلام الشيخ رحمه الله، وأمعنا النظر فيه يتبيّن لنا أنه شرح
لما روى عياض بن غنم رضي الله عنه عن النبي وَ ي يقول: ((من أراد أن ينصح
لسلطان بأمرٍ فلا يُبدِ له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه
فذاك، وإلا كان قد أدى الذي علیه له»(٢).
ويقول رحمه الله في إحدى مواعظه: نرى بعض الناس يسبّون الملوك،
ويشتمونهم، ويسيئون إليهم، ويصفونهم بأسوأ الصفات، ويُلقون كل اللّوم
عليهم، لما يواجهون من المصائب في بعض الأحيان، وهذه علامة فروغ
الصبر، وأمر غير ممدوح.
وقد ورد في الحديث الشريف المنع عن سبّ الملوك(٣).
وقد قصد الشيخ رحمه الله بالحديث ما روي عن عائشة رضي الله عنها :
(١) أنفاس عيسى: ٣٧٥/١.
(٢) رواه أحمد في مسنده: ٤٠٣/٣، (١٤٧٩٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد:
رجاله ثقات: ٢٢٥/٥؛ ورواه الطبراني في مسند الشاميين: ٩٤/٢،
(٩٧٧)؛ وذكره الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب: ٥٩١/٣، (٥٨٥١).
(٣) وعظ الصبر، ص٣٦؛ إصلاح المسلمين، ص٥٢٢ .
١٨٣

((لا تشغلوا قلوبكم بسبّ الملوك، ولكن تقرّبوا إلى الله تعالى بالدعاء لهم،
يعطف الله قلوبهم عليكم))(١)، وما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قوله:
((إِنَّ اللهَ يقولُ: أنَا اللهُلا إلهَ إلاَّ أنَا، مالِكُ المُلْكِ ومَلِكُ المُلُوكِ، قُلوبُ المُلوكِ
بيدي، وإنَّ العبادَ إذا أطَاعُوني حوّلتُ قلوبَ مُلوكِهم عَليهم بالرأفَةِ والرَّحمةِ،
وإنَّ العبادَ إذا عَصَونِي، حَوَّلتُ قلوبَهم عليهم بالُّخطِ والنّقمةِ، فسَاموهم سوءَ
العَذاب، فلا تَشْغَلُوا أنفسَكُم بالدُّعاء على المُلوك، ولكن اشْغَلُوا أنفسَكُم
بالذِّكر والتَّضرُّع إليَّ، أكْفِكُمْ مُلُوكَكُم))(٢).
وما روي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ يقول: ((لا تسبّوا
الأئمة، وادعوا الله لهم الصّلاح، فإنَّ صلاحهم لكم صلاح)) (٣).
(١) رواه السيوطي في الجامع الصغير وضعّفه برقم (٩٨٠٥)؛ والمتقي الهندي في
کنز العمّال (١٤٥٨٨).
(٢) رواه الطبراني في المعجم الأوسط: ٩/٩، (٨٩٦٢). قال الهيثمي في (مجمع
الزوائد): وفيه إبراهيم بن راشد وهو متروك: ٢٤٩/٥؛ وذكره أبو نعيم
الأصبهاني في (حلية الأولياء): ٣٨٨/٢؛ وابن حبان البستي في كتاب
(المجروحين): ٧٦/٣ في ترجمة وهب بن راشد.
(٣) رواه الطبراني في المعجم الأوسط: ١٦٩/٢، (١٦٠٦)؛ وفي المعجم
الكبير: ١٣٤/٨، (٧٦٠٩) قال الهيثمي: لم أعرف شيخ الطبراني، وبقية
رجاله ثقات؛ مجمع الزوائد: ٢٤٩/٥؛ كما ذكره الخطيب البغدادي في
تاريخه: ١٥١/١٢ (٦٦١٣)؛ والعجلي في كشف الخفاء: ٤١٣/٢،
(٢٧٩٠)؛ وضعّفه السيوطي في الجامع الصغير برقم (٩٧٨٤)؛ كما ذكره
المتقي الهندي في كنز العمّال برقم (١٤٥٨٧).
١٨٤

وأكتفي بهذا القدر من ذكر مواقف الشيخ التهانوي رحمه الله الرائعة في
باب الحكومة والسياسة، وآرائه السديدة وتوجيهاته الرشيدة في هذا
الموضوع(١).
(١) قد استفدت في تحرير هذا الموضوع من كتاب الشيخ العلامة المفتي محمد
تقي العثماني (الأفكار السياسية للشيخ حكيم الأمة التهانوي)، ط: مكتبة
ملت ديوبند الهند؛ وكذلك كتاب (أشرف السوانح) للشيخ الخواجه عزيز
الحسن المجذوب؛ و(أحسن الفتاوى): ٨٥/٦ -٩٥، بتحقيق الشيخ محمد
تقي العثماني، بالإضافة إلى المصادر والمراجع المُشار إليها في الهوامش،
فجزى الله تعالی مؤلفي هذه الكتب ورحمنا معهم.
١٨٥

الْبَابُ الْثَالثُ
جهود الإسام التّهانوي
الاصلاحِيَّة والتَجْدِيْد
تمهید
الفصل الأول: جهوده الإصلاحية في مجال العقائد
والإيمان .
الفصل الثاني : تعلّم الإنسانية أم تعلّم الولاية .
الفصل الثالث : العناية البالغة بحقوق العباد.
الفصل الرابع : إصلاح المعاشرة.
الفصل الخامس : تعليم حسن المعاشرة مقدّم على تعليم
النوافل.
الفصل السادس: إصلاح العادات والتقاليد غير
الإسلامية .

الفصل السابع: الجهود الإصلاحية في مجال تعليم
المرأة المسلمة .
الفصل الثامن: صيانة المسلمين عن خيانة غير
المسلمین .
الفصل التاسع : الردّ على الفرق الضالّة.

تمهيد
إنَّ كل من له إلمام بالتاريخ الإسلامي في الهند، واطلاع واسع على سير
وتراجم علمائها العباقرة، والقائمين بأعمال الإصلاح والتجديد، يعرف معرفة
اليقين أن الشيخ التهانوي رحمه الله قد قام بدور رائع في الدفاع عن الدين
الإسلامي، والذب عن حياض الشريعة الغراء، وتطهير المجتمع الإسلامي
الهندي من أدناس التقاليد والطقوس الجاهلية، وشوائب البدع والخرافات
التي كانت وليدة العقول البشرية، وكسبت الرواج والشيوع في كل الأوساط،
ورسخت في أذهان السُّذِّج من المسلمين، وذلك بسبب البعد عن تعاليم
الإسلام النقيّة الصافية في جانب، وشيوع الجهل بينهم في جانب آخر.
ونظراً إلى هذه الجهود الإصلاحية والتجديدية الرائعة في استعادة الروح
الإسلامية، وإيقاظ الوعي الإسلامي من جديد، تعتبر حياته رحمه الله صانعة
لتاريخ جديد، وبداية عهد جديد، حتى غلب عليه لقب (حكيم الأمة) و(مجدّد
المئة) الذي عرف به الشيخ رحمه الله واشتهر اشتهاراً عظيماً، وقد صدقت به
بشارة الصادق المصدوق وسلم فيما رواه الإمام أبو داود في سننه عن أبي هريرة
رضي الله عنه عن رسول الله وَ ﴿ قال: ((إنَّ اللهَ يبعثُ لهذِهِ الأمةِ عَلى رَأْسِ كُلِّ مئةٍ
١٨٩

سَنَةٍ مَن يُجدِّدُ لَها دِينَها))(١)، وكذلك بشارة رسول الله وَ لَه بقوله: ((يَحْمِلُ هَذا
العِلمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُوْلُه، ينفونَ عنْهُ تَحريف الغالينَ، وانتحالَ المُبْطِلِينَ))(٢).
(١) أخرجه الإمام أبو داود في سننه، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المئة،
برقم (٤٢٩١)؛ كما رواه الحاكم في المستدرك: ٥٦٧/٤، برقم (٨٥٩٢)
و(٨٥٩٣)؛ ورواه الطبراني في المعجم الأوسط: ٣٢٤/٦، (٦٥٢٧)؛
والديلمي في مسند الفردوس: ١٤٨/١، (٥٣٢).
(٢) رواه الطبراني في مسند الشاميين: ٣٤٤/١؛ والبيهقي في السنن الكبرى:
٢٠٩/١٠؛ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد: ١/ ١٤٠، باب أخذ الحديث
عن الثقات؛ وأبو المحاسن الحنفي في معتصر المختصر: ١٠٦/٢؛ وأورده
الديلمي في مسند الفردوس: ٥٣٧/٥، (٩٠١٢).
١٩٠

الفصل الأول
الجهود الإصلاحية في مجال العقائد والإيمان
يتجلَّى لنا عمله التجديدي، ومآثره الإصلاحية الخالدة، في تجلية الفكر
الإسلامي، وإنعاش الروح الدينية، ومقاومة الفتن الخطيرة المحدقة،
واستئصالها من جذورها، وكسر طلاسم المحاولات الضالة المؤسسة على
الرياضات والمجاهدات التي كانت تعتمد على وسائل مختلفة وطرق مخترعة،
وتستنكف عن اقتفاء سنّة سيدنا وقدوتنا محمد ◌َّار، واتباع هديه، ولا ترى
لزوماً لذلك، وكشف النقاب عن وجه العقائد والنظريات المتلبسة بأصناف من
الطقوس الجاهلية، والتشديد في الإنكار على البدع والخرافات، وإزالة آثار
الكفر ومعالم الضلال.
ضوابط التجديد والمُجدّد:
وقد تحققت ضوابط التجديد والمجدّد في شخصيته رحمه الله بکل
معانيها، علماً أن هذه الصفات والسمات التي لا بدّ من توافرها في المجدّد قد
نصّ عليها علماء كبار أمثال الحافظ ابن حجر والسيوطي والمناوي والمحبيّ
وشمس الحق العظيم آبادي وأبي زهرة وغيرهم، وهي كالتالي:
١ - أن يكون متبعاً لا مبتدعاً.
٢ - أن يكون محبباً للسنة، طامساً للبدعة.
١٩١

٣ - أن يشتهر بين أبناء عصره ومصره بالعلم، ويكون مشاراً إليه بالبنان.
٤ - أن يكون مكثراً من العلم ناصراً لأهله، ذائداً عن حمى الدين، متصفاً
بالصفات الكاملة، إذ المقصود أن يكون من علمه صادعاً بالحق، وناصراً
أهله.
٥ - أن يكون هذا الاشتهار على رأس مئة هجرية.
فيكون ثابتاً على دين الإسلام، داعياً إليه، ومحذّراً من كل دخيل عليه،
واثقاً مما هو عليه، لا يغتر بما تغترّ به العوام، ولا ينخدع كما تنخدع الهوام،
وإنما ينظر إلى الأمور بعين الحكمة الإلهية، وعلى مقتضى الشريعة
المحمّدية، ويكون الناس بحاجة لعلمه ومؤلفاته، وينتفعوا بها(١).
وكل دارس لشخصية الشيخ التهانوي، وناظر في حياته يجد هذه
الصفات فيها متحقّقة، وهذه السّمات متوفرة بأروع أشكالها وأكمل معانيها .
تفضيله الشريعة على الطريقة:
كما أنَّ هناك جانباً آخر مهماً تتركز عليه جهوده الإصلاحية، ألا وهو
(١) انظر: فتح الباري: ٢٩٥/١٣؛ خلاصة الأثر للمحبّي: ٣٤٤/٣؛ فيض
القدير: ١٠/١؛٢٨١/٢؛ الرفع والتكميل، ص ٤٤؛ عون المعبود:
٢٦٣/١١؛ مقالات الكوثري، ص١٥؛ المجددون في الإسلام للصّعيدي،
ص١١ - ١٢ - ١٥؛ المجدّدون في الإسلام للخولي، ص ١٢ - ٣٣؛ والنور
السافر للعیدروسي، ص١١١ - ١١٧ .
١٩٢

تفضيل الشريعة على الطريقة، وأن الطريقة تابعة خاضعة للشريعة وخادمة لها،
وقد أوقف رحمه الله بذلك تلك الفتنة الخطيرة الناجمة في أوساط (السلوك
والطريقة) التي كانت تدعو إلى الاستغناء عن الشريعة، وكذلك إعادة الثقة
والإيمان إلى قلوب أبناء الأمة الإسلامية بخلود الرسالة المحمدية وحاجة
الناس إليها، وترسيخ جذور هذه العقيدة المهمّة.
يقول الشيخ أبو الحسن علي الندوي رحمه الله عن جهود الشيخ التهانوي
الإصلاحية: ((كان من كبار علماء هذا العصر الربانيين، وأعظم مؤلف في هذا
العصر بالإطلاق، ومن أعظم من انتفعت بهم الهند في إصلاح العقيدة،
والعمل، والرجوع إلى الله وإصلاح النفس، وانتفع الناس بكتبه انتفاعاً لم
يعرف لعالم آخر في هذا الزمان))(١).
جهوده في إصلاح العقائد:
هذا وإن جهوده الجبارة في مجال إصلاح العقائد، وإرشاد الناس إلى
الدين القويم والصراط المستقيم، تتجلى لنا في ناحيتين: عملية وعلمية:
أما العملية: فقد كانت حياته رحمه الله مرآة صافية، ومنبعاً شفافاً، ومنهلاً
عذباً للتوحيد الخالص، لا يشوبها شيء من الشرك أو البدع أو الخرافات، كما
أنّ مجالس وعظه، ولقاءاته ورحلاته غنية بتلك الواقعات والقصص التي هي خير
بُرهان على تمسّكه بهذا المبدأ، وعنايته الفائقة بهذا الجانب المهمّ والركيزة
الإسلامية الأساسية.
(١) من مقدمته لكتاب بين التصوّف والحياة، ص ١٢ - ١٣.
١٩٣

وأما من الناحية العلمية: فحدّث ولا حرج، فإنَّا لا نجد كتاباً أو رسالة،
أو مذكّرة إلا ونراه يتطرق فيها إلى هذا الجانب بكل ما يحويه من المعاني،
فيحثّ على الاعتصام بعقائد الإسلام الحق، ويحذّر من الوقوع في البدع،
ويقطع دابر كل المعتقدات الباطلة، أو الرسوم والتقاليد الجاهلية التي اختلقتها
العقول البشرية، أو أنتجتها الأفكار الزائغة والأوهام التائهة .
فها هو كتابه القيم (تعاليم الدين) يحتوي على حوالي مئتي صفحة
بالقطع المتوسّط، ورغم أنه صغير الحجم، لكنّه یتضمن رؤوس كل المسائل
الأصولية، المتعلقة بالعقيدة والتوحيد والإيمان، ومقابل ذلك أنواع الشرك
والبدع، والتحذير منها مع بيان تفصيلي لشُعَبِ الإيمان، وكل ذلك مع الأدلة
والبراهين من الآيات القرآنية والأحايث النبوية الشريفة، وقد تناول فيه رحمه
الله بيان العقائد الإسلامية مختصراً في أربعين مادة، وأتبعها بذكر أقسام
الشرك، فذكر الإشراك في العلم والصفات، والإشراك في التصرف والعبادة،
والإشراك في العادة، ثم انتقل إلى ذكر البدع، فبدأ بذكر بدع القبور، ثم البدع
الأخرى والطقوس غير الإسلامية، كما تناول موضوع بعض الكبائر، وشعب
الإيمان، وختم الكتاب بذكر المضار الدنيوية الناتجة عن المعاصي، والمنافع
الدنيوية الناتجة عن الطاعات، وهكذا جاء هذا الكتاب رغم صغر حجمه
يحمل في طياته بحراً زاخراً بالكنوز والمعارف، كثير النفع جمّ المعاني،
وكذلك مؤلفاته الأخرى التي سوف نتحدَّثُ عنها بالتفصيل في الباب السادس
(آثار الشيخ الخالدة) إن شاء الله تعالى.
١٩٤

الفصل الثاني
تعلّم الإنسانية أم تعلّم الولاية؟!
كان التهانوي رحمه الله قد أوقف حياته كلها على القيام بأعمال إصلاحية
في كل المجالات، وسائر جوانب حياة الإنسان الفردية والجماعية، وبشتى
الطرق والوسائل، مستخدماً في ذلك كل الإمكانات المتاحة، فلم يَدَّخر أي
وسع في سبيل تحقيق أهدافه الإصلاحية والدعوية النبيلة.
يقول الأستاذ نجم الحسن التهانوي: ((لقد جعله الله سبحانه وتعالى
(حكيم الأمة) بكل ما تحويه هذه الكلمة من المعاني، فكان التفكير في إصلاح
الأمة، ونفخ الروح الإيمانية الجديدة فيها، جزءاً أساساً من حياته الطبيعية،
وشغله الشاغل في معظم لحظات عمره، لم يوجد هناك فراغ في أي جانب من
جوانب إصلاح الأمة إلا بذل الشيخ جهوده الحثيثة المتواصلة لسدّه، ولا حاجة
من الحوائج الدعوية إلا فكّر في قضائها، وبالجملة فإن تفقد أحوال الأمة،
ومحاولة إصلاحها، كان الغاية المتوخاة من حياته.
ومن أهم ما يمتاز به منهجه في الإصلاح وتربية النفس هو اهتمامه البالغ
بجانب الأخلاق، والمعاملات، والتركيز على تصحيح أعمال الحياة العملية،
١٩٥

مع الاعتناء الكامل والشديد بجانب العقائد والعبادات.
لم تكن طريقته في الإصلاح والتربية خاضعة للطرق الخاصة المسلوكة
المعروفة، ولا كان يقّد أحداً في منهجه في التعليم، وإنما كان جلّ اهتمامه هو
تنفيذ أوامر الله وتطبيق شرع الله، واتباع الرسول الكريم وَلّ، في كل شعبة من
شعب الحياة، كان ينفق قسطاً كبيراً من وقته في تجنيب النفس من مكايد
الشيطان، وإبعادها عن وساوسه.
ولم تكن المنامات، والمكاشفات، والكرامات، في نظره ذات قيمة
ومكانة، إزاء العقائد والعبادات، وتصحيح الأعمال.
وكان يقول: ((لأن أجعل مجلسي هذا مجلس الإنسان الكامل الذي
يتمتّع بكل معاني الإنسانية من الأخلاق والآداب والعقائد والأوصاف الفاضلة
- أحبّ إليَّ من أن أجعله مجلس الأولياء بمفهومهم المعروف المشهور بين
العامّة)».
كما كان يقول: «أنا دائماً أردّد هذه المقولة وأكرّرها للجميع، من أراد
أن يتعلّم الولاية أو يحوز مراتب الأولياء فليغادر مجلسي هذا وليرحل حيث
يشاء، ومن أراد أن يتعلّم الإنسانية ويتحلّى بأوصاف الإنسان الكامل الذي
يرضاه الإسلام، فليأت عندي)).
وكان رحمه الله يقول: ((إن تعلّم أوصاف الإنسانية واجب أساسي،
وتعلّم الولاية ليس بواجب، لأن المرء إذا لم تتحلَّ حياته بصفات الإنسانية
١٩٦

الكاملة، فإنه قد يتسبّب في إيذاء الآخرين، أما الذي لم يتعلّم الولاية، ولم
تحصل له درجة الأولياء فإنه لا يضرّ غيره شيئاً)) (١).
(١) حكيم الأمة ومجدّد الملة أشرف علي التهانوي، ص١٤، للشيخ نجم الحسن
التهانوي .
١٩٧

الفصل الثالث
العناية البالغة بحقوق العباد
كان من أهم ركائز نشاطه الإصلاحي والتربوي أنه كان يحثُ أَتباعه
ومسترشديه على أداء الحقوق، سواء كان من حقوق الله تعالى أو حقوق
العباد، وکانت عنایته بحقوق العباد آكد وأكثر، لِما شاهد من حال كثير من
الناس أنهم يواظبون على العبادات. ويُكثرون من ذكر الله، ولكنهم يقصّرون
في حقوق العباد، ويخالفون الشرع في كثير من المعاملات، كما أن اهتمامه
يتعليم آداب المعاشرة، أكثر وأشدّ من اهتمامه بتعليم الأوراد والأذكار وسائر
التطوّعات .
وكان يقول: ((إني أصرف جلّ عنايتي بأن لا يتأذَّى أحد مني، أو من
أصحابي، سواء كان ذلك الإيذاء بدنياً كالضرب والنزاع، أو مالياً كغصب
الحقوق وأكل الأموال بالباطل، أو ما يتعلق بعرض الإنسان كإهانة رجل
واغتيابه، أو نفسياً مثل أن يترك أحد غيره في اضطراب وتشويش، أو يعامله بما
يكرهه، وإن صدر شيء من ذلك خطأً، فالواجب أن يبادر إلى طلب العفو.
وإني أهتم بهذه الأشياء أكثر من اهتمامي بغيرها، حتى لو رأيت أحداً
يخالف الشريعة في وضعه الظاهر، فإن ذلك يحدث في نفسي نوعاً من الألم،
١٩٨

وأما إذا رأيت أحداً لا يبالي بأداء هذه الحقوق، فإنه يحزنني حزناً شديداً،
وأدعو الله تعالى له أن ينجيه من هذه الموبقات))(١).
(١) أشرف السوانح: ١٧٩/١.
١٩٩

الفصل الرابع
إصلاح المعاشرة
إنَّ المعاشرة أو الحياة الاجتماعية شعبة مهمة من شعب الإسلام، التي
قلما يهتم بها الإنسان، ويراعي حقوقها وآدابها، ونشاهد أن عامّة الناس، بل
خواصّهم كذلك يُغفلون هذا الجانب المهمّ إلا من رحم الله، وذلك لأن الحياة
الاجتماعية هي قوام البشرية، والعنصر الأساس والمهمّ الذي إذا صلح يَسُود
الأمة كلَّها الخيرُ والبركة، ويستتبّ الأمن والاستقرار، وبالتالي فإن إنجاز هذه
المهمّة، والتشمير عن ساعد الجد لتحقيق هذا الغرض، هو النقطة المركزية
والمحور الأساس الذي تدور حوله هذه الجهود التجديدية والأعمال
الإصلاحية العظيمة، التي نهض بها ورفع رايتها الشيخ التهانوي رحمه الله بکل
حمية دينية، وشجاعة إيمانية قوية، دون أن يبالي في هذا الطريق بلومة لائم أو
طعن طاعن.
وكان نقطة انطلاقه في هذا السبيل هو كلام الصادق المصدوق قتل# الذي
لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، حيث أرشد فيه الإنسانية إلى
دستور قيّم للحياة. وقانون متكامل يهدي الناس إلى إيجاد مجتمع مثالي
أفضل، إذا طبّقوه في حياتهم، يقول المصطفى بَّ: ((المسلمُ مَنْ سَلِمَ
٢٠٠