النص المفهرس

صفحات 161-180

هذه هي النقاط الثلاث المهمّة التي تدور حولها أفكاره السياسية رحمه
الله، ولنبدأ في ذكر كل نقطة بشيء من التفصيل:
النقطة الأولى: مكانة السياسة في الإسلام:
ما هي مكانة السياسة في الإسلام؟ وما هي أهمية إقامة نظام سياسي
صحيح في الدين؟ .
لقد اشتهرت نظرية (النصرانية) حول فصل الدين عن السياسة، والقول
أنهما أمران متباينان، ثم إن هذه النظرية الخاطئة القائلة بالفصل بين الدين
والسياسة تحوّلت إلى نظرية (العلمانية) في العصر الراهن، التي تعدّ من
النظريات المحبّبة لدى الأنظمة السياسية المعاصرة، والمعجب بها عند معظم
الحكومات والدول، ومما لا شك فيه أن الإسلام يرفض كلتا النظريتين رفضاً
تاماً، وبما أن تعاليم ديننا الحنيف تشمل سائر جوانب حياة البشر وجميعَ شعبها
- ومنها السياسة - فإنها لا تسمح بفصل السياسة عن الدين والشريعة.
الخطأ الدقيق في التعبير (السياسة الإسلامية أو الإسلام السياسي؟):
وقد تصدّى للرد على هاتين النظريتين، ومثل هذه الأفكار الزائفة، عددٌ
كبيرٌ من العلماء والمثقفين الإسلاميين، إلا أنهم في أثناء ردّهم على هذه
النظريات الباطلة، وقعوا فريسة خطأ دقيق لم يخطر على بالهم، ولم يشعر به
ذهنهم، ولو أردنا أن نعبّر عن ذلك الخطأ الدقيق يمكننا القول:
إنهم في غليانهم، وتحمّسهم في الرد على هذه النظريات جعلوا الإسلام
١٦١

سياسياً، بدل أن يجعلوا السياسة إسلامية، وقد كان المفروض أن يعبّروا عن
رأیھم ويقولوا:
((لاينبغي أن تفصل السياسة عن الدين))، لكنهم أخطؤوا وقالوا: ((لا
ينبغي أن يُفصل الدين عن السياسة)).
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل مما زاد الطين بلة، أنهم تجاوزوا
الحدود في الرد على هذه النظريات، إلى درجة أنهم جعلوا السياسة والحكومة،
المقصودَ الأصلي، والغاية الحقيقية للإسلام، والهدف الأساس من بعثة الأنبياء
عليهم السلام، بل اعتبروها الغرض الأوّلي من خلق الإنسان، وأما أركان
الإسلام الأخرى، ودعائمه الحقيقية مثل العبادات وغيرها، فلم يعتبروها من
الدرجة الثانية فقط، بل جعلوها وسيلة للحصول على الهدف الأصلي، وهو
(السياسة) في نظرهم.
وقد أدّى هذا التصلّب والتطرّف إلى انقلاب صورة الدين رأساً على
عقب، وانقلب ترتيب الأولويات(Order of priority) في الدين الإسلامي،
وحلّت الوسيلة محل الغاية، وتسلّطت على القلب والذهن، وأما الغاية فقد
تحوّلت إلى وسيلة غير مهمّة.
هذا في جانب، وفي جانب آخر لما انقلب الميزان الحقيقي للإسلام
لدى هؤلاء، وأصبحت السياسة، وإنشاء الحكومة المقصد الأول، والعبادات
الأخرى حلّت محلّ الوسيلة، رخصت في نظرهم قيمة الوسائل، وسَهُل عليهم
التضحية بالوسائل طمعاً في نيل الغاية، ورضوا بالإهمال فيها، والتغافل عنها،
١٦٢

لأنهم اعتبروا أنفسهم بصدد نيل الهدف السامي، وغاب عن أنظارهم هذا
الخطأ الفادح الذي ارتكبوه في مسيرهم هذا.
ولما ابتدأت حركات تدعو إلى الاستقلال من مخالب الاستعمار الغربي
في المسلمين، منذ فجر القرن الرابع عشر الهجري، شاعت فيها هذه النظرية
الخاطئة، وترسّخت فيها هذه الفكرة التي جعلت السياسة مقصداً للدين،
متستّرة وراء أسماء حديثة وعناوين مبتكرة جديدة، مرة باسم (الخلافة في
الأرض) وأخرى بـ(الحكومة الإلهية).
وهكذا وقع معظم المثقفين - الذين أصبح الحصول على الاستقلال
السياسي شغلهم الشاغل، وهمّهم الأول والآخر - فريسة هذا الخطأ الدقيق،
ولم يفكّروا في تحديد المكانة الصحيحة للسياسة في الدين.
في مثل هذه الظروف، والأوضاع الحرجة التي أصيبت بتقليب الحقائق
والموازين، كانت شخصية العلاَّمة أشرف علي التهانوي هي الأولى من نوعها،
التي نهضت رافعة لواء الإصلاح والتجديد، وبيّن رحمه الله للناس هذا الخطأ
الفادح، وأثبت لهم في ضوء الكتاب والسُّنة مكانة السياسة الحقيقية في الإسلام.
يقول رحمه الله: ((يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن ◌َّكْتَّهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ
الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
[الحج: ٤١]، دلّت الآية الكريمة على أن الدّيانات هي المقصودة بالذات،
وأن السياسات والجهاد ليس من الغرض الأصيل، ولعلّ هذا هو السبب أن
جميع الأنبياء عليهم السلام قد بُعثوا بالديانات وأحكامها، وهذه هي النقطة
١٦٣

الجامعة بينهم جميعاً، لكن السياسة أو الجهاد لم يُبعث به الجميع، بل أمر الله
تعالى به حيث اقتضت الحاجة، وتطلّبت المصلحة، وهذا هو شأن الوسائل
والأسباب، فإنه لا يكلّف بها الإنسان إلا لضرورة.
وقد يثير أحد هذا الإشكال، ويخطر بباله أنَّ الآيات الأخرى تدلّ على
خلاف ما دلّت عليه الآية الأولى، وظاهرها كون الدّيانة وسيلة، والتمكين في
الأرض والسياسة غاية، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥]، واشترطت الآية الإيمان والعمل الصالح
من أجل التمكين في الأرض، وهذا يستلزم كون السياسة المقصودَ الأصلي؟
فالجواب: أن الله سبحانه وتعالى وعد بالتمكين في الأرض،
والاستخلاف فيها على استيفاء شرط الإيمان والعمل الصالح، وإن السلطة
والتمكين في الأرض يترتبان على الدين، ومعناه أنه وعد بنيل السياسة والقوة
على شرط وجود الدين، ولا يلزم كون الموعود مقصوداً، وإلا ففي قوله
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّيْهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ
وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، هل يسع أحد أن يقول: إن السعة في
الأرض هو المقصود الأصلي من العمل بالتوراة والإنجيل والقرآن؟ كلا! بل إن
الله سبحانه وتعالى وعد بسعة الرزق إذا عملوا بالتوراة والإنجيل.
وعلى كلٍّ فقد تبيّن في ضوء ما أسلفنا أن السياسة هي وسيلة، وأن الدين
وتحقيق أحكام الشريعة هو الهدف الحقيقي، والغاية المتوخّاة، وهذا لا يعني
١٦٤

بالضرورة إهمال السياسة وإغفالها، بل المطلوب فيها تنزيلها منزلتها
الحقيقية))(١).
إن الشيخ رحمه الله قد كشف القناع عن الموضوع وجعله واضحاً نيّراً
كالشمس في رابعة النّهار، في هذه الكلمات الموجزة، بحيث لا يبقى مجال
للشك ولا للريب، ويمكننا تلخيص كلامه في العبارة الآتية:
إن كلتا النظريتين على طرفي نقيض، واجبة الرفض، فلا ينبغي الاعتماد
على نظرية (العلمانية) التي تفصل السياسة عن الدين، ولا تلك النظرية التي
تجعل السياسة الغاية الأصلية للدين، والحق الذي يجب الإيمان به هو أن
الهدف الأساس من الدين هو صلة العبد بالربّ تعالى، ويتمثل ذلك في الطاعات
والعبادات، وليست السياسة والحكومة إلا وسيلة لتحقيق هذا الغرض، ونيل
هذه الغاية المنشودة، لا غير.
وبالتالي فإنَّ الإسلام لا يرضى إلا بتلك السياسة التي تساهم في تحقيق
هذا الغرض، وكل سياسة لا تهدف إلى ذلك، بل تقلّب الموازين، وتؤدي إلى
إيجاد مفاهيم خاطئة عنه، فهي ليست من الإسلام في شيء، مهما سمّيناها
إسلامية أو دينية.
النقطة الثانية: نظام الحكم الإسلامي يرفض العلمانية والديمقراطية:
إن معظم الحكومات التي قامت في أوروبة في القرون الوسطى، كانت
(١) أشرف السوائح (خاتمة السوانح): ٢٨/٤-٢٩.
١٦٥

حكومات شخصية، ويغلب عليها الطابع الشخصي، وكل أمر صادر من
الحاكم، أو كلمة خارجة من فم الملك تحمل درجة القانون الرسمي الذي
يجب العمل به، ولا يسع أحد مخالفته أو معارضته في شكل من الأشكال،
الأمر الذي أدى إلى شيوع الظلم والجور والفساد، وعمّت الفوضى في العباد
والبلاد، وسادت المجتمعات الأوروبية أنواع من المصائب، وأصناف من
المشكلات من جرّاء هذا النظام.
وبالتالي فكان من الطبيعي أن يحدث هناك ردُّ فعلٍ عنيف ضدّ هذا النظام
الظالم، وفعلاً بدأت هتافات الغضب العارم، ونعرات الاستنكار تعلو ضدّه،
وقُدّمت (الديمقراطية) كحكومة نموذجية مقابل ذاك، إلى أن حلّت الديمقراطية
محل الحكومة الشخصية بأكملها، وظلّ الناس يمجّدونها ويشيدون بها،
ويعتقدون أنها النظام الوحيد الذي يضمن لهم العدل والإنصاف والحق
والصداقة، حتى إن الأحزاب والجماعات السياسية التي نهضت في عصرنا
الراهن باسم الإسلام، لم يلبث معظمها أن تأثرت بتلك الدعايات العالمية، بل
جعلت إنشاء الحكومة الديمقراطية نُصْبَ أعينها، وعلى رأس قائمة أهدافها
وغاياتها، وتحقيقاً لأغراضهم هذه بدؤوا يزعمون أن الديمقراطية متطابقة مع
أصول الإسلام، وتعاليم الدين الحنيف، بل جرّهم صنيعهم هذا إلى القول:
بأن الإسلام علّمنا الديمقراطية.
لقد تسرّبت هذه الفكرة الخاطئة إلى كل الأوساط، وترسخت في أذهان
الزعماء، وصارت لها جولة وصولة لدى العامة والخاصة، ولم يتجرأ أحد
على معارضتها، في مثل هذه الأوضاع قام الشيخ أشرف علي التهانوي، مشمّراً
١٦٦

عن ساعد الجد، غير مبال بالنعرات الجذّابة ولا منجذب وراء الهتافات
البرّاقة، معتصماً بحبل الحق، متمسكاً بأواصر الدين القوية، عاضّاً عليها
بالنواجذ، رافضاً الباطل أينما كان وحيثما صار، محذّراً الأمة الإسلامية من
مفاسد الديمقراطية، وما ينجم عنها من عواقب وخيمة، وتناول هذا الموضوع
من جوانبه المختلفة، وعالجه في ضوء تعاليم الشريعة الإسلامية، وذلك في
أثناء مؤلفاته ومواعظه.
هذا وقد أبعد النجعة من جعل الديمقراطية (من المسلمين المثقفين)
مرادفة (للاستشارة)، ومبدأ (الشورى الإسلامي)، تلك الاستشارة التي أمر بها
الإسلام، وحثّ عليها الرسول الكريم وَلّه، والواقع يردّ ذلك رداً قاطعاً؛ لأن
الحكومة الديمقراطية تمشي وراء فلسفة، وتتمسك بمبدأ لا يمكن أن يتقبله
الإسلام في أي خطوة من خطواته، وبموجبها يشترط الإيمان بالعلمانية .
والعبارة التالية اشتهرت في توضيح معنى الديمقراطية:
(Itisa Gonernment of the people by the people for the people)
(إنها نظام حكومي جمهوري يتشكل برأي الجمهور لصالح الجمهور).
وعلى هذا فإن الركن الأساس، والدعامة العظمى للديمقراطية هي أن
الجمهور هم بمثابة الحاكم الأعلى فيها، وكل حكم يحكم به الجمهور،
معتمدين على رأي الأغلبية العظمى، فإنه يعتبر حكماً واجب العمل، لا يمكن
رفضه أو إلغاؤه في أي حال من الأحوال.
وخلاصة القول: إن نظام (الديمقراطية) يعتبر رأي الأكثرية بمثابة
١٦٧

الحكم الإلهي الذي لا يمكن الإنكار عليه، وبسبب هذه الطامة الكبرى نرى
الغرب ما زالوا ينفّذون بعض القوانين بالاعتماد على رأي الأغلبية، دون أن
يفكّروا في نوعيتها، أو يقدّروا مدى عواقبها الوخيمة، حتى لو كانت فاحشة
من الفواحش، أو جريمة من الجرائم الخلقية والإنسانية، بالغة ما بلغت من
درجات الانحطاط والتدهور الخلقي، مثل الترخيص بأعمال الزنى واللواط،
وغيرهما مما يمسّ عرض الإنسان وناموسه وكرامته، ويدعو إلى الإباحية،
بأشكال مختلفة، وهنا نرى أن الشيخ التهانوي رحمه الله أثبت وَهْنَ هذه الفكرة
وضعفها، وردّ عليها في ضوء تعاليم الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، قال الله
تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]
هل رأي الأغلبية معيارٌ للحق؟:
يقول رحمه الله في إحدى مواعظه: ((إن من الأمور الغريبة التي يتداولها
الناس اليوم زعمهم أن الحق دائماً يكون مع الأغلبية، وهذا صحيح من ناحية،
ولكن من هم المعنيّون بالأغلبية؟ هل هم العوام المُشبّهون بالأنعام؟ وإذا كانوا
هم المعنيّين، فلماذا لم يعمل نبيّ الله هود عليه السلام برأي قومه؟ إنهم كانوا
على رأي، وهود عليه السلام كان على رأي آخر، وكان السبب في ذلك أن
قومه كانوا من الجَهَلة، ورأيهم كذلك كان مبنياً على جهالة»(١).
كما استدل رحمه الله على ذلك بما حدث للمسلمين في غزوة أحد(٢)،
(١) فضائل العلم والخشية، ص ٣٠؛ معارف حكيم الأمة، ص٦١٧ .
(٢) روى البخاري في (صحيحه) عن البراء رضي الله عنه قال: ((لقينا المشركين =
١٦٨

حين عيّن الرسول الكريم وَ﴿ خمسين من رماة الصحابة على الجبل، وأمرهم
أن لا يبرحوا من مكانهم مهما كان الوضع، انهزم المسلمون أو انتصروا، ولكن
اختلفت آراؤهم واجتهاداتهم في فهم فحوى كلام النبي ◌َّ، فرأى بعضهم -
وكانوا الأغلبية - أننا ظهرنا على العدوّ، وآن الأوان أن نصيب من الغنيمة ونتقدم
إلى جهتها، بينما تمسّك البعض الآخر - وكانوا قلة - بأمر الرسول تَّل، ولم
يبرحوا المكان، وهكذا أخطأت الطائفة الأولى في اجتهادها، وقدرأينا في هذه
الواقعة أن رأي الفئة الكبيرة كان على خطأ، ورأي الفئة القليلة كان هو الصواب.
وفي ذلك عبرة لأولئك الذين يرون أن رأي الأغلبية دليل على كونه
حقاً(١).
يومئذ، وأجلس النبي ◌َّ جيشاً من الرماة، وأمّر عليهم عبد الله، وقال: لا
=
تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم، فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا
فلا تعينونا، فلما لقينا هربوا، حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن
سُوقهنّ قد بدت خلاخلهنّ، فأخذوا يقولون: الغنيمةَ الغنيمةَ، فقال عبد الله :
عهد إليّ النبيّ ◌َ ﴿ أن لا تبرحوا، فأبوا، فلما أبوا صُرف وجوههم، فأصيب
سبعون قتيلاً، وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه،
فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن
الخطّاب؟ فقال: إن هؤلاء قُتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر
نفسه، فقال: كذبتَ يا عدوّ الله أبقى الله عليك ما يخزيك ... الحديث)).
كتاب المغازي، باب غزوة أحد (٤٠٤٣)، ورواه مختصراً برقم (٣٩٨٦)؛
كما رواه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، (٢٦٦٢).
(١) انظر: ذمّ النسيان للشيخ التهانوي، ص١٢؛ وكذلك معارف حكيم الأمة،
ص٦١٨.
١٦٩

كما استدل رحمه الله على ذلك بعمل سيدنا أبي بكر الصدّيق رضي الله
عنه مع مانعي أداء الزكاة، لما امتنعت بعض القبائل عن أداء الزكاة بعد وفاة
الرسول * ولقائه بالرفيق الأعلى، فأعلن رضي الله عنه رَفْع علم الجهاد
ضدهم، ومعلوم أنَّ معظم صحابة الرسول وَلقر وعلى رأسهم سيدنا عمر الفاروق
رضي الله عنه كان يرى عدم محاربة مانعي الزكاة، لكن شرح الله صدر أبي بكر
رضي الله عنه في هذه القضية، وثبّته على رأيه، وفي النهاية أجمعت آراء
الجميع على رأي أبي بكر، واعترفوا كلهم بأنه كان على الصواب والحق(١).
وهكذا ردّ الشيخ التهانوي رحمه الله على هذه الفكرة بدلائل شرعية
وعقلية، وبيّن الواقع بأسلوب بسيط، وطريقة سهلة، لو تأمل فيها الإنسان
ونظر إليها بنظرة الإنصاف، لوصل إلى هذه النتيجة التي وصل إليها الشيخ
رحمه الله .
(١) روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لمّا توفي رسول الله
وَ* وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله
عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله وَله: أمرتُ أن أقاتل الناس حتى
يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم منّي ماله ونفسه إلا بحقّه وحسابه
على الله؟ فقال: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال،
والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدّونها إلى رسول الله وَ ليه لقاتلتهم على منعها، قال
عمر رضي الله عنه: فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه
فعرفت أنه الحق)). كتاب الزكاة، برقم (١٤٠٠)؛ وكتاب استتابة المرتدين
(٦٩٢٤)؛ وکتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، (٧٢٨٥)؛ ومسلم في صحيحه،
کتاب الإيمان، (٢٠)؛ والنسائي في سننه، كتاب الزكاة، (٢٤٤٣).
١٧٠

نظام الحكم الشخصي (الملكية):
لقد أيّد الشيخ رحمه الله نظام الحكم الشخصي في عدة مواضع من
كتاباته، خلال نقده للنظام الديمقراطي، ومما لا شك فيه أن تأييده ودعمه
لنظام الحكم الشخصي يتوجه إلى ذلك الحاكم الإسلامي المثالي الذي يُسمّى
في اصطلاح الشرع بـ (أمير المؤمنين) أو (خليفة المسلمين)، وذلك النظام
الذي يتميّز بخلوّه من مفاسد الحكومات الشخصية (الدكتاتورية) عموماً،
والتي سبق أن تحدثنا عنها من خلال نظرة عابرة على أنظمة الحكم في الغرب
في القرون الوسطى.
ومما يجدر بالذكر في هذه المناسبة أن تعيين الخليفة أو (أمير المؤمنين)
في مثل هذا النظام إنما يتمّ عن طريق اختيار أهل الحلّ والعقد، لا بالوراثة أو
بالقوة، كما أن هناك صفات ومميّزات لا بدّ من توافرها في شخصية ذلك الخليفة،
ولا يجوز لأهل الحلّ والعقد أن يختاروا أحداً لا يستوفي هذه الشروط. ولا
يسعنا في هذه العجالة الخوض في تفاصيل هذه الشروط، فإنها معروفة عند
أهل العلم.
هذا وقد تناول الشيخ التهانوي رحمه الله موضوع الديمقراطية ونظام
الحكم الشخصي، في عدة أماكن من مواعظه ومؤلفاته، أوسعها وأشملها ما
جاء في رسالته (تقليل الاختلاط مع الأنام).
السلطة مسؤولية وأمانة وليست حقاً من الحقوق :
ثم هناك فرق كبير جداً بين نظام الحكم الشخصي الذي تبتنى دعائمه
١٧١

على تنفيذ قوانين وضعتها يد الشخص الواحد، أو نطق بها لسان الفرد، وإطاعة
أوامره، والاستسلام أمامه، وبين نظام الحكم الإسلامي الذي يتولاه فرد من
أفراد المجتمع، فإن الحكم الشخصي في المجتمعات غير الإسلامية يُعتبر حقاً
من الحقوق (Prinilege) أو فائدة من الفوائد (Advantage) وهناك ينشأ سؤال:
مَن الذي يتمتع بهذا الحق؟ ومن الذي يستفيد من هذه الفائدة؟ ومن أجل ذلك
يظل الناس يركضون وراءه لنيله، ويبذلون أقصى ما عندهم من الإمكانات
لتحقيق هذا الغرض.
أما من وجهة نظر الإسلام فإن الحكم والسلطة تعدّ من قبيل (الأمانة) أو
(المسؤولية) التي ليست أداة راحة أو وسيلة حصول العيش الهنيء الرغيد، بل
إنها عبء ثقيل وحمل كبير - ديني ودنيوي - يُلقى على كواهل الحاكم، فلا
يتقدم إليه أحد، ولا يمدّ يده لنيله، بل يهرب منه ويجنّبه نفسه قدر الإمكان،
ولعلّ هذا هو السبب في أن الشخص الذي يتقدم أمام الناس بهذا الطّلب، فإنه
يعتبر غير متأهل لحمل هذه الأمانة، في نظر الإسلام، وأن السياسة الإسلامية
الحقيقية خالية عن أي تصوّر للترشيح (Candidataure) .
فرائض الحاکم وواجباته :
وعلى هذا فكل من يتحمل هذه المسؤولية العظيمة على عاتقه، يجب
عليه أن يعتبر نفسه خادماً، لغرض ابتغاء وجه الله ونيل رضاه، ويعتقد اعتقاداً
جازماً أن الحكم ليس مقصوداً بالذات، وإنما الهدف الأساس والغاية الأصيلة
هي نيل رضاه سبحانه وتعالى، ولذا فإن وقع هناك أي تعارض بين الحكم
١٧٢

ورضا الله تعالى، فالحاكم يُؤْثِر رضا الله على الحكومة، ويضحّي بالحكم بكل
فرح وانبساط.
يقول الشيخ التهانوي رحمه الله في إحدى مواعظه: ((واعلموا أن السلطة
أو الحكومة ليست بمقصودة بذاتها، وإنما الغاية الأصيلة المتوخّاة هي رضا الله
تعالى، وابتغاء وجهه، ولو سخط الله علينا مثل فرعون مع هذه السلطة، فتباً
لهذه السلطة التي تجعلنا في عداد فرعون، ولو كانت السلطة والحكومة هي
المقصودة بالذات لكان فرعون وهامان ونمرود وشدّاد من عباد الله المقرّبين،
ولكنهم مطرودون من رحمة الله، وملعونون عند الله، فعلمنا أن السلطة
والحكومة المطلوبة والمحبوبة عند الله، هي التي يصحبها رضا الله تعالى، وأما
السلطة المجرّدة عن رضا الله، والتي تجرّ غضب الله، فإنها نقمة من الله ووبال.
وها هو الشيخ إبراهيم بن أدهم(١) رحمه الله، كانت بيده السلطة
والحكومة، لكنه أعرض عنها، لماذا؟ لأنه كان يشعر أنها تُخلّ في تحقيق
الهدف الأصيل، كان رحمه الله إماماً فقيهاً محدّثاً، وقد أكرمه الله تعالى بنعمة
(١) هو الشيخ إبراهيم بن أدهم، الإمام العارف، سيّد الزهّاد، أبو إسحاق العجلي،
وقيل: التميمي نزيل الشام في حدود المئة، قال النسائي: هو ثقة مأمون أحد
الزهّاد، اشتهرت قولته المشهورة: ((كل ملك لا يكون عادلاً فهو واللص
سواء، وكل عالم لا يكون تقياً فهو والذئب سواء، وكل من ذلّ لغير الله فهو
والكلب سواء)» توفّي رحمه الله سنة اثنتين وستين ومئة. (سير أعلام النبلاء:
٣٨٧/٧؛ معرفة الثقات للعجلي: ٢٠٠/١؛ مشاهير علماء الأمصار لابن
حبان: ١٨٣/١).
١٧٣

العلم والفضل، ومع ذلك كله فإنه لما شعر بإخلاله في المقصود صرف النظر
عن الحكم.
وها هو سيّدنا أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه الخليفة الراشد الأول،
وسيّدنا عمر الفاروق رضي الله عنه الخليفة الراشد الثاني لمّا رأيا أن الخلافة
والسلطة لا تُخلّ في نيل مقصودهما ولا تضرّهما بشيء، أذن لهما بها، ومُنع
سيِّدنا أبو ذر رضي الله عنه عن هذه المسؤولية، وقيل له: ((لا تَوَلَّيَنّ مال یتیم،
ولا تقضينّ بين اثنين))(١).
وفيه دليل واضح على أنّ المقصود الأصلي هو الحصول على رضا الله
تعالى، وليست السلطة والحكومة، فإن أضرّت السلطة بالمقصود، وأخلّت
في تحقيق الهدف يمنع عنها الإنسان (٢).
١ - الاهتمام بالأمور التافهة والاعتناء بالأشياء البسيطة والمحقّرات:
يقول رحمه الله: ((إن من أهم أسباب سقوط السلطات السابقة،
(١) روى الإمام مسلم في (صحيحه) عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله وَلام قال
لي: ((يا أبا ذر إنّي أراك ضعيفاً، وإنّي أحبّ لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على
اثنين ولا تَوَلَّيْنَ مال يتيم))، (باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، (١٨٢٦)، رواه
ابن حبّان في صحيحه: ٣٧٥/١٢، (٥٥٦٤)؛ واللفظ الوارد في الكتاب رواه
أحمد في مسنده: ١٨١/٥، (٢١٦١٤)؛ ونحوه أبو المحاسن الحنفي في
معتصر المختصر: ٢/٢، كتاب الأقضية).
(٢) تقليل الاختلاط مع الأنام، ص ٦١ - ٦٢؛ أشرف الجواب، ص ٤٥٥ - ٤٥٦.
١٧٤

وزوالها، في نظري، هو عدم اهتمام الحكّام بالأمور التافهة؛ لأن الإنسان إذا
تعوّد على الإهمال في الأشياء البسيطة، وإغفال المحقّرات من الأعمال،
فيجرّه صنيعه هذا إلى الإهمال في الفرائض والواجبات، وإذا كان هذا صنيع
الحاكم فيتسبّب ذلك في زوال النعمة وذهاب السلطة))(١).
٢ - منع الأمراء والعُمّال من الظلم والطغيان:
فكما يجب على الحاكم أن يحكم بالعدل والإنصاف بين الناس في كّل
قضاياهم، كذلك يجب عليه أن يأمر أمراءه وعُمّاله بتجنّب الظلم والطُّغيان،
ويعوّدهم على الإحسان والعدل، والتحلّي بالأخلاق النبيلة العالية، في سائر
تعاملاتهم مع الرعايا والمحكومين(٢).
٣ - قسمة الأعمال والمسؤوليات بين الحكّام والعلماء:
يقول رحمه الله: ((كان النبي الكريم وَلقوله قد بعثه الله تعالى بمهمّتين
عظيمتين مهمّة النبوة، ومهمّة الحكومة، وكان الخلفاء الراشدون بعده جامعين
لهاتين الفضيلتين، إلا أنهما قد انقسمتا وتوزعتا في عصرنا الراهن إلى طائفتين
مختلفتين، فمهمّة النبوّة تتمثل في العلماء، ومهمّة الحكم والسلطة تتمثل في
سلاطين الإسلام، والحُكّام المسلمين، ولذا فإن استغنت فئة السلاطين عن فئة
العلماء يلزم منه الإعراض عن مهمّة من مهمّات النبيّ الكريم وَّة، وصورة
الجمع بين هاتين المهمتين هي :
(١) إصلاح المسلمين، ص١٧٩؛ الإفاضات اليومية: ٢٥٩/٧.
(٢) أنفاس عيسى: ١/ ٣٣٧.
١٧٥

أن نقول للحكّام والسلاطين: لا ينفّذوا حكماً من الأحكام إلا بعد
الاستفتاء من علماء الحق، والاستشارة منهم. ونقول للعلماء: أن يتثبّتوا من
أحكام الشرع بعد تنفيذها، وإذا تحققت هاتان المهمّتان اللتان بُعث النبي الكريم
وَله بهما، أرجو أن يتحقق الهدف الأصيل وتنال الإنسانية بُغيتها، ولن يصلح آخر
هذه الأمة إلا بما صلح به أوّلها، وإلا فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين))(١).
٤ - استشارة أولي الألباب، وأصحاب العقل والفهم:
يجب على الحُكّام أن يُلزموا أنفسهم استشارة أولي الألباب، وأصحاب
الفهم والعقل، لأن استشارتهم تكشف لهم عن جوانب خفية، ونواحٍ عديدة قد
تغيب عن أنظارهم، علماً أن هذه الاستشارة مطلوبة، لكن مع الحذر الشديد
من التباس الاستشارة بالديمقراطية المخترعة المعروفة، فإنها دعاية كاذبة
جوفاء، لا سيّما النظام الديمقراطي المكوّن من أعضاء مسلمين وكافرين، فإنَّه
في حكم السلطة الكافرة ولا يسمى حكومة إسلامية أبداً في أي حال من
الأحوال(٢).
النقطة الثالثة: حكم بذل الجهود والمساعي السياسية لإقامة الدّين،
وما هي حدود هذه الجهود؟ :
هذه هي النقطة الثالثة المهمّة في دراستنا وعرضنا لأفكار الشيخ التهانوي
(١) إصلاح المسلمين، ص٥٣٦ .
(٢) الإفاضات اليومية: ١١١/٣ - ١١٢.
١٧٦

السياسية، فهل يجب على المسلمين أن يجاهدوا، ويبذلوا كل ما في وسعهم
من الطاقات لإقامة حكومة إسلامية، وما هي حدود هذه الجهود؟ .
لقد ألّف الشيخ رحمه الله رسالة خاصة بهذا الموضوع، سمّاها (الروضة
الناضرة في المسائل الحاضرة) أوضح فيها مكانة هذه الجهود، من وجهة نظر
الإسلام، كما أعرب عن رأيه حول الأوضاع السياسية السائدة في عصره.
يقول رحمه الله: ((إن مدافعة الكفّار عن أهل الإسلام عموماً، وعن
الحكومة الإسلامية خصوصاً - بما فيه الخلافة وغير الخلافة، والحكومة
الإسلامية - وعن شعائر الإسلام ومقدساته لاسيّما الحرمين الشريفين، من
الفرائض الواجبة على المسلمين، أحياناً على العين وأحياناً على الكفاية، على
اختلاف الأحوال، إلا أن هناك شروطاً لابد من توافرها لهذه الفريضة، وهذه
الشروط قد تناولها الفقهاء مفصّلة مبسوطة في كتبهم، ومن جملتها :
١ - الاستطاعة: والمراد منها الاستطاعة الشرعية التي دلّ عليها الحديث
الشريف الآتي: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله وَ ل﴾ قال:
((مَن رأى منكم مُنكراً فليغيِّره بيدِه، فإنْ لَم يستطعْ فِلِسَانِهِ، فإنْ لم يستطعْ
فبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضعفُ الإيمان))(١).
(١) رواه مسلم في (صحيحه)، كتاب الإيمان، (٤٩)؛ والنسائي في سننه، كتاب
الإيمان وشرائعه، (٥٠٠٨)؛ وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، (١١٤٠)؛
وكتاب الملاحم، (٤٣٤٠)؛ وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة
فیھا، (١٢٧٥).
١٧٧

٢ - انتفاء أسباب الوقوع في شرّ أكبر من السابق: وذلك مثل مخافة أن
يسيطر الكفار أنفسهم بعد الدفاع، أو تسيطر طائفة مكوّنة من الكفار والمسلمين،
لأن الغاية مفقودة في هذه الصورة، وهي إخلاء الأرض من الفساد، والقاعدة
تقول: ((الشيء إذا خلا عن الغاية انتفى)).
ثم إن لم تنتفِ هذه الأسباب سقط الوجوب، أما الجواز ففيه تفصيل،
وخلاصة القول: إن كانت الاستطاعة متحققة، ولا يكون هناك احتمال الوقوع
في مفسدة أكبر من الأولى، فالمجاهدة، وبذل المساعي واجب، أحياناً على
العين، وأحياناً على الكفاية، وإلا فلا))(١).
الجهود السياسية ومبدأ تزكية الأخلاق :
ومن الشروط الأساسية لهذه الجهود أن يقوم الإنسان بتزكية أعماله
وأخلاقه، وأن تكون مشاعره وأحاسيسه متسمة بالاتزان والاعتدال والوسطية،
ولنا في حياة رسول الله وَ لل أسوة حسنة، وانظروا إلى الحياة النبوية المكّية، كيف
عاش عليه ثلاثة عشر عاماً من حياته، إنها فترة التعليم والتربية وتزكية الأخلاق
والأعمال، ولما تهذّبت نفوس الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وتجلّت
أخلاقهم العالية، وتربّوا متفيتين ظلال النبي الكريم وَلَّ، وبعد مجاهدات
(١) الروضة الناضرة في المسائل الحاضرة، المطبوعة ضمن أشرف السوائح:
١٧٢/٣ - ١٨١؛ وانظر كذلك: الإفادات الأشرفية في المسائل السياسية،
ص١٠.
١٧٨

عظيمة، وتحمّلٍ للمشاق، وصبر على الإيذاء، والتواصي بالحق والتواصي
بالصبر، بدأ النبي وير بالمدينة المنوّرة في أمر الجهاد، وحياة الكفاح والقتال
والحكومة والسياسة.
التدابير السياسية :
لقد أكّد الشيخ التهانوي رحمه الله في مواضع عديدة من مؤلفاته
ومواعظه، أنه لا يكفي في السياسة الإسلامية، كونُ المقصد والهدف صالحاً،
موافقاً للشريعة الإسلامية، بل يجب أن يكون منهجها وطريقتها، والوسائل
التي تستخدم في تحقيق الهدف، متطابقة مع أصول الشريعة الإسلامية. فلو
أراد أحد أن يؤسس حكومة إسلامية، تاركاً أحكام الشريعة وراء ظهره مُعرضاً
عن تعاليم ديننا الحنيف، صارفاً نظره عن مبادئ الدين وأصوله وقواعده، فإنه
سيواجه عواقب وخيمة، حتى لو نجح في تأسيس الحكومة، فإنها لن تكون
إسلامية إلا في الاسم لا غير، ولذا فلا بدّ من التأكد من جميع الوسائل التي
يختارها الإنسان في هذا الهدف، وكل خطوة يخطوها، هل تأتي ضمن الإطار
الشرعي أم لا؟ وهل هي موافقة لوجهة النظر الإسلامية أم لا؟ .
إن حياة سيّدنا النبي الكريم وَّة، وسيرة صحابته الكرام رضوان الله عليهم
أجمعين، لغنيّتان بنماذج حية رائعة، تدلّ على إعراضهم عن بعض التدابير
الحربية - حتى لو كانت مهمة وتكتيكية لضرب الأعداء - بسبب تعارضها مع
مبادئ ديننا، وشريعة نبيّنا، ومَن منا لا يعرف عن غزوة بدر الكبرى، المعركة
الحاسمة، يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، إذ كان عدد المسلمين لا يتجاوز
١٧٩

ثلاثمئة وبضعة عشر شخصاً، والأعداء كانوا مُجَهَّزين في العُدّة والعتاد،
وبأضعاف عدد المسلمين، وفي ذلك الوضع الحرج كان من الطبيعي أنه إذا
ازداد شخص واحد في الجيش، لأدى ذلك إلى رفع معنوياتهم، فأراد
الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان وأبوه أن ينضمّا إلى جيش المسلمين،
ولكن كان من هديه وي لي أن أعداءه إذا عاهدوا واحداً من أصحابه على عهد لا
يضرّ بالمسلمين بغير رضاه، أمضاه، وهكذا فعل مع المشركين في حذيفة
وأبيه، فأمضى لهم ذلك، ومنع حذيفة وأباه من الانضمام بالجيش الإسلامي،
إيفاءً بعهدهم معهم قائلاً: ((نفي لهم بعهدهم ونستعين الله تعالى عليهم))(١).
وفي نفس الغزوة قَدَّمَ شخص مشرك - كان يذكر منه جراءةٌ ونجدة - نفسَه
لرسول الله وَله، لكن الرسول وَله رفض طلبه قائلاً: ((ارجع فلن أستعين
بمشرك)»(٢).
(١) روى الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ((ما منعني أن أشهد
بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيل، قال: فأخذنا كفار قريش قالوا: إنكم
تريدون محمداً، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله
وميثاقه لننصرفنّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله وَلقر، فأخبرناه
الخبر، فقال: انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم)) (كتاب الجهاد
والسير، (١٧٨٧)).
(٢) روى الإمام مسلم في (صحيحه) عن عائشة زوج النبي وَ يول أنها قالت: ((خرج
رسول الله وَ﴿ قِبل بدر، فلمّا كان بحرّة الوبرة أدركه رجل قد كان يُذكر منه
جراءة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله وَ ﴿ حين رأوه، فلما أدركه قال =
١٨٠