النص المفهرس

صفحات 141-160

عادة بمن يعتقد بالمرتبة الأولى.
الثالثة: أن لا يعتقد التصرّف ولا السماع، بل يخاطبهم ويناديهم بمثل
هذه الخطابات من غلبة الحبّ وشدّة الحنين لهم، فهذا ليس بشرك ولا معصية،
ويجوز بشرط أن لا يتعدى حدود الشرع في الألفاظ والخطابات، ولا يستلزم
فساد عقيدة العامة، لأن المرء كما يجب عليه الاجتناب عن المعاصي يلزم عليه
صيانة غيره من المسلمين لا سيما العامة منهم، ولذا فلو استلزم هذا العمل
فساد عقيدتهم لا يجوز أبداً)(١).
المذهب الوسط في التوسّل والوسيلة:
لقد اختار الشيخ التهانوي رحمه الله مذهباً وسطاً في باب التوسل
والوسيلة، وأَوَّلَ ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومن نحا نحوه
من منع التوسل بالأعيان الموتى، تأويلاً لطيفاً، وله بحث مفيد في هذا
الموضوع، وقد تحدَّث عنه في مواضع عديدة من مختلف مؤلفاته.
يقول رحمه الله: إنَّ التوسل وإن لم يكن قربة مقصودة مثل الصلاة على
النبي وَر، لكنه مثلها في الفائدة والتأثير، وهو أنَّ كلاًّ منها يقرب الدعاء إلى
الإجابة، وقد اختلف فيه البعض بنوع اختلاف، لكن الجمهور فيه على الجواز،
بشرط أن يراعي الإنسان الحدود الشرعية، ولذا فإنه مذهب منصور(٢).
(١) إمداد الفتاوى: ٣٧٨/٥ -٣٧٩.
(٢) انظر هذا الموضوع في كتب الشيخ التهانوي؛ منها: نشر الطيب في ذكر النبي =
١٤١

ثم ذكر الروايات واستدل بها على ما ذهب إليه.
وقال في موضع آخر وهو يذكر ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله: ((إن الشيخ ابن تيمية يجيز التوسّل بالأعمال، فلو كنت في زمنه أو
كان هو في هذا الزمن لقلت متأدباً أمامه: يا شيخنا ما حقيقة هذا التوسّل
بالأعمال؟ فأما أنا فأرى أن حقيقة ذلك أن أحداً إذا خاطب الله تعالى للتوسّل
ويقول: اللهمَّ افعل لي كذا بفضل العمل الفلاني، فمعنى ذلك: اللهمَّ إن هذا
العمل محبوب عندك ومقبول لديك، وقد وعدتَ بنزولِ رحمتك الخاصة على
من له تليُّس بعمل تحبُّه، فلنا أيضاً تلبُّس الكسب والصدور بهذا العمل، فنطلب
منك رحمتك التي وعدتها على التلبّس بهذا.
فنظراً إلى هذه الحقيقة لو توسّل أحد بالأعيان، فما هو الفارق بين
التوسّلين؟ التوسّل بالأعمال، والتوسّل بالأعيان؟.
وسواء كان الأعيان أحياءً أو أمواتاً؟ لأن محصل هذا التوسّل بالأعيان -
بعد التوجيه المذكور - اللهمَّ إنَّ هذا الرجل الصالح - حياً أو ميتاً - محبوب
عندك، وقد وعدت بنزول الرحمة على من له تلبّس بأحبائك، ولنا تلبس حسن
الاعتقاد والحب بهذا الرجل الصالح، فنطلب منك رحمتك الموعودة، فقل
لي: ما الفرق في هذا بين الحيّ والميّت؟ وإنّي على يقين بأن الشيخ لو كان حياً
الحبيب، ص ٢٤٧ - ٢٤٨؛ إمداد الفتاوى: ٨٥/٥؛ بوادر النوادر، ص ٧٠٦ -
٧٠٩.
١٤٢

اليوم لرجع عن المنع عن التوسّل بالأعيان الموتى إطلاقاً، بعد اتضاح حقيقة
التوسّل.
توجيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
وبالتالي فأرى أنَّ الشيخ أراد بالتوسّل الممنوع هو التوسّل بطريق
الاستغاثة والاستعانة بالأموات، لا أنه يمنعه مطلقاً، أو يوجّه قوله (بالمنع) بأن
الممنوع من التوسّل هو المذكور آنفاً، إلا أنه أطلق المنع سداً للباب، لئلا يؤدي
ذلك إلى وقوع العامة من المسلمين في الحرام الممنوع من التوسّل بتجويز
واختيار الجائز منه، لأن التوسّل - الذي نحن نسوغه ونجيزه - مباح وجائز
فقط، وليس من الواجبات والمقاصد، وكل مباح يُخشى به الافتتان والضلال
فلا بأس بأن يمنع عنه العلماءُ.
خلاصة القول:
وبالجملة فإن التوسلَ بالموتى ليس بمنهي عنه مطلقاً، كما ذهب إليه
شيخ الإسلام ابن تيمية في ظاهر قوله، ولا أنه مباح جائز بحيث إنه يطلب منهم
الحاجات أو الدعاء لقضائها، بل الأمر بين بين، وهو ما ذكرته من أن يختار
الدعاء بفضل حبّهم، وحقيقة ذلك هو طلب الرحمة الموعودة على التلبّس،
سواء كان التلبّس تلبّس الصدور، كما في الأعمال، أو تلبّس الحب كما في
الأعيان، ويجب الابتعاد عن الإفراط والتفريط، بالتزام الاعتدال في الباب(١).
(١) أسعد الأبرار، ص ٢٩٠ - ٢٩١.
١٤٣

المنامات ليست بحجة شرعية ولا يجوز الاعتماد عليها في المسائل:
المنامات كما ثبت بالأخبار الصحيحة نوعان:
١ - صحيحة صادقة لها حقائق في الخارج، لأنها تكون من الله تعالى
ومن الملأ الأعلى.
٢ - والنوع الآخر منها: كاذبة هي خيالات محضة، تنبعث من النفس أو
الشيطان.
والمهمّ في الباب أن المنامات ليست باختيار العبد، لذا يرى فيها المرء
ما لا يريده ويتصوره أبداً، وكذا ما لا قدرة له عليه في اليقظة.
هذا وقد نصّ العلماء على أن المنامات والرؤى المحضة التي لا دليل
يدل على صحتها، لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق، فإنه قد ثبت في الصحيح
عن النبي ◌َّم أنه قال: ((إذا اقترب الزمان لم تكدرؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم
رؤيا أصدقُكم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءاً من النبوّة،
والرؤيا ثلاثة: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان،
ورؤيا مما يحدِّث المرءُ نفسَه ... ))(١).
وذلك لأن مسائل الدين والعلم لا يعتمد فيها إلا على نصوص من
الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهذا ما قرّره الشیخ التهانوي رحمه الله، حيث
صرّح وقال:
(١) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، (٢٢٦٣).
١٤٤

((إنَّ المنامات ليست بحجة شرعية، ولا هي قطعية، يناظر بها المرء
ويجادل أحداً، إلا أن الرؤيا الصالحة من المبشرات بنصّ من الحديث، أثرها
الطبيعي التسلية والسرور، فإذا وافقت الدلائلَ الشرعيةَ، يترجح جانبُ
صدقها))(١).
وقال رحمه الله في موضع آخر: ((إن المنامات لا يجوزُ الاعتماد عليها
في المسائل))(٢). ولذا اتفقوا على أنه لا تنبني عليها أحكام الشرع، ولا عبرة بها
في المسائل، إلا أنه فيها نوعٌ مساٌ للاستشهاد أو الاستبشار والاطمئنان، أو
الامتثال أيضاً في بعض الأحيان، إذا وافقته الدلائل والقرائن.
وهذا هو المسلك العدل الذي اختاره علماء أهل السنة والجماعة في
موضوع المنامات، كذا ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم رحمهما
الله(٣).
التهانوي يرفض الورد بـ (يا شيخ عبد القادر) ونحوه:
كان المجتمع الذي عاشه الشيخ التهانوي رحمه الله مليئاً بأنواع من
الخرافات والمنكرات والأباطيل، وتسوده شتى أصناف الضلالات، والبدع
والتقاليد والطقوس غير الإسلامية التي لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، لا من قريب
(١) أنفاس عيسى، ص١٥٩ .
(٢) المصدر السابق، ص١٥٢ .
(٣) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ٥/١٩.
١٤٥

ولا من بعيد، وإنّ الشيخ رحمه الله منذ بداية أمره في مجال الإصلاح وتغيير
المنكر وإزالته كان شغله الشاغل هو القضاءُ على تلك البدع السائدة، واستئصال
جذور تلك الخرافات، التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي من أهمها تلك
الأوراد الباطلة، والنداءات المردودة التي توهم الشرك والكفر، وبحكم اشتغاله
رحمه الله في المجال الإصلاحي وردته أسئلة كثيرة عن النداء والورد بـ (يا شيخ
عبد القادر شيئاً لله) وبنحوها من النداءات الأخر، فاتفقت كلمته على عدم
الجواز، وأجاب رحمه الله:
((إن عدم الجواز، وعدم نقله عن الأئمة ظاهر، والدليل أيضاً ظاهر،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
وَهُمْ عَنْ دُعَبِهِمْ غَفِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥])).
وهناك تفصيل أكثر في نفس الموضوع(١).
تحقيق معنى السنة والبدعة:
لقد عالج الشيخ التهانوي رحمه الله موضوع السنة والبدعة معالجة
دقيقة، وشرح معناهما وبيّن مدلولهما بدقة وتفصيل، موضحاً إياهما بضرب
الأمثلة، كما تطرق رحمه الله إلى تقاسيم البدعة، وبعض الأعمال المعتبرة في
الشريعة .
(١) لمعرفة مزيد من التفصیل یراجع كتاب إمداد الفتاوى: ٣٥٢/٤ -٤٩٢.
١٤٦

تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة نزاع لفظي:
إن القاعدة الكليّة في هذا الباب، أن ما لا يكون من الدين - كليّاً أو جزئياً
- فجعله من الدين، واعتقاده كذلك، علماً وعملاً، لاعتراء شبهته، بدعة،
لأجل مزاحمة الأحكام الشرعية .
ودلیل ذلك الحديث الصحيح: «مَنْ أَحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو
رد))(١)، ففي هذا الحديث كلمة (مَنْ) وكذا (في) تدلان على هذا المدعى
صراحة.
والبدعة الحقيقية: لا تكون إلا سيئة، فأما البدعة الحسنة: فهي بدعة
صورية وسنة حقيقية لدخولها تحت كليّة وانضمامها إليها، ولذا فإثبات تقسيم
البدعة إلى حسنة وسيئة ونفيه إنّما هو من النزاع اللفظي، فإن الإثبات نظراً إلى
الصورة، ونفيه بناءً على الحقيقة، ولا مشاحّة في الاصطلاح(٢).
وقال في رسالته (إعداد الجنة للتوقّي عن الشبهة في إعداد البدعة
والسنة) بعد أن ذكر تعريفات الفقهاء للسنة والبدعة: ((وفي الحقيقة إن معنى
السنة: هي الطريقة المسلوكة في الدين)).
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، (٢٦٩٧)؛ ومسلم في صحيحه،
كتاب الأقضية، (١٧١٨)؛ وأبو داود في سننه، كتاب السنة، (٤٦٠٦)؛ وابن
ماجه في سننه، كتاب المقدمة، (١٤).
(٢) إمداد الفتاوى: ٢٨٥/٥.
١٤٧

ومعنى البدعة: ((اعتقاد خلاف المعروف عن الرسول ومَيقة، لا لمعاندة،
بل بنوع شبهة)).
وبعبارة أخرى: ((ما أُحْدِثَ على خلاف الحق المتلقّى عن رسول الله وَل
من علم أو عمل أو حال)). وهذا المعنى الحقيقي للبدعة هو المراد في قوله
وَله: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ))(١)، أي أدخل في الدين ما
ليس في الدين، والثابت بالأدلة داخل في الدين، وليس بخارج منه(٢).
وقال في موضع آخر: «إنما حقيقةُ البدعة أن يفعل المرء شيئاً ويختاره
معتقداً أنه من الدين، فلو اختار معالجة تدبير لأمر من أمور الدين، فكيف لا
يكون من الدين؟ فهنا أمران: إحداث للدين، وإحداث في الدين، فالإحداث
للدين سنة معنى، والإحداث في الدين بدعة))(٣).
قاعدة كلية لمعرفة السنة والبدعة من المحدثات:
وتحقيقاً لمعنى البدعة بشيء من التفصيل قسّمها رحمه الله بالنظر إلى
أسباب حدوثها :
يقول رحمه الله: ((اعلم أن ما حدث وأُحدث من الأمور بعد خير القرون
على نوعين :
سبق تخريجه في ص١٤٧
(١)
بوادر النوادر، ص٦٧٨ .
(٢)
(٣) المصدر السابق، ص٧٧٨.
١٤٨

النوع الأول: ما يكون سببه أيضاً جديداً مثله، لكنه يتوقف عليه شيء
مأمور به من الشرع، بحيث لا يمكن الإتيان بذلك المأمور به إلا باختيار أمر
محدث (في أصله وذاته) مثل تصنيف الكتب الدينية وتأليفها، وبناء المدارس،
فإنه لم يكن يوجد شيء منه في زمنه الر، فالسبب جديد، وهذه الأشياء يتوقف
عليها مأمور به من الدين وهو حفظ الدين ونشره، وإشاعته بعد تغير الأحوال
والظروف بالنسبة إلى زمن النبي وَله، فسبب هذه الأشياء جديد، لأنه لم يكن
في خير القرون، وأما نفس هذه الأشياء فقد توقّف عليها حفظ الدين الآن بعد
تغيّر الزمان.
فالأعمال المذكورة (من تصنيف الكتب وبناء المدارس ونحوها) بدعة
في الصورة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك، بل هي واجبة بناءً على القاعدة
التي تقول: «ما يتوقف عليه حصول الواجب فهو واجب)).
النوع الثاني: من الأمور المُحدثة ما سببه قديم مثل الاحتفال بمولد النبي
وَله، والأربعينات ونحوها من البدع، فإن أسبابها قديمة، لأن سبب الاحتفال
بالمولد هو الفرح للولادة النبوية، وكان هذا السبب موجوداً في زمنه وَ ل أيضاً،
لكن لم تنقل هذه المجالس والاجتماعات عن النبي وَّ، ولا عن أحدٍ من
أصحابه، فهذه الأشياءُ بدعةٌ صورةً ومعنَى، وواجبة الرد، لدخولها تحت
حديث: ((مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنَا هذا مَا ليسَ مِنْهُ فَهُو رَذٌ))(١).
(١) سبق تخريجه، ص ١٤٧ .
١٤٩

فالاحتفال بمولد النبيِّ وَّيه والأربعينات ونحوها بدعةٌ صورة ومعنى،
وواجبة الردِّ.
فأما النوع الأول فهو مقبول؛ لأنه داخل في ((ما منه))، فهذه قاعدة كليّة
لمعرفة البدعة والسنة من المحدثات، وعليه يخرّج حكم جميع الجزئيات
المحدثة)».
عدم تكفير أهل الأهواء:
كان التهانوي رحمه الله من أولئك العلماء الصالحين الذين رزقهم الله
تعالى نعمة الوسطية والاعتدال في كل شأن وفي كل أمر، وقد اتسمت حياته
بهذه الصفات الكريمة في جميع الشؤون، فنراه متزناً معتدلاً في سائر تعاملاته،
وأعماله الدعوية وجهوده الإصلاحية، وخير دليل على ذلك فتاواه العلمية،
ومواعظه الإصلاحية، حيث إنَّ منهجه وأسلوبه يتميز بهذه الميزة بكل معنى
الكلمة .
وها هم البريلوية(١) الذين كانوا قد أظهروا عداواتهم وبغضاءهم لجميع
(١) البريلوية: طريقة صوفية، ولدت في الهند أيام الاستعمار البريطاني، وقد غالى
أفرادها في محبة وتقديس الأنبياء والأولياء عامة، والنبي محمد وَلّر خاصة،
وأضفوا عليهم صفات تعلو بهم عن خصائص البشر، متأثرين بعقيدة النصارى
في سيدنا عيسى، والبوذية في بوذا، والشيعة في أئمتهم المعصومين .- في
نظرهم - وقد أسس هذه الطريقة أحمد رضا خان بن تقي علي خان سنة
١٣٤٠ هـ الذي سمّى نفسه عبد المصطفى، ولد في بلدة بريلي (ولاية =
١٥٠

أهل السنة والجماعة، ونبزوهم بالألقاب حتى وصلوا إلى غاية الإساءة
فكفّروهم، ولكن في هذا الوضع الحرج نرى الشيخ رحمه الله لا يُسرع في الرد
عليهم بالتكفير المتبادل، وإنما يثبت على حلمه ووسطيته واعتداله، ويقول:
نحن لا نكفرهم مع أنهم يكفروننا، فإن مذهبنا أخذ الاحتياط الشديد في الحكم
بالكفر على أحد، وذلك لأنه لو كان أحد كافراً حقيقة، وفي واقع الأمر، ولم
نقل إنه كافر، فما الحرج فيه؟ ولكننا لو قلنا لأحد: إنه كافر، وتبين الأمر خلاف
ما قلناه، فهذا أمر خطير للغاية، ونظراً إلى هذا السبب فإننا لم نحكم بالكفر
على القاديانية(١) - في بداية الأمر - بالرغم من أنهم كانوا يكفّروننا، ولكن لما
تبيّنت لنا حقيقة الأمر، وتجلّى لنا الواقع أنهم يقولون بنبوّة (الميرزا)(٢) أفتينا
أترابراديش) وتتلمذ على الميرزا غلام قادر بك الشقيق الأكبر للميرزا غلام
أحمد القادياني (مؤسس القاديانية)، ويعتقد أبناء هذه الطائفة بأن للرسول محمد
وَالقر قدرة يتحكم بها في الكون، وللأولياء مثل ذلك، ولهم علم الغيب أيضاً،
ولهم عقيدة اسمها عقيدة الشهود، حيث إن النبي وسلّ في نظرهم حاضر وناظر
لأفعال الخلق في كل زمان ومكان، وهكذا يعتقدون في أحمد رضا خان.
(انظر: للتفصيل الكتب المؤلفة في البريلوية).
(١) سوف نتحدث عن هذه الفرقة بالتفصيل في باب (جهوده الإصلاحية) إن شاء
الله .
(٢) هو غلام أحمد بن غلام مرتضى القادياني المتمهدي ثم المتنبّي، كان مولده
نحو سنة ست وخمسين ومئتين وألف، وفي سنة ثمان وثلاثمئة وألف ادعى أنه
مثل المسيح، وقال: لقد أُرسلتُ كما أُرسل المسيح بعد كليم الله موسى،
وطبق على نفسه الأحاديث التي وردت في نزول المسيح عليه السلام، وأبعد=
١٥١

بکفرهم، لأنَّ هذا کفر صریح، وما كان قبل ذلك مما سواه فکنا نؤوله، ولو
بتأويل بعيد، نظراً إلى عدم إخراج أحد من الملة الإسلامية بشبهة، فالبريلوية
عندنا من أهل الأهواء، وأهل الأهواء ليسوا بكفرة(١).
وكان رحمه الله يقول: ((نعذرهم فيما يرموننا به نظراً إلى أنَّ ذلك لا
يصدر منهم إلا لشدة حبهم وغرامهم بالنبي ◌َّلير)»(٢).
النجعة في تأويلها، وألف رسالة سماها (تحفة الندوة) قدمها إلى حفل ندوة
=
العلماء المنعقدة في (أمرتسر) قال فيها: ((فكما ذكرتُ مراراً أن هذا الكلام
الذي أتلوه هو كلام الله، بطريق القطع واليقين كالقرآن والتوراة، وأنا نبي ظلي
وبروزي من أنبياء الله، ويجب على كل مسلم طاعتي في الأمور الدينية،
ويجب على كل مسلم أن يؤمن بأني المسيح الموعود ... )). وادعى فيما بعد
أنه نبي مستقل، صاحب أمر ونهي، وكفّر من لا يؤمن بنبوته، وقال بالتناسخ
والحلول وادعى التفوق على كثير من الأنبياء، وألف في هذا الموضوع عدداً
كبيراً من الرسائل والكتب، وأفتى بنسخ الجهاد وتحريمه، وأعلن أن الإنكليز
هم أولو الأمر الذين تفترض طاعتهم على المسلمين، وفي عام ست وعشرين
وثلاثمئة وألف باهله الشيخ ثناء الله الأمرتسري، وأن الكاذب المفتري من
الرجلين سيموت، ودعا الله تعالى أن يقبض المبطل في حياة صاحبه، ويسلّط
عليه داء مثل الهيضة والطاعون يكون فيه حتفه، وفي شهر ربيع الآخر سنة ست
وعشرين وثلاثمئة وألف أصيب بالهيضة الوبائية وهو في (لا هور) ومات في
آخر ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين وثلاثمئة وألف. (نزهة
الخواطر: ٨/ ٣٤٠ - ٣٤٥ باختصار وتعديل).
(١) ملفوظات كمالات أشرفية، ص٣٨٤.
(٢) مجلة هدى، الشهرية، الصادرة في دهلي، ١٩٩٥ م.
١٥٢

موقفه من الاجتهاد والتقليد:
إن الشيخ التهانوي رحمه الله لم ينطلق في فقهه من رأي محض أو هوى
متبع، كان يقلّد المذهب الحنفي، لكن ليس تقليداً أعمى، وإنما انطلق من
مرتكزات يعتمد عليها، وأصول يستند إليها، وأهمها الرجوع المباشر إلى
كتاب الله وسنة رسول الله وَطقر، بغاية الوصول إلى الحق حيثما كان، وهذا ما
يتبين لنا في ضوء كتاباته وتأليفاته وتحقيقاته العلمية النادرة، واستفادته من
كنوز الأئمة السلف، دون تمييز أو تفريق بين المذاهب والمسالك، فنرى أنه
يستفيد من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويذكر آراءه، وكذلك
تلميذه النجيب الإمام الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله، وينقل آراءه بغاية من
التوقير والاحترام والتبجيل، حتى أودع بعض كتاباته الشيء الكثير من مقتطفات
أقوال وآراء هذين الإمامين وغيرهما من السلف.
ورسالته المسمّاة (نهاية الإدراك في أقسام الإشراك) مستفادة بكاملها من
رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (اقتضاء الصراط المستقيم)، وتتمة
هذه الرسالة مليئة بنقول من كتب الإمام الحافظ ابن قيم الجوزية مثل: (إغاثة
اللهفان في مصايد الشيطان) و(مدارج السالكين شرح منازل السائرين)(١).
وها هو تلميذه وخليفته العلامة المحقق السيد سليمان الندوي(٢) رحمه
الله يكتب إليه فيقول: ((لا أقلد المتأخرين في الفقه، ولست من أهل الحديث
(١) وانظر كذلك: إمداد الفتاوى: ٨٢/٦-٨٤-٨٩.
(٢) انظر: ترجمته بالتفصيل في باب (أجلّ خلفائه)، ص٢٧٨-٢٨٥.
١٥٣

بالمعنى الذي تعارف عليه الناس، أحترم الأئمة رحمهم الله تعالى من صميم
قلبي، ولا أرى من الحق مخالفتهم جميعاً».
فكتب إليه التهانوي رحمه الله: ((لقد زادني إعرابك الحر عن مذهبك حُبّاً
لك، وذلك لسببين :
أحدهما: لما كشفت لي عن صدقك وإخلاصك.
والثاني: لصفاء هذا المذهب ونقائه، وهذا هو مذهب أهل الحق
جمیعاً))(١).
وفعلاً كان التهانوي رحمه الله داعياً لهذا المذهب وسالكاً عليه، كان
يرفض التقليد الأعمى، ولا يقرّه إلا في المسائل الظنية التي يسوغ فيها
الاجتهاد، ولا تخالف نصاً قطعياً .
يقول رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوَاْ إِلَى
كَلِمَةٍ سَوَلَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]: ((ثبت بهذه الآية إبطال التقليد الذي
كان عليه أهل الكتاب، فأما التقليد الذي عليه جمهور المسلمين الآن، فهو
مشروع، وليس بداخل تحت مدلول هذه الآية، ومحل هذا التقليد (المشروع)
هي المسائل الظنيّة التي تحتمل الطرفين، ولا تخالف نصاً قطعياً محكماً
(١) مجلة (بحث ونظر) الفصلية، الصادرة في دهلي من مجمع الفقه الإسلامي
لعموم الهند، عدد جمادى الأولى، ١٤٠٨ هـ، ص ٢٠٠.
١٥٤

مجمعاً عليه ولا إجماعاً، وإلا فيقدّم النص والإجماع))(١).
ويقول رحمه الله في موضع آخر وهو بصدد بيان حقيقة التقليد وحكمه :
الأحكام على نوعين: منصوص وغير منصوص.
والمنصوص منه على قسمين: متعارض وغير متعارض.
والمتعارض له صورتان: معلوم التقديم والتأخير وغيره.
فالأحكام المنصوصة غير المتعارضة، وكذا المتعارضة معلومة التقديم
والتأخير لا يجوز فيها لأحد القياس، ولا اتباع قياس أحد، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ
هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، ولقوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّاّ الظَّنَّ﴾
[الأنعام: ١١٦]، المراد بالظن المذكور هو ما يعارض النص.
وأما الأحكام غير المنصوصة، أو المنصوصة المتعارضة غير معلومة
التقديم والتأخير، فلها حالان:
١ - إما أن لا يعمل بها أصلاً.
٢ -أو يعمل بها.
فإن لم يعمل بها لزم مخالفة النص من قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنِسَنُ أَنْ يُتْرَكَ
سُدِّى﴾ [القيامة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا
لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥].
(١) بيان القرآن: ٢٨/٢.
١٥٥

وإن أراد العمل فلا يمكنه ذلك إلا بالعلم، وبعد تعيين أحد جانبيها،
وهذا العلم أو التعيين لا يحصل بالنص، لعدم النصّ في الأول، وللتعارض من
غير علم بالتقديم والتأخير في الثاني، فلا محالة أن العلم بالتعيين يحصل
بالقیاس.
وإذا كان كذلك فإما أن يعتبر شرعاً قياس كل واحد، أو العبرة بقياس
البعض دون البعض الآخر ودون الكل، لقوله تعالى: ﴿وَلَوَّ رَدُوهُ إِلَى الرَّسُولِ
وَإِلَىَّ أُوْلِ آلْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
فلما ثبت أن المعتبر من القياس هو قياس البعض، فذلك البعض يسمّى
(المجتهد والمستنبط).
أما المقلد: فهو من لا يُعْتَبَرُ قياسُه، فهكذا لزم على المقلّد أن يقلّد ويتبع
المجتهد، لقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَثَابَ إِلَىَّ﴾ [لقمان: ١٥](١).
يجب على المقلّد ترك مذهبه فيما لا دليل عليه:
وقد حذّر الشيخ التهانوي رحمه الله من التقليد الأعمى، وأرشد إلى
القول الوسط الحق، ألا وهو اتباع الدليل حيثما كان وأنّى وُجد، كما وضّح أن
ترك المرجوح بعد النظر في الراجح والمرجوح من وظيفة المجتهد، لا بد من
العمل عليه، سواء كان مجتهداً مطلقاً أو مجتهداً مقيداً.
إمداد الفتاوى : ٤ /٥٦٤ _ ٥٦٥.
(١)
١٥٦

يقول رحمه الله في بعض فتاواه:
((إن ترك المرجوح بعد النظر في الراجح والمرجوح أيضاً من وظيفة
المجتهد، ولو كان مجتهداً مقيداً، نعم إذا تبين وتحقق لمقلد محض أنه لا
يوجد دليل لمذهبه في مسألة معينة مثلاً، يجب عليه أن يترك ذلك القول
والمذهب، ويعمل بالراجح المدعم بالدليل والبرهان)) (١).
ومنهجه هذا يتجلى لنا بكل وضوح في تأليف أعظم كتاب وأوسعه
وأحسنه في بيان مأخذ الحنفية من الأحاديث النبوية، وهو كتاب (إعلاء
السنن).
فقد قال الشيخ ظفر أحمد العثماني - ابن أخت الشيخ التهانوي - الذي
جمع الكتاب ورتّبه في ضوء ما أفاده الشيخ التهانوي: ((بل رُجّح قول الإمام
الشافعي على قول الحنفية في بعض المسائل، وكُتب في تلك المواضع أنه لم
و
يوجد حديث في تأييد الحنفية في كتاب من كتب الحديث الموجودة، ومن
الممكن وجود حديث في ذلك عند أئمتنا لم نقدر عليه، ففي هذا الحال قول
الإمام الشافعي هو القوي، وهو الذي اخترناه))(٢).
(١) المصدر السابق، ص ٤٩٧ .
(٢) تذكرة الظفر، ص ١٧٢ .
١٥٧

الفصل الثامن
التهانوي والسياسة
آراؤه في السياسة الشرعية والسياسة المعاصرة
تمهيد:
لا يخفى على كل من له إلمام بسيرة الشيخ التهانوي رحمه الله، أن
خدماته المباركة ومآثره العظيمة في شتى مجالات الحياة، وشعبها المختلفة،
منعدمة النظير، لا نجد لها مثيلاً، منذ قرون ماضية، وذلك لأنه قلما يوجد
موضوع ديني، أو جانب دعوي، لم نجد له فيه رسالة أو مقالاً، عالج فيه ذلك
الموضوع، وناقشه من وجهة نظر إسلامية، وحاول إبراز تعاليم ديننا الإسلامي
الحنيف، متخذاً غايته وهدفه الوصول إلى روح الشريعة، ومقاصدها
الأساسية .
أما موضوع السياسة، وآراؤه رحمه الله حول الموضوعات السياسية،
فبالرغم من أن شخصيته رحمه الله لم تكن لها أية صلة بسياسة العصر، لا من
قريب ولا من بعيد، ولا كانت السياسة المعاصرة موضوعه الخاص - ولذلك
نرى أنه لم يتناول هذا الموضوع في كتاب مستقل - لكن كما هو معروف فإن
شريعتنا الإسلامية، وأحكامها المبنيّة على مصالح البشر، لها ارتباط وثيق،
١٥٨

وصلة وطيدة بالسياسة، وهي ليست بمنفصلة عنها انفصالاً تاماً.
فنرى الشيخ التهانوي رحمه الله يتطرق إلى مباحثها، ويذكر بعض
التوضيحات المتعلقة بها، ويحدّد مسارها الصحيح، ومكانتها اللائقة بها في
ديننا الإسلامي الحنيف، دون إفراط أو تفريط، وذلك ضمن مؤلفاته،
وملفوظاته ومواعظه، مستخدماً أسلوبه الرائع ومنهجه الدعوي القويم،
متجنّباً الإطناب المُملّ والإيجاز المُخلّ، سالكاً طريق العدل والوسطية
والاتزان.
ويشعر القارئ الكريم، ودارس هذه المباحث، أنها تتميز - مع تناولها
توضيح أحكام الشريعة الإسلامية تجاه السياسة المعاصرة - بالنّقد البنّاء للأنظمة
السياسية المعاصرة، والتحديد لمواضع ضعفها، وانحرافاتها الفكرية،
وزلاتها العلمية والعملية .
إنَّ هذه الأسطر المتواضعة تأتي ضمن إطار محاولة تسليط بعض الضوء
على تلك المباحث السياسية والأفكار المبعثرة التي دبجها يراع الشيخ التهانوي
رحمه الله، وفاض بها قلمه السيّال، والتي كانت مغمورة مطمورة في بطون
الكتب، وهي تحمل في طيّاتها، تصوّراً كاملاً، وتوضيحاً وبياناً لمبادئ هذا
الموضوع، وتعاليم شرعنا الإسلامي القويم نحوه.
لقد كان الشيخ التهانوي رحمه الله من أولئك العباد المصطفَين الأخيار
الذين اختارهم الله تعالى لتجديد دينه، وإحياء شريعته في القرن الرابع عشر
- في شبه القارة الهندية - ومما لا شك فيه أنَّ القيام بهذه المهمّة الشاقة صعب
١٥٩

المنال، لا يتمكن منه إلا مَن صَبَغَ حياته بالصبغة الدينية الخالصة، صبغة
الكتاب والسنة، ومصادر الشريعة الحق ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ
صِبْغَةٌ﴾ [البقرة: ١٣٨]. ومن كان هذا شأنه لا بد أن يكون على معرفة تامة،
واطلاع كامل على مجريات زمانه، وحوادث عصره، وما يصير حواليه، لكنه
لا يمشي وراءه، ولا يقبل منه إلا ما يتطابق والصبغة الدينية الخالصة، ولا
يذعن إلا لما يتوافق وتعاليم الشريعة، تكون عيناه مفتوحتين دائماً - عين البصر
وعين البصيرة - لا تؤثر فيه الدعايات والإشاعات السائدة حواليه، حتى لو أن
الدنيا بكاملها أجمعت على شيء، وانحازت إلى جانب واحد، لا تتزلزل قدماه
عن الصواب الحق، بل يبقى صامداً عليه، وقّافاً عند حدود الله تعالى، متمسكاً
بحبل الله المتين، عاضّاً عليه بالنواجذ، لا يخاف في الصدع بالحق لومة لائم.
هذه هي أبرز صفات الشيخ التهانوي رحمه الله، الذي ثبت بقدم راسخة
على الصراط المستقيم، والحق المبين، في العواصف الهوجاء، صادعاً بالحق
على مرأى ومسمع من الملأ الأعلى، دون أي خوف أو تردد.
وإذا نظرنا إلى المباحث السياسية التي تناولها الشيخ رحمه الله في
مختلف مؤلفاته ومواعظه ومذكّراته اليومية، يمكننا تقسيم أفكاره السياسية إلى
ثلاثة أقسام رئيسية :
١ - مكانة السياسة في الإسلام.
٢ - نظام الحكم الإسلامي فرائض وواجبات ومسؤوليات.
٣ - حكم الجهود والمساعي السياسية لإقامة الدين، وما هي حدود هذه
الجهود؟ .
١٦٠