النص المفهرس

صفحات 121-140

كان الشيخ رحمه الله يصلّي العصر في مسجد (خواص) الذي أصبح
مسجد الخاصة، بمعناه الحقيقي بقدومه الميمون ومجالسه اليومية، ثم ينعقد
مجلسه بعد الصلاة في ناحية المسجد الشمالية الغربية، فكان الشيخ يخاطب
الناس مع الرد على الرسائل.
كان مجلسه مجلس علم وتربية وتزكية، يذكر فيه معاني ورموز التزكية
والإحسان، ودراسات علمية وتربوية، وقصص المشايخ والربّانيين، وإذا ذكر
الشيخ أحوال المُصلحين من السلف وقصصهم، غشيت المجلس غاشية من
الهدوء والسكينة، وسحابة من البهجة والسرور، وكان الشيخ نفسه يشعر
بالفرح والارتياح وتنفرج أسارير وجهه))(١).
وقال في موضع آخر: «ثم قدم (الشيخ التهانوي) مرة ثانية إلى لكنو عام
١٩٤١ م بعد ثلاثة أعوام، وأقام في هذه المرة أيضاً لأكثر من شهر، وكان ثمة
نفس البرنامج الذي كان من قبل، وبذلك تسنَّى لنا أن نحضر مجالسه العلمية
والتربوية العامرة بالروحانية والسكينة والرزانة، وننهل من مشاربها الصافية
ونعلّ))(٢).
وقال في موضع آخر وهو يتحدث عن قصة نزوله ضيفاً عند الشيخ رحمه
(١) مجلة ثقافة الهند (حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي): ٨/٤٢،
١٩٩١ م، تعريب الأستاذ أفتاب عالم الندوي.
(٢) المصدر السابق، ص٩.
١٢١

الله: ((فحضرت إليه في الضحى تقريباً، ولم يحضر فيه إلا بضعة أشخاص،
أذكر منهم الشيخ خواجه عزيز الحسن مجذوب، فأمر الشيخ التهانوي خواجه
عزيز الحسن أن يناوله حبالته، فنهض الخواجه امتثالاً، غير أنه لم يتفطن لما
أمر به، فسأله الشيخ هل عرفت ما هي حبالتي؟ كان الجواب بلا، فقال: إنما
هي المسبحة، فهي حبالتنا، نتصيد بها الناس، ولم تزل تغشى المجلس غاشية
من الابتهاج والارتياح، وسحابة من الانفتاح والانبساط، ولا غرو، فإن طلاقة
وجه الشيخ ووضاءة جبينه، وإشراقة محيّاه، وبهاء طلعته، كان يفضي على
المجلس لوناً صافياً من الرونق والبهاء، والروعة والجمال))(١).
كانت هذه نظرة عابرة على مجالسه رحمه الله، وإليكم الآن نبذة يسيرة
من مقتطفات هذه المجالس القيّمة والملفوظات الغالية، نتحف بها القرّاء
الكرام مع الأمل أنها ستلعب دوراً بارزاً في مجال الإصلاح وتطهير النفس من
الرذائل وتحليتها بالفضائل ومحاسن الأخلاق والآداب .
،كان من وصاياه للعلامة المفتي محمد شفیع رحمه الله حین قدم إليه
مسترشداً ومستفيداً:
((إنّ الاهتمام بأداء الفرائض والواجبات، والاعتناء بالسنن
والمستحبات، يقوم به كل المسلمين، عامتهم وخاصّتهم، ولكن أوصيك أن
تواظب على ثلاثة أشياء :
(١) المصدر السابق، ص١١ .
١٢٢

١ - تقوى الله تعالى، وهي لا تقتصر على الصلاة والصيام والمعاملات
الظاهرية، بل تجب مراعاتها في المعاملات الباطنة، ولابد من تحققها فيها
مثل الأعمال الظاهرة.
٢ - تجنب كل ما لا يعني، سواء كان من العمل أو الكلام أو الجلوس أو
اللقاء، وأقصد بـ(ما لا يعني) الشيء الذي لا يرجع على الإنسان بنفع وخير،
لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وإننا إذا تأملنا في حياتنا، وأمعنا النظر فيها يتجلّى لنا هذا الواقع أننا
نضيّع الكثير الكثير من أوقاتنا وأشغالنا وأقوالنا بما لا ينفع شيئاً من دنيانا ولا
آخرتنا.
٣ - ينبغي المواظبة يومياً على تلاوة القرآن الكريم ولو شيئاً يسيراً،
وكذلك المداومة على التسبيحات المأثورة، مثل (سبحان الله) و(الحمد لله)
و(لا إله إلا الله) و(أستغفر الله)، والاهتمام بالصلاة على النبي الكريم وَله
والالتزام بالتسبيحات المأثورة بعد الصلاة.
• كان رحمه الله يقول: نرى كثيراً من حَفَظَة كتاب الله يختمون القرآن
الكريم في شهر رمضان المبارك في ليلة واحدة، ويحسبون ذلك قربة عظيمة
عند الله تعالى، ويغيبُ عن بالهم أنَّ هناك ناساً ضعفاء، ومرضى وعجَزَة،
يحتاجون للراحة، كما أنَّ هناك عدداً كبيراً من الناس الذين يشتغلون في
المصانع، ويتوظفون لدى المؤسسات الحكومية، والعمّال الذين يسعون في
الأرض يبتغون من فضل الله، ويكسبون المعاش حتى يعولوا أهليهم وذويهم،
١٢٣

وبالتالي فإن هؤلاء الناس في حاجة إلى أن يأخذوا قسطاً من الراحة في الليل،
حتى يتسنّى لهم أداء واجبهم في نهار رمضان دون أي صعوبة، فكم يتأذى
هؤلاء من هذه القربة؟ ومما يزيد الطين بلّة أن في بعض المساجد يُستخدم مكبّر
الصوت مما يتسبّب في إزعاج النائمين.
فهذه الأمور وإن كان ظاهرها العبادة، وأعمال الخير والثواب، لكنّها
تسبّبُ إيذاء الآخرين وتتسبَّب العذاب والنقمة أكثر من النعيم والرحمة، كما
أننا على دراية كاملة أن درجة هذه الأعمال هي التطوع والنفل والاستحباب،
أما إيذاء المسلم فتجنّبه أمر واجب، وصاحبه يُعدُّ مرتكب الكبيرة.
· كل شيء إذا بقي في حدّه، فهو نافع يفيد، وإن تجاوز حدّه تحوّل إلى
ضرر، مثال ذلك (الخشية) (الخوف من الله) فهو ينبوع فيّاضٌ، ومنهلٌ عذبٌ،
ومصدرٌ حقيقي لكل الخيرات والحسنات، ويحتل مكانة مرموقة، وله من
الفضائل والمناقب ما لا يُعدّ ولا يُحصى، لكنه إذا تجاوز الحدّ يجعل الإنسان
يعيش مُعطَّلاً، [تذهب حياته] سُدّى، دون أن يتوجه إلى هدف أو يلتفت إلى
غاية، ولذلك نرى الرسول الكريم ◌َ﴿ لما دعا الله تعالى وطلب منه أن يرزقه
الخشية قال: ((اللهمَّ اقسم لي من خشيتكَ ما تحُوْلُ به بيني وبينَ معاصيك))(١) .
ومقابل ذلك (أي الخشية) الشوقُ إلى لقاء الله تعالى والحنين إليه، ولا
شك أنه من أكبر نعم الله تعالى وآلائه العظيمة على الإنسان، لكنَّ الرسول وَيه
(١) سنن الترمذي (٣٥٠٢) كتاب الدعوات؛ سنن النسائي الكبرى (١٠٢٣٤).
١٢٤

لما دعا الله تعالى كانت ألفاظه هكذا: ((وشوقاً إلى لقائكَ في غيرِ ضرّاءَ مضرّة،
ولا فتنة مضلّةٍ))(١).
● قال رحمه الله ردّاً على الكشوف التي يزعمها المتصوّفة: ((هذه
الكشوفُ التي يدّعيها المتصوّفة ليست من قربة الله تعالى في شيء، ولا هي
دليل التقرب إلى الله، ولا يشترط لمن يصدر منه هذه الكشوف أن يكون مسلماً
عاقلاً، بل يمكن صدورها حتى من غير المسلمين، وكذلك من المجانين
والمختلّين عقلياً، وقد صرّح كبار الأطبّاء ونصّوا على أنَّ المجنون يمكن أن
يصدر منه الكشف الصحيح، وهناك أدلة ثابتة متوفرة على صدور الكشف
الصحيح من الكفار والفسقة .
وقد أعجب الناس اليوم بأصحاب الكشوف وأُولعوا بهم حتى بدؤوا
يقدّسونهم ويعظّمونهم، فضلّوا وأضلّوا كثيراً منهم، وليعلم كل واحد أن
الميزان الحقيقي والمقياس الأصلي للتفريق بين الحق والباطل، والمقبول
والمردود، هو اتباع شريعة الله تعالى، وسنة رسوله مَ طير، فالذي لا يتوفّر فيه هذا
الميزان والمقياس فإنه ضال فضلاً عن أن يكون ولياً من أولياء الله، أو قدوة
وأسوة، ولا عبرة بصدور الكشف منه حتى لو بلغ المئات أو الآلاف)).
● حقيقة التزكية والتصوّف:
قال رحمه الله: إن حقيقة التزكية والتصوّف هي تضحية النفس، وتفادي
(١) صحيح ابن حبان: ٣٠٤/٥، (١٩٧١)، المستدرك على الصحيحين: ١ / ٦٩٧
(١٩٠٠)، و٧٠٥/١، (١٩٢٣)؛ سنن النسائي (١٣٠٥) كتاب الدعوات.
١٢٥

الأرواح لابتغاء رضوان الله تعالى ونيل رضاه، وما العبادة والطاعة والمجاهدات
إلا وسائل لابتغاء وجه الله تعالى، وإن رضا الله سبحانه وتعالى يحصل بالتواضع
والانكسار، وإظهار العجز والذل أمامه عزَّ وجلَّ، فالعبد لابد أن يحويه
الشعور بالتقصير، وإحساس عدم الإيفاء بالعهد، مع القيام بأداء كل الواجبات
والفرائض.
مَن مِنَّا يعادل رسول الله بَله وصحابته العظام رضوان الله عليهم
أجمعين، أو يدانيهم في شيء من العبادات والطاعات؟! كانوا قُوّاماً بالليل
فرساناً بالنهار، وقفوا حياتهم بأكملها في سبيل الله وإعلاء كلمته ونشر دينه
وبثِّ دعوته وكلمته، وبرغم ذلك كله كانوا يُلزمون أنفسهم الاستغفار، يقول
الله تعالى في وصفهم: ﴿وَبِلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وفي هذه
الآية توجيه خاص وتعليم مهم، لاسيما لطائفة العلماء والخطباء والمؤلفين
والكُتّاب، والمجتهدين في العلوم الشرعية، أن ما يقومون به من أعمال علمية
وخدمات دينية ودعوية، ليس مما يتباهون به أو يفتخرون عليه، وإنَّما هو نعمة
من الله تعالى يجب الشكر عليها، والاستغفار على ما حصل في أدائها من
الأخطاء أو التقصير.
وكان يقول: ((لقد أخطأ الناس في فهمهم للتزكية والإحسان والتصوّف،
ووقعوا فريسة سوء الفهم في هذا الصدد، وزعموا أن التزكية والتصوّف اسم
النوع من الأوراد والأشغال الخاصة، والكشف والإلهام، والأذواق والمواجيد،
وبالتالي فصلوه عن الدين، وقطعوا صلته بأحكام الشريعة، وسنة النبي الكريم
مَّ، وهذا زعم فاسد، وفهم خاطئ البتة، إنما الطريقة أو التزكية والتصوّف
١٢٦

اسم لاتباع كامل للشريعة الربانية، واقتفاء أثر الرسول وَل في كل شعبة من
شعب الحياة، وجميع مجالاتها، وإن الأعمال الباطنة وإصلاح الباطن جزء لا
يتجزأ من الشريعة الإسلامية، مثل الأعمال الظاهرة، وأول ما يقوم العبد
بإصلاحه في الأعمال الباطنة هو جانب العقائد، فبعد إصلاحها يأتي دور
إصلاح الأخلاق والآداب، والتحلّي بمحاسن الأخلاق، والاتصاف بأوصاف
التواضع، والقناعة، والصبر والشكر، والحب الكامل لله ورسوله وَّة، وتطهير
النفوس والقلوب من الأمراض الشائعة عموماً، والأسقام التي تطرقت إلى
الداخل مثل الكبر والحسد والشحناء والبغضاء والحرص والشحّ وحبّ المال
والجاه.
هذا وقد أشار الإمام عبد الوهاب الشعراني رحمه الله في كتابه (اليواقيت
والجواهر) إلى أسباب عدم اهتمام السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن
بعدهم من الأئمة المتبوعين والمجتهدين بتدوين الأعمال الباطنة وأحكامها،
أو الاعتناء بهذا الجانب مثل الأعمال الظاهرة وأحكامها، فقال ما معناه:
((إنَّ السلف الصالح بأكملهم كانت بيوتهم عامرة بالعمل على هذه
الأعمال الباطنة، وكانوا على معرفة تامة، واطلاع كامل عليها، وبالتالي فلم
تعد هناك حاجة إلى تدوينها أو جمعها وبيان أحكامها، ولما بدأ الناس يُغفلون
هذا الجانب المهم، وأصيبوا بالتكاسل والتهاون تجاهها، قيّض الله سبحانه
وتعالى في نهاية عهد السلف مَنْ نهض برفع لواء هذه المهمة الكبيرة، وقام
بتدوينها، ومثلها مثل الحديث والفقه والعلوم الإسلامية الأخرى، حيث لم يتم
تدوينها في زمن النبي ◌َهر، ولكن جهابذة العلماء، لما شعروا بحاجة الناس
١٢٧

إلى ذلك قاموا ودوَّنوا ورتَّبوا وجمعوا حسب ما اقتضت به الضرورة تدريجياً،
فدوّنوا الحديث ثم الفقه ثم الأصول وهكذا).
وخلاصة القول: ينبغي أن لا يغترّ أحد بعدم وجود أحكام الأعمال
الباطنة في كتب الفقه المتداولة بين أيدينا، ويظن أنها ليست من الأحكام
الشرعية، بل إن مكانتها وأهميتها لا تنقص من الأعمال الظاهرة، مثل الصلاة
والصيام والأحكام الشرعية الأخرى، والله تعالى أعلم)).
فائدة مهمّة:
لقد ثبت في ضوء الأصول المتفق عليها بين الأئمة الأربعة: أنَّ أي قضية
يسوغ فيها الاجتهاد، ويعمل فيها كل من الأئمة المجتهدين، بما يرونه مناسباً
من وجهة نظرهم وراجحاً حسب الدليل، لا ينبغي أن نحكم على رأي منها أنه
منكر، بل القائلون بكل الآراء من أصحاب المعروف، ولا يجوز أن يستخدم
هناك قاعدة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، كما لا يجوز لأحد أن يتهم
من خالفه في رأيه ومذهبه بـ(تارك السنة) أو بالفسق.
وينبغي لطالبي الحق، والباحثين عن الحقيقة أن يجعلوا نُصب أعينهم
في هذه المناسبة ما كتبه العلاَّمة الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في كتابه العظيم
(جامع بيان العلم وفضله).
وللأسف الشديد فإنَّ بعض منتسبي العلم، وزاعمي المعرفة في هذه
الأيام يَصِلُونَ إلى درجة التكفير والتفسيق، وما أسهل عليهم هذا التجرؤ
والتسرّع! ليس لأجل الاختلاف في الأساسيات والعقائد المعلومة من الدين
١٢٨

بالضرورة، بل لاختلاف في الآراء، وتباين وجهات النظر في الفروع،
والقضايا الاجتهادية، الأمر الذي يؤدي إلى الإساءة إلى مقام كبار الأئمة،
والقدح في الجهابذة من العلماء، أعاذنا الله منه.
١٢٩

الفصل السادس
القيام بمهام الإفتاء
لقد امتاز الشيخ التهانوي رحمه الله بخدماته الجليلة، ومآثره العظيمة في
مجال الفقه والإفتاء، وإن جهوده في تدريس الفقه مع المقارنة بين المذاهب
الأربعة، وكذلك الإفتاء، والتدريب للإفتاء، وإعداد الرجال المتخصصين في
الفقه، وتأليف ما يُحتاج إليه في ذلك، على أساليب مختلفة وفي جوانب
متعددة، من أهم مميزات حياته العلمية، فالاشتغال بالإفتاء، والرد على أسئلة
المستفتين كان من روائع ما تمتاز به حياته، بل إن هذا هو الجانب الأساسي
الذي يحيط بحياته العلمية كلها، كيف لا وقد تمرّن رحمه الله على هذا الفنّ،
ونبغ فيه في ظلّ إشراف أستاذه العطوف الشيخ محمد يعقوب النانوتوي رحمه
الله .
كان من عادته رحمه الله - منذ الوقت المبكر من اشتغاله بالإفتاء - أن يهتم
بتحرير وضبط كل ما يجود به قلمه السيّال، حتى الفتاوى التي صدرت منه أيام
تدرّبه في دار العلوم ديوبند كلها محرّرة ومحفوظة، وبالنظر إلى الإفادة العامة
واستفادة الجماهير فقد اعتنى رحمه الله بطباعة بعض منها، في مختلف
المناسبات وحسب الظروف والمتطلبات.
١٣٠

وتنقسم فتاواه رحمه الله إلى ثلاثة أقسام نظراً إلى زمن الإفتاء:
فالقسم الأول: هو تلك الفتاوى التي صدرت منه رحمه الله أيام تمرنه
عليها تحت إشراف شيخه، وذلك من عام ١٢٩٧ هـ إلى ١٣٠١ هـ.
والقسم الثاني: هو تلك الفتاوى التي صدرت أثناء إقامته في (كانفور)
في فترة ما بين ١٣٠١ هـ و١٣١٥ هـ.
والقسم الثالث: هو الفتاوى الصادرة في فترة استقراره بتهانه بهون
وإقامته الدائمة هناك، وذلك من عام ١٣١٥ هـ إلى ١٣٢٥هـ.
وقد قام الشيخ رحمه الله بمراجعة الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي رحمه
الله في القسم الثالث من فتاواه، واستفاد منه أشياء كثيرة، والفتاوى التي
صدرت منه بعد هذه الفترة كانت تسمّى بـ(تتمة الفتاوى)، وأخيراً تمت طباعة
كل هذه الفتاوى مجموعة مرتبة، محلّة بالهوامش والتعليقات في عام ١٣٧١ هـ
في ستة مجلدات ضخمة، علماً أن هناك عدداً كبيراً من الفتاوى أفتى بها الشيخ
رحمه الله باللغة العربية، وسوف نتحدث بالتفصيل إن شاء الله تعالى عن
مجموعة هذه الفتاوى، وخصائصها، ومميزاتها، ومنهج الشيخ رحمه الله
فيها، ونماذج من فتاواه العربية، في الباب السادس (الآثار الخالدة لحكيم
الأمة).
١٣١

الفصل السابع
آراؤه في المسائل الاعتقادية
· الشيخ التهانوي يثبت الاستواء لله تعالى ويحمله على الحقيقة
دون الخوض فيها:
قال رحمه الله في تفسيره المسمّى (بيان القرآن) بعد أن فسّر قوله تعالى:
ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: ثم تعلق (وتجلى) بالعرش الذي يشبه
سرير الحاكم والملك بحيث يليق بشأنه، وبسماع هذا يخطر ببال السامعين
أمران للّزوم العرفي:
أحدهما: الرفعة والعلوّ، والآخر: صدور الأوامر الملكية، لأنه يلزم
الأمران للجلوس، والتمكّن من العرش الملكي والسرير الحكومي، وهذا هو
الذي عليه جمهور السلف، من حمل الاستواء على الحقيقة، ثم تفويضها إلى
الله تعالى، والمنع عن الخوض فيها، وهذا المنع معقول، لأن إدراكنا قاصر
عنه، كما يمنع من الخوض في كنه اللون بعين هذه العلة، وإياك أن تقيس
استواءه على استوائك، لأن الصفة تختلف حقيقتها باختلاف الموصوف، وإذا
كان المستوي غير معلوم الكنه، فكان الاستواء لا محالة غير معلوم الكنه، فأي
وجه لقياس مجهول الكنه على معلوم الكنه(١).
(١) انظر: بيان القرآن: ١٩/٤؛ وكذلك بوادر النوادر، ص ٦٢٤.
١٣٢

ويقول رحمه الله في موضع آخر: «تحقيق المقام أنه في الاستواء وأمثاله
اتفق أهل الحق على أنَّ اتصافه تعالى بها ليس مثل اتصاف المخلوق، وهذه
المسألة ثبتت بالعقل أيضاً، وهي بديهية عند العقلاء، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، دليل النقل عليه، ثم بعد نفي المماثلة لهم
طريقان :
الأولى - طريقة السلف: وهي أنهم يحملونها على الحقيقة، ويفوّضون
کنھھا إلی علم الله تعالى، ولا يذكرون لها كيفية.
الثانية - طريقة الخلف: وهي أنهم يؤلونها بتأويلات مناسبة، وذلك لئلا
يُفسد الفرق الضالة - مثل المشبهة والمجسّمة -العوامَ، ولا يوقعونهم في الغلط
بأن يقولوا - ونعوذ بالله من ذلك -: إن الله تعالى مستقر على العرش، والاستقرار
هو الجلوس والعكوف، فثبت أنه تعالى جالس على عرشه، كما أننا جالسون
على السرائر.
والجواب الصحيح عن هذه الشبهات على طريقة السلف: أن كل ذلك
ثابت له، ولكن ليس كمثلنا، إلا أن العوام لا يُدركون هذا، ولا تُنتقل أذهانهم
في مثل هذا إلا إلى التجسيم والتشبيه، ولابد من حفظهم وصونهم عن هذه
العقيدة، فلذلك ذهب الخلف إلى أن فسّروا هذه الحقائق بما لا يترك به القرآن
والحديث، وإنما السلف لم يحتاجوا إليه، لأن خواصهم كانوا عاملين بقول النبي
وَلِ﴾: (تفكَّروا في آلاءِ اللهِ ولا تفكّروا في اللهِ»(١). فكانوا لا يخوضون في مثل
(١) رواه الطبراني في المعجم الأوسط: ٦/ ٢٥٠، (٦٣١٩)، قال الهيثمي: وفيه=
١٣٣

هذه الأشياء، ويدفعون الوساوس عن أنفسهم، وأما العوام فكانوا محفوظين
عن ذلك، لأن هؤلاء المبتدعة المضلّلين لم يكونوا في ذلك الزمان، فكانت
أذهانهم خالية عن هذه الشبهات، وكانوا يؤمنون بمعانيها إجمالاً، ولا يفكرون
في البحث والخوض ... )).
ثم قال رحمه الله: ((وهذا كله كان على مذهب السلف، واختار الخلف
مسلك التأويل لمصلحة سهولة فهمه للعوام)(١)، وقد صرّح رحمه الله برجحان
مذهب السلف(٢).
التهانوي يرجّح مذهب السلف في اختصاصه تعالى بعرشه:
قال رحمه الله في اختصاصه تعالى وتعلّقه بالعرش: ((أنا في هذه العقيدة
على مسلك السلف، فإنهم لم ينكروا الحقيقة، بل أنكروا الجهة، ونفي الجهة
الوازع بن نافع وهو متروك، وتفرد به علي بن ثابت (مجمع الزوائد: ١/ ٨١)
=
ورواه البيهقي في شعب الإيمان: ١٣٦/١، (١٢٠) وقال: هذا إسناد فيه
نظر، ورواه اللالكائي في (اعتقاد أهل السنة): ٥٢٥/٣، (٩٢٧)؛
والأصبهاني في (العظمة): ٢١٠/١؛ والهروي في (الأربعين في دلائل
التوحيد): ٩٠/١، (٣٨)، كما روي الحديث بألفاظ أخرى بطرق متعدّدة في
مختلف كتب السنن، وقد ضعّفه السيوطي في (الجامع الصغير) (٣٣٤٨)
وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٥٧٠٧).
(١) انظر: رسالته (تمهيد الفرش في تحديد العرش) في مجموعة (بوادر النوادر)،
ص٦٠٢ - ٦٠٤، باختصار وتعديل؛ وكذلك (إمداد الفتاوى): ٢٧/٦ -٢٩.
(٢) بوادر النوادر، ص٦٢٧ .
١٣٤

ثابت نقلاً وعقلاً، أما النقل فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىٌْ﴾ [الشورى:
١١]، وأما العقل فلأن الجهة مخلوقة حادثة، والله تعالى منزّه عن الاتصاف
بالحادث، لأن محل الحادث حادث، والحكم بالاستواء والعلو لا يستلزم
الجهة، فلو حكمنا بالجهة وأثبتناها لَتَعيَّنَ كنه العلو والاستواء، وذلك خلاف
قول السلف. فإنهم يصرّحون بأنه غير معلوم))(١).
رأيه في المعيّة الإلهية:
سُئل الشيخ التهانوي رحمه الله عن المعية الإلهية في قوله تعالى:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَغَنُّ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾
[سورة قَ: ١٦].
فمن الناس من يقول: إن القرب باعتبار الذات والوصف.
ويقول الآخرون: إن القرب بحسب الوصف فقط، فأيّهما على الصواب؟
وأي الفريقين على الحق؟ وإن كان الله قريباً بالذات، فهل يقرب مع كون
استوائه على العرش، أم لا؟ ثم القائلون بالقرب الوصفي يكفّرون القائلين
بالقرب الذاتي، فما هو الحق؟
فأجاب رحمه الله قائلاً :
((لما كان المتبادر عند العامة من المعية الذاتية، هي المعية الجسمانية،
أنكرها العلماء، وكفّر بعضهم القائلين بها، ولو أريد بها المعية غير المتكيفة،
(١) إمداد الفتاوى: ٦/ ٢٥.
١٣٥

فلا محذور في القول بها، والامتناع في اجتماعه بالاستواء، لأن الذات ليست
بمتناهية، والمعية ليست بمتكيّفة، ومن لم يقدر على اعتقادها بلا كيفية،
فالأسلم له أن يقول بالمعية الوصفية فقط، وبهذا التقرير خرج الجواب من كل
سؤال، وارتفع كل إشكال، والحمد لله الكبير المتعال عن كل مقام وخيال)).
رأيه في العلم بالغيب:
قال الشيخ أشرف علي التهانوي: الغيب له معنيان: حقيقي وإضافي،
فالغيب الحقيقي: ما لا طريق ولا سبيل إلى معرفته، وهذا مخصوص به
تعالى، وحصوله للعبد محال شرعاً وعقلاً .
والغيب الإضافي: هو ما يعطاه الإنسان بأحد الوسائل، لكنه يعطى
البعض فقط، ويخفى عن بعض، فهذا يحصل للعبد بإعلام من الله تعالى(١).
ويرى رحمه الله أنه لا يجوز إطلاق لفظة (عالم الغيب) على الرسول والدته
وإن كان بتأويل، لكونه موهماً للشرك، ولو جوّز ذلك بتأويل، للزم أن يجوز
إطلاق (الخالق) و(الرازق) و(المالك) و(المعبود) وغيرها من صفات الله
تعالى المختصة بذاته، على المخلوق، بذلك التأويل، وأيضاً يلزم منه حجة
نفي إطلاق لفظة (عالم الغيب) عن الله تعالى بالتأويل الآخر، فإنه تعالی لیس
عالم الغيب بالواسطة والعرض. فهل يأذن في نفيه عاقل متديّن؟ حاشا
وكلاً(٢) ! .
(١) إمداد الفتاوى: ٢٠/٦ -٢١.
(٢) المهنّد على المفند، ص٢٥ -٢٦، للشيخ خليل أحمد السهار نفوري، نقلاً =
١٣٦

التهانوي يفنّد قول منكري بشرية النبي ◌َالر:
يعتقد الشيخ التهانوي رحمه الله كما هو عقيدة السلف من أهل السنة
والجماعة، أنَّ الأنبياء بشر دون ريب وشبهة، ويقول: بأنَّ من لم يعتقد فيهم
البشرية، فهذا يعني أنه يوصّلهم إلى حدود الألوهية، وهذا شرك جليّ.
كما أنه رحمه الله أفتى فيمن يدّعي أنَّ النبي ◌َّير كان بشراً في ظاهره فقط،
أما في الحقيقة فهو ليس ببشر، بأن هذه الدعوى كفر، ولذا فإنه فسّر الآيات
القرآنية التي جاء فيها ذكر بشريّة الأنبياء، ووصفهم بما فسّربه الجمهور والسلف
الصالح، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم:
١١]، قال الأنبياء: نحن نعترف ونقر ببشريتنا، وبأننا بشر مثلكم، ولكن لا
منافاة بين البشرية والنبوّة، لأن النبوة منة عظمى من الله تعالى، وله تعالى الحق
والاختيار أن يمنّ على من يشاء من عباده(١).
التهانوي يفسّر النّور بالقرآن العظيم:
كما فسّر الشيخ التهانوي رحمه الله كلمة (النور) الواردة في قوله تعالى:
﴿قَدْ جَاءُ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُحْفُونَ مِنَ
الْكِتَبٍ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ
◌ُمِيبٌ﴾ [المائدة: ١٥]، بالقرآن العظيم، فقال:
=
عن كلام الشيخ التهانوي.
(١) انظر: بيان القرآن: ٥/٦.
١٣٧

قد جاءكم من الله تعالى شيء نوراني وهو كتاب واضح يعني القرآن
المجيد، وبيّن سبب الترجيح قائلاً: إشارة إلى أن عطف الكتاب على لفظ
(النور) للتفسير، فهما متغايران بالصفة، متحدان بالذات، ولذا حَسُن إفراد
الضمير في (به)، وبهذا التفسير حسن إسناد الهداية هاهنا إلى الله تعالى،
وجعل الكتاب والنور سبباً، وإسناد التبيين فيما قيل إلى رسول الله بَ ليه، وأما إذا
فُسّر النور بالرسول، لا يحصل هذا الحسن، كما أن قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَآ
إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] يؤيد ما قلناه، لأن المقصود في الآية هو
الكتاب قطعاً(١).
التهانوي يمنع الدعاء لغير الله بلفظ الخطاب أو نداء غيره بـ(يا
كاشف الكرب) أو (يا قاضي الحاجات):
لقد سُئل الشيخ التهانوي رحمه الله عن دعاء النبي وَيُّه بعد وفاته بلفظ
الخطاب، أو تلقيب غير الله تعالى بـ(دافع القحط والوباء) أو (كاشف الكرب)
أو (قاضي الحاجات) ما حكمه؟
فأجاب رحمه الله قائلاً: قال الله تعالى: ﴿لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ [البقرة:
١٠٤]، وقال رسول الله وَله: ((لا يقولَنَّ أحدُكُم عبدي وأمتي، ولا يقل العبدُ:
(٢)
ربّي))(٢)
(١) بيان القرآن: ١٤/٣.
(٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، (٢٢٤٩) ونحوه =
١٣٨

وقال اهلية: ((لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان))(١)، وفي رواية: ((لا تقولوا
ما شاءَ اللهُ وَشَاءَ محمَّدٌ))(٢).
إنَّ الألفاظَ المذكورة في السؤال فوق الألفاظ المذكورة المنهي عنها في
الكتاب والسنة بدرجات في إيهام الشرك يقيناً، سواء كان النهي بأي درجة،
ولكنه مكروه وغير مرضي في كل حال، فلما كان الأخفّ منهياً عنه عند الشارع
علیه السلام، كان الأشد ممنوعاً من باب أولى.
والوجه الثاني: أن الألفاظ المنهي عنها في الحديث إنما يستخدمها
الناس عادة دون أن توهِمَ أيَّ تعبُّدٍ أو تقرُّبٍ، ولكنَّ هذه الألفاظ - التي يسأل
عنها السائل - يصحبها الاعتقاد بالتبرك والتقرب إلى الله أو إلى أوليائه، حسب
البخاري في صحيحه، كتاب العتق، (٢٥٥٢)؛ وأبو داود في سننه، كتاب
=
الأدب، (٤٩٧٥)؛ وأحمد في مسنده: ٤٢٣/٢، (٩٤٦٥)، ٤٦٣/٢،
(٩٩٦٥)، ٤٨٤/٢، (١٠٢٨٦)، ٤٩١/٢، (١٠٣٧٣).
(١) رواه أبو داود في سننه كتاب الأدب (٤٩٨٠)؛ والبيهقي في السنن الكبرى:
٢١٦/٣، (٥٦٠١)؛ والنسائي في السنن الكبرى: ٢٤٥/٦، (١٨٠٢١)؛
وأحمد في مسنده: ٣٨٤/٥، (٢٣٣١٣)، ٣٩٤/٥، (٢٣٣٩٥)؛ ورواه ابن
أبي شيبة في المصنف: ٣٤٠/٥، (٢٦٦٩٠)، ٧٤/٦، (٢٩٥٧٢).
(٢) رواه ابن حبان في صحيحه: ٣٢/١٣، (٥٧٢٥)؛ والحاكم في المستدرك:
٥٢٣/٣، (٥٩٤٥)؛ والدارمي في سننه: ٣٨٢/٢، (٢٦٩٩)؛ وابن ماجه في
سننه باب النهي أن يقال ما شاء الله ... إلخ (٢١١٨)؛ وأحمد في مسنده:
٧٢/٥، و٣٩٣/٥، (٢٣٣٨٧).
١٣٩

اختلاف معتقدات الناس، فهذا فيه نوع من التعبّد، وهذا ممنوع، لأن التعبد
بأمر ممنوع أقبح وأشنع من استعمال الممنوع في غير موضع التعبّد، لأن الذي
تصدر منه هذه الكلمات لا يعتقد المعصية في هذه الصورة سبباً لرضاء الله
تعالى، وفي الأولى يعتقد المعصية والممنوع سبباً لرضائه.
ولما ثبت النّهي وتقرّر المنع ثم ثبت وصحّ ذلك عن شخص أُمرنا أن
نُحسن الظن فيه، لا يجوز التغير في الحكم الشرعي، ولا لأحد استعماله، ولا
الاستدلال، وذلك لأن النهي عنه ثبت وتقرّر بالحجج الشرعية، وفعل المشايخ
ليس بحجة شرعية بإزاء النصّ أو خلافه، وقال رحمه الله في موضع آخر: ((إن
هذه الخطابات لها ثلاث مراتب:
الأولى: أن يعتقد أنَّ أصحاب الخطابات متصرفون في الأمور
بالاستقلال، فهذا شرك صریح.
الثانية: أن يعتقد أن هؤلاء متصرفون بالإذن، ومطلعون على هذه
الخطابات بمشيئة الله تعالى، وهذا ليس بشيء من الشرك، لكنّ وقوعه مختلف
فيه بين سلف هذه الأمة، فمنهم من أثبت ذلك، ومنهم من نفاه، والمثبتون لا
يجيزون النداء من بعيد، ولا يوجد دليل على السماع من البعد دواماً، فمثل هذا
الاعتقاد دون دليل شرعي - مع أنه ليس بشرك حقيقة صريحاً - معصية وكذب
حقيقة، وشرك صورة.
دليل المعصية قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ﴾ [الإسراء:
٣٦]، ودليل الكذب صدق تعريفه عليه، وأما الشرك صورة فلأجل التشبّه في
١٤٠