النص المفهرس
صفحات 21-40
الفصل الأول السيرة الذاتية اسمه ونسبه: هو العلاَّمة الأوحد، الحبر المفرد شيخ المشايخ في البلاد الهندية، المحدث الكبير، صاحب التصانيف النافعة المفيدة، حكيم الأمة، مجدّد الملة الحنيفية في الهند، أشرف علي التهانوي بن المنشئ عبد الحق بن الحافظ فيض علي بن غلام فريد شهيد بن جلال بن رحمة الله بن أمان الله بن عتيق الله خطيب (الحائز على منصب عال في دولة الإمبراطور المغولي أورنك زيب عالمکیر رحمه الله) ابن الحافظ حبيب الله بن الشیخ آدم بن مولانا محمد جلال خطيب (صاحب منصب كبير في دولة الإمبراطور المغولي ((أكبر))) ابن مولانا صدرجهان (الجد الأعلى للخطيبين، وكان في سنة ٩٧٠ هـ، زمن الإمبراطور المغولي ((أكبر)))(١). ويصل نسبه إلى سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه الخليفة الراشد الثاني. (١) موائد العوائد، ضمن مبحث (سلسلة النسب من الأدب) للشيخ أشرف علي بشيء يسير من الاختصار، مع أشرف السوائح: ١٢٠/٣. ٢١ أسرته: يتحدَّر العلاَّمة التهانوي من أسرة كريمة كثيرة المآثر والمفاخر، معروفة بالعلم والأدب والفضل والإحسان، يبلغ نسبها إلى أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه، ومشهورة بحيازها منصب القضاء زمن الإمبراطورية المغولية في الهند. والجدّ الأعلى لهذه الأسرة التي تولّت القضاء فترة طويلة هو القاضي نصر الله خان، وما زال هذا المنصب في هذه الأسرة بعد عصر الشيخ مُلاّ محمد صابر الذي وصفه مؤلّف(١) (كشاف اصطلاحات الفنون)، بأتقى العلماء، يبلغ نسبه من جهة الأب إلى سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه، ومن جهة الأم إلى سیدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه. كان أبوه السيّد عبد الحق من كبار الأثرياء والسادة المعروفين في قصبة (تهانه بهون) من مديرية مظفر ناغر ولاية (أترابراديش)، بارعاً في اللغة الفارسية، وكاتباً قديراً، صاحب أسلوب رائع رشيق، ذا سيادة مستقلّة لمنطقة من مدينة (ميرت)، وقد فتح الله تعالى عليه من بركات السماء والأرض، وأنعم علیه من النعم من کل صوب ما لا يعدّ ولا يحصى. وأما جدّه من الأم فهو الشيخ المرشد نجابت علي رحمه الله تعالى، كان من كبار المشايخ وفحول الشعراء باللغة الفارسية، مع ما كان يتمتع به من قوة (١) محمد أعلى التهانوي. ٢٢ فائقة وملكة قوية في الكتابة والأدب(١). مولده: ولد العلامة التهانوي صباح الخامس من شهر ربيع الثاني سنة ألف ومئتين وثمانين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام، الموافق العاشر من أيلول (سبتمبر) عام ألف وثمانمئة وثلاث وستين للميلاد. نبذة تاريخية عن قريته (تهانه بهون): إنَّ قرية (تهانه بهون) تقع في ولاية شمالية من الهند بمديرية (مظفر ناغر)، وقد استوطنها المسلمون من زمن بعيد، قبل عصر الإمبراطورية المغولية، وقد سمّوها بـ(محمد فور)) وهذا الاسم ما زال مسجَّلاً في السجلات الحكومية القديمة، وهي قصبة تاريخية معروفة بسكانها المسلمين الأشراف من أصحاب السلالة الفاروقية، وكبار العلماء من ذوي المآثر الفريدة، وتعتبر من القرى التي عُرفت في البلاد الهندية برجالها المبرّزين، وعلمائها المهرة وأوليائها الكبار، وقد أنجبت أمهاتها شخصيات فذّة، برزوا على مسرح العلم والثقافة، ونوّروا العالم بما خلّفوا من آثار علمية وأدبية ودعوية وتاريخية، وعلى رأسهم : ١ - العلامة المحقق الشيخ محمد أعلى التهانوي، مؤلف (كشاف اصطلاحات الفنون)، تلك الموسوعة العلمية الكبيرة التي حازت ثناء أهل (١) أشرف السوانح: ١٠/١. ٢٣ العلم، وثقة أهل المعرفة، في مشارق الأرض ومغاربها. ٢ - العلاَّمة الشيخ محمد التهانوي. ٣ -الحافظ محمد ضامن الشهید. ٤ - العارف المحقق الشيخ الحاج إمداد الله المهاجر المكّي. نشأته وأيام طفولته: ولد حكيم الأمة التهانوي رحمه الله في هذه القرية العامرة بالعلم والدين، والورع والتقى، وترعرع في بيئة علمية ودينية خالصة، وجوّ من الصلاح والتقوى، وقد اختاره الشيخ عبد الحق، رحمه الله، من بداية أمره ليتعلّم الدين والشريعة، بينما اختار لشقيقه أن يتعلم العلوم العصرية، وربّاه تربية دينية، وكان منذ نعومة أظفاره مُكباً على العلم والعلماء ميّالاً إلى الطاعات، بعيداً عن اللهو، وكان من رقة طبعه منذ ميعة صباه أنه لم يكن يتحمل النظر إلى بطن أحد وهو عريان، وكان إذا فاجأه صبي من الصبيان ببطنه المكشوف، غلبه القيء، فكان الصبيان يعاكسونه ويكشفون أمامه من بطونهم ليقيء، فكان رحمه الله ربما يتعب من القيء مرة بعد أخرى، وكانت هذه الرقة في طبعه فطرة من الله تعالى، جعلته لا يميل إلى مخالطة عامة الصبيان، فأصبح بعيداً عن لهوهم وعبثهم. كان رحمه الله من المحبوبين لدى الجميع منذ نعومة أظفاره، أينما كان وحيثما كان، سواء لدى الأقارب أو الجيران أو غيرهم، وقد ألقى الله في روعه حبّ الوعظ والخطابة منذ صباه، فكان يصعد على المنبر ويبدأ في تقليد ٢٤ الخطباء والواعظين، وهو طفل صغير، لم يبلغ من العمر ثماني سنوات، كما كان يحبّ الصلاة، ويواظب عليها منذ باكورة عمره، حتى تعوّد على صلاة الليل وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكانت زوجة عمّه تستيقظ أحياناً في منتصف الليل، وتراه يصلّي، فتحاول إشفاقاً عليه أن يقلّل منها، ولا سيما في فصل الشتاء، حيث يكون البرد القارس أقصى ما يمكن، فلا يهمّه البرد ولا الصّيف، ولا يلتفت إلى كلامها، بل يمضي في صلاته، فكانت تضطر إلى أن تسهر حتى يفرغ رحمه الله من صلاته، ويكمّل أدعيته وأوراده(١). حادثة وفاة الأم: أصیب رحمه الله بحادثة مفجعة ومؤلمة إذ توفیت أمه وهو ابن خمس سنوات، وقلّما يتذكر الإنسان شيئاً حدث له في مثل هذا العمر، وهكذا كان شأن الشیخ التهانوي، رحمه الله، وکان یقول: ((أنا لا أذكر صورة أمي وشكلها أو هيئتها بالكامل، إلا أني عندما أتعمق في التأمل يُصوَّر لي أمام عيني منظر أنها جالسة في جانب من السرير، فقط لا غیر)). وبعد حادثة وفاة الأم كان أبوه هو الذي احتضنه، وتولّى أمر تربيته وتعليمه، يقول رحمه الله: إن أبي هو الذي ربّاني أنا وشقيقي بعد وفاة أمي، وقد حظيتُ منه من الحبّ والمودّة والشفقة والعناية ما أنساني فَقْدَ الوالدة في (١) أشرف السوانح: ٢٤/١ -٢٥. ٢٥ هذا العمر الباكر، بل إنَّه ظل يحبنا أكثر من حبّ الوالدة، وفّر لنا كل وسائل الراحة والنعم للعيش الهنيء الرغيد، وعشت في ظلّه الوارف، وقضيت أغلى أوقات عمري تحت رعايته البالغة، واهتمامه الفائق(١). (١) أشرف السوائح: ٢٥/٢٤/١. ٢٦ الفصل الثاني نشأته العلمية طلبه للعلم: بدأ العلامة التهانوي رحمه الله دراسته في قريته العامرة بالعلم والدين، والتي كانت في ذاك الوقت موطن كبار العلماء الأجلاء، والمهرة البارعين في مختلف الفنون، وحفظ فيها القرآن الكريم على (آخون جى) الذي كان من مديرية (ميرت)، ثم أكمل حفظ القرآن على الحافظ حسين علي الذي كان من سُكان (دهلي)، واستوطن مدينة (ميرت)، وتعلّم اللغة الفارسية والكتب الابتدائية من بعض علماء (ميرت)، والكتب المتوسّطة من الأستاذ فتح محمد التهانوي(١) في قريته (تهانة بهون) ودرس عليه مبادئ اللغة العربية، وقواعد (١) هو الشيخ العالم الفقيه فتح محمد الحنفي التهانوي، أحد الفقهاء الصالحين، ولد ونشأ (بتهانه بهون)، قرية جامعة من أعمال (مظفر ناغر)، واشتغل بالعلم، وقرأ أكثر الكتب على مُلّ محمود الديوبندي والشيخ يعقوب بن مملوك العلي النانوتوي وغيرهم، ثم لازم الشيخ إمداد الله العمري التهانوي المهاجر إلى مكة المباركة، وأخذ عنه الطريقة، وكان حليماً متواضعاً، زاهداً متعبداً مجوداً، يقرأ القرآن بلحن شجي، يأخذ بمجامع القلوب، ويتلطّف بمن له رغبة في الاشتغال بالعلوم، ويحسن إليهم ويخدمهم في كثير من العلوم، ومن خصائصه أنه سافر مدة عمره راجلاً، لم يركب قط على عربة أو على غيرها من المراكب. ٢٧ النحو والصّرف، ثم أكمل هذه الدراسة على خاله الشيخ واجد علي، الذي كان من البارعين الماهرين باللغة الفارسية وآدابها . في جامعة (دار العلوم)(١) ديوبند: مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمئة وألف ببلدة تهانه، وله سبعون سنة، (نزهة = الخواطر وبهجة المسامع والنواظر: ٣٥٣/٨). نبذة يسيرة عن جامعة دار العلوم دیوبند : (١) الوضع السياسي: عندما تناهت حالة الهند سوءاً عام ١٢٧٤ هـ الموافق ١٨٥٧م الذي لفظت فيه الدولة المغولية الإسلامية القائمة اسماً في دهلي أنفاسها الأخيرة، بعد ثورة عارمة قام بها المسلمون الهنود ضد الاستعمار الإنكليزي، وفشلت بمؤامرات من داخل الصف، وبقوة الجنود والبنود، وكثرة العَدد والعُدد من قبل الاستعمار، وعلى ذلك تمَّ استيلاء الإنكليز على الهند كلها شرقاً وغرباً، فوضعوا السيف في المسلمين في دهلي وفي أرجاء البلاد، وكثر القتلى والجرحى، وامتلأت الشوارع والطرقات بجثث الشهداء، وتعرض العلماء ورجال الفكر والدعوة خصّيصاً لغضب الإنكليز، فقُتّلوا تقتيلاً، وشُرّدوا تشريداً، وأُعدموا شنقاً، ومن نجا منهم من ذلك كله نُفي إلى جزيرة (إندومان) التي كانت منفى سياسياً على عهد الإنكليز، لكونها غير ملائمة طبيعياً وجغرافياً للحياة الإنسانية والصحة الجسمانية. ثم خيّم الظلام على الهند كلها، حيث صادر الإنكليز جميع الأوقاف والعقارات والإقطاعات التي كانت تمدّ المدارس الإسلامية بالحياة، وعملوا على تجفيف منابع الإشعاع والإصلاح والفكر والدعوة والتعليم والتربية، حتى يتحوّل المسلمون مع الأيام جهالاً يسهل صوغهم في البوتقة المسيحية المحرّفة . وحينما نجحت الحكومة البريطانية في القضاء على الحكم الإسلامي، وتقويض نفوذه، كانت تعلم أنَّ بقاءَ الفكر الإسلامي في شبه القارة الهندية = ٢٨ يشكل خطراً عليها، لذلك حشدت كل قواها للسيطرة على الجماعات = الإسلامية، وقررت استخدام سلاح العلم للقضاء على الثقافة الإسلامية، واستدعت أحد خبراء التعليم الغربيين وهو اللورد ميكال (Lord Michyl) للقيام بهذه المهمة، وبالفعل قام اللورد المذكور بوضع خطة تعليمية شيطانية وصفها بقوله: ((إن الغرض من خطتنا التعليمية هو إنشاء جيل في الهند، يكون هندي النسل واللون، أوروبي الفكر والذهن)). وحينما وجد المسلمون أنفسهم أمام هذه الحقيقة التي كشفت عن نيّات المستعمرين حيال فكرهم وثقافتهم، ورغم قلة إمكانياتهم المالية، فقد قرّروا مواجهة هذه المؤامرة بخطة علمية رشيدة، تحفظ للمسلمين تراثهم، وتكفل لهم توارث عقيدتهم وعلومهم، ونشرها في كل مكان بشبه القارة الهندية، فاجتمع علماء المسلمين، ومن بينهم فضيلة الشيخ محمد قاسم النانوتوي، والحاج محمد عابد أحد أتقياء مدينة (ديوبند) حينذاك، وتدارسوا الأمر فيما بينهم، وقرّروا تأسيس المركز الإسلامي بديوبند لمواجهة الحرب السافرة المعلنة ضدّ الإسلام، وللرد على مقولة (اللورد) بقولهم: ((إن غرضنا من التعليم هو إيجاد جيل يكون بلونه وعنصره هندياً، ويتنور قلبه وعقله بنور الإسلام، وتموج نفسه بالعواطف الإسلامية ثقافة وحضارة وسياسة)) . تأسيس جامعة دار العلوم: ومن ثم قاموا بتأسيس مدرسة صغيرة يوم ١٥ محرم الحرام ١٢٨٣ هـ الموافق ١ أيار (مايو) ١٨٦٦م في مسجد أثري صغير، بمدينة (ديوبند)، كانت نواتها مدرساً واحداً اسمه المُلاّ محمود، وتلميذاً واحداً كان اسمه محمود حسن، والذي اشتهر فيما بعد بـ((شيخ الهند» تلك المدرسة التي عُرفت فيما بعد بـ((دار العلوم ديوبند)) حتى صارت أكبر جامعة إسلامية في شبه القارة الهندية . = ٢٩ رحل العلاَّمة التهانوي إلى ديونبد في نهاية ذي القعدة عام ١٢٩٥ هـ، والتحقق بجامعة دار العلوم هناك، وبقي فيها خمس سنوات، حتى تخرج فيها، ونال الشهادة في بداية عام ١٣٠٩ هـ، وقد تلقى جميع العلوم العربية والأدبية والعقلية والنقلية، لدى أساتذة قد جدّدوا ذكريات القدماء في سعة اطلاعهم وجودة إتقانهم. = تقوم هذه الجامعة على فهم عميق للإسلام، واتزان دقيق في حساب الأشياء، وتركز أكبر اهتمامها على تثقيف الجيل المسلم ثقافة إسلامية، وتنشئتهم تنشئة إسلامية، وريادة المسلمين ريادة روحية وعلمية، وتُعْرَفُ بشدّة التمسّك بالشريعة الإسلامية، والجمع بين روح الأمانة، والمحافظة على الشعائر، والذب عن حياض الدين، والذود عن حماه، بجميع القدرات والوسائل الميسرة . وتنتمي هذه الجامعة إلى الإمام الحكيم ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي، المتوفى (١١٧٦ هـ)، وهو صاحب مدرسة فكرية معروفة، قام بدور عظيم في حفظ الكيان الإسلامي في الهند، وامتاز في عرض الشريعة الإسلامية عرضاً يتطابق مع مقتضيات عصره، وإليه يرجع الفضل في نشر السنّة في ربوع الهند، وتهدف الجامعة منذ نشأتها إلى الاحتفاظ بالعقيدة الإسلامية، واستعادة المجد الإسلامي، وبناء المجتمع على أساس الكتاب والسنة، وبثّ التوعية الإسلامية، وإشعال روح الغيرة الإسلامية والحماسة الدينية في المسلمين، ودحض كل نوع من البدع والتقاليد غير الإسلامية. (يراجع: مجلة الداعي عدد ممتاز جمادى الأولى ١٤٠٠ هـ الصادرة من دار العلوم ديوبند، ((ودار العلوم ديوبند مدرسة فكرية توجيهية)) لمؤلفه عبيد الله الأسعدي، و((علماء ديوبند اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي))، ص٧٦). ٣٠ كان عكوفاً على الدراسة والاستزادة العلمية، ولم يكن له طول دراسته أي شغل غير دراسة كتبه وخدمة أساتذته ومشايخه، وكان له في ديوبند عدة أقارب كثيراً ما كانوا يوجّهون إليه الدعوة لتناول الطعام عندهم، لكنه لا يستجيب لهم، ويعتذر إليهم قائلاً: إنه لم يدخل هذه البلدة إلا للتعلّم والدراسة، فلم يذهب إليهم مدة خمس سنوات إلى أن فرغ من دراسته، وكان رحمه الله معروفاً أيام طلبه في دار العلوم بالجدّية والوقار والآداب والأخلاق، والبعد عن الملاهي والملاعب. كبار شيوخه: لقد متّع الله العلاَّمة التهانوي بأساتذة أكْفاء، كانوا على قمة البراعة والمهارة في زمنهم في مختلف العلوم وشتى الفنون، وقد قرأ رحمه الله على شیوخ کثیرین، و کان من کیارهم: ١ - الشيخ العالم الجليل المحقق النبيل محمد يعقوب بن الشيخ مملوك علي النانوتوي، أحد الأساتذة المشهورين في الهند، ولد سنة ١٢٤٩ هـ الموافق عام ١٨٣٣ م ببلدة (نانوته) بمديرية (سهار نفور) بولاية (أترابراديش) الهند، وتوفّي بها سنة ١٣٠٢ هـ الموافق ١٨٨٤ م. قرأ الكتب الدراسية معقولاً ومنقولاً على أبيه الشيخ مملوك علي بمدينة دهلي، حيث كان رئيس هيئة التدريس في (كلية دهلي) العربية، ثم درس وأفاد بـ (أجمير)، وبعد مدة وُلّي التدريس بالجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند، فدرّس بها مدة، وأخذ عنه خلق لا یحصون، وشغل بها کذلك منصب رئيس هيئة التدريس. ٣١ كان من كبار الأساتذة، ظهر تقدُّمه في فنون، منها الفقه والأصول والحديث النبوي الشريف والأدب العربي، وكان يميل إلى الشعر أحياناً، مع ما كان يتمتع به من الاشتغال بالذكر والطاعات، رحمه الله رحمة واسعة (١)، وقرأ عليه الشيخ التهانوي كتب الحديث والتفسير. ٢ - الشيخ المحدّث محمود حسن الديوبندي، هو نابغة الأنام، الإمام المحدِّث المعروف بشيخ الهند، رائد النهضة العلمية والسياسية في شبه القارة الهندية، كان رحمه الله بطلاً مكافحاً عن مجد الإسلام، مجاهداً متحمساً ومربياً روحياً عظيماً، وفي مقدمة العلماء الغيورين الذين عاشوا في منتصف القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، وجاهدوا لاستعادة مجد المسلمين، ولد في سنة ١٢٦٨ هـ الموافق ١٨٥١ م بمدينة (بريلي) في ولاية (أترابراديش)، حيث كان أبوه العلاَّمة الأديب ذو الفقار علي أستاذاً في كلية إنكليزية، وهو أديب بارع، وأحد أئمة اللغة العربية في الهند المتوفى ١٣٢٢ هـ الموافق ١٩٠٤م، وكان على رأس الدفعة الأولى من الطلاب التي التحقت بالجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند، فالتحق بها وتخرج منها عام ١٢٩٠ هـ الموافق عام ١٨٧٣ م، وولي التدريس بالجامعة عام ١٢٩١ هـ، ثم منح الترقية وبات رئيس هيئة التدريس بها عام ١٣٠٨ هـ الموافق ١٨٩٠ م. كان آية باهرة في علوّ الهمّة وبعد النظر، والأخذ بالعزيمة وحبّ الجهاد في سبيل الله. (١) نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر: ٥٢٤/٨. ٣٢ شديد البغض لأعداء الإسلام، كبير التواضع، دائم الابتهال، ثابت الجأش، جيد المشاركة في جميع العلوم العقلية والنقلية، ومطلعاً على التاريخ، كثير المحفوظ للشعر، كثير الأدب مع المحدِّثين والأئمة المجتهدين . وكان رحمه الله يضطرم غيظاً من الإنكليز، وكل ما يمتّ إلى الاستعمار بصلة، دائم التألم لأوضاع المسلمين، كثير الاهتمام بمطاردة الإنكليز، وقد نفخ روح الجهاد في كافة المنتسبين إليه، فكان يقود العلماء والمثقفين، ويناضل ضد الاستعمار البريطاني البغيض. وضع خطة محكمة لتحرير الهند من مخالب الاستعمار البريطاني عام ١٣٢٣ هـ الموافق عام ١٩٠٥م، وكان يودّ أن يستعين فيها بالحكومة الأفغانية والخلافة العثمانية، وقد هيّأ لذلك جماعة من تلاميذه، وكان بينهم الشيخ عبيد الله السندي، المتوفى ١٣٦٢هـ الموافق ١٩٤٤ م، والشيخ محمد ميان منصور الأنصاري، المتوفى ١٣٦٥ هـ الموافق ١٩٤٦ م. وكان الاتصال بينه وبين تلاميذه وأصحابه المناضلين عن طريق الرسائل التي كانت تكتب على الحرير الأصفر، ومن هنا عُرف نضاله ضدّ الاستعمار بحركة الرسائل الحريرية، ولتنفيذ خطته سافر إلى الحجاز، وقابل كبار المسؤولين من الخلافة العثمانية في المدينة المنورة، ولكن من سوء الحظ أن حكومة الاستعمار الإنكليزي اطلعت على هذه الخطة، وألقت عليه القبض عن طريق الشريف حسين أمير مكة عام ١٣٣٣ هـ الموافق عام ١٩١٦ م، ومعه عدد من تلاميذه، وسُفِّروا إلى (مالطة)، وسُجنوا بها، ثم أطلق سراحهم في جمادى الآخرة ١٣٣٨ هـ الموافق يناير (كانون الثاني) ١٩٢٠ م، بعد ثلاث سنوات ٣٣ وشهرين، وتلقاه الناس بحفاوة بالغة، وغلب عليه لقب شيخ الهند، وظل يزور ويجول في أرجاء البلاد، يدعو الشعب إلى النضال ضد الإنكليز، واستأثرتْ به رحمةُ الله صباح يوم ١٨ من شهر ربيع الأول ١٣٣٩ هـ الموافق ٣٠ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٢٠ م في دهلي. وكانت ترجمته للقرآن الكريم من أحسن التراجم الأردية وأكثرها قبولاً. وقد نبغ من تلامذته: العارف الكبير والمربّي العظيم الشيخ أشرف علي التهانوي، والعلاَّمة المحدِّث محمد أنور شاه الكشميري (١)، (١) هو العلامة المحدث الكبير الشيخ أنور شاه بن الشيخ محمد معظّم شاه الكشميري، انتهت إليه رئاسة تدريس الحديث في الهند، كان دقيق النظر في طبقات المحدِّثين والفقهاء، نادرة عصره في قوة الحفظ، وسعة الاطلاع على كتب المتقدمين، والتضلّع من الفقه والحديث وأصولهما، والتفسير وأصوله، والرسوخ في العلوم الإسلامية والعربية، وُلد صباح السبت ٢٧ شوال ١٢٩٢ هـ الموافق تشرين أول أكتوبر ١٨٧٥ م في كشمير، التحق بجامعة دار العلوم ديوبند ١٣١٠هـ، وتلقى فيها الدراسات العليا على الشيخ محمود حسن والشيخ خليل أحمد السهار نفوري وغيرهما، وتخرج فيها عام ١٣١٤ هـ، وبدأ يعمل رئيساً لهيئة التدريس بالمدرسة الأمينية الإسلامية بدهلي، وعاد إلى وطنه كشمير عام ١٣٢٠ هـ، ثم سافر إلى الحجاز وأسند الحديث عن الشيخ حسين بن محمد بن مصطفى الطرابلسي ت ١٣٢٧هـ، ثم تولى التدريس بالجامعة الإسلامية بديوبند، وأصبح رئيس التدريس هناك لمدة اثني عشر عاماً، ومن مؤلفاته تعليقات على (فتح القدير) لابن الهمام إلى كتاب الحج، قال الشيخ الكوثري عنه: لم يأت بعد الشيخ ابن الهمام مثله في استثارة الأبحاث النادرة من ثنايا الأحاديث، وهذه برهة طويلة من الدهر، وتعليقات = ٣٤ والعلاَّمة شبير أحمد العثماني(١)، على (الأشباه والنظائر)، وتعليقات على (صحيح الإمام مسلم) وكتاب = (عقيدة الإسلام في حياة عيسى عليه السلام) و(إكفار الملحدين) و(مرقاة الطارم) و(التصريح بما تواتر في نزول المسيح) و(فصل الخطاب) و(نيل الفرقدين) و(فيض الباري شرح صحيح البخاري) و(مشكلات القرآن). كان رحمه الله عالماً موسوعياً بكل ما للكلمة من معنى، يحمل في صدره مكتبة واسعة في العلوم العقلية والنقلية والقديمة والحديثة، حتى قيل: ((إنه يفوق أستاذه أبا الحسنات عبد الحي اللكنوي في صناعة الحديث))، استأثرت به رحمة الله في ٣ صفر ١٣٥٢ هـ الموافق ٣٠ نيسان أبريل ١٩٣٣م، (يراجع: نفحة العنبر في حياة إمام العصر الشيخ أنور، للشيخ يوسف النبوري؛ نزهة الخواطر، للشيخ عبد الحي الحسيني المجلد الثامن؛ تاريخ دار العلوم ديوبند المجلد الثاني؛ تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر للعلامة عبد الفتاح أبي غدة؛ حياة الشيخ أنور للأستاذ أزهر شاه قيصر). (١) هو العلامة شبير أحمد العثماني بن الشيخ فضل الرحمن العثماني الديوبندي، ولد عام ١٣٠٥ هـ الموافق ١٨٨٧م، والتحق بدار العلوم ديوبند وتخرج فيها عام ١٣٢٥ هـ الموافق ١٩٠٧ م، وكان من أبرز تلاميذ شيخ الهند محمود حسن الديوبندي، وعُيّن أستاذاً في جامعة ديوبند عام ١٣٢٨ هـ الموافق ١٩١٠ م، وفي عام ١٣٥٢ هـ عُيّن شيخ الحديث بالجامعة الإسلامية بمدينة (دابهيل) بولاية (كجرات) الهند، وعلى إلحاح من حكيم الأمة أشرف علي التهانوي وغيره تولّى منصب الرئيس العام لجامعة ديوبند عام ١٣٦٢ هـ الموافق ١٩٤٤ م كان رحمه الله أحد الخطباء المصاقع، والأدباء المترسّلين المبرزين باللغة الأردية، ألَّف عدداً من الكتب، تنمّ عن عميق علمه وسعة اطلاعه وطول باعهِ في العلوم الإسلامية، وكان من كبار قادة جمعية علماء الهند، وفي عام = ٣٥ والشيخ عبيد الله السندي(١)، ١٣٦٦ هـ انتقل إلى باكستان، وعُيِّن عضواً في لجنة وضع الدستور ورئيساً للجنة أيضاً. من إنتاجاته العلمية الرائعة (إعجاز القرآن)، (بين العقل والنقل)، (رسالة الإسلام)، وله تفسير وجيز للقرآن الكريم يعرف بالفوائد العثمانية. أما مأثرته الخالدة وعمله الجليل فهو شرحه الحافل لصحيح الإمام مسلم، وقد سمّاه (فتح الملهم بشرح صحيح مسلم)، وأماليه على (صحيح البخاري)، توفي رحمه الله في ٢١ صفر ١٣٦٩ هـ الموافق ١٣ كانون أول ديسمبر ١٩٤٩ م (يراجع: مقدمة فتح الملهم، تاريخ ديوبند: ٩٨/٢، مقدمة التفسير العثماني). (١) هو الشيخ العالم الصالح عبيد الله الحنفي السندي، أحد العلماء المشهورين، ولد في تاسع المحرم سنة تسع وثمانين ومئتين وألف في بلدة (سيالكوت)، ثم هاجر إلى بلاد السند ثم سافر إلى (ملتان) ومنها إلى (ديوبند) وقرأ على أساتذة الجامعة بعض رسائل المنطق ثم سافر إلى (كانفور) وقرأ أكثر الكتب الدراسية علی مولانا أحمد حسن الکانفوري، ثم رجع إلی دیوبند، وأخذ الحدیث من العلامة محمود حسن، وتفقه عليه، وأسس نظارة المعارف بفناء المسجد الفتحفوري في (دهلي) ليدرّس هناك القرآن الكريم وحجة الله البالغة، وبعض كتب الحديث، ثم نشبت الحرب الكبرى فسافر إلى حدود أفغانستان متخفياً بإيعاز من شيخه العلامة محمود حسن الديويندي، يحمل رسالة الجهاد، والثورة على الإنكليز إلى خاصة تلاميذه، وليحمل أمير أفغانستان على محاربة الإنكليز والهجوم على الحكومة الإنكليزية في الهند، وتنكرت الحكومة الأفغانية للشيخ عبيد الله، وفرضت عليه رقابة وألزمته داراً، كان يشتغل فيها بتعليم القرآن لزملائه المعتقلين الذين كان أكثرهم من تلاميذ الكلیّات والجامعات الذين هاجروا من الهند. = ٣٦ والشيخ حسين أحمد المدنى (١) كان الشيخ عبيد الله من نوادر الرجال في قوة الإرادة وشهامة النفس واقتحام = المخاطر، والبعد في التخيّل، والاعتماد على النفس، والعزوف عن الشهوات، وكان مفرط الذكاء، جيد النظر في طبقات العلماء وتاريخ العلوم وتدوين الحديث، كما كان مفرط الحب والانتصار للإمام ولي الله الدهلوي، عظيم الشغف بكتبه وعلومه وتحقيقاته، جعل كتابه (حجة الله البالغة)، وتحقيقاته في كتبه أساس فكره وجهده يطبقها على الأصل الجديد، وكان له مذهب في تفسير القرآن يستنبط منه دقائق السياسة العصرية والمذاهب الاقتصادية، وقد تخرج عليه في هذا الأسلوب من التفسير بعض كبار العلماء، الذين نفع الله بهم خلقاً كثيراً، أشهرهم الشيخ أحمد علي اللاهوري، ولم یکن له کبیرُ اشتغال بالتأليف، ومِنْ أحسن ما كتب (التمهيد في أئمة التجديد) بالعربية، ألفه بمكة، وافاه الأجل في الثالث من شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمئة وألف. (يراجع: نزهة الخواطر: ٣٠٣/٨ -٣٠٨ بتعديل واختصار). (١) هو الشيخ العالم الجليل، المحدِّث الكبير، البطل الجريء، السيد حسن أحمد المدني بن حبيب الله، المعروف في ديار الهند بـ(شيخ الإسلام)، ولد سنة ١٢٩٦ هـ في قرية (بانكرمو) بمديرية (أوناو) بولاية (أترابراديش) الهند. التحق بجامعة ديوبند، وتلقى العلوم من أساتذتها البارعين، وأخذ الفقه والحديث عن الشيخ العلامة محمود حسن الديوبندي، ولازمه مدة طويلة إلى أن تخرج في الجامعة. هاجر مع أسرته إلى الحجاز سنة ١٣١٦ هـ وأقام بالمدينة المنوّرة يدرّس في المسجد النبوي الشريف إلى أن غادر إلى الهند عام ١٣٣٣ هـ. وقد أسر الشريف حسين أمير مكة الشيخ محمود حسن وأصحابه ومنهم الشيخ، في مكة المكرمة بإيعاز من الحكومة الهندية الإنكليزية حين سافروا إليها للحج، وأسلمهم إليها، فنقلتهم إلى مصر، ثم إلى (مالطة)، حيث مكث = ٣٧ وغيرهم(١)، وقد قرأ عليه الشيخ التهانوي أكثر كتب المنطق والحكمة وبعض الفقه والأصول. ٣ - الشيخ العالم الفقيه مولانا منفعت علي الديوبندي، أحد الفقهاء المشهورين، ولد ونشأ بديوبند، قرأ العلم على مولانا يعقوب بن مملوك العلي النانوتوي والشيخ السيّد أحمد الدهلوي وعلى غيرهما من العلماء في المدرسة العربية بديوبند، ومكث بها طالباً من سنة أربع وثمانين ومئتين وألف، إلى سنة اثنتين وتسعين ومئتين وألف، ثم ولي التدريس بتلك المدرسة، فدرس بها إلى سنة ثماني عشرة وثلاثمئة وألف، ثم اعتزل عنها وخالف أعضاء المدرسة في نظامها، ودرّس مدة في مدرسة فتحفوري، ثم انتقل إلى جامعة العلوم بكانفور، ودرّس بها زماناً، كان عالماً كبيراً، بارعاً في الهيئة والهندسة سجيناً نحو ثلاث سنوات، ولما حمي وطيس حركة تحرير البلاد خاضه بقوة = وثبات، وألقى خطباً مثيرة ضد الاستعمار، يجول في البلاد والأمصار فحبس مراراً. كان رحمه الله عالماً ربانياً، ومحدِّثاً جليلاً، وزعيماً بارزاً، جامعاً لمحاسن الإنسانية ومزاياها، وكان قليل التصنيف، وله (نقش حيات) و(الشهاب الثاقب) وقد جمع بعض تلاميذه دروسه لسنن الترمذي، وهي مطبوعة . توفّي رحمه الله في سنة ١٣٧٧هـ بمدينة ديوبند ودفن بها. (نزهة الخواطر: ١٢٦/٨؛ تاريخ جامعة دار العلوم ديوبند: ٢/ ٨٢). (١) ينظر لترجمة الشيخ محمود حسن: (حياة شيخ الهند) و(نقش حيات)، و(أسير مالطة)، و(تذكرة شيخ الهند)، ونزهة الخواطر، المجلد الثامن، وتاريخ دار العلوم ديوبند، المجلد الثاني. ٣٨ والحساب والفقه والفرائض، له رسالة بسيطة بالأردو في المواريث، توفّي في كانفور لسبع خلون من ذي القعدة سنة سبع وعشرين وثلاثمئة وألف(١)، وقد قرأ عليه الشيخ التهانوي المختصرات من العلوم العربية. ٤ - الشيخ العالم الفقيه عبد العلي بن نصيب علي الحنفي الميرتهي، أحد العلماء المشهورين، ولد ونشأ بقرية عبد الله فور من أعمال (ميرته)، وقرأ العلم على العلاَّمة محمد قاسم النانوتوي، ومولانا أحمد علي السهار نفوري والشيخ فيض الحسن السهار نفوري، وعلى غيره من العلماء. درّس في المدرسة العربية بديوبند، ثم تصدر للتدريس في مدرسة المرحوم حسين بخش بدهلي في سنة اثنتي عشرة وثلاثمئة وألف، كان كثير التواضع، طارحاً للتكليف، أليفاً ودوداً، كثير الضيافة موسراً، تخرجت عليه جماعة من العلماء الكبار، وقرأ عليه الشيخ أشرف علي التهانوي والشيخ أنورشاه الكشميري، والشيخ حسين أحمد المدني الفيض آبادي، المعروف بشيخ الإسلام وغيرهم، مات في سنة أربعين وثلاثمئة وألف، ودفن في مقبرة الشيخ ولي الله الدهلوي(٢). ٥ - الشيخ المُلاّ محمود، وقد قرأ عليه الشيخ التهانوي بعض كتب الحديث. (١) نزهة الخواطر: ٨/ ٤٨٢. المصدر السابق: ٨/ ٢٦٧. (٢) ٣٩ ٦ - الشيخ السيد أحمد: وقد قرأ عليه الشيخ التهانوي الفنون الرياضية والمواريث. ٧ - الشيخ العالم المقرئ محمد عبد الله المهاجر المكّي، كان من القرّاء المعروفين المشهورين في البلاد العربية، وكانوا ينظرون إليه بعين الاحترام والتوقير، نظراً إلى ما رزقه الله تعالى من نعمة الصوت الحسن والبراعة في فن القراءة والتجويد، وقد قرأ عليه الشيخ التهانوي بعض رسائل التجويد، وتدرب عليه في قراءة القرآن الكريم بالترتيل، وذلك في المدرسة الصولتية(١) بمكة المكرمة . يقول الشيخ القاضي تقي العثماني متحدِّثاً عن دراسة الشيخ التهانوي في جامعة دیوبند : ((وبالجملة فقد عاش حكيم الأمة التهانوي رحمه الله في دار العلوم بين (١) المدرسة الصولتية: هي المركز التعليمي، وأول مدرسة أسست في سنة ١٢٨٥ هـ في مكة والحجاز، وسمّيت في سنة ١٢٩١ هـ بالمدرسة الصولتية، نسبة إلى المرأة الهندية التي تبرعت ببنائها، واسمها صولت النساء، وبقي الشيخ العالم رحمة الله الكيرانوي مديراً ومدرّساً فيها إلى وفاته في ٢٢ من شهر رمضان ١٣٠٨ هـ، وقد زار الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله هذه المدرسة في ٢٨ /١٣٤٤/٦هـ، وتفقد فصولها وبناياتها، وأثنى على القائمين عليها، وما زالت هذه المدرسة قائمة بدورها العلمي في مكة المكرمة إلى الآن. (مقدمة التحقيق لكتاب (إظهار الحق)، ص٢١، ط: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية -الرياض). ٤٠