النص المفهرس
صفحات 341-360
الفصل التاسع انتشار مذهب الإمام ٣٤١ انتشار مذهب الإمام كان الإِمام رحمه الله تعالى صادقاً مع الله تعالى في أخذ العلم وبذله، مخلصاً لله تعالى في تبليغ الفقه والعلم إلى الناس في كل صقع ومكان. وقد رأينا كيف بارك الله تعالى في عمره وعمله، فقد قصده طلاب العلم وشداة الفقه من كل حدب وصوب، فاغترفوا من علمه وعبوا من فقهه، ثم عادوا إلى بلادهم يعلمون الناس ويفقهونهم، ومن ثَمَّ فقد انتشر مذهبه كالضياء المشرق من الكوفة إلى سائر العراق وفارس، والأفغان وباكستان، والهند والصين، واليابان وتركستان، والشام ومصر والمغرب، والأندلس وأوروبا كلها من شمالها إلى جنوبها، من القوقاز والقرم وبولندا ورومانيا وبلغاريا والنمسا وتركيا واليونان، ويوغوسلافيا وألبانيا، حتى بلغ نسبة عدد المسلمين الذين يتعبدون لله تعالى على مذهبه ٣٤٣ شطر المسلمين، وأخذت به دول خلافة وحكومات، فأصبح مذهب الخلافة العباسية من أيام هارون الرشيد، وكان مذهب آل الليث والسلاجقة والدولة الغزنوية، ثم الدولة العثمانية التي عاشت في قلب أوروبا الكافرة ستمائة سنة ترفع راية الإِسلام في عزة، حتى ... والحكومات المصرية والسورية والأردنية والعراقية واللبنانية وغيرها في شؤون الإِفتاء وفي المحاكم الشرعية - وهي الجذوة التي ستشتعل وتتسع حتى تعم سائر جهات الحكم والقضاء بإذن الله تعالى -. ذكر لي الشيخ عبد الوهاب الحافظ رحمه الله تعالى: أن الإِفتاء استمر بالشام سبعمائة سنة للمذهب الحنفي، حتى جاء المفتي الحالي وهو شافعي المذهب. روى الموفق المكي بسنده إلى يحيى بن آدم أنه قال: كان كلام أبي حنيفة في الفقه لله، ولو كان يشوبه شيء من الدنيا لم ينفذ إلى الآفاق كل هذا النفاذ؛ مع كثرة حساده ومنتقصيه(١). قال المحدث الفقيه مسعود بن شيبة في ((التعليم)) والفقيه المحدث الشيخ عبد الرشيد النعماني في تعليقه عليه: ولم تزل الخلفاء الراشدون المهديون من آل عباس بن عبد المطلب ذاهبين هذا المذهب، معتقدين لأصوله، عاملين (١) مقدمة شرح الآثار، نقلاً عن مناقب الموفق / ١ - ٥٣/ في /١ - ١٠٣/. ٣٤٤ بفروعه، ناصرين لأصحابه. أولهم المنصور والمهدي والرشيد والأمين والمأمون، والمعتصم والواثق والمتوكل، والمعتضد والمقتدر والمطيع، والقادر والقائم والمكتفي، وكانوا جميعاً من المبرزين في علم الأصول والفروع من أهل النظر والفتيا على مذهب أبي حنيفة. وكذلك سلاطين آل طاهر، وآل سامان، وآل الليث، وآل صفار، وآل سبكتكين، وآل سلجوق الذين كانوا ملوك الإِسلام وسلاطين الأرض، كانوا على مذهب أبي حنيفة، منتمين إليه، متعصبين له إلى يومنا هذا. أما البلاد: فكانت الكوفة وأعمالها، والبصرة وقراها، والأهواز وما حولها، وعامة بغداد، وأكثر أهل شيراز، وجميع أهل كرمان ومكران وخراسان وتركستان بأسرها، وما وراء النهر أقصى بلاد الترك، والسند والهند والروم والدروندر والبلغر وكاشغر، وغوز وغرجه، وسجستان، والزنج والحبشة، وأكثر أهل اليمن، وخلق من أهل دمشق وبلاد حوران بأسرها، وجبل الخليل ووادي موسى، وأكثر العراقين ودشت قيماق، وبلاد يونان وأكثر التركمان من أهل الأجنبية وغيرهم، وبعض أهل أذربيجان وعامة ديار ربيعة ومضر يدينون الله تعالى بما مهد لهم أبو حنيفة سبيل الهدى، وأوضح لهم مناهج الحق، إلّا أن بعض أهل المواضع خالفوا أبا حنيفة لما قتل الديلم - لعنهم الله تعالى - فقهاءها، وأظهروا فيها دينهم، وكانت الديلم من الملاحدة إلاّ قليلاً منهم، وظهر مذهب الإِمام ٣٤٥ الشافعي حين قهر نظام الملك(١). وقال العلامة ابن عابدين: فالدولة العباسية وإن كان مذهبهم مذهب جدهم، فأكثر قضاتها ومشايخ إسلامها حنفية، يظهر ذلك لمن تصفح كتب التواريخ. وكانت مدة ملكهم خمسمائة سنة تقريباً، وأما الملوك السلجوقيون وبعدهم الخوارزميون، فكلهم حنفيون وقضاة ممالكها غالبها حنفية. وأما ملوك زماننا سلاطين آل عثمان - أيد الله دولتهم ما كرّ الجديدان - فمن تاريخ تسعمائة إلى يومنا هذا، لا يولون القضاء وسائر مناصبهم إلا حنفيةا هـ. وقال الشيخ محمد أبو زهرة(٢): وكان المذهب الحنفي غالباً على أهل أرمينية وأذربيجان، وتبريز، وأهل الري، والأهواز، ثم كان في أول الأمر بإقليم فارس كثير من الحنفية، ثم غلب عليها المذهب الشيعي الإِثنا عشري. والهند فيها المذهب الحنفي يكاد ينفرد بالسلطان، والمذهب الذي يجاوره فيها المذهب الشافعي، ولا يتجاوز عددهم مليوناً أو نحواً من هذا، والباقي من الحنفية. ومسلمو الصين ويتجاوز عددهم الأربعين مليوناً كذلك أكثرهم من الحنفية، وهكذا ترى ذلك المذهب شرَّق وغرب، وكثر الآخذون به والسالكون لطريقه. ولو أنه فتح فيه باب التخريج؛ لاستخرج العلماء من قواعده أحكاماً صالحة تتسع لكل البيئات اهـ. (١) / ٣٤٨ - ٣٥٠/. (٢) أبو حنيفة ص ٤٦٦. ٣٤٦ فَذْلَكَة في حكمة بقاء مذاهب الأئمة الأربعة ١ - قضت حكمة الله تعالى ببقاء مذاهب: الإِمام أبي حنيفة والإِمام مالك، والإِمام الشافعي، والإِمام أحمد - رحمهم الله ورضي عنهم - من بين المذاهب العديدة، التي زخر بها عصر الإِسلام الذهبي، كمذاهب: الحسن البصري، والثوري، والأوزاعي، والطبري . ويعود ذلك في نظري القاصر إلى الأسباب التالية: أ - اتفاقهم على أصول العقيدة الصحيحة اتفاقاً تاماً، فكانوا أئمة أهل السنة حقاً. ب - تقارب ظهورهم واتصال بعضهم ببعض، مما شجع على استفادة مذهب من آخر، واستئناسه برأيه في مسائل. ج - اتفاقهم على الأصول التي تبنى عليها أكثر مسائل الشريعة، وهي: الكتاب، والسنة، والإِجماع، والقياس. وما كان من اختلافهم بعد ذلك في اعتبار بعضهم المصالح المرسلة، وآخرين الاستصحاب، وبعضهم الاستحسان، فذلك شأنه یسیر یسیر. ٣٤٧ د - حسن ظن أئمة المذاهب بعضهم ببعض، مما يشعر بانتفاء الحسد والبغضاء بينهم، والحسد داء قلما يسلم منه متعاصرون أو مقاربون. هـ ـ حرصهم العجيب - الذي عرفوا به - على تبليغ العلم ونشره، ونصح الناس فيه لله تعالى، وإقبالهم المثالي على الله تعالى بالعبادات والسلوك، مع زهد عجيب في الدنيا ومفاتنها، وترفع أعجب عن طلاب الدنيا وطلابها، وقد جعل ذلك لهم في قلوب معاصريهم من العلماء والعامة مكانة خاصة، توارثها الأبناء عن الآباء، حتى وصل إلينا، وما يزال ولن يزال ذلك بإذن الله تعالى، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، أو قبل ذلك بقليل، حين يؤذن الله تعالى أن يعم الفساد الأرض ولا يبقى فيها من يقول لا إله إلا الله، وعليهم تقوم الساعة . و - وما قيض الله تعالى لأولئك الأئمة من تلامذة نجباء، ورثوا الصدق والإِخلاص وحب العلم والحرص على نشره عن شيوخهم، فحفظوا أقوالهم ودوَّنوا علومهم ثم نشروها بين الناس. ولا شك أن ثمة حكماً أخرى عديدة استأثر الله تعالى بها، قد يطلع على بعضها من شاء من عباده. ٢ - ولقد نقلت أقوال أئمة هذه المذاهب سواء كانت في ٣٤٨ كتبهم وأماليهم، أو في دروسهم ومجالسهم بدقة وأمانة، وسجلت في كتب الفقه التي أضحت متداولة بين الناس، مما يجعل القارىء واثقاً أن هذا القول ((مثلاً)) هو قول فلان الإِمام إذا رآه في كتاب من هذه الكتب الفقهية المعتمدة. ولا نجد هذا أحياناً في نقل بعض أقوال الصحابة كابن عباس رضي الله عنهما، ومن نظر فيما ينقل من أقوال بعض الصحابة المتعارضة، يحكم بأنها نُقول غير موثوق بنقلها عنهم، وبالتالي أنه غير مقطوع بأنها من أقوالهم؛ فكيف بمن جاء بعدهم من التابعين وأتباعهم إلى قرون قريبة، بل زماننا هذا، - وللصحابة مكانتهم .. وهذا هو الذي يحمل العلماء أحياناً على ترك أقوال بعض الصحابة في مسائل تخالف ما في مذاهبهم، لأنها أقوال غير موثوقة الاتصال بهم والصدور عنهم، وإلا فأقوال الصحابة مقدَّمة على أقوال سائر الأئمة أنفسهم، فإن من أصولهم تقديمَ قول الصحابي على الرأي والاجتهاد. ٣٤٩ الفصل العَاشر محرّ في حياة الإمام وَوَفَاته ٣٥١ محنُ في حياة الإمام وَوَفَاته يحار أحدنا أحياناً في تعليل محن الأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم، وأمثالهم ممن سبقهم ومن جاء بعدهم، لأنها وقعت في قرون الخير والنور، يوم كان حكام المسلمين يحتكمون إلى الإسلام وأحكامه - إلا في مسائل ينحرفون فيها تبعاً للأهواء والمطامع - وكانت الأمة الإِسلامية لا تعرف سوى الإِسلام وأحكامه - غالباً - فلقد أصيبوا رحمهم الله تعالى بمحنٍ كادت تودي بحياة بعضهم، وأودت بحياة بعضهم، ومنهم الإِمام الأعظم رحمه الله تعالى ورضي عنه. وهذه صور ما امتحن به الإِمام رحمه الله تعالى من الأذى والضرب والحبس والتهديد بالقتل، حتى قتل ظلماً وفاز بالشهادة، على أرجح الأقوال. ٣٥٣ المحنة الأولى : كان ذلك سنة ١٢٧ هـ أيام الخليفة مروان بن محمد الأموي حين احتل الخوارج الكوفة بقيادة الضحاك بن قيس الشيباني، فقد دخل الضحاك ومعه جماعة على الإِمام رحمه الله تعالى وطلب منه أن يتوب، فقال له الإِمام: مم أتوب؟ وأعاد عليه الضحاك الأمر بالتوبة، فقال له الإِمام: مم أتوب؟ قال: من رضاك بالتحكيم - بين علي ومعاوية رضي الله عنهما - فقال له الإِمام: هل لك أن تناظرني؟ قال: نعم، فقال الإِمام: إذا اختلفنا فمن نجعل بيننا؟ قال: فلاناً، فقال له الإِمام: أترضى به أن يكون حكماً بيننا؟ قال: نعم، فقال الإِمام للضحاك: قد رضيتَ بالتحكيم، فانقطع الضحاك. قال المحدِّث الفقيه علي القاري: وهذا الذي نقل في بعض روايات الثلب في الإِمام أنه استتيب مرتين، إنما كان ذلك من الخوارج، الذين كفّروا علياً وكرام الصحابة رضوان الله عليهم وقاتلوهم. ذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، فوقف على رسول الله وَ لقر وهو يعطي الناس من غنائم حنين، فقال: قد رأيتُ ما صنعتَ هذا اليوم؟ فقال: أجل فكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلت فيها، فغضب النبي وَله، فقال: ((ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟)) فقال عمر بن الخطاب: ألا أقتله؟ قال: ((دعه فإنه سيكون له شيعة ٣٥٤ يتعمقون في الدين، حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرَّمِيَّة ... ))(١). المحنة الثانية : ودخل عليه وفد من الخوارج تلك الأيام، وقد شهروا سيوفهم، فقالوا له: هاتان جنازتان بباب المسجد: أما إحداهما فجنازة رجل شرب الخمر حتى كظته وحشرج بها فمات، والأخرى امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحبل قتلت نفسها، قال: من أي الملل كانا؟ من اليهود؟ قالوا: لا، قال: فمن النصارى؟ قالوا: لا، قال: أفمن المجوس، قالوا: لا، قال: من أي الملل كانوا؟ قالوا: من الملّة التي تشهد أن لا إله إلّ الله وأن محمداً عبده ورسوله، قال: فأخبروني عن هذه الشهادة، أهي من الإِيمان ثلث أو ربع أو خمس؟ قالوا: إن الإِيمان لا يكون ثلثاً ولا ربعاً ولا خمساً، قال: فكم هي من الإِيمان؟ قالوا: الإِيمان كله، قال: فما سؤالكم إياي عن قوم قد زعمتم وأقررتم أنهما كانا مؤمنين؟ قالوا: دعنا عنك، أمن أهل الجنة هما أم من أهل النار؟ قال: أما إذا أبيتم، فإني أقول فيهما ما قال إبراهيم عليه السلام في قوم كانوا أعظم جرماً منهما: ﴿ فمن تبعني فإنه مني، ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ وأقول فيهما ما قال (١) السيرة النبوية لابن هشام / ٢: ٤٩٦/. ٣٥٥ عيسى عليه السلام في قوم كانوا أعظم جرماً منهما: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ وأقول فيهما ما قال نبي الله نوح عليه السلام إذا قالوا: أنؤمن لك واتبعك الأرذلون؟! قال: وما علمي بما كانوا يعملون، إن حسابهم إلّ على ربي لو تشعرون، وما أنا بطارد المؤمنين ﴾ وأقول ما قال نوح عليه السلام: ﴿ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً، الله أعلم بما في أنفسهم إني إذن لمن الظالمين ) وعندما سمع الخوارج هذا ألقوا السلاح(١). ولو أنه رحمه الله تعالى أجابهم أول الأمر بأنهما مؤمنان لقتلوه، لأنهم يكفرون المؤمن بفعله الذنب. المحنة الثالثة : كان ذلك سنة مائة وثلاثين، وإمامنا رحمه الله تعالى في الخمسين من عمره، وقد استتم الأمر من جديد لبني أمية، وأمير الكوفة يومئذٍ عمر بن هبيرة. روى الموفق بسنده قال: كان ابن هبيرة والياً على الكوفة في زمان بني أمية، فظهرت الفتن بالعراق، فجمع فقهاء العراق ببابه، فيهم ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وداود بن أبي هند، فولى كل واحد منهم صدراً من عمله، وأرسل إلى أبي حنيفة فأراد أن يجعل (١) أبو حنيفة: للشيخ محمد أبو زهرة تعليقاً ص ٢٣. ٣٥٦ الخاتم في يده، ولا ينفذ كتاب إلّ من تحت يد أبي حنيفة، ولا يخرج من بيت المال شيء إلّ من تحت يد أبي حنيفة، فامتنع أبو حنيفة، فحلف ابن هبيرة إن لم يقبل أن يضربه، فقال له هؤلاء الفقهاء: إنا ننشدك الله أن تهلك نفسك، فإنا إخوانك، وكلنا كاره لهذا الأمر، ولم نجد بداً من ذلك، فقال أبو حنيفة: لو أرادني أن أعدّ له أبواب مسجد واسط لم أدخل في ذلك، فكيف وهو يريد مني أن يكتب دم رجل يضرب عنقه، وأختم أنا على ذلك الكتاب؟! فوالله لا أدخل في ذلك أبداً. فقال ابن أبي ليلى: دعوا صاحبكم، فهو المصيب وغيره المخطىء، فحبسه صاحب الشرطة وضربه أياماً متتالية، فجاء الضارب إلى ابن هبيرة، وقال له: إن الرجل ميت، فقال ابن هبيرة: قل له: تُخرجنا من يميننا؟ فسأله، فقال: لو سألوني أن أعد له أبواب المسجد ما فعلت، ثم اجتمع الضارب مع ابن هبيرة، فقال: ألا ناصح لهذا المحبوس؟ أن يستأجلني فأؤجله، فأخبر أبو حنيفة بذلك، فقال: دعوني استشر إخواني وانظر في ذلك، فأمر ابن هبيرة بتخلية سبيله، فركب دابته وهرب إلى مكة، وكان هذا سنة مائة وثلاثين، وأقام بمكة حتى صارت الخلافة العباسية، فقدم أبو حنيفة الكوفة في زمن أبي جعفر المنصور اهـ. لقد ضرب رحمه الله تعالى في هذه المحنة مائة سوط على عشرة أيام في كل يوم عشرة أسواط، في رأسه ووجهه ٣٥٧ وسائر جسمه، وهو في كل ذلك صابر لا يشكو، حتى إذا بدت آثار الضرب على وجهه حزن لذلك حزناً عظيماً، خشية أن تراه أمه، فتغتم لذلك، ولقد رأت أمه ذلك فيه فعلاً، فحزنت عليه وقالت له: إن علماً أوردك مثل هذا لحري أن تتركه، فقال لها: لو أردتُ به الدنيا لوصلت إليها، ولكن أردت أن يعلم الله أني صنت العلم ولم أعرض نفسي فيه للهلكة(١) وروی الصیمري بسندہ إلی یحیی بن أكثم بن داود قال: أراد ابن هبيرة أن يولي الإِمام قضاء الكوفة، فأبى، فحلف ابن هبيرة أنه إن لم يقبل ليضربنه بالسياط على رأسه ويحبسه فحلف الإِمام أنه لا يلي منه، فقيل له: إنه حلف على أن يضربك، فقال: ضربه لي في الدنيا أخف من معالجة مقامع الحديد في الآخرة، والله لا أفعل وإن قتلني(٢). المحنة الرابعة : كان الإِمام رحمه الله تعالى قريباً من الناس وقضاياهم العامة، فكان لا يعجبه مثلاً ما فعله أبو جعفر المنصور مع محمد بن عبد الله - النفس الزكية - الذي خرج على أبي جعفر بالمدينة المنورة، وأخيه إبراهيم الذي خرج عليه بالعراق، سنة ١٤٥، فقضى المنصور على حركتهما بعنف وشدة، وكان الإِمام رحمه الله تعالى لا يسكت عن قول الحق حيث (١) مناقب الموفق /٢: ١٢/. (٢) انظر أبو حنيفة: لمحمد أبو زهرة ص ٣٢. ٣٥٨ يمكنه ذلك في درس أو محضر جماعة. روى الخطيب بسنده إلى زفر رحمه الله تعالى، قال: كان أبو حنيفة يجهر بالكلام أيام إبراهيم جهاراً شديداً، فقلت له: والله ما أنت بمنتٍ حتى توضع الحبال في أعناقنا. وكان رحمه الله تعالى ينتقد قضاء الكوفة إذا خالفت رأيه، ويصرح بخطئها في أوقات صدورها، ولمن قضى فيها وقضى لهم بها، ولقد كان ذلك يثير حفيظة القاضي عليه، ويجعله يظن به السوء، وقد يدفعه ذلك إلى القول فيه عند الأمراء، بل يروى أن ابن أبي ليلى قاضي الكوفة شكاه فعلاً وجاء الأمير يمنعه من الفتوى حيناً، ثم أبيحت له الفتوى بعد الحظر. وكان الإِمام رحمه الله تعالى محسوداً، يسيء بعضهم الرأي فيه جهلاً أو قصداً. روى الخطيب في تاريخه بسنده أن أبا العباس الطوسي كان سيء الرأي في أبي حنيفة وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، ودخل أبو حنيفة على أبي جعفر وكثر الناس، فقال الطوسي، اليوم أقتل أبا حنيفة، فأقبل عليه فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يأمر الرجل منا بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو، أيسعه أن يضرب عنقه؟ فقال: يا أبا العباس، أمير المؤمنين يأمر بالحق أم بالباطل؟ قال: بالحق، قال: أنفذ الحق حيث كان ولا تسل عنه، ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني، فربطته (١). (١) تاريخ بغداد / ١٣ : ٣٦٦/. ٣٥٩ ٢ لعل تلك الأسباب مجتمعة هي التي دفعت أبا جعفر المنصور ليعرض القضاء على الإِمام رحمه الله تعالى، فإن قبل كان ذلك إعلاناً للولاء للدولة، وتقوية لشأنها، وضماناً لطاعة جماعة كريمة من العلماء لسلطان الخلافة، وإن رفض كان ذلك ذريعة إلى التخلص منه(١)، ولم يكن لأبي جعفر سوى هذا المسلك يسلكه - والله أعلم - لأن الإِمام ليس صاحب دنيا ووظيفة، وليس أحد يتهمه في دينه وورعه، وكان الإِمام رحمه الله تعالى أعقل من أن يخرج على الإِمام ويعاديه، وإن كان لا يمنعه ذلك من أن يقول الحق في وجهه ولو انفرد في ذلك بقالة . ذكر ابن البزازي في مناقبه (٢) أن أهل الموصل كانوا قد انتقضوا على المنصور، وقد اشترط المنصور عليهم أنهم إن انتقضوا - نقضوا عهدهم بالخروج عليه - تحل دماؤهم، فجمع أبو جعفر المنصور الفقهاء وفيهم أبو حنيفة، فقال: أليس صح أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((المؤمنون عند شروطهم)) وأهل الموصل قد شرطوا أن لا يخرجوا عليّ، وقد خرجوا على عاملي، وقد حلت لي دماؤهم. فقال رجل: يدك مبسوطة عليهم، وذلك مقبول فيهم، فإن عفوت فأنت أهل العفو، وإن عاقبت فبما يستحقون. فقال لأبي حنيفة: ما (١) انظر أبو حنيفة: لمحمد أبي زهرة فقد اختصرت هنا وحذفت ما توسع المؤلف فيه رحمه الله تعالى. (٢) مناقب البزازي على هامش مناقب الموفق /٢: ١٧/. ٣٦٠