النص المفهرس

صفحات 321-340

تربية الإمام وتعليمه
قال رسول الله وَل﴿ من حديث (( ... وإنما بعثت معلماً))(١). وقال
وَل قر: ((بلغوا عني ولو آية .. )) الحديث(٢).
لقد نشأ الإِمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى على الدين،
راغباً في التفقه فيه، حريصاً على تبليغه إلى الناس، ولقد
رأينا من سيرته رحمه الله تعالى ما يؤكد ذلك.
ونريد أن نجتزىء جوانب من أعماله التربوية والتعليمية
كرجل خبير عاش التربية والتعلّم منذ نعومة أظفاره، وعاشه
بعد ذلك تعليماً وإرشاداً، وتوجيهاً وإفادة حتى قبضه الله
(١) ابن ماجه.
(٢) البخاري .
٣٢١

تعالى في السبعين من عمره وهو يعلم الناس ((بالموت)) أن
الموت على الحق خير من الحياة على شفا جرف هار.
١ - الحرص على التعليم والإِفادة ابتغاء مرضاة الله تعالى.
قال يزيد من الكميت كان الإِمام يناظر رجلاً فقال الرجل
اتق الله، فانقبض الإِمام وارتعد وطأطأ رأسه ثم قال: يا أخي
جزاك الله خيراً ما أحوج الناس إلى من يذكرهم الله تعالى
وقت إعجابهم بما يظهر على ألسنتهم من العلم، حتى يريدوا
الله بأعمالهم، اعلم أني ما نطقت بالعلم إلّ وأنا أعلم أن الله
تعالى يسألني عن الجواب، ولقد حرصت على طلب
السلامة(١).
وقال مكي بن إبراهيم أحد شيوخ البخاري كنت أتجر
فقال لي الإِمام: التجارة بلا علم تورث فساد المعاملة، فما
زال بي حتى تعلمت، فما زلت كلما ذكرته وذكرت كلامه
وصليت أدعو له بالخير، لأنه فُتح عليَّ ببركته أبواب
العلم(٢).
وقال أبو شهاب الحناط : وثقه ابن معين: سمعت أبا
حنيفة يقول: من تعلم العلم للدنيا حرم بركته ولم يرسخ في
قلبه، ولم ينتفع به كثير أحد، ومن تعلمه للدين بورك له في
(١) مناقب الإمام الكردري ٣٥١.
(٢) الكردري ٣٧٧.
٣٢٢

علمه ورسخ في قلبه وانتفع المقتبسون منه بعلمه(١).
٢ - التفرغ لتحصيل العلم أولاً.
قال رحمه الله تعالى لتلميذه الأول أبي يوسف رحمه الله
تعالى من كلام: واطلب العلم ثم اجمع المال من الحلال ثم
اشتغل بالتزوج، فإنك إن اشتغلت بطلب المال في وقت
العلم عجزت عن طلب العلم، ودعاك المال إلى شراء
الجواري والغلمان، وتشتغل بالدنيا. ثم قال: فإذا جمعت
المال فاشتغل بالزواج وعاشر امرأتك على ما بينت لك،
وعليك بتقوى الله تعالى، وأداء الإِمانة والنصيحة لجميع
العامة، ولا تستخفّ بالناس، ووقرهم ولا تكثر معاشرتهم إلا
بعد أن يعاشروك، وقابل معاشرتهم بذكر المسائل، حتى إن من
كان من أهله اشتغل بالعلم، ومن لم يكن من أهله يجافيك، ولا
يجد عليك بل لا يحوم حولك (٢).
٣ - الحرص على الزمن، والذي هو نعمة قلّ من يقدرها حق
قدرها مصداقاً لقوله # ((نعمتان مغبون فيهما كثير الناس
الصحة والفراغ)) (٣) وقال الأمير ابن هبيرة:
والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه
وأراه أسهل ما عليك يضيع
(١) مناقب الإمام للموفق ٣٤٩.
(٢) الموفق ٣٧٣.
(٣) البخاري والترمذي وغيرهما.
٣٢٣

قال بكربن جعفر: ربما دخل الرجل على أبي حنيفة
رحمه الله تعالی فیقول کیت وکیت، فإذا أکثر قال: دع ما
أنت فيه، ما تقول في كذا وكذا فيقطع عليه كلامه. وكان
يقول: إياكم ونقل ما لا يحبه الناس أي من حديث الناس.
عفا الله عمن قال فينا مكروهاً، رحم الله امرءاً قال فينا
جميلاً، تفقهوا في دين الله وذروا الناس وما صنعوا لأنفسهم
فيحوجهم إليكم(١).
٤ - الإِخلاص في العلم والحرص على ظهور الحق وكفى.
قال يحيى بن شيبان رحمه الله تعالى قال أبو حنيفة رحمه
الله تعالى: وقد رأى ولده حماداً وبعض تلامذته يناظرون في
الكلام فنهاهم عن المناظرة فلما قالوا له رأيناك تناظر في
الكلام وتنهانا عنه؟ قال رحمه الله تعالى: كنا نناظر كأن على
رؤوسنا الطير مخافة أن يزلّ صاحبنا، وأنتم تناظرون وتريدون
زلّة صاحبكم ومن أراد أن يزلّ صاحبه، فقد أراد أن بكفر
صاحبه(٢).
٥ - تكريم العلم ومعرفة قدره.
قال إسماعيل به حماد بن أبي حنيفة: إن أبا حنيفة لما
حذق ولده الفاتحة وهب للمعلم خمسمائة درهم، وزاد ابن
(١) الموفق ٣٥٤.
(٢) الكردري ١٣٨.
٣٢٤

جبارة في كتابه المعروف ((بالكامل)) فقال المعلم: ما صنعت
حتى أنفذ إليّ هذا؟ وحضر، ((أي جاء)) أبو حنيفة إلى
المعلم، واعتذر إليه وقال: يا هذا لا تستحقر ما علمت
ولدي، فوالله لو كان معنا أكثر من ذلك لدفعناه تعظيماً
للقرآن(١).
وتقدم خدمة الإِمام أبي حنيفة لشيخه حماد رحمهما الله
تعالی ودعاؤه له مع أبويه .
٦ - حسن المجالسة للأصحاب ومواساتهم.
قال الوليد بن القاسم. كان النعمان بن ثابت الخزاز حسن
التفقد لأمور أصحابه يسأل عن أحوالهم سراً، فمن عرف به
حاجة واساه، ومن مرض منهم، أو قريباً له عاده، ومن مات
منهم أو قريباً له شيع جنازتهم، أو نابته نائبة أو واحداً من
أصحابه سعى في حوائجهم وكان كريم الطبع حسن
المعاشرة(١).
وقال حفص بن حمزة القرشي: كان أبو حنيفة ربما مرّ به
رجل فجلس إليه بغير قصد ولا مجالسة فإذا قام سأل عنه،
فإن كان به فاقة وصله، وإن مرض عاده، حتى يجتّه إلى
مواصلته، وكان أكرم الناس مجالسة(٢). وقال الحسن بن
(١) الموفق ٢٣٦.
(٢) المصدر نفسه كتاباً وصفحة.
٣٢٥

سليمان: كان جواداً ما رأيت مثله كان أجرى على أصحابه
وظيفة كل شهر ومع ذلك فقد يواسيهم في عامة الأيام(١).
٧ - مواساته طلابه وإعانته لهم على طلب العلم.
قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: كنت أطلب الحديث
والفقه وأنا مقلّ، فجاء أبي يوماً وأنا عند أبي حنيفة فانصرفت
معه، فقال يا بُني لا تمدّ رجلك مع أبي حنيفة فإن أبا حنيفة
خبزه مشوي وأنت تحتاج إلى المعاش، فقصرت عن كثير
من الطلب وآثرت إطاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة رحمه الله
تعالى وسأل عني، فجعلت أتعاهد مجلسه، فلما كان أول يوم
أتيته بعد تأخري عنه، قال لي ما خلّفك عنا؟ قلت: الشغل
بالمعاش وطاعة والدي؛ وجلست فلما أردت الانصراف أوما
إليّ فجلست، فلما رجع الناسُ دفع إليّ بصرّة فقال استعن بهذه،
فنظرت فإذا فيها مائة درهم، وقال الزم الحلقة، فإذا نفدت
هذه فأعلمني. فلزمت الحلقة، فلما مضت مدّة يسيرة دفع
إليّ مائة أخرى، ثم كان يتعاهدني وما أعلمته بخلّة ولا أخبرته
بنفاد شيء، وكأنه كان يخبر بنفادها حتى استغنيت وتموّلت،
فلزمت مجلسه حتى بلغت حاجتي، وفتح الله تعالى لي
ببركته وحسن نيته ما فتح من العلم والمال فأحسن الله عني
مكافأته وغفر له(٢).
(١) الكردري ٢٦٦.
(٢) أبو يوسف للموفق موصولاً بمناقب الإمام ص ٤٩٩.
٣٢٦

٨ - ملاطفة الطلبة ومنحهم حرية الكلام في مجلس العلم.
قال أبو سليمان الجوزجاني: كان أبو حنيفة سَهّل الله له
هذا الشأن ((يعني الفقه)) وتبيّن له، وكان يتكلم أصحابه في
مسألة من المسائل ويكثر كلامهم وترتفع أصواتهم، ويأخذون
في كل فنّ، وأبو حنيفة ساكت فإذا أخذ أبو حنيفة في شرح
ما كانوا فيه سكتوا كأن ليس في المجلس أحد، وفيهم
الرتوت ((الرؤساء)) من أهل الفقه والمعرفة. وكان أبو حنيفة
يتكلم يوماً وهم سكوت فلما فرغ أبو حنيفة من كلامه قال
واحد منهم سبحان من أنصت الجميع لك. قال أبو سليمان،
كان أبو حنيفة عجباً من العجب، وإنما رغب عن كلامه من
لم يقو عليه(١).
وحين مر سفيان بن عيينة يوماً بأبي حنيفة وهو مع أصحابه
في المسجد قد ارتفعت أصواتهم، قال يا أبا حنيفة هذا
المسجد وهذا الصوت لا ينبغي أن يُرفع فيه. قال: دعهم
فإنهم لا يفقهون إلّ بهذا(٢).
وقال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى: وطريقة أبي
حنيفة في درسه تشبه أن تكون دراسة لا إلقاء للدروس على
التلاميذ فالمسألة من المسائل تعرض له فيلقيها على تلاميذه
ويتجادل معهم، وكلّ يدلي برأيه وقد ينتصفون منه في
(١) الموفق ٤١٨.
(٢) الموفق ٣٤٥.
٣٢٧

المقاييس، كما روي عن الإِمام محمد، ويعارضونه في اجتهاده،
وقد يتصايحون حتى يعلو ضجيجهم كما نقلنا فيما مضى عن
مسعر بن كدام، وبعد أن يقلبوا النظر من كل نواحيه يُدلي
هو بالرأي الذي تنتجه هذه الدراسة، ويكون صفوها. فيقرّ
الجميع به، ويرضونه. والدراسة على هذا النحو هي تثقيف
للمعلم والمتعلم معاً، وفائدتها للمعلم لا تقل عن فائدتها
للتلميذ. وإن استمرار أبي حنيفة على ذلك النحو جعله طالباً
للعلم حتى مات، فكان علمه في نموّ متواصل، وفكره في
تقدم مستمر وإذا عرض له الحديث تعرّف أوجه العلة
للأحكام التي يشتمل عليها وناقشهم. ثم يفرع من المسائل
ما يراه متفقاً مع الأصل في العلة. ويعدّ ذلك هو الفقه.
وكان يقول: مثل من يطلب الحديث ولا يتفقه مثل الصيدلاني
يجمع الأدوية، ولا يدري لأي شيء هي حتى يجيء
الطبيب. وهكذا طالب الحديث لا يعرف وجه حديثه حتى
يجيء الفقيه .
ونرى من هذا أنه كان يجعل من تلاميذه مناظرين لا
متلقين متوقفين حتى يقول(١).
قلت وكان أبو يوسف رحمه الله تعالى يسجل كل مسألة
يتم تقريرها في هاتيك المجالس، وأحياناً غيره.
(١) أبو حنيفة ٨٧.
٣٢٨

٩ - ثناؤه على طلابه ونصحه لهم.
قال أبو يوسف رحمه الله تعالى اجتمعنا عند أبي حنيفة
رحمه الله تعالى في يوم مطير في نفر من أصحابه منهم داود
الطائي، وعافية الأودي، والقاسم بن معن المسعودي،
وحفص بن غياث النخعي، ووكيع بن الجراح ومالك بن
مغول وزفر بن الهذيل وغيرهم فأقبل علينا وقال: أنتم مسارٌ
قلبي وجلاء حزني قد أسرجت لكم الفقه وألجمته فإذا شئتم
فاركبوا، وقد تركت لكم الناس يطؤون أعقابكم ويلتمسون
ألفاظكم وذللت لكم الرقاب، وما منكم أحد إلا وهو يصلح
للقضاء، وفيكم عشرة يصلحون أن يكونوا مؤدبي القضاة.
فسألتكم الله وبقدر ما وهب الله لكم من جلالة العلم لما
صنتموه عن ذل الاستيمار. فإن بُلي أحدكم بالدخول في
القضاء فعلم من نفسه خربة سترها الله عن العباد لم يجز
قضاؤه، ولم يطب رزقه، وإن كان سريرته مثل علانيته جاز
قضاؤه وطاب رزقه. فإن دفعته ضرورة إلى الدخول فيه فلا
يجعلنّ بينه وبين الناس حجاباً، وليصلّ الصلوات الخمس في
الجامع، وليناد عند كل صلاة من له حاجة. فإذا صلى العشاء
الآخرة نادى ثلاث أصوات من له حاجة. ثم دخل إلى منزله.
فإن مرض مرضاً لا يستطيع الجلوس معه سقط من رزقه بقدر
مرضه(١).
(١) الموفق ٣٥٩.
٣٢٩

ونصحه لمن يغادر درسه من طلابه عائداً إلى بلاده
مسجل في نصحه للبتي، وزفر، والسمتي (١) قلت واعجب
معي كيف ساغ للخطيب البغدادي أن ينقل عنه أنه قال: لو
أدركني النبي لأخذ بكثير من أقوالي يذكرها بالنون، وإنما
اللفظ البتي بالباء ثم التاء! انظر تأنيب الخطيب على ما ساقه
في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب(٢).
١٠ - إعطاء العلم من يحرص عليه.
لقد كان رحمه الله تعالى يتخوّل طلابه بالموعظة خشية أن
يملّوا. قال مساور بن الورّاق: قال أبو حنيفة رحمه الله
تعالى: لا تحدث بفقهك من لا يشتهيه فتؤذيه وتؤذي
جليسك، ومن قطع عليك حديثك فلا تُعده فإنه قليل المحبة
والأدب. وكان يقول القرآن كلام الله لا تجاوزه. ولهذا
الكلام احتمالان: يعني تمسك بالقرآن في إثبات المطالب
الشرعية ولا تخالفه، أو لازم على قراءته ولا تجاوزه إلى
الذكر والأدعية، فإن في غيره شرف المذكور، وفيه ((أي في
القرآن)) شرف المذكور والذكر لأنه كلام الله تعالى، وغيره
كلامك(٢) قلت وما أحسن قول الإِمام الشافعي رحمه الله
تعالى في هذا الموقع.
(١) الموفق ٣٦٠.
(٢) ص ١١١. ومن الحق قراءة التأنيب لما فيه من ردود على مفتريات
بتمحيص الأسانيد وغربلتها على طريقة أهل الحديث.
(٣) الكردري ٣٥٣.
٣٣٠

فمن منح الجهال علماً أضاعه
ومن منع المستوجبين فقد ظلم
١١ - معالجة الإِعجاب بقليل العلم على أسلوب تربوي رفيع.
قال فضل بن غانم: مرض أبو يوسف فعاده الإِمام مراراً
فرآه في بعض الأيام ثقيلاً فقال: لقد كنت أؤملك بعدي
للمسلمين، ولئن أصبت ليموتنّ علم كثير، فلما برأ أعجبته
نفسه، وعقد مجلس الأمالي في مسجده، فلما بلغ ذلك
الإِمام دسّ إليه رجلاً وقال له: ما قولك في قصّار أنكر أن يكون
الثوب لغيره، ثم جاء به إلى المالك مقصوراً، وطلب الأجر
إن قال يجب الأجر فقل أخطأت، وإن قال لا يجب فقل
أخطأت، ففعل الرجل، فقام أبو يوسف من ساعته وراح إليه.
فقال ما جاء بك إلّ مسألة القصار، سبحان الله من رجل
يتكلم في الدين ويعقد مجلساً ولا يحسن مسألة من مسائل
الإِجارة. فقال أبو يوسف علمني، فقال إن قصره قبل الجحود
يجب الأجر لأنه قصره للمالك، وإن قصره بعده لا يجب،
لأنه قصره لنفسه، ثم قال: من ظن أنه يستغني عن التعلم
فلیبك على نفسه(١).
١٢ - لا بد من أستاذ مشرف لكل درس.
إن الطلاب لا يعلم بعضهم بعضاً، ولا يربي فيهم أخلاق
العلم إلّ المعلمون.
(١) الكردري ١٧٩.
٣٣١

قيل لأبي حنيفة رحمه الله تعالى: في هذا المسجد حلقة
ينظرون في الفقه قال ألهم رأس؛ قالوا لا، قال: لا يفقه
هؤلاء أبداً!(١).
إنهم قد يخطئون، ولا يدرون بخطئهم. ويظلمون الحق
وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
١٣ - دلالة الطلبة على من يصلح لأخذ العلم عنه ومن لا
يصلح.
قال أبو سعيد الصنعاني للإِمام رحمهما الله تعالى: ما
تقول في الأخذ عن سفيان الثوري؟ قال: ثقة فاكتب عنه خلا
أحاديث أبي إسحاق عن الحارث، وأحاديث جابر الجعفي .
قلت كان الإِمام أبو حنيفة يقول: جابر الجعفي كذاب،
وزيد بن عياش أيضاً كذاب. ولهذا قال الإِمام الشافعي رحمه
الله تعالى في المناقب سمعت سفيان بن عيينة يقول سمعت
من جابر الجعفي كلاماً نادراً خفت أن يقع علينا السقف،
وقال الشافعي فيه: كان يؤمن بالرجعة - يعني برجوع علي
رضي الله عنه إلى الدنيا لينتقم من أعدائه وهو محض
كذب(٢).
(١) الموفق ٣٥١.
(٢) الموفق ٣٤١.
٣٣٢

وقال حماد بن زيد: كان أبو حنيفة ينهى أصحابه عن إتيان
جعفر الجعفي(١).
وقال سفيان بن عيينة: أول من أقعدني للحديث أبو
حنيفة: قدمت الكوفة فقال أبو حنيفة هذا أعلم الناس بحديث
عمروبن دينار فاجتمعوا عليّ فحدثتهم (٢).
وقال يحيى الحِمّاني سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت
أكذب من الجعفي ولا أفضل من عطاء(٣).
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: أفرط جهم في النفي
حتى قال: إنه ((يعني الله تعالى)) ليس بشيء، وأفرط مقاتل ((بن
سليمان المفسر)) في الإِثبات حتى جعل الله تعالى مثل خلقه
أي شبهه بخلقه)) (٤).
١٤ - الحض على طلب العلم لأنه ذكر وعبادة بل هو رأس العبادة.
قال شقيق بن إبراهيم. قال أبو حنيفة لابراهيم بن أدهم.
يا إبراهيم رزقت من العبادة شيئاً صالحاً فليكن العلم من
بالك فإنه رأس العبادة وقوام الأمر(٥).
وقال أبو يوسف سئل أبو حنيفة عن مسائل بعد صلاة
(١) نفسه ٣٤٧.
(٢) الجواهر المضية ٣٠/١.
(٣) علل الترمذي مع شرحه /١٦٧ - ٣٠٩/.
(٤) تهذيب التهذيب / ١٠ - ٢٨١ /.
(٥) الموفق ٣٥٢.
٣٣٣

الصبح فأجاب، فقال قائل: كانوا يكرهون الكلام في هذا
الوقت إلا بخير، فقال أبو حنيفة، فأيّ خير أكبر من هذا،
فيقال هذا حلال وهذا حرام ينزه الناس عن المعصية: إن
الجراب إذا فرغ منه الزاد جاع صاحبه(١)
١٥ - لا بد للعلم من فهم فرب حامل فقه غير فقيه، وما ينفع
الدواء من لا يعرفه؟
قال أبو رجاء الهروي سمعت أبا حنيفة رحمه الله تعالى
يقول: مثل من يطلب الحديث ولا يتفقه مثل الصيدلاني
يجمع الأدوية، ولا يدري لأي شيء هي حتى يجيء
الطبيب، كما تقدم.
قال محمد بن شجاع المروزي كان الفضل عند أبي حنيفة
فقال له أبو حنيفة ولدك محمد إلى من يختلف؟ قال يدور على
المحدثين فيكتب عنهم، فقال ائتني به حتى أنظر في أيّ شيء
هو؟ قال فجاء به، فألطفه وقرّبه ثم قال يا محمد إلى من
تختلف وعمن تكتب؟ فأخبره، ورأى معه كتاباً فقال ناولنيه
فناوله فنظر فيه، فإذا في أوّله ((ولد الزنا شر الثلاثة))
فقال يا محمد ما معنى قول النبي لم ولد الزنا شر الثلاثة
فقال هو كما في الحديث. قال إنا لله نسبت إلى النبي توَطّ ما
لا يحل ولا يجوز، وفي هذا نقض لكتاب الله تعالى وسنة
(١) الكردري ٣٥٠.
٣٣٤

نبيه * والقول بالجور. قال الله سبحانه: ﴿ كل نفس بما
كسبت رهينة﴾ وقال تعالى: ﴿ليجزي الذين أساءوا بما
عملوا﴾. وقال تعالى: ﴿وأنّ ليس للإِنسان إلّ ما سعى﴾
وقال: ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحد ﴾ وقال
تعالى: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس
شيئاً﴾ وقال: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾ وقال
تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ وقال تعالى: ﴿إِن
أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾ وقال:
ولا تزر زاررة وزر أخرى ﴾ في أمثال هذه الآيات، فمن
قال بهذا القول الذي قلته فقد خالف القرآن وأوجب العذاب
بذنب غيره، وقال بالظلم والجور. فقال له الفضل ما معناه
يرحمك الله؟ فقال أبو حنيفة هذا عندنا في ولد زنا خاص كان
يعمل بعمل والديه من الزنا وكان يقرن إلى ذلك أعمالاً سيئة
من القتل والسرقة إلى غير ذلك، فقيل هو شر الثلاثة، إذ كان
ما عمل والده من الزنا غير كفر، وكان عمله كفراً، فكان
الكفر شراً من الزنا فقيل هو شرّ الثلاثة .
قال فقال الفضل بن عطية: هذا العلم، وقال لابنه محمد
سمعت؟ فقال أبو حنيفة يا محمد: من طلب الحديث ولم
يطلب تفسيره ومعناه ضاع سعيه وصار ذلك وبالاً عليه. قال
فكان محمد بن الفضل بعد ذلك يكثر الاختلاف إلى أبي
حنيفة(١).
(١) الموفق ٤١٧ .
٣٣٥

وقال الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني في كتابه المفيد
/ الأنوار الكاشفة ((في الردّ على محمود أبي رية وأمثاله ممن
ردوا الأحاديث الصحاح بشبهات هي أوهى من بيت
العنكبوت)) / قال: هل راعى المحدثون العقل في قبول
الحديث وتصحيحه؟ أقول نعم راعوا ذلك في أربعة مواطن:
عند السماع، وعند التحديث وعند الحكم على الرواة، وعند
الحكم على الأحاديث. وسرد أمثلة ونماذج عديدة(١).
١٦ - لا بد للعلم من أدب واحترام.
كان الإمام مالك رحمه الله تعالى لا يحدث حتى يغتسل
ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه، وكان لا يفتي في الطريق
صيانة للعلم، وأدباً مع الحديث الشريف. وكان كثير من
المحدثين لا يحدثون في الطريق كانوا يحدثون في مجالس
العلم، ويطردون عن مجالسهم من يسيء الأدب في
مجالسهم.
قال عبد العزيز بن مسلم لقيت أبا حنيفة رحمه الله
تعالى بمنى فسلمت عليه وسألته عن حديث ألبان البقر، فقال
سبحان الله: يحملهم الحرص على ترك الأدب، إن للعلم
فضيلة؛ وله جلاله، وصاحبه ينفي أن يكون له وقار وخضوع
(١) انظر لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث للمحدث الفقيه
الشيخ عبد الفتاح أبو غدة فقد نقل كلام المعلمي هذا بحذافيره،
وزاد عليه. جزاهما الله تعالى خيراً ص ٩٠، وما بعد.
٣٣٦

وسكون. ادّخر حاجتك إلى غد، فتباكرت فلم يحدثني
واشتغلت عنه ففاتني الحديث(١).
١٧ - التحذير من غضب الله على القول بغير علم.
قال الله تعالى: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع
والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلاً﴾ الإسراء. وقال شق القمر
في حق رجل شَجَّ رأسه فاحتلم فأوصاه أصحابه بالاغتسال
فاغتسل فمات، قال بَّه ((قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم
يعلموا إنما شفاء العِيّ السؤال)) (٢) قال أبو يوسف رحمه الله
تعالى سمعت أبا حنيفة وذكر له علقمة والأسود أيهما أفضل؟
فقال والله ما قدري أن أذكرهما إلّ بالدعاء والاستغفار إجلالاً
لهما فكيف أفضل بينهما؟ وقال من تكلم في شيء من العلم
وهو يظن أن الله تعالى لا يسأله عنه، كيف أفتيت في دين الله
تعالى، فقد سهلت عليه نفسه ودينه. ثم قال أبو يوسف كان
أبو حنيفة خَلَف من مضى وما خَلَف والله على وجه الأرض
مثله(٣) .
(١) الكردري ٣٤٧.
(٢) رواه، أحمد وغيره وانظر / قواعد في علوم الفقه / للشيخ حبيب
أحمد الكيرانوى وهو أحد المقدمات الثلاث للكتاب (إعلاء السنن)
للمحدث الفقيه الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي رحمه الله تعالى
ويقع في /١٨ / جزءاً.
(٣) الموفق ٣٥١.
٣٣٧

١٨ - العفو عن المسيء والتحذير من الوقوع في العلماء
خاصة .
قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: أتيت مجلس أبي حنيفة
رحمه الله تعالى فجلست فيه، فجاء رجل فقام في ناحية
المجلس فجعل يسبّ أبا حنيفة ويشتمه، فما قطع أبو حنيفة
حديثه ولا التفت إلى كلامه، ولا أجابه أحد من أهل
المجلس، حتى فرغ أبو حنيفة من كلامه، وقام ليدخل داره،
فلما بلغ أبو حنيفة باب داره قام عند بابه واستقبل الرجل
وقال: هذه داري أريد الدخول فإن كنت ستتمّ باقي كلامك
فأتمّه حتى لا يبقى شيء مما عندك تخاف عليه الفوت.
فاستحيى الرجل، وقال: اجعلني في حلّ. فقال أنت في
حلَّ(١).
وقال يزيد بن الكميت. سمعت أبا حنيفة وقد ناظره رجل
في مسألة فقال يا مبتدع يا زنديق فقال غفر الله لك، الله يعلم
مني خلاف ما قلت، وهو يعلم أني ما عدلت به أحداً مذ
عرفته، ولا رجوت إلّ عفوه، ولا خفت إلّ عقابه. ثم بكى
عند ذكر العقاب وسقط صريعاً .. ثم أفاق فقال له الرجل
اجعلني في حلّ! فقال: كل من قال مما ليس فيّ من أهل
الجهل فهو في حلّ وكل من قال شيئاً مما ليس فيّ من أهل
العلم، فهو في حرج فإن غيبة العلماء تبقي شيئاً بعدهم(١).
(١) الموفق ٢٤٨.
٣٣٨

وقال بعده بقرون الإِمام ابن عساكر رحمه الله تعالى:
لحوم العلماء مسمومة من تكلم فيهم خيف عليه من سوء
الخاتمة اهـ.
٣٣٩