النص المفهرس
صفحات 261-280
المراد منها إلى الله تعالى، بعد تنزيهه سبحانه عن مشابهة الخلق في شيء من ذلك. سئل الإِمام أحمد عن الاستواء(١) في قوله تعالى: ((الرحمن على العرش استوى)) فقال: استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر. وسئل الإِمام الشافعي فقال: آمنت بلا تشبيه، وصدقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإِدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. قال الإِمام فخر الدين الرازي في ((أساس التقديس)): حاصل هذا المذهب - مذهب السلف - أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله شيء غير ظواهرها، ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى، ولا يجوز الخوض في تفسيرها. وقال الإِمام الغزالي في كتابه (إلجام العوام عن علم الكلام): اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف، أعني مذهب الصحابة والتابعين، وها أنا أورد بيانه وبرهانه فأقول: مذهب السلف - وهو الحق عندنا - أن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث(٢) من عوام (١) عن الشيخ منصور محمد محمد عويس في كتابه ابن تيمية ص ١١ وما بعدها مفرقاً. (٢) مثل حدث الجارية التي أشارت إلى الله وهو أنه في السماء، وحديث قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن إلخ، ومثل آية: ﴿ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ... فأتى الله بنيانهم من القواعد ٢٦١ الخلق، يجب عليه سبعة أمور. التقديس والتصديق، ثم الاعتراف بالعجز، ثم السكوت، ثم الإِمساك، ثم الكف، ثم التسليم لأهل المعرفة . ١ - أما التقديس: فأعني به تنزيه الرب سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها . ٢ - وأما التصديق: فهو الإِيمان بما قاله وَله، وأن ما ذكره حق، وهو فيما قاله صادق، وأنه حق على الوجه الذي قاله وأراده. ٣ - وأما الاعتراف بالعجز: فهو أن يقرّ بأن مراده ليس على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحذقه. ٤ - وأما السكوت: فأن لا يسأل عن معناه ولا يخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض من حيث لا يشعر(١). (١) أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها. قالت: (تلا رسول الله * هذه الآية: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى قوله تعالى: أولوا الألباب ﴾ ثم قال ◌َ: فإذا رأيت الذين يتبعون المتشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم). وضرب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه صبيغاً التميمي لما رآه يتبع متشابه المسائل والآيات ويسأل عنها، حتى تاب الرجل عن ذلك. وأجاب الإِمام مالك الذي سأله عن آية: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ بقوله: الاستواء معلوم - مذكور - والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وما = ٢٦٢ ٥ - وأما الإمساك: فأن لا يتصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل (١) بلغة أخرى، والزيادة والنقصان والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلّ بذلك اللفظ، وعلى ذلك الوجه من الإِيراد والإِعراب والتصريف. ٦ - وأما الكف: فأن يكفّ عن البحث عنه والتفكير فيه. ٧ - وأما التسليم لأهله: فأن لا يعتقد أن ذلك إن خفي عليه لعجزه قد خفي على رسول الله وَّقة، أو على الأنبياء، أو على الصدِّيقين والأولياء. فهذه سبع وظائف عقد كافة السلف وجوبها على كل العوام، لا ينبغي أن يقال فيها بظن. وقال رحمه الله تعالى: فإذا سئل عن (الاستواء) و (الفوق) ء و (اليد) و (الأصبع) مثلاً فالجواب أن يقال: الحق فيه ما قاله الرسول * وقال الله تعالى، وقد صدق الله تعالى حيث قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ فيعلم قطعاً أنه ما أراد = أراك إلّ صاحب بدعة، ثم قال لأصحابه: أخرجوه، فأخرجوه من حلقته في المسجد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام. (١) قلت: يقول الإِمام الغزالي رحمه الله تعالى: في آية: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ استوى، فلا يقول يستوي، أو هو مستوٍ. يثبت ما ورد به اللفظ الشريف فقط، فما أشد تنزيهه لربه، رحمه الله تعالى . ٢٦٣ الجلوسَ والاستقرار الذي هو صفة الأجسام، ولا ندري بالذي أراده، ولم نكلف معرفته، وصدق حيث قال: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ وفوقية المكان محالة، فإنه كان قبل المكان. فهو الآن على ما كان، وما أراده فلسنا نعرفه، وليس علينا ولا عليك أيها السائل معرفته. قلت: وقال: فرعون كما حكى الله تعالى عنه: ﴿وإنا فوقهم قاهرون﴾ ولم يكن فرعون وقومه فوق أكتاف بني إسرائيل ورؤوسهم. وقال الشيخ سليمان بن عمر العجيلي الشافعي الشهير بالجمل: طريقة السلف: يفوِّضون علم المتشابه إلى الله تعالى بعد صرفه عن ظاهرة (١) اهـ. ١١ - شبهة: قيل: إن بعضهم روى أن الإِمام رحمه الله تعالی استتيب من الكفر مرتين، فلولا أنه كانت له أفكار كفرية ما طلب منه أن يتوب عن ذلك مرتين. كشفها: قال الإِمام الفقيه المحدِّث المحقق علي بن محمد القاري في مناقب الإِمام رحمه الله تعالى (٢): قال أبو الفضل الكرماني: لما دخل الخوارج الكوفة مع الضحاك ـ ورأيهم تكفير كل من أذنب وتكفير كل من لم يكفّر مرتكب الذنب - (١) الجمل على الجلالين /٢ - ١٤٩ /. (٢) الثمار الجنية (مناقب القاري) المخطوط بمكتبة شيخ الإِسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة. ٢٦٤ قيل لهم: هذا شيخ هؤلاء، فأخذوا الإِمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى وقالوا له: تب من الكفر، فقال: أنا تائب من كل كفر، فقيل لهم: إنه تائب من كفركم، فأخذوه، فقال لهم: أبعلم قلتم أم بظن؟ قالوا: بظن، قال: ((إن بعض الظن إثم)) والإِثم ذنب فتوبوا من الكفر. قالوا: تب أنت أيضاً من الكفر فقال: أنا تائب من كل كفر، فهذا الذي قاله الخصوم: إن الإِمام استتيب من الكفر مرتين، ولبّسوا على الناس اهـ. والذي لا ريب فيه أن غلاة الخوارج أهل ضلالة وزيغ، كفّروا كرام الصحابة، وفيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، واستحلوا قتالهم، وفيهم قال رسول الله وَالر: (( ... يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتلة عاد وثمود))(١). ومع ذلك فأهل السنة لا يكفرونهم عامة . فلا عبرة باستتابتهم لمسلم، ولا بتكفيرهم له. لقد كانوا - عاملهم الله تعالى بما هم أهله - يقتلون المسلمين لأنهم مرتدون لا ذمة لهم، ويَدَعون أهل الكتاب لأنهم أهل ذمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله !!. (١) أحاديث الخوارج كثيرة روى بعضها البخاري ومسلم. ٢٦٥ أَسْبَابٌ عَامّة في تحامل بعضهم على الإمام خلاصة أسباب تحامل بعضهم وكلامهم السُّوْء في الإِمام رحمه الله تعالى (١)، الذي قال فيه الإِمام أبو يوسف - أول من جلس إليه الإِمام أحمد في طلب الحديث، وأبصر الناس بالآثار۔۔ حسبي من الخيرات ما أعددته يوم القيامة في رضى الرحمن دين النبي محمد خير الورى ثم اعتقادي مذهب النعمان ١ - الجهل: جهل أولئك بحقيقة حاله لبعد المسافة بينهم وبينه، وعدم توفر أسباب اللقاء، أو الواسطة الطيبة: من مخبر مصدَّق وناقل بدلاً من ذلك، وقد سبق - تحت عنوان: عرفوه فأثنوا عليه - بيان كيف كان الأوزاعي يتحامل على الإِمام رحمهما الله تعالى، حتى أطلعه الإِمام عبد الله بن المبارك على بعض مسائل الإِمام، فلما عرف أنها من مسائله تاب مما كان منه، ورغّب ابن المبارك في الجلوس إليه، ثم حين لقيه ازداد إعجابه به وأخذ عنه. (١) وهي أسباب تصدق في المجموع في تحامل بعضهم على سائر الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ومن كان مثلهم . ٢٦٦ ٢ - المعاصرة: معاصرة بعضهم له ((ومنه تقليد بعض المتأخرين لمشايخهم المعاصرين ونقلهم كلامهم دون تمحيص وتدقيق))، والمعاصرة تدفع الأقران إلى التنافس، فالكلام السوء؛ إلا ما حفظ الله تعالى(١). ٣ - الحسد: والحسد هو الحالقة يحلق الدين وينحرف باللسان عن الشهادة باليقين. ورحم الله الحسن بن عمارة العابد الزاهد، فقد أخذ يوماً بركاب الإِمام رحمه الله تعالى وهو يقول: (والله ما أدركنا أحداً يتكلم في الفقه أبلغ ولا أصبر ولا أحضر منك، وإنك لسيد من تكلم فيه في وقتك غير مدافع، وما يتكلمون فيك إلّ حسداً(٢)). وأسند الموفق بسنده إلى علي بن الحسين عن أبيه قال: كان يحيى بن معين إذا ذكر له من تكلم في أبي حنيفة يقول: (١) قال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة (الحافظ أبي نعيم) كلام ابن منده في أبي نعيم فظيع لا أحب حكايته ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، بل هما عندي مقبولان، إلى أن قال كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو حسد وما ينجو منه إلّ من عصمه الله وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين. ولو شئت لسردت من ذلك كراريس ا هـ. انظر التعليق على قواعد في علوم الحديث ص ١٢٠. (٢) مناقب الموفق /٢: ٩٠/. ٢٦٧ حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغياً إنه لدميم(١) قال مؤلف قلائد عقود العقيان: الذي يظهر لي من الحكمة في كثرة حساد الإِمام رضي الله عنه، إنما هو لظهور فضله وعلو منزلته ورفع درجته ومرتبته، وزيادة في أجره وتضعيف لثوابه بعد انقضاء أجله وفراغ عمره، كما يروى عن الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: ما أرى أن الله لا يمنع الناس من شتم أصحاب رسول الله وَ له إلّ ليزيدهم ثواباً عند انقطاع أعمارهم. قلت: فحال هذا الإِمام المحسود مثل حالهم في كثرة الحساد والطاعنين، وفي ذلك إظهار فضلهم وشرفهم، كما قال الشاعر: وإذا أراد الله نشر فضيلة طُويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود(٢) ٤ - الخلاف في الرأي: وهذا هو الأكثر، وهو الذي نجد من آثاره تهماً مردودة، وأحكاماً مصورة، إذا نظرنا إلى (١) المصدر نفسه. (٢) قلائد عقود العقيان. مخطوط بالمكتبة المحمودية ق ٨. ٢٦٨ حقيقتها رأيناها أوهاماً بنيت على قواعد من الهواء، وظنوناً أرسيت على أصول من الهباء. مثل نعيم بن حماد (١) الذي وضع قصصاً من نسج الخيال، محاولاً أن يحط من قدر الإِمام، ويطامن من مكانته، فكان مثله في ذلك كمثل من قال: كناطح صخرةً يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل وقال الشيخ عبد الرشيد النعماني في ((ما تمس إليه الحاجة من سنن ابن ماجه)): وكذلك أكثر القضاة الذين امتحنوا الرواة في عهد المأمون في مسألة خلق القرآن كانوا على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، فانتقم منهم هؤلاء الرواة بالنيل من إمامهم، وساووا بين القضاة وأئمتهم (٢). ٥ - الانحراف: انحراف بعض القائلين عن الجادة، وقد قررنا هذا من قبل، مثل الآخذين بظواهر النصوص دون فقه (١) قال فيه النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة، وحكايات في ثلب أبي حنيفة كلها كذب. انظر فقه أهل العراق وحديثهم ص ٨٨. (٢) ص ٥٤ من مخطوطتي عن الكتاب، وانظر (مسألة خلق القرآن) للشيخ عبد الفتاح أبو غدة لتر العجب في التحامل على أئمة عظام بغير حق . ٢٦٩ وتبصر، أو الزائغين في العقيدة كالمعتزلة وغلاة الخوارج والرافضة وأمثالهم. قال الشيخ تاج الدين السبكي في رسالته ((قاعدة في الجرح والتعديل)): ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح فجرحه لذلك، ومن أمثلة ذلك قول بعضهم في البخاري: تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ. فيا لله والمسلمين !! أيجوز لأحد أن يقول في البخاري متروك؟! وهو حامل لواء الصناعة ومقدَّم أهل السنة والجماعة؟! ثم يا لله والمسلمين أتجعل ممادحه مذام؟! فإن الحق في مسألة اللفظ معه، إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أن تلفظه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة الله تعالى، وإنما أنكرها الإِمام أحمد رضي الله عنه لبشاعتها. ومن ذلك قول بعض المجسِّمة - يريد به أبا إسماعيل عبد الله ابن محمّد الھروي ۔ في أبي حاتم بن حبان: لم یکن له کبیر دين، نحن أخرجناه من سجستان لأنه أنكر الحد لله تعالى. فيا ليت شعري من أحق بالإِخراج؟ من يجعل ربه محدوداً أو من ينزههه عن الجسمية؟! وقال أيضاً: وقد تزايد الحال بالخطابية - وهم المجسمة - في زماننا، فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم في العقيدة - لا سيما القائم عليهم - بكل سوء في نفسه وماله، وبلغني أن كبيرهم استفتي في شافعي أيشهد عليه بالكذب؟ فقال: ألست تعتقد أن دمه حلال؟ قال: نعم، ٢٧٠ قال: فما دون ذلك دون دمه، فاشهد وادفع فساده عن المسلمين. فهذه عقيدتهم، ويرون أنهم المسلمون وأنهم أهل السنة، ولو عُدوا عدداً لما بلغ علماؤهم - ولا عالم فيهم على الحقيقة - مبلغاً يعتبر، ويكفرون غالب علماء الأمة ثم يعتّزُون إلى الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وهو منهم بريء، ولكنه كما قال بعض العارفين - ورأيته بخط الشيخ تقي الدين بن الصلاح -: إمامان ابتلاهما الله بأصحابهما وهما بريئان منهم: أحمد بن حنبل ابتلي بالمجسِّمة، وجعفر الصادق ابتلي بالرافضة أهـ(١). ٦ - التعصب: قال الخطيب في ترجمة الإِمام من تاريخه / ص ٣٧٨ - ٣٨٥ / الجزء الثالث عشر: أ - كتب إلى عبد الرحمن بن عثمان الدمشقي، وحدثنا عبد العزيز بن أبي طاهر عنه، قال أخبرنا أبو الميمون البجلي، حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو، أخبرني محمد بن الوليد (أبو هبيرة الهاشمي الدمشقي) قال سمعت أبا مسهر يقول: قال سلمة بن عمرو القاضي على المنبر: لا رحم الله أبا حنيفة فإنه أول من زعم أن القرآن مخلوق اهـ. قال الإِمام الكوثري رحمه الله تعالى: أقول ولفظ ابن عساكر في تاريخه (لا رحم الله أبا فلان فإنه أول من زعم أن (١) قاعدة في الجرح والتعديل للإِمام السبكي، نشره محققاً مع التعليق المناسب الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، كان الله معه بالسداد ص ١٢، ٢٠. ٢٧١ القرآن مخلوق) ففي الخبر المسوق هنا تغيير (أبي فلان) إلى أبي حنيفة. ومن أين علموا أن أبا فلان في الرواية هو أبو حنيفة. مع تضافر الروايات على أن أول من قام قال بذلك جعد بن درهم، وتبديل كلمة بكلمة أمر هيّن عندهم، ومناقضة ما تواتر عن أهل العلم شيء لا أهمية له في نظرهم. وقد وفيت الكلام في حقه في هذه المسألة فيما علقته على الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة. ومن جملة ما قلت هناك: قال ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية سمعت أحمد بن عبد الله الشعراني يقول: سمعت سعيد بن رحمة صاحب أبي إسحاق الفزاري يقول: إنما خرج جهم سنة ثلاثين ومائة ، فقال: القرآن مخلوق، فلما بلغ العلماء تعاظموه فأجمعوا على أنه تكلم بكفر وحمل الناس ذلك عنهم. وقال أيضاً سمعت أبي يقول: أول من أتى بخلق القرآن الجعد بن درهم في سنة نيِّف وعشرين ومائة، ثم جهم بن صفوان، ثم من بعدهما بشر بن غياث. اهـ. (ولعل ذكر ثلاثين بجبر الكسر وإلّ فخروج جهم سنة بضع وعشرين كما سبق). وقال اللالكائي في / شرح السنة/: ولا خلاف بين الأمة إن أول من قال القرآن مخلوق الجعد بن درهم في سنة نيف وعشرين ومائة اهـ (وألقي القبض على جهم سنة ١٢٨) وكان قتله أيضاً في تلك السنة على ما يذكره ابن جرير إلاّ أن اللالكائي يقول بأن قتله كان سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفي ٢٧٢ تلك التواريخ اضطراب كما ترى ولم يحل قتل جهم دون ذيوع رأيه في القرآن، فافتتن به أناس فشایعه مشایعون، ونافره منافرون، فحصلت الحيدة من العدل إلى إفراط وإلى تفريط من غير معرفة كثير منهم لمغزى هذا المبتدع، أناس جاروه في نفي الكلام النفسي، وأناس قالوا في معاكسته بقدم الكلام اللفظي . ولما رأى أبو حنيفة ذلك تدارك الأمر وأبان الحق فقال: ما قام بالله غير مخلوق، وما قام بالخلق مخلوق. يريد أن كلام الله تعالى باعتبار قيامه بالله تعالى صفة كباقي صفاته في القدم، وأما ما في ألسنة التألين وأذهان الحفاظ والمصاحف من الأصوات، والصور الذهنية والنقوش فمخلوقة كخلق حامليها. فاستقرت آراء أهل العلم والفهم على ذلك بعده، ولا يمكن أن يكون إجماع التابعين على ردّ قول جهم إلّ باعتبار تجرئه على صفة قائمة بالله تعالى غير بائنة منه. ومحال أن يكون القديم حالاً في حادث فيلزم عليهم أن يعترفوا بخلق ما قام بالخالق. ولكن أبا حنيفة كان رجلاً محسوداً أذاع عنه حاسدوه أنه يقول بقول جهم، وأنّى يصدر عنه ذلك. اهـ(١). وقال في ص / ٣٨٠ - ٣٨٧ /: ب - أخبرنا محمد بن عبيد الله الحنائي، أخبرنا محمد بن (١) تأنيب الخطیب ص ٧٨ - ٧٩. ٢٧٣ عبد الله بن إبراهيم الشافعي، حدثني عمر بن الهُصیم البزار، أخبرنا عبد الله بن سعيد بقصر ابن هبيرة: حدثني أبي أن أباه أخبره أن ابن أبي ليلى كان يتمثل بهذه الأبيات. إني شئت المرجئين ورأيهم عمرَبن ذر وابن قيس الماصر وعتيبة الرباب لا نرضى به وأبا حنيفة شيخ سوء كافراهـ قال الكوثري: أقول: عمر بن ذر من رجال البخاري والنسائي، والترمذي وأبي داود، هو وأبوه من الأتقياء العباد كانا يأبيان أن يقولا إن الإيمان قول وعمل لئلا يلزم إخراج الأمة من الإِيمان بارتكابهم معصية وإخلالهم بطاعة، فرميهما بالإِرجاء نبز بالألقاب لا يصدر إلّ عن قدري أو خارجي كما سبق إيضاحه. ومات عمر هذا بعد أبي حنيفة بثلاث سنين. وعمر بن قيس الماصر عظيم القدر في العلمِ والورعٍ وأبوه أول من مصّر دجلة والفرات بأن مَدّ حبلاً طويلا بين ساحليهما لفحص المراكب كما ذكره السمعاني في الأنساب في (الماصر)، وله ولذويه ذكر واسع في / تاريخ أصبهان / لأبي الشيخ. وعتيبة الرباب هو والد الحكم صاحب إبراهيم النخعي. وأبو حنيفة هو ذلك الإِمام الذي يؤمن بالله وحده ويكفر ٢٧٤ بالطاغوت، ولولاه لاستولى القدرية والخوارج وأذيالهم الجهلة من النقلة على قلوب المسلمين وأضلوهم عن سواء السبيل، لكن الله سبحانه وفق أبا حنيفة هذا وأصحابه لتبيين وجوه ضلال هؤلاء، حتى ظهر ضلالهم جلياً لجمهور المسلمين فأصبحوا في حرز أمين من إغوائهم وجلّ مقدار ابن أبي ليلى أن يتمثل بمثل هذه الأبيات السخيفة التي لم يقلها أحد إلا الخوارج كلاب النار، القائلين بإكفار من يرى خلاف رأيهم. ولله درّ أبي حنيفة ما أوسع صدره حين قال (لما سئل عما إذا كان يكفّر من يرميه من الفرق بالكفر [لا أكفر من يرميني بكفر ولكن أكذبه. كما في (العالم والمتعلم) رواية مقاتل حفص بن سلم عنه .. ثم قال. ولا أدري كيف أباح الخطيب لنفسه تدوين هذا الفحش والسفه في حق أمثال هؤلاء الأئمة بمثل هذا السند الساقط، مع علمه بمنزلة هؤلاء الأعلام في العلم والورع. ولو كان ذلك في عهد عمر رضي الله عنه لقام عليه بالدرّة أو اعتقله تعزيراً له كما فعل في الحُطيئة حينما هجا الزبرقان بن بدر بأقل من هذا بكثير، حيث قال فيه: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فاعتقله سنين حتى تاب وأناب، وكتب إليه. ٢٧٥ ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسيهم في قعر مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر فعفا عنه وأطلقه، والحادثة معروفة في كتب الفقه في باب التعزير، لا في كتب الأدب فقط. فإذا كان قائل ذلك البيت يستحق العقوبة بحبسه عدة سنين فماذا يكون مقدار ما يستحق من العقوبة قائل تلك الأبيات وناقلها من غير تفنيدها وما في هذه الأبيات من الخروج على الشرع، والإِجرام المكشوف يغنيك في معرفة سقوط هذا الخبر عن الكلام في سنده، ولكن لا بأس في الإِشارة إلى بعض ما فيه. فأقول تاركاً الكلام في ابن الهيصم ومن دونه، إن عبد الله بن سعيد الراوي عن أبيه عن جده في الخبر إن كان أبا عباد المقبري فقد قال عنه البخاري: تركوه، وإن كان أبا سعيد الأشج فلا يعرف له رواية عن أبيه عن جده، كما لا يعرف حال أبيه ولا حال جده، وإن كان غيرهما يكون مجهولاً هو وأبوه وجده. وشيخ سوء كافر من قبيل جحر ضَبٍّ خرب، لا يقوله إلّ شيخ كافر سوء اهـ. من / ص ٨٨ - ٨٩/. ج - وقال الخطيب في ص /٣٨٦ - ٣٩٩ / تحت عنوان: ذكر ما حُكي عنه من مستشنعات الألفاظ والأفعال. أخبرنا الحسن بن علي الجوهري، حدثنا محمد بن العباس ٢٧٦ الخزاز، حدثنا محمد بن القاسم البزاز، حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو عبد الرحمن عبد الخالق بن منصور النيسابوري، قال: سمعت أبا داود المصاحفي قال: سمعت أبا مطيع يقول قال أبو حنيفة إن كانت الجنة والنار مخلوقتين فإنهما تفنيان. اخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل، حدثنا علي بن إبراهيم النجاد، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، قال: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت عبد الله بن عثمان بن الرماح يقول سمعت أبا مطيع البلخي يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إن كانت الجنة والنار خلقتا فإنهما تفنيان. قال أبو مطيع وكذب والله. قال السراج، كذب والله، قال النجاد وكذب والله قال الله تعالى: ﴿أكلها دائم﴾ قال ابن الفضل. وكذب والله. قلت هذا القول يحكى أن أبا مطيع كان يذهب إليه لا أبا حنيفة، وكذب والله كلّ من قاله اهـ. قال الكوثري: قلت أبو داود المصاحفي هو سليمان بن سليم مؤذن جامع بلخ، ذكره محمد بن جعفر الورّاق في طبقات علماء بلخ كما في أنساب السمعاني وفي سند الخبر الأول الخزاز، وفي الثاني ابن الرماح، فلا يصحّان مع وجودهما في السندين. وربما يكون السندان مركبين من المبدأ لمخالفة الخبرين لما تواتر عن أبي حنيفة وأبي مطيع في المسألة ولما رواه أبو مطيع عن أبي حنيفة في ((الفقه الأبسط)) رواية أبي بكر محمد بن الكاساني، عن علاء الدين السمرقندي عن أبي معين النسفي، عن أبي عبد الله ٢٧٧ الحسين بن علي، عن أبي مالك نصران بن نصر الختلي ح. ورواية أبي زكريا يحيى بن مطرف عن أبي صالح محمد بن الحسين، عن أبي سعيد سعدان بن محمد بن بكر بن عبد الله البستي الجرمقي وهي عن أبي الحسن علي بن أحمد الفارسي، عن نصر بن يحيى، عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي عن أبي حنيفة (كما في المجموعة ٦٤ والمجموعة ٢١٥ بدار الكتب المصرية) وفي الكتاب المذكور في باب الردّ على من يكفر بالذنب: (فإن قيل إنهما ((الجنة والنار)) تفنيان فقل له وصف الله نعيمها بقوله: ﴿لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾، ومن قال: تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما فقد كفر بالله تعالى لأنه أنكر الخلود فيهما]. وهذا نص على أن أبا حنيفة وأبا مطيع لا يريان فناء الجنة والنار بعد دخول أهلهما فيهما. وأما ما في ميزان الاعتدال للذهبي حيث قال في ترجمة أبي مطيع قال العُقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد سألت أبي، عن أبي مطيع البلخي. فقال: [لا ينبغي أن يُروى عنه حكوا عنه أنه كان يقول الجنة والنار خلقتا فستفنيان، وهذا كلام جهم]. وحكاية هذا القول عنه هنا بدون سند فعلى تقدير ثبوته عنه يجب حمله على فنائهما لحظة عند النفخ تحقيقاً لقوله تعالى : كل شيء هالك إلاّ وجهه ﴾ كما هو قول كثير من متكلمي أهل السنة على ما في ((شرح النسفية)) و ((شرح المقاصد)) وغيرهما. وأين هذا من اعتقاد فنائهما بعد دخول أهلهما ٢٧٨ فيهما كما هو رأي جهم، وهو كفر صريح عند أبي حنيفة وأبي مطيع، بل نقل ابن حزم الإِجماع على كفر من قال بفنائهما بعد دخول أهلهما فيهما. وقد استوفى الكلام على ذلك أبو الحسن السبكي في كتابه ((الاعتبار ببقاء الجنة والنار)). وفي ((الفقه الأكبر)) رواية علي بن أحمد الفارسي، عن نصر بن يحيى، عن أبي مقاتل، عن عصام بن يوسف، عن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه [والجنة والنار مخلوقتان اليوم لا تفنيان أبداً]. وسنده في أول النسخة الخطية المحفوظة ضمن المجموعة (رقم ٢٢٦) بمكتبة شيخ الإِسلام بالمدينة المنوّرة. اهـ من ص / ١٠٧ - ١٠٨ - ١٠٩ / وانظر مقدمة الكوثري في التأنيب. وقال الحافظ محمد بن يوسفِ الصالحي الشافعي صاحب السيرة الشامية في ((عقود الجمان)) اعلم ((رحمني الله وإياك)) أن ما رواه الخطيب من القدح في الإِمام أبي حنيفة غالب أسانيده لا يخلو من متكلم فيه أو مجهول، ولا يجوز لمؤمن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أن يثلم عرض أحد من المسلمين بمثل ذلك فكيف بإمام من أئمة المسلمين. وعلى تقدير صحة ذلك عن قائله فإن كان من غير أقران الإِمام أبي حنيفة فهو لم يره، ولم يشاهد أحواله، بل قلّد ما رآه على الأوراق التي دوّنها أعداؤه، فهذا لا يلتفت إلى قوله البتة. وإن كان من أقران الإِمام أبي حنيفة المنافسين، فلا يُلتفت ٢٧٩ إلى قوله أيضاً. وقد جهد كثير منهم على أن يحط من مرتبة الإِمام أبي حنيفة ويصرف قلوب أهل عصره من محبته فما قدر على ذلك، ولا نفذ كلامه فيه حتى قال بعضهم: فعلمنا أنه أمر سماوي لا حيلة لأحد فيه، ومن يرفعه الله تعالى لا يقدر الخلق على خفضه. قال الذهبي في الميزان ((وتابعه ابن حجر في ((لسان الميزان)) كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به ولا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب اهـ. ٧ - الاختلاف في الاعتقاد: قال بعضهم: كان أبو حنيفة مرجئاً. الإِرجاء هو التأخير. قال ابن حجر المكي رحمه الله تعالى في كتابه ((الخيرات الحسان)) قد عدّ جماعة الإِمام أبا حنيفة من المرجئة، وليس هذا الكلام على حقيقته. أما أولاً، فلأنه قال شارح ((المواقف)) كان غسان المرجىء ينقل الإِرجاء عن أبي حنيفة ويعدّه من المرجئة، وهو افتراء عليه، قصد به غسان ترويج مذهبه بنسبته إلى هذا الإِمام الجليل. وأما ثانياً، فقد قال الآمدي إن المعتزلة كانوا في الصدر الأول يسمون من خالفهم في القدر مرجئاً، أو لأنه لما قال الإِيمان لا يزيد ولا ينقص ظن به الإِرجاء بتأخير العمل عن الإِيمان. اهـ قال الشيخ ظفر أحمد: وإطلاق الإِرجاء من المحدثين على من لا يقول بزيادة الإِيمان ونقصانه، ولا (١) تأنيب الخطيب ص ٥١. ٢٨٠