النص المفهرس
صفحات 241-260
يعلم أنه يقول غير الحق في جانب الإِمام رحمه الله تعالى. قال الكوثري رحمه الله تعالى(١): ومن معايب ابن عدي طعنه في الرجل بحديث مع أن آفته الراوي عن الرجل دون الرجل نفسه، وقد أقر بذلك الذهبي في مواضع من ((الميزان)). ومن هذا القبيل كلامه في الإِمام أبي حنيفة في مروياته البالغة عند ابن عدي ثلاثمائة حديث. وإنما تلك الأحاديث من رواية أباء بن جعفر النّجيرمي، وكل ما في تلك الأحاديث من المؤخذات كلها بالنظر إلى هذا الراوي الذي هو من مشايخ ابن عدي، ويحاول ابن عدي أن يلصق بالنجيرمي إلى أبي حنيفة مباشرة، وهذا هو الظلم والعدوان. وهكذا باقي مؤخذاته، وطريق فضح أمثاله النظر في أسانيدهم(٢) وللذهبي استدراكات كثيرة على رجال ضعّفهم في ((كامله)) ورد عليه الذهبي وذكر كونهم ثقات اهـ. وقال الكوثري في تأنيب الخطيب(٣): وكان ابن عدي - على بعده عن الفقه والنظر والعلوم - طويل اللسان في أبي حنيفة وأصحابه، ثم لما اتصل بأبي جعفر الطحاوي وأخذ عنه تحسنت حاله يسيراً، حتى ألف مسنداً في أحاديث أبي حنيفة . ٢ - أما العُقيلي فقد أدرج ابنَ المديني والبخاري وأمثالهما (١) فقه أهل العراق وحديثهم / ١٤ - ٢١/. (٢ - ٣) تأنيب الخطيب مع حذف جمل معينة / ١٦٩/. ٢٤١ في الضعفاء بمجرد كلام بعضهم فيهم، حتى استوجب من الذهبي أن يقول فيه: أمالك عقل يا عقيلي؟ !. قال الإِمام الكوثري رحمه الله تعالى (١): والعقيلي من أكبر المتعنتين في الجرح، كثير الحكم بالنفي، وهذا ما حمل الذهبي على التنكيت عليه في ((ميزانه)) مع أنه كبير الدفاع عن الرواة الحنابلة، فقال الذهبي فيه: أمالك عقل يا عقيلي، أتدري فيمن تتكلم؟ كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل أوثق من ثقات توردهم في كتابك !! ونقم عليه أن يتكلم في ابن المديني وصاحبه محمد ((البخاري)) وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العطار، وإسرائيل، وأزهر السمان. وجرح في كتابه ((الضعفاء)) كثيرين من رجال الصحيحين وأئمة الفقه وحملة الآثار، مما رد بعضها ابن عبد البر في كتابه ((الانتقاء)). وكان ابن الدخيل راوية العقيلي، فألف ((جزءاً)) في فضائل أبي حنيفة رداً على العقيلي الذي أطال لسانه في فقيه الملة وأصحابه البررة، شأن الجهلة الأغرار وتبرؤاً مما خطته يمين العقيلي مما يجافي الحقيقة، فسمعه حكم بن المنذر البلوطي الأندلسي من ابن الدخيل بمكة وسمع منه ابن عبد البر، فساق غالب ما فيه من المناقب في ترجمة أبي حنيفة من ((الانتقاء)) اهـ. (١) نفس المصدر السابق. ٢٤٢ ٣ - أما الذهبي صاحب الاستقراء في الرجال، فلم يذكر الإِمام رحمه الله تعالى في ((الميزان)) في الضعفاء الذي هو ملخص ((الكامل ((لابن عدي مع استدراكات كثيرة عليه. لقد قال رحمه الله تعالى في مقدمة ((ميزان الاعتدال))(١): وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً؛ لجلالتهم في الإِسلام، وعظمتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة والشافعي، والبخاري، فإن ذكرت أحداً منهم فأذكره على الإِنصاف، وما يضره ذلك عند الله ولا عند الناس اهـ. ولا بأس أن أنقل إليك أيها القارى الكريم مقولة طويلة في تبرئة الإِمام الذهبي من الكلام على الإِمام رحمه الله تعالى، إقراراً للحق، وإظهاراً لجهود العلماء المحققين؛ بما يجعلهم قدوة لنا في التمحيص، فلا نلقي القول جزافاً، والله الموفق الهادي . قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة(٢): وقد أوسع المؤلف الشيخ عبد الحي اللكنوي القول جداً في التدليل على دسّ ترجمة أبي حنيفة في بعض نسخ ((الميزان)) في كتابه ((غيث الغمام على حواشي إمام الكلام)) ص١٤٦، وذكر وجوهاً كثيرة في تعزيز نفيها عن ((الميزان)) أقتصر على نقل الوجه الأول منها، وأحيل القارىء إلى ما عداه لطوله، قال رحمه (١) ميزان الاعتدال/١ : ٣/. (٢) هامش الرفع والتكميل. ٢٤٣ الله تعالى: إن هذه العبارة ليس لها أثر في بعض النسخ المعتبرة على ما رأيتها بعيني، ويؤيده قول العراقي في شرح ((ألفيته)) ٣ - ٢٦٠: لكنه - أي ابن عدي - ذكر في كتابه (الكامل) كل من تكلم فيه، وإن كان ثقة، وتبعه على ذلك الذهبي في (الميزان) إلّ أنه لم يذكر أحداً من الصحابة والأئمة المتبوعين. اهـ. وقول السخاوي في ((شرح الألفية)) ص ٤٧٧ : مع أنه - أي الذهبي - تبع ابن عدي في إيراد كل من تكلم فيه ولو كان ثقة، لكنه التزم أن لا يذكر أحداً من الصحابة ولا الأئمة المتبوعين وقول السيوطي في ((تدريب الراوي شرح تقريب النواوي)» ص ٥١٩: إلّ أنه - أي الذهبي - لم يذكر أحداً من الصحابة ولا الأئمة المتبوعين. انتهى . فهذه العبارات من هؤلاء الثقات الذين قد مرّت أنظارهم على نسخ (الميزان) الصحيحة مرات: تنادي بأعلى النداء على أنه ليس في حرف النون من (الميزان) أثر لترجمة أبي حنيفة النعمان. فلعلها زيادات بعض الناسخين والناقلين في بعض نسخ (الميزان) اهـ. ثم قال الشيخ عبد الفتاح - بارك الله له في عمره وعمله ونفع المسلمين به -: بل قد صرَّح الذهبي في مقدمة (الميزان) ١ - ٣ فقال: وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً، لجلالتهم في الإِسلام، وعظمتهم ٢٤٤ في النفوس، مثل أبي حنيفة، والشافعي، والبخاري، فإن ذكرت أحداً منهم فأذكره على الإِنصاف، وما يضره ذلك عند الله ولا عند الناس .. انتهى. وجاءت في المطبوعة من (الميزان) ترجمة أبي حنيفة ٣ - ٢٣٧ في سطرين، ليس فيها دفاع عن أبي حنيفة إطلاقاً، وإنما تحطّ على جرحه وتضعيفه، وكلام الذهبي في المقدمة ينفي وجودها على تلك الصفة، لأنها تحمل القدح لا الإِنصاف. وقد رجعت إلى المجلد الثالث من (ميزان الاعتدال) المحفوظ في ظاهرية دمشق تحت رقم (٣٦٨ حديث) - وهو جزء نفيس جداً، كله بخط العلامة الحافظ شرف الدين عبد الله بن محمد الواني الدمشقي المتوفى سنة ٧٤٩ تلميذ مؤلفه الذهبي رحمهما الله تعالى، وقد قرأه عليه ثلاث مرات مع المقابلة بأصل الذهبي، كما صرح بذلك في ظهر الورقة ١٠٩، وظهر الورقة ١٥٩، وفي غير موطن منه تصريحات كثيرة له بالقراءة والمقابلة أيضاً - فلم أجد ترجمة للإِمام أبي حنيفة النعمان في حرف النون ولا في الكنى، وكذلك لم أجد له ترجمة في النسخة المحفوظة في المكتبة الأحمدية بحلب تحت الرقم ٣٣٧، وهي نسخة جيدة كتبت سنة ١١٦٠ بخط علي بن محمد الشهير بابن مشمشان في مجلد واحد كبير. وقد سنحت لي في أوائل رمضان المبارك من ١٣٨٢ هـ زيارة المغرب الأقصى، فزرت مدينة الرباط، ورأيت في ((الخزانة العامة)) فيها نسخة من ميزان الاعتدال، في مجلد ٢٤٥ واحد، رقمها ((١٣٩ ق)) ناقصة، يبتدىء القسم الموجود منها من أوائل ترجمة (عثمان بن مقسم البُرِّي) وهو يوافق أواخر الصفحة ١٩٠ من الجزء الثاني المطبوع بمصر سنة ١٣٢٥ وينتهي بآخر الكتاب. وفي حواشي هذه النسخة كتبت إلحاقات كثيرة جداً في كل صفحة، حتى في بعض الصفحات أخذت الإلحاقات الحواشي الثلاث، وتارة الحواشي الأربع للصفحة، وهي بخط واحد، دون الحواشي الملحقة على جوانب الصفحات والأوراق المدرجة فيها، وقد كتبت على الورقة الأخيرة من أصل النسخة قراءات كثيرة وتواريخ لها ولنسخها، فكان من ذلك أن النسخة قرئت على مؤلفها أكثر من ست مرات. وهذا نص ما كتب في حواشي الورقة الأخيرة. بحسب تسلسل تواريخه لا بحسب ترتيب کتابته . ١ - أنهاه كتابة ومعارضة داعياً لمؤلفه عبد الله المقريزي في سنة تسع وعشرين وسبعمائة. ٢ - أنهاه كتابة ومعارضة أبو بكر بن السرَّاج داعياً لمؤلفه في سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. ٣ - فرغه نسخاً مرة ثانية داعياً لمؤلفه أبو بكر بن السرَّاج عفا الله عنه في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة . ٤ - قرأت جميع هذا ((الميزان)) وهو سِفران على جامعه سيدنا شيخ الإِسلام الذهبي، أبقاه الله تعالى، في مجالس ٢٤٦ 3 آخرها يوم السبت ثاني عشر شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وسبعمائه بالمدرسة الصَّدرية بدمشق . وكتب سعيد بن عبد الله الدُّهلي عفا الله عنه. ٥ - قرأت جميع هذا الكتاب على جامعه شيخنا شيخ الإِسلام الذهبي، فسح الله في مدته، في مجالس آخرها يوم الجمعة ثاني عشر رجب الفرد سنة خمس وأربعين وسبعمائة بمنزله في الصدرية - رحم الله واقفها - بدمشق المحروسة. وكتبه علي بن عبد المؤمن بن علي الشافعي البعلبكي حامداً الله ومصلياً على النبي وآله ومسلماً. ٦ - فرغه نسخاً لنفسه داعياً لمؤلفه أحمد بن عمر بن علي القوصي ((؟)) في العشر الأواخر من ربيع الآخر سنة ستٍ وأربعين وسبعمائة. ٧ - فرغه أبو القاسم بن الفارقي عفا الله عنه داعياً لمؤلفه. ٨ - قرأت جميع كتاب ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال» وما على الهوامش من التخاريج والحواشي والملحقات، بحسب التحرير والطاقة والتؤدة على مصنفه شيخنا الإِمام العلامة .. الذهبي فسح الله في مدته، في مواعيد طويلة كثيرة، وافق آخرها يوم الأربعاء العشرين من شهر رمضان المعظّم في سنة سبع وأربعين وسبعمائة في الصدرية بدمشق، وأجاز جميع ما يرويه، وكتب محمد ((ابن علي الحنفي؟)) بن عبد الله ... انتهى. وقد كانت وفاة الذهبي رحمه الله تعالى في ليلة ٢٤٧ الثالث من ذي القعدة سنة ٧٤٨ كما في ((الدرر الكامنة)) لابن حجر ٣ - ٣٣٨. قلت: قد رجعت أيضاً إلى هذه النسخة العظيمة النادرة المثال في عالم المخطوطات، فلم أجد فيها ترجمة للإِمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وهذا مما يقطع معه المرء بأن الترجمة المذكورة في بعض نسخ ((الميزان)) ليست من قلم الذهبي، وإنما هي دخيلة على الكتاب، بيد بعض الحانقين على الإِمام أبي حنيفة، وذلك أنها جاءت في سطرين لا تليق بمقام الإِمام الأعظم، ولا تحاكي تراجم الأئمة الذين ذكرهم الذهبي لدفع الطعن عنهم، وهم دون أبي حنيفة إمامة ومنزلة، فقد أطال النفس في تراجمهم طويلاً، وجلّى مكانتهم وإمامتهم أفضل تجلية . وكتاب ((الميزان)) هذا مرتع واسع لإِلحاق تراجم فيه للنيل من أصحابها، وقد امتد إليه قلم غير الذهبي في مواطن، فيجب طبعه عن أصل مقروء على المؤلف، كالجزء المحفوظ بظاهرية دمشق وهو يبتدىء بحرف الميم وينتهي بآخر الكتاب، وكالقسم الموجود في خزانة الرباط. وإنما أطلت في هذه التعليقة كثيراً؛ تنزيهاً لمقام الإِمام أبي حنيفة، وتبرئة لساحة الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى، وتعريفاً بالمخطوطات الموثوقة من ((ميزان الاعتدال)) ليصار ٢٤٨ إلى طبعه عنها ممن يوفقه الله تعالى (١) اهـ. ٨ - شبهة: قيل: إن الإِمام رحمه الله تعالى كان يقول بالحيلة، التي تضيع الحقوق، وتحرم الحلال وتحلل الحرام . كشفها: تعرض الشيخ المحقق محمد أبو زهرة في كتابه القيم ((أبو حنيفة)) رحمه الله تعالى لهذا الموضوع، وأطال بما يدفع شبهة كون الإِمام - العابد الورع، المشهود له بالتقوى والتزود للآخرة - ممن يخالف الشريعة، ويحتال على أحكامها، فيحلل حراماً أو يحرم حلالاً، معاذ الله وإنما هي مسائل يتفادى بها الوقوع في محظور، باستعمال الفكر. وإني أجزىء مواضع من موضوع الشيخ حسب الحاجة. قال - رحمه الله تعالى، وفسح له في قبره -: يقسم ابن القيم (٢) ما نطلق عليه كلمة ((حيل)) عند الفقهاء إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول: الطرق الخفية التي يُتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه، كالحيل على أخذ أموال الناس بالباطل، وكالحيل لجعل ما ليس بشرعي لابساً المظهر الشرعي كنكاح المحلّل وكبيع العينة. (١) الرفع والتكميل تعليق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة من (١٠٠ - ١٠٤). (٢) إعلام الموقعين لابن القيم بتصرف /٣: ٣٩٤/. ٢٤٩ ثم قال: وهذه الحيل وأمثالها لا يستريب مسلم في أنها من كبائر الإِثم وأقبح المحرمات، وهي من التلاعب بدين الله واتخاذه هزواً. وهي حرام في نفسها، لكونها كذباً وزوراً، وحرام من جهة المقصود بها وهو إبطال حق وإثبات باطل. القسم الثاني: أن تكون الحيلة مشروعة وما تفضي إليه أمر مشروع، وقد وضعت الوسيلة فيها للغرض المقصود منها ظاهراً، وهي تشمل كل الأسباب الشرعية التي وضعها الشارع وجعلها سبيلاً إلى مقتضياتها الشرعية، والحيلة في هذه الدائرة تكون باتخاذ الأسباب الشرعية وسيلة إلى الكسب الحلال بأقصى درجاته، وأبعد غاياته، وهي من التدبير الحسن الذي يُحمد فاعله ولا يذم، ومن أفتى بشيء فيها فقد أفتى بما هو حلال خالص. وعندي أن هذا لا يعدّ من الحيل على حد تعريف الفقهاء. القسم الثالث: أن يحتال على التوصل إلى الحق أو على دفع الظلم بطرق مباحة، لم توضع موصلة إلى ذلك بل وضعت لغيره، فيتخذها طريقاً لهذا المقصود الصحيح. مثال ذلك: أن يستأجر شخص داراً لمدة سنتين، ويخشى أن يغدر به المؤجر في أثناء المدة، فيحاول فسخ الإِجارة بطرق غير محللة، كأن يظهر أنه لم تكن له ولاية الإِجارة، أو أن العين كانت مؤجرة لغيره قبل إجارته، فالاحتياط لهذا أن يضمنه المستأجر درك العين المستأجرة، فإذا استحقت أو ظهرت ٢٥٠ الإِجارة فاسدة رجع عليه بما قبضه منه. ثم قال أبو زهرة: إن الدراسة الفاحصة العميقة لكتاب (الحيل والمخارج) للخصَّاف، ولكتاب ((الحيل)) للإِمام محمد (١) تنتهي بأن حيل أئمة المذهب الحنفي من النوع الثاني لا من النوع الأول، وأننا لم نجد حيلة في باب من أبواب العبادات - إلّ حيلة واحدة في الزكاة سنذكرها - وأن إبعاد العبادات عن الحيل في المأثور عن أولئك الأئمة الأعلام، ليدل على أنهم لم يقصدوا بحيلهم مدافعة مقاصد الشرع والاستمساك بظاهر من التكليفات. والحيلة التي أثرت في الزكاة هي أيضاً من باب تحري الأحق في الأمور والمقاصد السامية وهي: إذا كان شخص مديناً لآخر ولم يجد الدائن أحق بالزكاة من هذا المدين، ووجد أن زكاة ماله أن يترك دينه عليه له صدقة، ولكنه يجد بعض الشروط الفقهية تقف جاجزة بينه وبين غرضه الذي يتفق مع مقاصد الشرع ولا ينافيها، وذلك الشرط هو أن ينوي زكاة المال عند تسليم الفقير المستحق، ولم تكن ثمة هذه النية لأنه لا تسليم - بل إسقاط - وقد ذكر الخصّاف الحيلة في ذلك فقال: أرأيت رجلاً له مال على فقير، فأراد أن يتصدق بماله على (١) سيأتي قريباً من الشيخ تكذيب نسبة الكتاب إلى الإِمام محمد وهو الحق. انظر (حسن الأماني في سيرة محمد بن الحسن الشيباني) للإِمام الكوثري . ٢٥١ غريمه ويحتسب ذلك من زكاته؟ قال: لا يجزئه ذلك من الزكاة قلت: فما الوجه؟ قال: الوجه في ذلك أن يعطيه مقدار ما عليه من الدين ويحتسب ذلك من زكاته، فإذا قبضه الغريم؛ فإن قضاه إياه عما عليه من الدين فلا بأس بذلك، ويجزئه ما دفعه إلى الغريم أن يحتسبه من زكاته(١). لم يؤثر عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى كتاب في الحيل قط، وما نقل عن ابن المبارك أنه قال: من نظر في كتاب (الحيل) لأبي حنيفة أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله باطل غير معقول؛ فمكانة أبي حنيفة عند ابن المبارك معروفة، وثناء ابن المبارك عليه مشهود مشهور؛ حتى إنه قال فيه: إنه مخ العلم. وأما كتاب الحيل المنسوب إلى الإِمام محمد بن الحسن، فقد قال تلميذ الإِمام محمد بن الحسن وهو أبو سليمان الجوزجاني: من قال إن محمداً صنف كتاباً سماه (الحيل) فلا تصدقه. وما في أيدي الناس فإنما جمعه ورّاقو بغداد، وإن الجهال ينسبون إلى علمائنا ذلك على سبيل التعيير، فكيف يظن بمحمد رحمه الله تعالى أنه سمى شيئاً من تصانيفه بهذا الاسم، ليكون عوناً للجهال على ما يقولون (٢). وقال أبو زهرة: إن الدارسة الفاحصة الضابطة للحيل (١) الحيل والمخارج للخصاف /١٠٣/. (٢) المبسوط للإِمام السرخسي / ٣٠ - ٢٠٩/. ٢٥٢ المأثورة في كتاب الإِمام محمد - وعلمت أنه لا تصح نسبته إليه - والمضافة؛ تنتهي بنا إلى أن نضبط هذه الحيل في أربعة أقسام. القسم الأول: في الأيمان وأكثره أيمان الطلاق. القسم الثاني: في توجيهات من المفتي لمن يستفتيه في العقود، الغرض منها الاحتياط لنفسه لكل أنواع الضمانات لكيلا تضيع حقوق له في المستقبل، أو لكيلا تقع به مضار بسبب العقد. القسم الثالث: التوفيق بين مقاصد العاقدين المشروعة التي لا إثم فيها، وبين ما يشترطه الفقهاء لصحة العقود، وما يقرونه من شروط وما لا يقرون. القسم الرابع: بيان الطريق للوصول إلى الحقوق الثابتة، ولكن يحول بينها وبين الإِلزام بها بعض قواعد شرعية تثبت لحماية المبادىء المقررة في الشريعة ولمنع عبث الناس بالأحكام الشرعية . ثم ذكر أمثلة عديدة لكل قسم نختار منها مثالاً واحداً لكل قسم مثال القسم الأول: حلف رجل لا يشتري ثوباً من فلان، ثم أراد أن يشتريه منه من غير أن يحنث في يمينه، فإنه يوكل شخصاً يشتريه له، فإنه في هذه الحال لا يحنث لأن العقد يضاف إلى الوكيل في البيع والشراء. مثال القسم الثاني: أن يطلب شخص من آخر أن يشتري داراً لنفسه ويعده أنه إذا تمّ له الشراء يشتريها منه بربح ٢٥٣ يرغب في مثله، بأن يقول له: اشترها وثمنها ألف، فإن اشتريتها فإني أشتريها منك بألف وخمسمائة، وليس للمأمور رغبة في ذات الشراء، وله عنه غناء، ويخشى إن اشتراها لنفسه أن يبدو لمن أمره بالشراء أن لا يشتري، فتبقى الدار في ملكه وليس له رغبة في ذلك ولا يرى فيها ما يدرّ عليه الخير، فذكروا أن وجه الحيلة في الاحتياط لنفسه: أن يشتريها من مالكها على أنه بالخيار مدة معلومة، ويكون له بذلك في مدة الخيار الحق في أن يبيعها، فإن اشتراها في المدة بت البيع وتم له الربح والخلاص من الدار، وإن لم يشتر الآخر في أثناء مدة الخيار فسخ البيع ورضي من الغنيمة بالسلامة(١). مثال القسم الثالث: وهو الحيل التي يقصد بها الجمع بين بعض مقاصد الشريعة وأحكام العقود التي نص عليها فقهاء الحنفية: رجل يريد أن يدفع ماله مضاربة(٢)، ولكنه لا يأمن بأن يعبث صاحب العمل بالمال معتمداً على أنه أمين والأمين لا يضمن، وشرط الضمان في العقد شرط غير صحيح، فيكون الشخص بين أمرين: إما أن لا يضارب وفي ذلك ضرر به وضرر بالآخر؛ إذ فيه حرمان لنفعهما، وإما أن يقدم (١) المخارج والحيل للخصاف / ١٩٢ /. (٢) عقد المضاربة عقد شركة يجعل المال على شخص والعمل على الثاني، على أن يكون الربح بينهما معلوماً على سبيل الشيوع. وما ينقص من رأس المال فعلى صاحب المال. ٢٥٤ المال دون ضمان، فيكون عرضة للضياع، فقالوا: إن وجه الحيلة في هذه الحال: أن يقرضه رب المال المال إلّا درهماً، ثم يشاركه بذلك الدرهم فيما أقرضه على أن يعملا معاً، فما رزقهما الله تعالى من شيء فهو بينهما على كذا، وهذا صحيح لأن المستقرض بالقبض يصبح ضامناً للمقرض متملكاً، ثم الشركة بينهما مع التفاوت في رأس المال صحيحة. فالربح بينهما على الشرط، كما قال علي رضي الله عنه: الربح على ما اشترطا والمضيعة على رب المال. ويستوي إن عملا جميعاً أو عمل به أحدهما فربح، فإن الربح يكون بينهما(١). مثال القسم الرابع: وهو الحيل المراد بها الإِلزام بحق تحول القواعد الفقهية دون ثبوته . إذا كان الله تعالى قد جعل الحكم الديني والخلقي تابعاً للمقاصد والأغراض التي يدركها غالباً الموفقون من العقلاء، فإن الحيلة في هذه الحال تكون هي الأمر الديني الخلقي الفاصل، لأنها تكون لتوصيل الحق إلى أهله، وللحيلولة دون ضياعه. مثاله: من المقرر الثابت أن المريض مرض الموت لا ينفذ قراره لورثته بدين؛ إلّ بإجازة الورثة، فإذا كان لزوجته أو لأحد من سائر ورثته دين حقيقي، ولا سبيل لإثباته إلّ بالإِقرار، والورثة ربما لا يجيزونه، وفي الغالب لا ينفذونه. فالأمر حينئذٍ يؤدي لا محالة إلى ضياع حق الوارث وإلى موت (١) المبسوط للسرخسي / ٣٠: ٢٣٨/. ٢٥٥ المريض وذمته مشغولة بهذا الدين، وهو مسؤول عنه أمام الله تعالى. وفقه الفقهاء يحول بينه وبين براءة ذمته بأداء الحق إلى أهله، ولبراءة ذمته أما أن ينقض الفقهاء قاعدتهم، وقد وجبت للاحتياط للورثة، حتى لا يؤثر بعضهم على بعض بأكثر مما قسم الله سبحانه وتعالى ووقوع ذلك كثير من المرضى. فنقضها هدم لذلك الاحتياط الذي لا بد منه لنظام الميراث، فلم يبق إلاّ أن يعمل الأئمة الحيلة ليثبت الحق الذي يخشى عليه الضياع، ولتبرأ ذمة المريض أمام الله تعالى، ويحمي في نفس الوقت نظام الميراث الذي شرعه الله سبحانه وتعالى، والحيلة في ذلك قد ذكرها ((الخصاف)) في كتابه ((المخارج والحيل)) ونصه: إن كان لامرأة المريض عليه دين مائة دينار أو أكثر، الحيلة في ذلك. أن تأتي المرأة برجل تثق به، فيقر المريض ويشهد على نفسه أن امرأته كانت وكلته بقبض مائة دينار كانت لها على فلان هذا، وأنه قبض ذلك لها من فلان هذا، فإذا أشهد على نفسه بذلك لم يقبل إقراره للمرأة بهذا لتأخذه من ماله، ولكن للمرأة أن ترجع بذلك على الرجل الذي أقر المريض أنه قبض ذلك منه، ويرجع الرجل على المريض بما أقر بأخذه للمرأة منه، لأنه يقول: قد أقر المريض أنه أخذ مني ما كان لهذه المرأة ولم أبرأ بقوله، وقد رجعت المرأة عليّ فلي أن أرجع به في ماله فيكون ذلك له، فإن خاف هذا الرجل أن تلزمه يمين في ذلك، ينبغي للمرأة أن تبيع من هذا ٢٥٦ الرجل ثوباً بهذه المائة، فإن لزمته في ذلك يمين كان قد حلف باراً. بهذا المثال نرى أن الحيلة كانت للوصول إلى الحق وإبراء الذمة، وفي ذلك خير(١). قلت: ومن أحب التوسع في هذا الموضوع: مأخذه، وأحكامه، فليرجع إلى كتاب ((كشف النقاب عن موقع الحيلة في السنة والكتاب)) لفضيلة الشيخ محمد عبد الوهاب البحيري وهو مطبوع. ٩ - شبهة: قيل: إن أبا حنيفة رحمه الله تعالى، قال في ((الفقه الأكبر)): إن والدَيْ رسول الله وَلّ في النار، وذلك شَيْنٌ؛ لما فيه من إيذاء رسول الله وَله . كشفها: رأيت بعيني نسخة خطية من ((الفقه الأكبر)) بمكتبة شيخ الإِسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، على ساكنها الصلاة والسلام، وقد طالعتها فلم أجد فيها أن أبوي رسول الله وَلّ ماتا على الكفر، بل فيها: ((وأبواه وَلّ ما ماتا على الكفر)»(٢) ويرجِّح هذا اللفظ - ومعناه ظاهر - أنه قال بعدُ: ((وأبو طالب مات كافراً)). فلو كان الكفر صفة في الجميع (١) أبو حنيفة للشيخ محمد أبو زهرة بتصرف وإيجاز (من ص ٤٢٤ - ٤٣٠) . (٢) انظر المخطوطة برقم / ١٦١ / مجاميع. ٢٥٧ لقال - معاذ الله - وأبوا رسول الله وَ ليل وأبو طالب ماتوا على الكفر؛ وما نجده في بعض نسخ الفقه الأكبر من نسبة الكفر إلى والدي رسول الله وَلغيره، فذلك خطأ من ناسخ أول، تبعه بعض النساخ فيه، ذلك لأن الناسخ وجد حرف ((ما)) مذكوراً مرتين، فظنه مكرراً خطأ فحذفه، فانعكست العبارة(١) والله أعلم، وكم في النساخ من يعكس المعاني لرداءة خط المؤلف المنسوخ كتابه، أو رداءة خط الناسخ، أو قلّة معرفته ونقصان علمه، وكما نجد ذلك في بعض الكتب المطبوعة الناتج عن غفلة أو جهالة . سئل أبو بكر بن العربي - أحد الأئمة المالكية رحمه الله ـيّ في النار، فأجاب: تعالى - عن رجل قال: إن أبا النبي من قال ذلك ملعون لقوله تعالى: ﴿إِن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ وقال: ولا أدري أعظم من أن يقال عن أبيه وهلهو: إنه في النار. وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنِيَّةٍ: حدثنا نوفل بن الفرات - وكان عاملاً لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه - قال: كان رجل من كتّاب الشام مأموناً عندهم استعمل رجلاً على كورة الشام، وكان أبوه يزن بالمنانية، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فقال: (١) ويرى الإِمام الكوثري أن أصل العبارة كان: ماتا على الفطرة، وهو قریب. ٢٥٨ ما حملك على أن تستعمل على كورة من كور المسلمين من كان أبوه يزن بالمنانية؟ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين وما على من كان أبوه كذلك؟! كان أبو النبي وَ لَه مشركاً. فقال عمر: آه، ثم سكت، ثم رفع رأسه، فقال: أقطع لسانه؟. أقطع يده ورجله؟ أأضرب عنقه؟ ثم قال: لا تلي شيئاً ما بقيت؟. وسئل الإِمام شرف الدين المناوي رحمه الله تعالى عن والدي النبي ◌َّل، فزجر السائل زجرة شديدة(١). وروى الحاكم - وصححه - عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه وجّ سئل عن أبويه، فقال: (ما سألتهما ربي فيعطيني فيهما - ما سألت ربي فيهما فيعطيني - وإني لقائم يومئذٍ المقام المحمود). وذكر هذا الحديث جمع من الحفاظ وأقروه، بل استدلوا به على نجاة الأبوين الكريمين. كالإِمام السهيلي والسيوطي والقرافي. قلت: وإن لم يصح حديث إحياء أبويه وَليقول ليؤمنا ببعثة ولدهما وَّلقول ثم ماتا بعد ذلك، فإنهما من الناجين لأنهما من أهل الفترة، وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن أهل الفترة ناجون، لأنهم لم يكن فيهم نبي، والله تعالى يقول: ولتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ... وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾. والله أعلم. (١) سبل السلام للشيخ عمر بالي. ٢٥٩ ١٠ - شبهة: قيل إن الإِمام رحمه الله تعالى ينسب إلى الله الجهة، وتلك بدعة ضلالة، ما قال به رسول الله و ليل ولا أحد من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم. كشفها: جاء في رسالة ((الفقه الأبسط)) للإِمام رحمه الله تعالى قوله: من قال: لا أدري الله أفي السماء أو في الأرض كفر، وقال الشيخ أبو الليث السمرقندي في شرح هذه الرسالة بعد أن أورد عبارة الإِمام هذه: [لأنه يعني بذلك نسبة الجهة إلى الله تعالى، ثم تردد في تعيينها، والقول بالجهة عنده كفر]. قال الله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إلّه وفي الأرض إلّه .. ﴾ الزخرف ٨٤ وقال: ﴿وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون﴾ الأنعام: ٣. قلت: القول بالجهة لا يوجب الكفر، بل نسبة المكان إليه سبحانه لأنه يقتضي التجسيم. الإِمام رحمه الله تعالى إمام عظيم من أئمة السلف إذ هو من التابعين، وهو أول من تكلم في التوحيد، وناقش أصحاب الفرق الضالة من الخوارج والمعتزلة والغلاة، وأظهره الله تعالى عليهم، وعقيدة السلف فيما ورد نسبته إلى الله تعالى مما يشبه الخلق من الجهة والنقلة والمكان، وطروٍّ الحوادث عليه وأمثالها هي من المتشابه الذي يجب حمله على المحكم الثابت لله تعالى من مثل قوله تعالى: ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. ويفوض معرفة حقيقة ٢٦٠