النص المفهرس

صفحات 161-180

عمره، أي وهو صبي لم يبلغ، وقد صحح النبي ◌َطلال إسلامه،
وکان علي نفسه يفتخر به حتى روي أنه قال:
سبقتكم إلى الإِسلام طرّاً
صغيراً ما بلغت أوان حلمي (١)
٤ - رعاية حرية الإِنسان وإنسانيته: يحترم أبو حنيفة رحمه
الله تعالى في المرأة البالغة إرادتها وحريتها في الزواج بمن ترى
الخير في أن تتزوج به، فلا يجعل لوليها سلطاناً عليها، فلها أن
تباشر بنفسها عقد زواجها ما دامت أهليتها كاملة، وما دام من
تتزوجه كفؤاً لها ولأسرتها، وما دام المهر مهر مثلها.
ويرى أن ولاية إنسان على آخر لا يصح أن تفرض إلّ
لضرورة، لأنها تنافي الحرية التي هي حق إنساني للناس جميعاً،
ولذلك يثبت للفتى متى بلغ وكان عاقلاً حق تزوج نفسه
بنفسه، فلا معنى للتفريق بينه وبين المرأة في ذلك الحق،
وخاصة أن لها مثله الولاية كاملة على مالها. إن الإِمام إذن
يستعمل هنا القياس ولكنه مع ذلك يجد له سنداً من القرآن
الكريم الحكيم الذي يضيف عقد الزواج إلى المرأة حين يقول
في سورة البقرة: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن، فلا
تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف،
ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر، ذلكم
أزكى لكم وأطهر، والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾. كما يجد لرأيه
(١) الغرة المنيفة ص ١٢٦ .
١٦١

سنداً من الحديث الشريف أيضاً؛ وهذا إذ يقول الرسول وال * :
((ليس للولي مع الثيب أمر)) ويقول وَ له: ((الأيّم أحق بنفسها
من وليها)). والأيم اسم امرأة لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً في
الصحيح عند أهل اللغة (١).
٥ - رعاية سيادة الدولة ممثلة في الإِمام المسلم: إذا أحيا
رجل أرضاً مَوَاتاً هل يملكها ولو لم يأذن الإِمام أم لا بدّ من إذنه؟
هنا يختلف رأي أبي حنيفة عن رأي صاحبيه: أبي يوسف،
ومحمد بن الحسن، يرى هذان أن من أحيا مواتاً من الأرض
فقد ملكه بذلك، أذن الإِمام أم لم يأذن. على حين يرى أبو
حنيفة أنه لا بد في الإِحياء من إذن الإِمام، فلو فعل ذلك بلا
إذنه لم يملك ما أحياه. قلت: ومثله الوقف لا يصبح لازماً إلّ
إذا حكم به الحاكم عند الإِمام رحمه الله تعالى، فإذا حكم به
نفذ على صاحبه، وما دام الحاكم لم يحكم به لا يلزم، فيصحّ
له الرجوع في وقفه متى شاء. وقالا: يلزم بمجرد الوقف ولا
يتوقف على حكم الحاكم (٢).
(١) انظر اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى /ص ١٧٥ - ١٧٦ /.
المبسوط / ٥: ١٠/.
(٢) عن كتاب محاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي - الجزء الثالث / أبو
حنيفة النعمان / بانتقاء وتصرف بالحذف يسير، ص ٨٥ - ١١٤ .
١٦٢

الفصل الرابع
حديث الإسام
- حفظه للحدیث و کتبه فيه.
- فقهه في الحديث.
- أقوال أعلام المحدثین فیه.
- أصوله في العمل بالنصوص.
١٦٣

حديث الإسام
عرضنا أدلة الإِمام رحمه الله تعالى عند ذكر أصول مذهبه،
وقد رأينا أن من تلك الأصول السنة النبوية الشريفة، التي
جعلها الله تعالى وحياً من عنده، وجعلها ملتحمة مع القرآن
الكريم لا يكادان يفهمان إلّ معاً. وكثير جداً من آيات وموضوعات
القرآن الكريم لا يظهر المراد بها إلّ عن طريق السنة الشريفة؛
فما تعرف أعداد الصلوات وتركيبها، وشروطها وأركانها،
ومفسداتها ومكروهاتها إلّ بالسنة؛ مع أن الله تعالى ذكر الصلاة
a
في القرآن الكريم أكثر من سبعين مرة. وما تَعرف مقادير
نُصب الزكاة وأموالها، ومقدار الزكاة فيها إلا بالسنة؛ مع أن
الله تعالى قرن الزكاة بالصلاة وذكرها في القرآن الكريم أكثر
من سبعين مرة. ويقال مثله في الصوم والحج وغيرها من
أصول الإِسلام، ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم أصولاً
١٦٥

وقواعد، وجاءت السنة مبينة وشارحة، قال رَعليه في بيان ارتباط
الإِسلام بالقرآن والسنة، وجعلهما مصدر الخير والسعادة في
الدنيا والآخرة للفرد والجماعة: ((تركت فيكم ما إن تمسكتم به
لن تضلوا: كتاب الله، وسنتي))(١) وقال الله تعالى في بيان فضلٍ
السنة وعملها في القرآن الكريم: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين
للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾(٢).
لقد كان الإِمام رحمه الله تعالى في عصر التابعين وتابعيهم
بإحسان، ولقد كان العالم في تلك العصور هو العارف المتفقه
في الكتاب والسنة وأقوال السلف، فلا عجب أن نجد الإِمام
رحمه الله تعالى - وهو أحد التابعين - يحفظ الكثير من سنة
رسول الله 88. بعد أن حفظ القرآن في طفولته.
لقد أخذ الإِمام رحمه الله تعالى الحديث الكثير من رواته
الأعلام، حتى جمع منه صناديق، وانتخب الآثار التي قال بها
من أربعين ألف حديث، كان أخذ حديث الكوفة والعراق
وغيرها، ولقد كان المحدِّث يقدم الكوفة، فإذا جلس للتحديث
أرسل إليه الإِمام رحمه الله تعالى بعض طلابه ليسمع الحديث
منه، ولیری هل عنده أحاديث ليست عنده فيأخذها منه.
غير أنه رحمه الله تعالى شُغل عن رواية الحديث بفقه
الحدیث وفهمه وجمع نصوصه، في سبیل تقرير مسائله وتوحيد
(١) رواه الحاكم في مستدركه.
(٢) سورة النحل ٤٤.
١٦٦

أحكامه، وفي معرفة ناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه، ومطلقه
ومقيَّده، لذا لم يشتهر عنه جلوسه للتحديث، أو تنقله برواية
الحديث وأخذه.
قال الحسن بن زياد: كان الإِمام يروي أربعة آلاف
حديث: ألفين عن حماد، وألفين عن سائر المشايخ.
وكان الإِمام مشتغلا باستخراج المسائل من الحديث، قليل
الرواية للحديث، وكذلك كان جلّ الصحابة كأبي بكر وعمر
رضي الله عنهما، كانوا مشتغلين بالعمل لا بالرواية حتى قلّت
روايتهم(١) .
كان أبو بكر رضي الله عنه أفقه الصحابة، وأقربهم صلة،
وأكثرهم ملازمة لرسول الله وَير؛ ومع ذلك لم يُرو عنه إلّ نحو
ثلاثمائة حديث عن رسول الله ويله، الاتصاله المستمر به وليه؟
فيضفي بنوره ونور الوحي النازل عليه وَطير على أبي بكر وروايته
رضي الله عنه، ثم لانشغاله رضي الله عنه في أيام خلافته
القليلة بتقرير قواعد الإِسلام وسلطانه في محاربة المرتدين
والذين امتنعوا عن أداء الزكاة، وخدمته العظيمة في حفظ
كتاب الله تعالى؛ بما كان من ضبطه وكتابته وجمعه وحفظ نسخه
(١) أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار. للشيخ الإِمام
محمود بن سليمان الشهير بالكفوي. توجد منه نسخة مخطوطة
جيدة بالمكتبة المحمودية من الحرم النبوي الشريف وتقع في
/ ٨٠٨/ صفحة.
١٦٧

منه في بيته، بعد تجريده من منسوخ التلاوة.
إن نظرة إلى مسائل الإِمام الفقهية وفتاويه الكثيرة، ورسائله
ومؤلفاته العديدة، لتعطينا الحجةَ على أن الإِمام رحمه الله تعالى
كان حافظاً، وكان كثير الاشتغال بحديث رسول الله وله .
حفظه للحديث وكتبه فيه
١ - ذكر الإمام الحافظ زكريا بن يحيى الأنصاري في مناقبه
بإسناده إلى يحيى بن نصر بن حاجب، قال: سمعت أبا حنيفة
رحمه الله تعالى يقول: عندي صناديق من الحديث ما أخرجت
منها إلّ اليسير الذي يُنتفع به(١). وروى الموفق بسنده إلى ابن
جريج، قال: ما أفتى أبو حنيفة رحمه الله في مسألة إلّ من
أصل محكم لو شئنا لحكينا ذلك(٢).
وروى بسنده إلى الحسن بن زياد قال: كان الإِمام يروي
أربعة آلاف حديث في الأحكام: ألفين لحماد، وألفين لسائر
المشيخة، وقد انتخب رحمه الله الآثار من أربعين ألف
حدیث(٣).
وقال نعيم بن عمرو: سمعت أبا حنيفة يقول: عجباً للناس
يقولون: إني أفتي بالرأي، ما أُفتي إلّ بالأثر(٤) !!.
(١) مناقب الموفق / ١: ٩٦/.
(٢ - ٣ - ٤) المصدر نفسه /١ : ٩٥ - ٩٦/.
١٦٨

وروى الحارثي بسنده إلى أبي يوسف قال: كنت آتي أبا
حنيفة بالأحاديث، فمنها ما يقبله ومنها ما يرده، ويقول: هذا
ليس بصحيح أو ليس بمعروف. وروى القاضي الصيمري
بسنده إلى أبي يوسف قال:
ما خالفت أبا حنيفة في شيء قط فتدبّرته إلاّ رأيت مذهبه
الذي ذهب إليه أنجى في الآخرة، وكنت ربما ملت إلى الحديث،
وكان هو أبصر بالحديث الصحيح مني(١).
٢ - ومن الذي يدلنا دلالة واضحة على اشتغاله رحمه الله
تعالى بالحديث الشريف، رواية وكتابة، تلك المسانيد الكثيرة
التي تركها بعده ورواها عنه أصحابه.
لقد جُمع حديثُ الإِمام رحمه الله تعالى في سبعة عشر مسنداً،
جَمع خمسة عشر منها في كتاب - بعد حذف المكرر - الإِمامُ أبو
المؤيد الخوارزمي المتوفى سنة ٦٦٥، وهو مطبوع ببلاد الهند في
مجلدین.
قال الشيخ محمود حسن خان الطونكي في معجم
المصنَّفين(٢) بعد كلام:
(١) مناقب الموفق / ١: ٩٥ - ٩٦/.
(٢) يقع هذا المعجم في ستين مجلداً ويضم عشرين ألف ورقة، طبع
منه ثلاثة أجزاء فقط لحساب حكومة حيدر آباد. هيأ الله له محسناً
نشطاً فيطبعه كاملاً، لينتفع الناس به، ويكثروا الدعاء للمصنف رحمه
الله تعالى. انظر معجم المصنفين / ٢: ١٢٠ - ١٢١/.
١٦٩

فقد جمع حديث الإِمام جمّ غفير من العلماء من طائفة
المحدثين والحفاظ المتقنين منهم :
الحافظ الكبير أبو بكر محمد بن إبراهيم الأصبهاني المتوفى
سنة ٣٨١ من الحنابلة، والحافظ الثقة الإِمام أبو عبد الله
محمد بن أحمد الدوري البغدادي المتوفى سنة ٣٣١، والحافظ
صدر الدين موسى بن زكريا المصري المعروف بالحصكفي
المتوفى سنة ٦٥٠، والحافظ نجم الدين الكبرى أحمد بن عمر
الزاهد المشهور المتوفى سنة ٦١٨، والشيخ قاسم بن قطلوبغا
المصري المتوفى سنة ٨٧٩، والحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد
الحارثي المعروف بالأستاذ السبذموني المتوفى سنة ٣٤٠،
والحافظ أبو القاسم طلحة بن محمد البغدادي المتوفى سنة ٣٨٠،
والعالم الحافظ الحجة أبو الحسن محمد بن المظفر بن موسى
البغدادي المتوفى سنة ٣٧٩، والحافظ الإِمام المشهور أبو نَعَيْم
أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة ٤٣٠، والشيخ الحافظ
محمد بن عبد الباقي الأنصاري المتوفى سنة ٥٣٦، والحافظ
الإِمام القدوة أبو أحمد عبد الله الجرجاني المعروف بابن عدي(١)
المتوفى سنة ٣٦٥، والحافظ الحسن بن زياد اللؤلؤي المتوفى سنة
٢٤٠، والحافظ عمر بن الحسن الأشناني المتوفى سنة ٣٤٩،
والحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن خالد الكلاعي، والقاضي
(١) كان ابن عدي طويل اللسان على أبي حنيفة وأصحابه، ولما اتصل
بالإِمام الطحاوي وأخذ عنه تحسنت حالته، فألف في حديث الإِمام
رحمه الله تعالى مسنده هذا.
١٧٠

أبو يوسف الإِمام يعقوب بن إبراهيم الأنصاري المتوفى سنة
١٨٢، والإِمام محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة ١٨٧،
والشيخ حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، والحافظ
أبو القاسم عبد الله بن محمد العوام السعدي، والحافظ أبو
عبد الله حسين بن محمد بن خسرو البلخي المتوفى سنة ٥٧٦.
وهذه المسانيد الخمسة عشر الأخيرة منها جمعها أبو المؤيد
الخوارزمي المتوفى سنة ٦٦٥، وأما صاحب كشف الظنون فذكر
مسند الماوردي أيضاً، وهذا أدل دليل لا دليل فوقه على أن
الإِمام كان من حفاظ الحديث، ومن المكثرين في روايته،
وذلك لأن المحدِّثین لم يعتنوا بجمع حدیث أحد إلاّ حدیث من
أكثر من السماع والرواية عن المحدثين اهـ.
كان الإِمام رحمه الله تعالى أول من صنف في الحديث
النبوي الشريف مرتباً على أبواب الفقه، مبتدئاً بأبواب
الطهارة؛ ثم الصلاة وهكذا، ثم نهج العلماء بعده نهجه
ونسجوا على منواله، قال الشيخ المحقق الفقيه المعاصر أبو
الوفاء الأفغاني حفظه الله تعالى، في مقدمة شرحه كتاب
((الآثار)) للإِمام محمد رحمه الله تعالى ما نصه:
وأول كتاب ألف في علم الحديث النبوي وآثاره وأخباره
وأقوال الصحابة وأتباعهم، وأحسنه ترتيباً وانتخاباً، مرتباً على
الأبواب، كتابُ الآثار الإِمام الأئمة، الإِمام الأعظم أبي حنيفة
ابن ثابت التيمي الفارسي الكوفي، ثم نسج أئمة الأمصار على
١٧١

١
منواله: ابن جريج في مكة المكرمة، ومالك بن أنس في المدينة
المنورة، وسعيد بن أبي عَروبة، وعثمان البتي بالبصرة،
والأوزاعي بالشام، وانتخب كتابه هذا من بين ألوف الأخبار
المرفوعة والموقوفة. قال الإِمام الموفق في الباب السادس في
مناقب الإِمام وأصحابه - طبع دائرة المعارف بحيدر آباد الدكن
/١ - ٩٥/ -: وذكر محمد بن شجاع في تصانيفه نيّفاً وسبعين
ألف حديث عن النبي ◌َّ ر مما فيها نظيرها من الصحابة،
وانتخب أبو حنيفة رحمه الله الآثار من أربعين ألف حديث(١).
وقال الشيخ عبد الرشيد النعماني في تعليقه على كتاب
التعليم: ومنهم حافظ العصر والمحدث البحر أبو العباس
أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي الشهير بابن عقدة(٢) المتوفى سنة
٣٣٢، وقال الحافظ بدر الدين محمود العيني في تاريخه الكبير:
إن مسند أبي حنيفة لابن عقدة يحتوي وحده على ما يزيد على
ألف حديث - وهو غير تلك المسانيد - ومنهم الحافظ المفيد
المكثر محدث العراق أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان
البغدادي، الواعظ المعروف بابن شاهين المتوفى سنة ٣٨٥،
ومنهم الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني المحدث
المشهور المتوفى سنة ٣٨٥، ذكر هذه المسانيد الثلاثة الإِمام
(١) مقدمة شرح الآثار / ١: ١/. وانظر ((تبييض الصحيفة في مناقب
الإِمام أبي حنيفة)) للسيوطي تجد مثل هذا.
(٢) قال فيه في (التعقيبات): ابن عقدة من كبار الحفاظ، وثقه الناس
وما ضعفه إلاّ متعصب.
١٧٢

الكوثري في التأنيب (ص ١٥٦) ومنهم الحافظ الزاهد
عبد الله بن محمد الأنصاري المتوفى سنة ٤٨١، جمع كتاباً في
أحاديث الإِمام لتلميذه صاعد بن سيار الهروي مسند
خراسان(١).
قال السمعاني: كان فقيهاً متديناً مناظراً، وكان حسن
السيرة، سمع جده أبا العلاء صاعد بن سيار وغيره، وسمعت
منه الترمذي بروايته عن القاضي أبي عامر الجراحي عن
المحبوبي عنه، وكتاب الأحاديث التي رواها أبو حنيفة رضي
الله عنه؛ جمع عبد الله بن محمد الأنصاري لجدَّه القاضي صاعد
بروايته عنه.
ومنهم الحافظ العالم المكثر الجوال أبو الفضل محمد بن طاهر
ابن علي المقدسي، المعروف بابن القيسراني، المتوفى سنة
٥٠٧، جمع كتاباً ((في أطراف حديث أبي حنيفة)) كما هو مصرح
به في ترجمته الملحقة بكتابه ((الجمع بين الصحيحين)). ومنهم
الحافظ الكبير محدث الشام ثقة الدين أبو القاسم بن علي بن
الحسن بن هبة الله، الشهير بابن عساكر، المتوفى سنة ٥٧١،
فقد ذكر من تصانيفه (مسند أبي حنيفة) الإِمام الكوثري فيما كتبه
على ((تبيين كذب المفتري)) وكرد علي في مقدمته على ((تاريخ
دمشق)) .
ومنهم شيخ الحرم المحدث عيسى الجعفري المغربي المتوفى
(١) مقدمة التعلیم /ص ٢١٦ / وما بعد.
١
١٧٣

سنة ١٠٨٠ ذكره الشيخ الإِمام ولي الدهلوي في كتابه ((إنسان
العين في مشايخ الحرمين)). قال: صنف مسنداً للإِمام أبي
حنيفة رحمه الله وأتى فيه بعنعنة متصلة إلى الإِمام إلخ.
قال المحدث الفقيه محمد بن يوسف الصالحي: كان أبو
حنيفة من كبار حفاظ الحديث وأعيانهم، ولولا كثرة اعتنائه
بالحديث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه. وذكره الذهبي في
طبقات الحفاظ وقد أصاب وأجاد، ثم قال: وإنما قلّت الرواية
عنه وإن كان متسع الحفظ لاشتغاله بالاستنباط، وكذلك لم يرو
عن مالك والشافعي إلّ القليل بالنسبة إلى ما سمعا للسبب
نفسه، كما قلّت رواية أمثال أبي بكر وعمر من كبار الصحابة
رضي الله عنهم بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم، وقد كثرت رواية
من دونهم بالنسبة إليهم، ثم ساق أخباراً تدل على كثرة ما عند
أبي حنيفة من الحديث، ثم سرد أسانيده في رواية مسانيد أبي
حنيفة السبعة عشر لجامعيها تدليلاً على كثرة حديثه(١).
فِقَههُ في الحديث
روى الترمذي وغيره عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه
وَالي قال: ((نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً، فحفظه حتى يبلُّغه
غيره، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه
لیس بفقیه» حدیث صحیح.
(١) عقود الجمان، الباب الثالث والعشرون، مخطوط.
١٧٤

لقد كان الإِمام رحمه الله تعالى جيد الفهم عظيمهُ لما
يبلغه من حديث رسول الله وَلقر، يفتح الله عليه فيه ما يغيب عن
بعض شيوخه فضلاً عن تلاميذه.
ذكر الإِمام علي القاري في مناقب الإمام أبي حنيفة رحمه
الله تعالى: أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان عند الأعمش
إذ سأله رجل، فقال هو للإِمام: ما تقول في كذا وكذا؟
فقال: كذا وكذا، فقال الأعمش: من أين لك هذا؟ قال:
أنت حدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة، وعن أبي وائل
عن عبد الله، وعن أبي إياس عن أبي مسعود الأنصاري، قال
رسول الله ولو كذا، وحدثتنا عن أبي مجلز عن حذيفة، عنه
** كذا، وحدثتنا عن أبي الزبير عن جابر كذا، وحدثتنا عن
يزيد الرقاشي عن أنس عنه و كذا، قال الأعمش: حسبك !!
ما حدثتك في مائة يوم حدثتني في ساعة !! ما علمت أنك تعمل
بهذه الأحاديث !! يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن
الصيادلة، وأنت أيها الرجل أخذت بكلا الطرفين(١) !!.
وقال له الأعمش يوماً: لو كان العلم بالطلب واللّقي لكنت
أفقه منك، ولكنه عطاء من الله تعالى(٢).
ذكر الخطيب في تاريخه بسنده إلى أبي غسان، قال:
(١) مناقب الإِمام القاري / ٤٨٤ /.
(٢) الموفق ٢: ١٥٦ / تاريخ الخطيب / ١٣: ٣٣٩/.
١٧٥

سمعت إسرائيل(١) يقول: كان نعم الرجل نعمان، ما كان
أحفظه لكل حديث فيه فقه !! وأشد فحصه عنه وأعلم بما فيه
من الفقه! وكان قد ضبط عن حماد فأحسن الضبط(٢).
وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: ما رأيت أعرف بتفسير
الحديث ومواضع النكت التي فيه من أبي حنيفة(٣).
وروى الموفق بسنده إلى علي بن هاشم، قال: كان أبو
حنيفة كنز العلم، ما كان يصعب من المسائل على أعلم
الناس، فهو كان سهلاً على أبي حنيفة (٤). وقال زفر رحمه
الله تعالى: كان كبراء المحدثين مثل زكريا بن أبي زائدة،
وعبد الملك بن أبي سليمان والليث بن أبي سليم،
ومطرف بن طريف، وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم
يختلفون إلى أبي حنيفة ويسألونه عما ينوبهم من المسائل
ويشتبه عليهم من الحديث(٥).
(١) هو ابن أبي إسحاق السبيعي الإِمام الحافظ أبو يوسف الكوفي، كان
حافظاً حجة، صالحاً خاشعاً، من أوعية العلم كما قاله الذهبي في
التذكرة. انظر «ما تمس إليه الحاجة من حديث ابن ماجه)).
للنعماني .
(٢) تاريخ الخطيب: ١٣ .
(٣) مناقب الموفق / ١: ٢٨/.
(٤) مناقب الموفق / ١: ٢٨ /.
(٥) المصدر السابق / ١ : ١٥٢/.
١٧٦

وروى بسنده إلى محمد بن الحسن قال: سمعت أبا
يوسف يقول: كنا نكلم أبا حنيفة في باب من أبواب العلم،
فإذا قال بقول واتفق عليه أصحابه أو قال اتفقنا عليه، درت
على مشايخ الكوفة هل أجد في تقوية قوله حديثاً أو أثراً،
فربما وجدت الحديثين أو الثلاثة، فآتيه بها فمنها ما يقبله
ومنها ما يرده، فيقول: هذا ليس بصحيح أو ليس بمعروف
وهو موافق لقوله، فأقول: وما علمك بهذا؟ فيقول: أنا عالم
بعلم أهل الكوفة.
قال أبو عصمة: وصدق هو عالم بعلم أهل الكوفة وبأكثر
علم غير أهل الكوفة هو أيضاً به أعلم. والشاهد له على ذلك
علم في كتبه والرواية التي عنه في يدي أصحابه، انظر في
كتاب كتاب، خذ في كتاب الصلاة، فانظر في ابتداء علمه
وجوابه في الوضوء، في حدّ حدّ وشيء شيء، وكذا سائر
علمه، فانظر في جوابه والأثر، واعتبر بموافقته للآثار والسلف
واتباعه آثارهم، وذكر باقي الرواية(١).
وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: كنا نختلف في
المسألة، فنأتي أبا حنيفة فنسأله، فكأنما يخرجها من كمه
فيدفعها إلينا(٢).
(١) مناقب الموفق / ١: ١٥٢/.
(٢) المصدر السابق / ١ : ١٢٢/.
١٧٧
١

نموذج من فقه الإِمام في الحديث:
روى الموفق بسنده إلى محمد بن شجاع المروزي قال:
كان الفضل بن عطية عند أبي حنيفة، فقال له أبو حنيفة:
ولدك محمد إلى من يختلف؟ فقال: يدور على المحدثين
فيكتب عنهم، فقال: ائتني به حتى أنظر في أي شيء هو؟
قال: فجاء به، فألطفه وقرَّبه، فقال: يا محمد، إلى من
تختلف وتكتب؟ فأخبره، ورآى معه كتاباً، فقال: ناولنيه،
فناوله فنظر فيه، فإذا في أوله حديث رسول الله وَاليقول: ((إن ولد
الزنى شر الثلاثة)) فقال: يا محمد، ما معنى قول النبي وَل:
((ولد الزنى شر الثلاثة))؟ قال: هو كما هو في الحديث،
فقال: إنا لله، نسبت إلى النبي وَلقر ما لا يحل ولا يجوز،
وفي هذا نقض لكتاب الله تعالى وسنة نبيه بَثية، والقول
بالجور، قال الله سبحانه: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ وقال
تعالى: ﴿ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا﴾ وقال تعالى: ﴿وأن
ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تُجزَوْن إلّ بما
كنتم تعملون﴾ وقال تعالى: ﴿ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا
يظلم ربك أحداً﴾ وقال تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ وقال
تعالى: ﴿وما أنا بظلام للعبيد﴾ قال تعالى: ﴿إن الله لا يظلم
مثقال ذرة﴾ وقال تعالى: ﴿ونضع الموازينَ القسط ليوم القيامة
فلا تظلم نفس شيئاً﴾ وقال تعالى: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا﴾
هم الظالمين﴾ وقال تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾
وقال تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾
١٧٨

وقال تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أُخرى﴾ في أمثال هذه
الآيات. فمن قال بهذا القول الذي قلته فقد خالف القرآن
وأوجب العذاب بذنب غيره، وقال بالظلم والجور. وقال له
الفضل بن عطية، ما معناه يرحمك الله؟ قال أبو حنيفة: هذا
عندنا في ولد زنى خاص كان يعمل عمل والديه، وكان يقرن
إلى ذلك أعمالاً سيئة من القتل والسرقة إلى غير ذلك؛
فقيل: هو شر الثلاثة إذا كان ما عمل والداه من الزنى غيرَ
كفر، وكان عمله كفراً فكان الكفر شراً من الزنى، فقيل: هو
شر الثلاثة. قال: فقال الفضل بن عطية: هذا العلم !! وقال
لابنه محمد: سمعت؟! فقال أبو حنيفة: يا محمد من طلب
الحديث ولم يطلب تفسيره ومعناه ضاع سعيه وصار ذلك وبالاً
عليه. قال: فكان محمد بن الفضل بعد ذلك يكثر الاختلاف
إلى أبي حنيفة(١).
وقال رحمه الله تعالى: مثل من يطلب الحديث ولا يتفقه
مثل الصيدلاني يجمع الأدوية ولا يدري لأيّ داء هي حتى
يجيء الطبيب. وهكذا طالب الحديث لا يعرف وجه حديثه
حتى يجيء الفقيه(٢).
وكان له رحمه الله تعالى مشاركة في أصول الحديث، من
(١) مناقب الموفق /٢: ١٦٠/.
(٢) محاضرات في الفقه الإسلامي الجزء الثالث الإِمام الأعظم أبو
حنيفة / ٣: ١٧١/.
١٧٩

معرفة الرجال وأحوالهم، وروايتهم عن شيوخهم، ورواية
تلامذتهم عنهم، وكانت له قواعد تناقلتها كتب أصول
الحديث عن رجال هذا الفن.
وقد عقد الشيخ المحدِّث مسعود بن شيبة السندي في
كتابه ((التعليم)) فصلاً خاصاً للكلام في هذا الباب، فقال:
واعلم أن أبا حنيفة قد قُبل قوله في الجرح والتعديل، وتلقاه
علماء هذا الفن وعملوا به، كتلقيهم عن الإِمام أحمد
والبخاري وابن معين وغيرهم، وهذا يدلك على عظمة شأنه
وسعة علمه وسيادته، فمن ذلك ما رواه الترمذي في كتابه
(العلل) من الجامع الکبیر: حدثنا محمود بن غیلان عن جرير
عن يحيى الحِمَّاني، سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أكذب
من جابر الجعفي ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح. وروينا
في (المدخل لمعرفة دلائل النبوة) للبيهقي الحافظ بسنده عن
عبد الحميد الحماني، سمعت أبا سعيد الصَّغاني وقام إلى
أبي حنيفة وقال: يا أبا حنيفة، ما تقول في الأخذ عن
الثوري؟ فقال: اكتب عنه فإنه ثقة، ما خلا أحاديثه إلى
إسحاق بن الحارث وحديث جابر الجعفي .
وقال أبو حنيفة: طلق بن حبيب كان يرى القدر. وقال:
زيد بن عياش ضعيف، وقال سُويد بن سعيد عن سفيان بن
عيينة قال: أول من أقعدني للحديث أبو حنيفة، قدمت
الكوفة، فقال أبو حنيفة: إن هذا أعلم الناس بحديث
١٨٠