النص المفهرس

صفحات 141-160

٦ - العرف والعادة:
هو ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع
السليمة بالقبول(١) والأصل في اعتبار العرف دليلاً شرعياً قول
ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (ما رآه المسلمون حسناً فهو
عند الله حسن)(٢) وإنما يكون العرف دليلاً حيث لا دليل
شرعي من كتاب وسنة، أما إذا خالف العرف الكتاب والسنة
كتعارف بعض التجار التعامل بالربا، وتعارف بعض الناس
أنواعاً من القمار كأوراق النصيب، واختلاط النساء مع
الأقارب غير المحارم، وإظهار ما أمر الله تعالى بستره من
الوجه والعنق والصدر، وغير ذلك مما ورد تحريمه نصاً، فهو
عرف مردود لأنه محادّ للشريعة ومخالف لها. وقد ذكر الفقيه
محمد أمين الشهير بابن عابدين طائفة من المسائل القائمة
على العرف في رسالته (العرف)، والتي تغير فيها الحكم
لاختلاف الأزمان، مما يدخل تحت قاعدة (لا ينكر اختلاف
الأحكام باختلاف الأزمان) - أي اختلاف الأحكام القائمة
على العرف، أما الأحكام القائمة على النصوص فهي قاضية
على الأزمان والأمكنة - فقال: من ذلك تضمين الخيّاط والكوّاء
ومثالهما إذا أحرقا القماش، أو أضاعاه، وقد كان رأي الإِمام
رحمه الله تعالى أن القماش عندهم أمانة لا تضمن(٣).
(١) المستصفى للإِمام الغزالي.
(٢) رواه أحمد وغيره.
(٣) انظر أبو حنيفة للشيخ محمد أبو زهرة: ص ٣٥٠ وما بعد.
١٤١

فقه الإمام
لقد ورث أبو حنيفة رحمه الله تعالى علم عمر وعلي
وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عباس رضي الله عنهم، أخذه
عنهم بواسطة شيوخه البالغين أربعة آلاف رجل، وبواسطة
فقهاء الكوفة خاصة، وكان شيخه حماد الذي اختص به
ثماني عشرة عاماً دون انقطاع يلازمه ليل نهار، هو الصلةً
الوثقى لعلمه بعلمهم رضي الله عنهم ..
كان رحمه الله تعالى أول من رتب مسائل الفقه ودوّنها في
سجلات، يقوم بذلك الإِمام أبو يوسف في غالب الأحيان
وغيره حيناً، حتى بلغت مسائله المدونة خمسمائة ألف
مسألة.
ولقد انتشر بهذا الأسلوب الفقهُ الجديد - في ترتيبه
وعرضه - بين العامة والخاصة، في الكوفة وسائر العراق،
وأخذ به كبار المحدثين، أمثال يحيى بن سعيد القطان،
وعليّ بن المديني، وشعبة بن الحجاج، وعبد الله بن
المبارك، وكبار الفقهاء والزهاد وعلماء اللغة، أمثال أبي
يوسف وزفر ومحمد بن الحسن وداود الطائي وعبد
الرحمن بن القاسم، وانتقل به تلامذته الفحول البالغون
/ ٧٣٠/ شيخاً إلى بلادهم، خاصة بلاد الأفغان وبخارى
والهند، فشرّق فقه الإِمام وغرّب وشمال وجنْب؛ حتى إنه
ليعد المحدِّث الفقيه المفسر الأصولي القارىء علي بن
١٤٢

سلطان القاري المتوفي سنة ١٠١٤، أتباع مذهب الإِمام في
القرن الحادي عشر ثلثي المسلمين في العالم(١).
لقد عَدَّ العلماءُ الإِمامَ رحمه الله تعالى أول من كتب في
هذا الفنِّ ونظمه وفتق مسائله، ووضع أصول أدلته، لذا عُدَّ
من قال بعده في الفقه أو كَتّبَ عالة عليه رحمه الله تعالى.
قال المحدث الفقيه محمد بن يوسف الصالحي
الدمشقي: وأبو حنيفة أول من ألف في أصول الدين وأصول
الفقه والفرائض، ودوَّن الكتب ورتب الأبواب (٢).
وقد مَرَّ بنا سابقاً ذكر الطريقة العلمية التي كان الإِمام
رحمه الله تعالى يقرر بها مسائل الفقه الهامة، كما مرّ ذكر ثناء
الأئمة الأعلام عليه في الفقه والفهم، وأرى أن أذكر أقوال
بعضهم فيه رحمه الله تعالى قبل الانتقال إلى عرض نماذج
من فقهه رحمه الله تعالى.
قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: ما رأيت أفقه من
أبي حنيفة.
وقال إبراهيم بن طهمان: كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى
إمام كل معنى. وقال محمد بن الباقر رحمه الله تعالى: ما
(١) انظر مقدمة (مرقاة المفاتيح على مشكاة المصابيح) ويقع في خمس
مجلدات ضخام، وهو مطبوع ينتفع به الناس.
(٢) سيأتي لهذا مزيد بيان في موضعه إن شاء الله تعالى.
١٤٣

أحسن هديه وسمته وما أكثر فقهه؟ !. وقال ابن المبارك: ليس
أحد أحق أن يُقتدى به من أبي حنيفة، كان إماماً تقياً نقياً
ورعاً عالماً فقيهاً، به كشف العلم كشفاً لم يكشفه أحد ببصر
وفهم وفطنة وتقى(١).
نماذج من فقه الإِمام وفهمه الأدلة وعمله بها:
ألف الحافظ الكبير أبو بكر (٢) بن أبي شيبة ((المصنّف))
وهو أجمع كتاب ألف في أحاديث الأحكام، ورتبه على
أبواب الفقه، وسرد في كل باب منه ما ورد فيه من أثر
مرفوع موصول أو مرسل مقطوع، وقول تابعي وأقوال سائر
أهل العلم في المسألة التي يعانيها، فيسهل بذلك على
القارىء أن يحكم على تلك المسألة أنها إجماعية أو خلافية.
ولقد عد المؤلف في كتابه العظيم الكثير من المسائل، وقال
في / ١٢٥ / مسألة: وذكر أن أبا حنيفة قال كذا - يريد خلاف
ما علیه دليله.
وقد تعرض أئمة أعلام لبيان صحة الدليل فيما ذهب إليه
(١) مناقب البزازي ١: ٩٠ وما بعد.
(٢) هو الإِمام الحافظ أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم
العبسي الكوفي المتوفى سنة ٢٣٥، وهو من كبار أئمة الحديث،
روى عنه البخاري ومسلم، وأبو زرعة الرازي وأبو داود وابن
ماجه، وبقي بن مخلد، وأبو القاسم البغوي وجعفر الفريابي وأمم
سواهم .
١٤٤

الإِمام رحمه الله تعالى، منهم الحافظ محمد بن يوسف
الصالحي الدمشقي الشافعي تلميذ الإِمام السيوطي وصاحب
السيرة الشامية، في كتابه (عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة
النعمان)، ومنهم شيخي بواسطة الشيخ محمد علي المراد
- أحد أعلام حماة - المحدث الفقيه، والأصولي البارع،
العلامة محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى(١) في كتابه
(النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي
حنيفة) .
وقد اخترت من الكتاب الأخير مسائل أجعلها في هذه
الترجمة الكريمة الإِمامنا رحمه الله تعالى، تبياناً لحجج أبي
حنيفة في مسائله، واعتماده على الدليل، وفقهه، وجمعه
النصوصَ في الموضوع، وتقديم ما يرى تقديمه من النصوص
على سواها، وعرضاً لطريقة علمية أدبية - نكاد نفقدها في
(١) وكيل المشيخة الإِسلامية بعاصمة الخلافة الإسلامية، خرج منها
عقب الانقلاب العلماني على الخلافة الإِسلامية، وأقام بدمشق
حيناً، ثم انتقل إلى مصر وبها أقام حتى مات في الحادي عشر من
ذي القعدة سنة ١٣٧١. وقد نشر في مصر - بعد الشام - العديد من
الكتب النادرة وقدم لها وعلق عليها، وألف كتباً مستقلة وردوداً
علمية، عرض عليه تدريس علوم القرآن في كلية الآداب بجامعة
فؤاد فاعتذر، وكان رحمه الله لا يأخذ على تأليفه أجراً. من أهم
منشوراته: الفرق بين الفرق، التبصير في الدين، ومن أهم كتبه:
النكت الطريفة، ومقالات الكوثري. رحمه الله تعالى.
١٤٥

الردود العلمية - في مناقشة المسائل وأصحابها في أدب
وعلم، لا تغالي فيه ولا احتقار من معاصر عالم كريم.
قال الكوثري رحمه الله تعالى :
المسألة التاسعة : قال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن إدريس،
عن حصين عن هلال بن يساف، قال: أخذ بيدي زياد بن
أبي الجعد فأوقفني على شيخ بالرقة يقال له: وابصة بن
معبد، قال: (صلى رجل خلف الصف وحده فأمره النبي وَلّ
أن يعيد). حدثنا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر قال:
حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه علي بن
الشيبان وكان من الوفد: خرجنا حتى قدمنا على نبي الله وَلقر،
فبايعناه وصلينا خلفه، فرأى رجلاً يصلي خلف الصفوف،
قال: فوقف عليه نبي الله وَر حتى انصرف، فقال: ((استقبل
صلاتك فلا صلاة للذي صلى خلف الصف))، وذُكر أن أبا
حنيفة قال: تجزئه صلاته.
أقول: إن ابن إدريس هو عبد الله الأودي، وعنه يقول
شريك في رواية الهيثم بن خالد: أهل بيت جنون، أحمق بن
أحمق، وكان أبوه ههنا معلم ولد عيسى بن موسى، ولقد قال
الشعبي لعمه داود بن يزيد: لا يموت حتى يجن، فما مات
حتى كوى رأسه إبراهيم بن بشار. وحصين هو ابن عبد
الرحمن السلمي، مختلط، ذكره في الضعفاء البخاريّ
والعُقيلي وابن عدي، وقال البزار في مسنده المعلل: حصين
لم يكن بالحافظ فلا يحتج بحديثه في حكم. وهلال لم
١٤٦

يسمع من وابصة، فمرسل. وقال عن ملازم: لا يحتج به،
وعن عبد الله بن بدر ليس بالمعروف، وعلي بن شيبان لم
يحدث عنه إلاّ ابنه عبد الرحمن وابنه هذا غير معروف، وإنما
ترتفع جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران، وأما إذا
روى عنه من لا يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجة
ولا ارتفعت به جهالة اهـ. لكن وثق حصيناً جماعة وأخرج
عنه البخاري قبل اختلاطه، وملازم وثقه أناس،
وعلي بن شيبان صحابي مقلّ. على أن الحديث مضطرب
الإِسناد، فمرة يروي هلال عن عمرو بن راشد عن وابصة،
ومرة عن زياد بن أبي الجعد مقام أبي علي شيخ يقال له:
وابصة. فقال زياد: حدثني هذا الشيخ - وليس عند ابن ماجه
والشيخ يسمع حتى يعد عرضاً - وإنما انفرد به في جامع
الترمذي من لا يؤخذ بانفراده ضد جماعة. وعمرو بن راشد
رجل لا يعلم أنه حدث إلّ بهذا الحديث، وليس معروفاً
بالعدالة فلا يحتج بحديثه كما يقول البزار.
وقال ابن عبد البر: إنه مضطرب الإِسناد ولا يثبته جماعة
من أهل الحديث.
وقال الترمذي: قال قوم من أهل العلم: يجزيه إذا صلى
خلف الصف وحده، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك
والشافعي. اهـ.
ودليل هؤلاء حديث أبي بكرة في ((الصحيحين)) أنه أحرم
١٤٧

دون الصف فقال له ◌َ *: ((زادك الله حرصاً فلا تعد)). وهذا
كلام يفيد الصحة مع الكراهة لا البطلان، ومن ادعى بطلان
الصلاة بدون خلل في الأركان تمسّك بأحاديث لم يصححها
الآخرون .
راجع نصب الراية /٢ - ٣٨/ وعمدة القاري شرح
البخاري للعيني / ٣ - ١١٦ / وعلى فرض صحتها تحمل
على نفي الكمال؛ جمعاً بين الأدلة، كيف ولو كان المصلي
وحده خلف الصف في باطل لما انتظره النبي وَله إلى انتهائه
من صلاته ليقول له: ((لا صلاة للذي صلى خلف الصف))،
وهذا ظاهر.
وقال الشافعي: لو ثبت الحديث - يعني حديث وابصة -
لقلت به، وقال الحاكم: وإنما لم يخرجه الشيخان لفساد
الطريق إليه، وقال البدر: وبصحة صلاة المنفرد خلف الصف
قال الثوري وابن المبارك والحسن والبصري والأوزاعي وأبو
حنيفة والشافعي ومالك وأبو يوسف ومحمد لكنه يأثم. أما
الجواز فلأنه يتعلق بالأركان وقد وجدت، وأما الإِساءة فلوجود
النهي عن ذلك، وهو قوله وقال: ((لا صلاة لمنفرد خلف
الصف)) - أخرجه الأثرم - ومعناه: لا صلاة كاملة، كما في:
((لا وضوء لمن لم يسم الله)) و ((لا صلاة لجار المسجد إلّ في
المسجد)). اهـ.
وبهذا يجمع بين الأحاديث، فظهر أن بطلان صلاة من
١٤٨

انفرد خلف الصف مذهب أحمد وحده، من بين الأربعة،
ومذهب الظاهرية المتساهلين في التصحيح.
أفيعدّ أبو حنيفة مخالفاً للأثر في مسألة تمسك فيها هكذا
بحديث متفق على صحته، مع رجع باقي الآثار إليه، بحملها
على الكمال جمعاً بين الأدلة، وقد تابعه في ذلك معظم
علماء الأمة، غير الذين يتساهلون في تصحيح ضعاف الآثار
وهجر صحيح الأخبار؟ !.
والله سبحانه هو الهادي إلى الأرشد الأقوم(١).
المسألة الخامسة والأربعون: بيع المصرَّاة. وقال أيضاً:
حدثنا وكيع، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن
أبي هريرة، قال النبي وَلَّ: ((من اشترى مصرّاة فهو بالخيار،
إن شاء ردها ورد معها صاعاً من تمر)). حدثنا وكيع عن
شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل
من أصحاب النبي وَ ل* قال: قال رسول الله وَلـ: ((من اشترى
مصراة فهو فيها بخير النظرين، إن ردّها رد معها صاعاً من
طعام أو صاعاً من تمر)) وذكر أن أبا حنيفة قال بخلافه.
أقول: أغلب طرق هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه مرفوعاً، وروي عن غيره من الصحابة مرفوعاً،
وصح في البخاري من طريق ابن مسعود موقوفاً، وحديث
أبي هريرة مما رواه أبو حنيفة أيضاً عن الهيثم عن ابن سيرين
(١) النكت الطريفة / ص ٢٧ - ٢٨ - ٢٩/.
١٤٩

عن أبي هريرة مرفوعاً. ولا كلام في الحديث من جهة
الإِسناد، وهو صحيح بدون شك، لكن أفق المجتهد أوسع
ونظره في الحديث غير قاصر على ناحية، فيظهر لهذا من علة
تمنع الأخذ بظاهره ما لا يظهر للآخر، ويعتني هذا المجتهد
بموافقة الحديث للأصول المجمع عليها فوق اعتناء ذاك
المجتهد بهذا، وهكذا يتسع نطاق الكلام. وقد أخذ بظاهر
هذا الحديث مالك - في المشهور عنه - والليث والشافعي
وأحمد وإسحاق وغيرهم، وقالوا: إن المشتري إذا وجد البقرة
مصرأة - حبس البائع لبنها في ضرعها أياماً ليظن المشتري
أنها غزيرة اللبن - يردها المشتري إلى البائع مع صاع مقابل
حلبها أيام كانت عنده، وخالفهم أبو حنيفة ومالك - في
رواية - وأشهب ومحمد وأبو يوسف - في المشهور - وطائفة
من فقهاء العراق، وقالوا: ليس للمشتري أن يرد المصراة
بخيار العيب، ولكنه يرجع بالنقصان لوجود ما يمنع الرد،
حيث رأوا أن الحديث وإن سلم إسناده، لكن فيه اضطراب
واختلاف شديد في المدة وفيما يدفع، بحيث يسري إلى
أصل الحديث، كما يظهر من استعراض ألفاظ الحديث في
الروايات في عقود الجواهر وغيره. وليس مجرد سلامة إسناد
الحديث بكاف في الأخذ بظاهره، بل لا بد من سلامة المتن
من مخالفة ما هو أقوى منه، من كتاب أو سنة وأصل مجمع
عليه. فالشذوذ والعلة يمنعان الأخذ به، فيتوقف عن العمل
بظاهره.
١٥٠

وهذا الحديث معلول لمخالفته لعموم كتاب الله تعالى في
ضمان العدوان بالمثل. قال الله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم
فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ وقال تعالى: ﴿وإن
عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾، والآيتان تحتّمان الضمان
بالمثل. و (صاع من تمر) ليس بمثل ولا قيمة لِلبَن المحلوب
المستهلك عند المشتري مدة بقائها عنده، بل تدر المصراة
أيام بقائها عند المشتري من اللّبن ما يساوي أضعاف صاع
من تمر في القيمة، وهو ظاهر.
ثم حديث ((الخراج بالضمان)) صححه الترمذي وأخذ به
جمهور الفقهاء، فلا يكون هذا اللَّبن مضموناً حيث كانت
المصراة تحت ضمان المشتري، والحديث السابق يخالف
هذا، حيث يوجب ضمان اللبن بصاع من تمر، بل أوضحوا
وجوه مخالفة حديث المصراة للأصول، فقالوا: إنه أوجب
الرد من غير عيب ولا شرط وقدِّر الخيار بثلاثة أيام، وإنما
يتقيد بالثلاثة خيار الشرط، وأوجب الرد بعد ذهاب جزء من
المبيع، وأوجب البدل مقام المبدل، وقدِّر بالتمر والطعام،
والمتلفات إنما تضمن بالمثل أو بالقيمة، وجعل الضمان
بالقيمة مع أن الطعام مثلي، ويؤدي إلى الربا إذا كان ثمن
المصراة بالتمر حيث يزيد صاعاً منه، كما يؤدي إلى الجمع
بين العوض والمعوض.
وتلك ثماني مخالفات للأصول تقضي بترك العمل
١٥١

بظاهره، وإن حاول ابن العربي الجواب عن جميعها.
فللخروج من هذا التعارض سلكوا طرقاً شتى، قال عيسى بن
أبان: كان هذا أيام العقوبة بأخذ المال ثم نسخ بآية ضمان
العدوان بالمثل. وقال الطحاوي: بل بحديث ((الخراج
بالضمان))، وقال العلامة الكشميري: في التصرية غرر فعلي
والغرر القولي به تجب الإقالة أيضاً قضاء، والغرر الفعلي لا
يدخل تحت القضاء، لكن تجب به الإِقالة ديانة على ما نصّ
عليه ابن الهمام، فيكون حديث المصراة من باب الإِقالة
ديانة، فلا يكون الحديث متروكاً ولا مخالفاً للأصول.
وقول ابن القيم: كيف يكون التوضؤ بالنبيذ الشديد موافقاً
للأصول وخبر المصراة مخالفاً للأصول؟! على طريقته في
التهويل والتجاهل، وإلّ فليس بخاف عليه أن النبيذ الذي
يُتوضأ به إذا لم يكن سواه موجوداً - وهو ماء مالحٍ يحمله
المسافر في قربته ويرمي فيه تمرات ليحلو الماء يسيراً كما هو
عادة العرب - وليس النبيذ الشديد بمراد أصحابنا أصلاً هنا،
وهو يعلم ذلك لكن ديدنه التهويل والتشغيب، ثم مخالفة
حديث المصراة للأصول ليس بمعنى مخالفته للقياس
المجرد، وأنت رأيت كيف خالف عدة آيات وأحاديث جمعوا
بينه وبينها كما بسطناه هنا والله الهادي. وأما ذكر فقه الراوي
هنا وعدّ أبي هريرة غير فقيه، فيبرأ منه أبو حنيفة وأصحابه،
بل لا يثبت عن عيسى بن أبان أيضاً. وأما ترجيح إحدى
الروايتين على الأخرى بفقه الراوي ولا سيما في موضع
١٥٢

الرواية بالمعنى كما فعل أبو حنيفة مع الأوزاعي في مسألة
رفع اليدين عند الركوع؛ فأمر يجب الأخذ به. حكى ابن
عيينة أن الإِمام أبا حنيفة اجتمع بمكة مع الإِمام الأوزاعي
رحمهما الله تعالى في دار الخياطين، فقال الأوزاعي: ما
بالكم لا ترفعون عند الركوع وعند الرفع منه؟ فقال أبو
حنيفة: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله وَطير فيه شيء، فقال
الأوزاعي: كيف لم يصح وقد حدثني الزهري، عن سالم،
عن أبيه، أن رسول الله وَلير كان يرفع يديه إذا افتتح
الصلاة، وعند الركوع وعند الرفع منه، فقال أبو حنيفة:
حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة، والأسود عن عبد الله بن
مسعود، أن النبي ◌َلتر كان لا يرفع يديه إلّ عند افتتاح
الصلاة، ثم لا يعود لشيء من ذلك. فقال الأوزاعي: أحدثك
عن الزهري عن سالم عن أبيه، وتقول حدثني حماد عن
إبراهيم؟! فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان
إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر في الفقه
وإن كان لابن عمر صحبة وله فضل، فالأسود له فضل كثير
وعبد الله عبد الله !!.
قال الكمال بن الهمام بعد ذكر هذه القصة: فرجَّح بفقه
الرواة؛ كما رجّح الأوزاعي بعلو الإِسناد، انظر فتح القدير
/١ - ٢١٩ /.
والواقع في أبي هريرة أنه لم يكن في بادىء أمره مجتهداً،
١٥٣

ولا كان يعرف الكتابة، ولم يتصل بالنبي وَلّ إلّ ثلاث
سنوات، ثم استمر على رواية الحديث ومدارسة العلم
فأصبح من كبار المجتهدين بين الصحابة من غير كلام، وهذا
هو الصواب في أمره والله أعلم.
وللحافظ عبد القادر القرشي جزء خاص في تحقيق ما
يتعلق بحديث المصراة، وقد ألم به في آخر طبقاته. اهـ(١).
المسألة الرابعة والعشرون بعد المائة: رد السلام في
الصلاة بالإِشارة :
وقال أيضاً: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم،
عن ابن عمر، قال: دخل رسول الله وَطلتر مسجد بني عمرو بن
عوف فصلى فيه، ودخَلتْ عليه رجال من الأنصار، ودخل
معهم صهيب، فسألت صهيباً: كيف كان رسول الله وَ 9م
يصنع حيث كان يسلّم عليه؟ قال: (يشير بيده) وذُكر أن أبا
حنيفة قال: لا يفعل.
أقول: هناك أحاديث تدل على أن ناساً سلموا على
رسول الله وَ ل وهو يصلي، فرد عليهم بيده أو أصبعه، فعدّ
ذلك طائفة رداً للسلام بالإِشارة في الصلاة؛ فرخصوا في الرد
بالإِشارة في الصلاة على السلام، منهم مالك والشافعي
وأحمد، وهناك أيضاً أحاديث تدل على أن أناساً سلموا عليه
وهو يصلي ولم يرد عليهم لا بالإِشارة ولا بغيرها، وقال لهم
(١) النكت الطريفة /ص ٩٠ - ٩١ - ٩٢/.
١٥٤

بعد فراغه من الصلاة: ((إن في الصلاة لشغلاً». فذلك دليل على
أن المصلي معذور بذلك الشغل عن رد السلام على المسلّم
عليه، ونهي لغيره عن السلام عليه، كما يقوله الطحاوي، وفي
حديث عبد الله عند مسلم: ((كنا نسلم على رسول الله وَ له
وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي
سلمنا عليه فلم يرد علينا)). ففي هذين الحديثين نص لرد
السلام في الصلاة مطلقاً فشمل القول والإِشارة، لأن الرد
أعم منهما وقد نفاه كما ترى.
وحديث أبي داود، حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا
يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة
ابن الأخنس، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله ومثل: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)) - يعني
في الصلاة - من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد لها
- يعني الصلاة - قال أبو داود: هذا الحديث وهم. اهـ. ولم
يذكر وجه ذلك، فعبد الله ثقة من رجال الجماعة، ويونس
صدوق من رجال مسلم، ومحمد بن إسحاق قد طال الأخذ
والرد فيه، وكثير من النقاد وثَّقوه إطلاقاً، واستقر الأمر عند
الجمهور على أنه مدلِّس لا يحتج بحديثه وحده إذا عنعن،
لكن لا يستلزم هذا رد كل ما عنعن فيه، وأصحابنا يأخذون
بروايته إذا كانت تدل على ما هو الأحوط ولا سيما عند وجود
قرائن تؤيدها. وكان ابن المديني - شيخ البخاري - يحتج
بحديث ابن إسحاق، فلا يكون رد عنعنته موضع اتفاق،
١٥٥

فيحسب حساب حديثه في باب الاحتياط عند احتفافه
بقرائن. ويعقوب بن عتبة ثقة، وأبو غطفان بن طريف ثقة غير
مجهول إلّ عند من کثر جهله.
فأبو حنيفة وأصحابه أخذوا بهذه الأحاديث، فمنعوا الإِشارة
لرد السلام في الصلاة، وإن لم يقولوا ببطلان الصلاة بمجرد
الإِشارة. وعدوا أحاديث الإِشارة دائراً أمرها بين أن تكون
للنهي عن السلام على المصلي، وبين أن تكون للرد على
السلام على أكبر تنزل، لأن الاحتمال الأول يؤيده حديث:
((إن في الصلاة لشغلًا)) وعند الاحتمال يسقط الاستدلال.
فيكون ما ذهب إليه أصحابنا هو الموافق لجلال الصلاة،
وللاحتياط الذي تقتضيه تلك الأحاديث المانعة من الإِشارة في
الصلاة لرد السلام، على أن الحاظر يقدم في الأخذ على المبيح
عند أهل العلم. والله أعلم(١).
اتجاهات فِقهِ الإمام
قال الشيخ الدكتور محمد يوسف موسى في كتابه (أبو حنيفة
النعمان) رحمه الله تعالى ورضي عنه، في فصل (اتجاهات فقه
الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى):
نقلنا عن الإِمام الأجل المرحوم الشيخ الكوثري في ختام
(١) النكت الطريفة /ص ٢٤٧ - ٢٤٨ /.
١٥٦

كتابه (النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على
أبي حنيفة)(١) - وهو من أجل الكتب التي تبين عدم مخالفة
الإِمام أبي حنيفة للحديث - في تلك المسائل الكثيرة التي ذكرها
ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى في (مصنفه)، كل ذلك بأدلة
ممحصة ونقول معتبرة، لا تدع مجالاً لطالب حق في قبول ما
قال الجاهلون والمغرضون بحق الإِمام فيه. إن هذا الإِمام
الأعظم كان يحتم الأخذ بما يبرىء الذمة بيقين عند اختلاف
الروايات، ويسعى جهده في عدم إهدار تصرف العاقل بقدر
ما يمكن، ويرعى جانب الفقراء والأرقاء وسائر الضعفاء في
الأحكام المختلف فيها، ويفسِّر الأدلة المحتملة بما هو في
مصلحة من توقع عليه العقوبات؛ أخذاً بقاعدة درء الحدود
بالشبهات. وبعد بحث وتنقيب ينتهي الشيخ الدكتور إلى تقرير
مسائل عديدة تبين أن اتجاهات الإِمام كانت ترمي إلى نزعات
اجتماعية هي ما يلي:
١ - التيسير في العبادات والمعاملات: وذلك من أسس
الشريعة الإِسلامية، ثم يذكر مسائل عديدة تقرر هذه القاعدة
القرآنية: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ من تلك
المسائل :
أ - في باب الطهارة من قسم العبادات، يرى أبو حنيفة أنه
إذا أصاب البدن أو الثوب نجاسة جاز غسله بكل مائع طاهر
(١) مضمون ما في ص ٢٥٩ من النكت الطريفة.
١٥٧

يزيلها، ولا يتعين في ذلك الماء وحده، ويقول: ومما احتج به
أبو حنيفة في هذا قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهِّر﴾ وهذا نص مطلق
لا يجوز تقييده من غير دليل، وكذلك أمر الرسول وَله بغسل
الإِناء إذا ولغ فيه الكلب، والغسل غير مختص بالماء، ثم إن
المطلوب إزالة ما يعلق بالجسم أو الثوب من نجاسة، وهذا كما
يكون بالماء يكون بغير الماء كالخل وماء الورد ونحوه، بل قد
تكون إزالة النجاسة بهذين ونحوها أبلغ وأتمّ على ما هو
معروف(١).
ب - وفي باب البيع من قسم المعاملات: يجيز أبو حنيفة
وأصحابه شراء شيء لم يره المشتري، ويكون له حينئذٍ الخيار
في إمضاء البيع أو فسخه، ويروون في هذا أن رسول الله الي.
قال: ((من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه؛ إن شاء أخذه،
وإن شاء تركه)) كما يحتجون أيضاً بما روي في ذلك، أن عثمان
رضي الله عنه باع أرضاً له بالبصرة من طلحة بن عبيد الله،
فقيل لطلحة: إنك قد غُبنت، فقال: لي الخيار لأني اشتريت
ما لم أره، وقيل لعثمان: إنك قد غُبنت، فقال: لي الخيار لأني
بعت ما لم أره، فحكّما بينهما جبير بن مطعم فقضى بالخيار
لطلحة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم من
غير نكير، فكان إجماعاً (٢).
(١) عن الغرة المنيفة / ص ١٤ /.
(٢) الزيلعي شرح الكنز / ٤: ٢٥ / وبدائع الصنائع للكاساني /٢ :
٢٩٢ /٠
١٥٨

٢ - رعاية جانب الفقير والضعيف: وهذا ما يوصي به
القرآن الكريم، ثم ذكر مسائل تقرر هذه القاعدة القرآنية
منها: ما يقول في باب الزكاة من قسم العبادات:
اختلف الفقهاء في وجوب الزكاة أو عدم وجوبها في الحلي
من الذهب أو الفضة، فذهب الإِمام وأصحابه إلى الوجوب،
وهو مذهب كثير من الصحابة، مثل عمر بن الخطاب
وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس،
وعبد الله بن عمرو ابن العاص، وأبي موسى الأشعري، وهو
أيضاً مذهب جمهور التابعين.
ویری الشافعي في أحد قولیه عدم وجوبها، ومما استدل به أبو
حنيفة ما رواه أبو داود والنسائي - وقال الإِمام النووي: إن إسناده
حسن - من أن امرأة أتت النبي ◌َّله وفي يد ابنتها سواران من
ذهب، فقال الرسول وَل: ((أتعطين زكاة هذا؟)) قالت: لا،
قال: ((أيسرك أن يُسوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار))
فخلعتهما وألقتهما إلى الرسول بَله، وقالت: هما لله ورسوله.
وروى الدارقطني عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه أن
امرأة أتت النبي ◌َّ وقالت: إن لي حلياً وإن لي بنتي أخ،
أفيجزي عني أن أجعل زكاة الحلي فيهم؟ قال: ((نعم)).
وفي باب السرقة من قسم المعاملات يقول: وقد يحدث أن
يسرق إنسان فتقطع يده اليمنى، ثم يعود فتقطع رجله
اليسرى، ثم يعود مرّة ثانية فما الحكم؟ يرى أبو حنيفة أنه لا
١٥٩

يقطع منه شيء بل يعزر، ويظل في الحبس حتى يتوب، وأما
استدلال أبي حنيفة لمذهبه، فهو بما روي عن سيدنا علي رضي
الله عنه في مثل ذلك إذ يقول: إني لأستحيي من الله أن لا أدع
له يداً يأكل بها، ويستنجي بها، ولا رجلاً يمشي عليها، وبذلك
حاج بقية الصحابة، فدرأ عنه الحد كيلا تنقلب العقوبة إهلاكاً
بذهاب أطرافه التي يبطش بها ويمشي عليها(١).
٣ - تصحيح تصرفات الإنسان بقدر الإمكان: نبدأ هذه
الناحية بذكر مسألة طريفة حقاً وهي: إسلام الصبي العاقل
قبل بلوغ الرشد، هل يصح ويعتبر إسلامه صحيحاً أو لا
يصح منه هذا الإِسلام؟ يرى أبو حنيفة أن إسلامه يصح، على
حين يرى الشافعي عدم صحته (وذلك لأنه إن صح إسلامه
لكان واجباً عليه، ولو كان واجباً عليه لم يكن الشرع يجيز
تركه، لأن ترك من وجب الإِسلام عليه كفر، والشارع لا يجيز
تقرير أحد على الكفر) أما أبو حنيفة فيرى أن الصبي العاقل
حين يصدّق بالله ورسوله وشريعته؛ يكون قد أتى فعلاً بحقيقة
لا يمكن ردها، وإذن يكون إسلامه صحيحاً. ثم إننا نجيز
تصرف الصبي المميز إذا كان التصرف نافعاً نفعاً محضاً له،
مثل قبول الهدية. فبالأولى نجيز تصرفه هذا الذي يحقق له
السعادة في الدنيا والأخرى؛ على أن من الثابت أن علي بن أبي
طالب رضي الله عنه أسلم وهو في سن الثامنة أو العاشرة من
(١) الغرة المنيفة / ص ١٧٢ - ١٧٣ /.
١٦٠