النص المفهرس
صفحات 61-80
تصدیه للتدریس : صحب أبو حنيفة شيخه حماداً رحمهما الله تعالى عشر سنين متتابعة، وبعد عشر سنين حدثته نفسه بالانفراد بحلقة، ثم ندم قبل أن يفعل، وآلى على نفسه أن لا يفارق شيخه بعد ذلك قط، وقد كان ذلك. روى الحارثي بسنده إلى الإِمام قصةً تحوله رحمه الله تعالى إلى حلقة حماد وتركه علم الكلام ... وفيها: فصحبته عشر سنين، فنازعتني نفسي لطلب الرئاسة، فأحببت أن أعتزله وأجلس في حلقة لنفسي، فخرجت ليلة بالعشي وغرضي أن أفعل، فلما دخلت المسجد فرأيته لم تطب نفسي أن أعتزله، فجئت فجلست معه، فجاءه تلك الليلة نعي قرابة له قد مات بالبصرة، وترك مالاً وليس له وارث، فأمرني أن أجلس مكانه؛ فما هي إلا أن خرج حتى وردت عليَّ مسائل لم أسمعها منه، فكنت أجيب وأكتب جوابي، فغاب شهرين، ثم قدم فعرضت عليه تلك المسائل - وكانت نحواً من ستين مسألة - فوافقني في أربعين وخالفني في عشرين، فآليت على نفسي أن لا أفارقه حتى يموت، فلم أفارقه حتى مات(١). وروى الصيمري بإسناده إلى حماد بن سلمة قال: كان مفتي الكوفة والمنظور إليه بعد موت النخعي حمادُ بن أبي (١) انظر عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان مخطوط بمكتبة شيخ الإِسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة. ٦١ سليمان، فكان الناس به أغنياء، فلما مات احتاجوا إلى من يجلس لهم، وخاف أصحابه أن يموت ذكره، ويندرس علمه بموته، وكان لحماد ابن حسن المعرفة، فأجمعوا عليه، فجاء أصحاب أبيه: أبو بكر النهشلي، وأبو بردة العبيسي، ومحمد بن جابر الحنفي وغيرهم، فاختلفوا إليه وكان الغالب عليه النحو وكلام العرب، فلم يصبر لهم على القعود، فاجتمع رأيهم على أبي بكر النهشلي وسألوه فأبى، وسألوا أبا بردة فأبى، فقالوا لأبي حنيفة، فقال: لا أحب أن يموت العلم، فساعدهم وجلس لهم، فاختلفوا إليه، ثم اختلف بعدهم أبو يوسف وأسد بن عمرو والقاسم بن معن وزفر بن الهذيل والوليد ورجال من الكوفة، وكان أبو حنيفة يفقههم في الدين، وكان شديد البرّ بهم والتعاهد، وكان ابن أبي ليلى وابن شبرمة وشريك يخالطونه ويطلبون تشنيعه، فلم يزل كذلك حتى استحكم أمره واحتاج إليه الناس، واجتمع إليه الأمراء، وذكره الخلفاء. وأسند الصيمري عن ابن المبارك مثله وفيه: فقال أبو حصين وحبيب بن ثابت: إن هذا الخزاز حسن المعرفة وإن كان حديثاً، فأجلسوه ـ يعنون أبا حنيفة فإنه كان يبيع الخز - ففعلوا، وكان رجلاً موسراً سخياً ذكياً، فجلس وصبّر نفسه عليهم وأحسن مواساتهم وحباهم، وأكرمه العلماء والأمراء وارتفع شأنه واختلف إليه الطبقة العليا، ثم جاء بعدهم أبو يوسف وأسد بن عمرو والقاسم بن معن وأبو بكر الهذلي وأبو الوليد بن إياد، وكان الذين يناظرونه ٦٢ ويتكلمون فيه ابن أبي ليلى وابن شبرمة والثوري وغيرهم، وجعل أمره يزداد علواً، وكثر أصحابه، حتى كانت حلقته أعظم حلقة في مسجد الكوفة، وأوسع عليهم في الجواب، وأوسع على كل ضعيف منهم، وأهدى إلى كل موسر، فانصرفت وجوه الناس إليه حتى أكرمه الأمراء والحكام والأشراف، وقام بالنوايب وحمده الكافة، وتحمل أشياء أعجزت العرب، وقوي على ذلك بالعلم الواسع، وأسعدته المقادير، وكثر حسّاده، واتفق له من العلم شيء كثير، وأظهره الله على أقرانه وفاق أهل زمانه، وكان فضل الله عليه عظيماً. رحمه الله ونفع به(١). وأخرج الخطيب في تاريخه بسنده قال: دخل أبو حنيفة يوماً على المنصور وعنده عيسى بن موسى، فقال للمنصور: هذا عالم الدنيا اليوم، فقال: يا نعمان عمن أخذت العلم؟ قال: عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب علي عن علي، وعن أصحاب عبد الله بن مسعود عن عبد الله، وما كان في وقت عبد الله بن عباس على وجه الأرض أعلم منه، قال المنصور: قد استوثقت لنفسك(٢). (١) قلائد عقود العقيان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان للشيخ شرف الدين أبي القاسم بن عبد العليم اليمني الحنفي. مخطوط بالمكتبة المحمودية بالحرم النبوي الشريف تحت رقم ٦٠. (٢) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٤. ٦٣ قال الإِمام رحمه الله تعالى: إنما أدركت ما أدركت بالحمد والشكر، فكلما علمت أو وقفت على علم وفقه وحكمة قلت: الحمد لله، فأزداد علماً بفضل الله تعالى(١). طريقته في تقرير مسائل الاجتهاد وتدوينها: ابتكر الإِمام رحمه الله تعالى نموذجاً منهجياً في تقرير مسائل الاجتهاد، وذلك عن طريق عرض المسألة على تلاميذه العلماء في حلقة الدرس، ليدلي كل بدلوه ويذكر ما يرى لرأيه من حجة، ثم يعقَب هو على آرائهم بما يدفعها بالنقل أو الرأي، ويصوب صواب أهل الصواب ويؤيده بما عنده من أدلة، ولربما تقضّت أيام حتى يتم تقرير تلك المسألة، وإنها - لعمر الله - دراسة منهجية حرّة شريفة، يظهر فيها احترام الآراء، ويشتغل فيها عقل الحاضرين من التلامذة، كما يظهر علم الأستاذ وفضله، فإذا تقررت مسألة من مسائل الفقه على تلك الطريقة كان من العسير نقدها فضلاً عن نقضها، والله الهادي الموفق إلى الخير. ذكر أبو محمد الحارثي عن أبي سليمان الجوزجاني قال: كان أبو حنيفة سهَّل الله له هذا الشأن - يعني الفقه - وبيّن له، وكان يتكلم أصحابه في مسألة من المسائل، ويكثر كلامهم، وترتفع أصواتهم ويأخذون في كل فن، وأبو حنيفة ساكت، (١) كتاب التعليم لمسعود بن شيبة. ٦٤ فإذا أخذ أبو حنيفة في شرح ما هم فيه سكتوا، كأن ليس أحد في المجلس، وفيهم من أهل الفقه والمعرفة، وكان أبو حنيفة يتكلم يوماً وهم سكوت، فلما فرغ من كلامه قال واحد منهم: سبحان الله! من أنصت الجميع؟! قال سليمان: كان أبو حنيفة عجباً من العجب، وإنما رغب عن كلامه من لم يقوَ عليه(١). وقال الموفق المكي: وضع أبو حنيفة رحمه الله تعالى مذهبه شورى بينهم، لم يستبد فيه بنفسه دونهم اجتهاداً منه في الدين ومبالغة في النصيحة لله ولرسوله والمؤمنين، فكان يلقي مسألة مسألة، يقلَّبها ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهراً أو أكثر من ذلك؛ حتى يستقر أحد الأقوال فيها ثم يثبتها القاضي أبو يوسف في الأصول، حتى أثبت الأصول كلها. وإذا أشكلت عليه مسألة قال لأصحابه: ما هذا إلّ لذنب أحدثته وكان يستغفر، وربما قام وصلى، فتنكشف له المسألة ويقول: رجوتُ أنه تِيب عليّ، فبلغ ذلك الفضيل بن عياض فبكى بكاءاً شديداً، ثم قال: ذلك لقلة ذنبه، أما غيره فلا ينتبه لهذا(٢). وقال علي القاري رحمه الله تعالى: ولعل الشافعي من هنا قال: ١ (١) كتاب التعليم، وأضيف أنه طبع أخيراً في باكستان بتحقيق المحدث الفقيه عبد الرشيد النعماني دام موفقاً. (٢) انظر مناقب الموفق المكي ١٣٣/٢. ٦٥ شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي فإن الحفظ فضل من إلّه (١) وفضل الله لا يعطى لعاصي وأخرج ابن أبي العوام بسنده إلى أبي يوسف قال: كان أبو حنيفة إذا وردت عليه المسألة قال: ما عندكم فيها من الآثار؟ فإذا روينا الآثار وذكرنا، وذكر هو ما عنده؛ نظر، فإن كانت الآثار في أحد القولين أكثر أخذ بالأكثر، فإذا تقاربت وتكافأت نظر فاختار(٢) . تلامذته الأعلام: أكرم الله تعالى الإِمام رحمه الله تعالى بتلامذة عظام كانوا في العلوم جبالاً، يقرر معهم المسائل، ويقعِّد القواعد، ويتجنب بهم الخطأ لو يوشك أن يقع فيه، ذكر الخطيب في تاريخه بسنده إلى أبي كرامة قال: كنا عند وكيع بن الجراح - شيخ الإِمام الشافعي وأحد شيوخ البخاري بالواسطة رحمهم الله تعالى - فقال رجل: أخطأ أبو حنيفة، فقال وكيع: وكيف يقدر أبو حنيفة أن يخطىء ومعه مثل أبي يوسف ومحمد بن (١) مناقب الإِمام الأعظم لمنلا علي القاري. مخطوط بمكتبة شيخ الإِسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة. (٢) مناقب الموفق المكي. ٦٦ الحسن وزفر في قياسهم واجتهادهم، ومثل يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة وحفص بن غياث وحبان وقندل ابني علي في حفظهم للحديث ومعرفتهم، ومثل القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود في معرفته بالنحو واللغة، وداود الطائي والفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما، وعبد الله ابن المبارك في معرفته بالتفسير والأحاديث والتواريخ، فمن كان أصحابه وجلساؤه هؤلاء كيف يخطىء وهو بينهم؟! وكل منهم يثني عليه، لأنه إن أخطأ ردوه إلى الصواب ... ثم قال: فمن زعم أن الحق مع من خالف أبا حنيفة رحمه الله حيث وضع المذاهبَ وحده، أقول له ما قال الفرزدق لجرير: أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع (١) وذكر الشيخ عبد القادر القرشي في كتابه (الجواهر المضية) في ترجمة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال الطحاوي : کتب ابن أبي ثور یحدثني عن سليمان بن عمران، حدثني أسد بن الفرات قال: كان أصحاب أبي حنيفة الذين دَوّنوا الكتب أربعين رجلاً، وكان في العشرة المتقدمين: أبو يوسف، وزفرَ، وداود الطائي، وأسد بن عمرو، ويوسف بن (١) انظر قلائد عقود العقيان ص ١٥، وجامع المسانيد ((مسانيد الإِمام)) للخوارزمي ٤١٥/٢. ٦٧ خالد السمتي، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وكان هو الذي یکتبها لهم ثلاث سنين. وذكر الشيخ أحمد المكي الخوارزمي أن الذين رووا عن الإِمام من كبار العلماء سبعمائة وثلاثون رجلًاً، كلهم من مشايخ المسلمين، روَوا عنه وحدَّثوا عنه في الآفاق. وقال الموفق المكي: كان لأبي حنيفة رحمه الله تعالى تلامذة كثيرون، منهم من كان يرحل إليه ويستمع أمداً ثم يعود إلى بلده بعد أن يأخذ طريقه ومنهاجه، ومنهم من لازمه، وقد قال - أي الإِمام رحمه الله تعالى -: هؤلاء ستة وثلاثون رجلاً، منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، وستة يصلحون للفتوى، واثنان - أبو يوسف وزفر - يصلحان لتأديب القضاة وأرباب الفتوى (١). إِكرامه رحمه الله تعالى لطلابه وحضه العلم: على طلب روى الصيمري بسنده إلى الحافظ شريك القاضي قال: كان أبو حنيفة طويل الصمت، كثير التفكر، دقيق النظر في الفقه، لطيف الاستخراج في العلم والبحث، لا يطلب على تعليمه، وإن كان الطالب فقيراً أغناه وأجرى عليه وعلى عياله حتى يتعلم، فإذا تعلم قال له: قد وصلت إلى الغنى الأكبر (١) المناقب ٢ - ١٣١ . ٦٨ معرفة الحلال والحرام، وكان كثير العقل قليل المجادلة لهم(١). وذكر الكردري في مناقبه بسنده إلى أبي يوسف رحمه الله تعالى، قال: كنت أطلب الحديث وأنا مقل المال، فجاء إليّ أبي وأنا عند الإِمام، فقال لي: يا بني لا تمدنْ رجلك معه، فإن خبزه مشوي وأنت محتاج، فقعدت عن كثير من الطلب، واخترت طاعة والدي، فسأل عني الإِمام وتفقدني وقال - حين رآني -: ما خلّفك عنا؟ قلت: طلب المعاش، فلما رجع الناس وأردت الانصراف دفع إليّ صرة فيها مائة درهم، فقال: أنفق هذا، فإذا تمّ أعلمني والزم الحلقة، فلما مضت مدة دفع إليّ مائة أخرى، وكلما تنفد كان يعطيني بلا إعلام كأنه كان يُخبر بنفادها، حتى بلغت حاجتي من العلم، أحسن الله مكافأته وغفر له(٢). وذكر أيضاً: أن الحسن بن زياد كان فقيراً، وكان يلازمه - أي الإِمام - وكان أبوه يقول له: لنا بنات وليس لنا ابن غيرك، فاشتغل بهن، فلما بلغ الخبر الإِمامَ أجرى عليه رزقاً، وقال: الزم الفقه، فإني ما رأيت فقيهاً معسراً قط(٣). وروى الموفق بسنده إلى مكي بن إبراهيم - أحد شيوخ (١) مناقب الموفق المكي. (٢) مناقب الكردري ٢ - ١٢٢. (٣) مناقب الكردري. ٦٩ البخاري - قال: كنت أتجر، فقدمت على أبي حنيفة قدمة، فقال لي: يا مكي أراك تتجر، التجارة إذا كانت بغير علم دخل فيها فساد كثير؛ فلم لا تتعلم العلم ولم لا تكتب؟ فلم يزل بي حتى أخذت في العلم وكتابته وتعلمه، فرزقني الله منه شيئاً كثيراً، فلا أزال أدعو لأبي حنيفة في دبر كل صلاة وعندما ذكرته، لأن الله ببركته فتح لي بابَ العلم(١). من رأى أبو حنيفة من الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً. قال الفقيه المحدث الشيخ عبد الحي اللكنوي في كتابه النافع (إقامة الحجة على أن الإِكثار في التعبد ليس ببدعة)(٢): تنبيه اختلف العلماء في كون الإِمام تابعياً بعدما اتفقوا على أنه أدرك زمان الصحابة، فمنهم من نفاه، وجمع من الثقات أثبتوه، فقال شيخ الإِسلام أبو عبد الله الذهبي في (الكاشف) عنه: النعمان بن ثابت بن زَوْطى، رأى أنساً رضي الله عنه وسمع عطاء والأعرج وعكرمة، وعنه أبو يوسف ومحمد، أفردت سيرته في جزء(٣). وفي مرآة الجنان لليافعي في حوادث خمسين ومائة: فيها توفي فقيه العراق الإِمام أبو (١) مناقب الموفق المكي ٢ - ١٦١. (٢) طبعه للمرة الثانية محققاً مصححاً أستاذنا الكريم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة . (٣) وقد طبع محققاً من قبل الشيخين الجليلين الشيخ أبي الوفاء الأفغاني، ثم الشيخ محمد زاهد الكوثري . ٧٠ حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، مولده سنة ثمانين، رأى أنساً رضي الله عنه، وروى عن عطاء بن أبي رباح وطبقته. وفيه أيضاً بُعيد هذا: كان أدرك أربعة من الصحابة هم: أنس بن مالك بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة المكرمة. قال بعض أصحاب التواريخ: لم يلق أحداً منهم ولم يأخذ منهم، وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم. وذكر الخطيب في تاريخ بغداد أنه رآى أنس بن مالك(١). ثم قال - بعد أن نقل عن ابن حجر والعراقي والجزري وابن الجوزي وغيرهم ما يثبت رؤيته لبعض الصحابة رضوان الله عليهم -: فهذه العلماء الثقات: الدارقطني وابن سعد والخطيب والذهبي وابن حجر والولي العراقي والسيوطي وعلي القاري وأكرم السندي وأبو معشر وجزء السهمي واليافعي والجزري والتوربشتي وابن الجوزي والسراج (صاحب كشف الكشاف) قد نصوا على كون الإِمام أبي حنيفة تابعياً، وإنما من أنكر منهم أنكر روايته عن الصحابة، وقد صرح به جمع آخرون من المحدثين والمؤرخين المعتبرين أيضاً، تركت عباراتهم خوف الإِطالة الموجبة للملالة. وما نقلته إنما نقلته بعدما طالعت الكتب المذكورة، (١) انظر تاريخ بغداد ٣٠٩/١٣ و٣١٠. ٧١ لا بمجرد اعتماد نقل غيري، ومن راجع الكتب المذكورة يجد صدق نقلي، وأما كلمات فقهائنا في هذا الباب فأكثر من أن تحصى(١) اهـ. من روى عنهم أبو حنيفة من الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً. جمع الشيخ أبو بكربن علي بن محمد الحداد العيني أسماء الصحابة السبعة الذين روى عنهم الإِمام - رحمه الله تعالى - في بيتين من الشعر قال: إن الإِمام أبا حنيفة قد روى عن سبعة من خير صحب محمد وواثلة ومعقل جابر أُنس وابنا أنيس جزء وابنة عجرد وقد عقد الشيخ شرف الدين أبو القاسم اليمني في كتابه (قلائد عقود العقيان) فصلاً في بيان أنه لقي أصحاب رسول الله مَّ وروى عنهم، فقال: وقد اتفق على ذلك الموافق والمخالف، والمجانب والموالف، وإن وقع الاختلاف في عددهم، فمنهم من قال: ستة وامرأة، ومنهم من قال: سبعة وامرأة، ومنهم من قال أكثر من ذلك، ومنهم من قال أقل من ذلك. (١) إقامة الحجة ٨٣ - ٨٨ مفرقاً. ٧٢ أما من قال بالأول، فدليله ما رواه الإِمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري صاحب الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو حنيفة رضي الله عنه قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: قال النبي مَله: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)). قال المؤلف: روى هذا الحديث ابن ماجه في سننه عن أنس عن النبي وَّر، وقد رواه ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) عن أنس عن النبي ◌َّر، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط عن ابن مسعود عن النبي وَ ل. وقد رواه أيضاً عن أبي سعيد الخدري وابن عباس والحسن بن علي، كلهم عن النبي وَلّ أنه قال: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)). وبالإِسناد إلى أبي يوسف(١) قال: قال أبو حنيفة رحمه الله: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((الدال على الخير كفاعله، وإن الله يحب إغاثة اللهفان)). وبالإِسناد إليه قال: قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: حججت مع أبي سنة ست وتسعين وعمري ستة عشر سنة، فإذا أنا بشيخ قد اجتمع الناس عليه، فقلت لأبي: من هذا الرجل؟ فقال: هذا رجل قد صحب محمداً وَلّه، يقال له: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، فقلت: أي شيء (١) حذفت إسناده إليه اختصاراً. ٧٣ عنده؟ فقال: أحاديث سمعها من النبي ◌َّر، فقلت: قدمني إليه حتى أسمع منه، فتقدم بين يديّ، فجعل يفرج عني الناسَ حتى دنوت منه، فسمعته يقول: سمعت النبي وَ ل يقول: ((من تفقه في دين الله كفاه الله همه، ورزقه من حيث لا یحتسب)». وبالإِسناد المتقدم إليه عنه رضي الله عنه، قال: عن جابر رضي الله عنه قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي صَلِّ، فقال: يا رسول الله، ما رُزقت ولداً قط ولا ولد لي، قال: ((فأين أنت من كثرة الاستغفار وكثرة الصدقة، ترزق بها الولد)) فكان الرجل يكثر الصدقة، ويكثر الاستغفار، فولد له سبعة ذكور. وبالإِسناد المتقدم عنه رضي الله عنه يقول: سمعت عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله وَلَّ يقول: ((من بنى مسجداً لله ولو كَمَفّحَص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة)). وبالإِسناد المتقدم عنه رضي الله عنه، قال: سمعت واثلة ابن الأسقع الأشجعي رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله وَالله يقول: ((لا تظهر الشماتة لأخيك، فيعافيه الله ويبتليك)). وبالإِسناد المتقدم ذكره عنه رضي الله عنه قال: ولدت سنة ٧٤ ثمانين، وقدم عبد الله بن أنيس الكوفة سنة أربع وتسعين، ورأيته، وسمعت منه وأنا ابن أربع عشرة سنة، يقول: سمعت رسول الله ◌َ﴿ يقول: ((حبك الشيء يعمي ويُصم)). وبالإِسناد المتقدم إليه رضي الله عنه قال: سمعت عائشة بنت عجرد تقول: قال رسول الله وَله: ((أكثر جند الله في الأرض الجراد، لا آكله ولا أحرمه؟!))(١). قال الشيخ محي الدين القرشي صاحب الطبقات: وقد جمعهم غير واحد أي الصحابة الذين روى عنهم الإِمام في جزء مفرد، وروينا هذا الجزء عن شيوخنا، وقد جمعت أنا جزءاً في بيان استحالة ذلك عن بعضهم بياناً شافياً، وهذا طريق الإِنصاف، وذكرت في هذا الجزء من سمعه من الصحابة ومن رآه(٢). قلت: وبمعرفة تاريخ وفيات أولئك الصحابة الكرام ومواطنها يتبين لنا سبب استحالة تلك الرؤية وبالتالي ذلك السماع. · فجابر رضي الله عنه: قال عنه الفلاس: مات سنة ثمان وسبعين بالمدينة المنورة عن أربع وسبعين سنة. • عبد الله بن أبي أوفى: توفي بالكوفة سنة ست أو سبع (١) قلائد عقود العقيان (و: ٨ - ١٠). (٢) الجواهر المضية في تراجم الحنفية. ٧٥ وثمانين. وهو آخر من مات من الصحابة بها، ولا يبعد أن يكون الإِمام رآه وسمع منه خاصة على قول من قال: إِن الإِمام رحمه الله تعالى ولد سنة سبعين. · واثلة بن الأسقع: قال ابن معين: توفي سنة ثلاث وثمانين. لا يبعد أن يكون الإِمام رآه كذلك على تقديم سنة ولا دته . • عبد الله بن جزء: قال ابن يونس: مات سنة ست وثمانين بمصر، وهو آخر من مات بها من الصحابة . ٧٦ الفصل الثاني حلية وأقوال الأعلام في - صورته الخلقية. - أخلاقه العامة. - أخلاقه في السلوك مع الله تعالى. - أخلاقه في السلوك مع الناس. - فضل الله العظيم على الإِمام. - أقوال الأعلام فيه. - عرفوه فأحسنوا الكلام فيه. - صفات الإمام أبي حنيفة . ٧٧ こ حلية وأقوال الأعلام في صورته الخلقية : كان رحمه الله تعالى أسمرَ اللون مع ميل إلى بياضه، رَبْعة من الناس إلى الطول أقرب، جميل الصورة، مهيب الطلعة، طويل اللحية، وقوراً، يتأنق في ثوبه وعمامته ونعليه، حسن المنطق، حلو النغمة فصيحاً، كثير التطيب يُعرف به إذا ذهب وإذا جاء، نحيفاً ما أبقى عليه خوفه من الله تعالى وطول مراقبته وكثرة عبادته فضلاً من لحم بَلْه من شحم !! روى الصيمري بإسناده إلى أبي يوسف رحمه الله تعالى قال: كان أبو حنيفة رَبْعة من الرجال ليس بالقصير ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقاً وأحلامهم نغمة وأبينهم عما یرید. ٧٩ وأسند إلى أبي نعيم(١) قال: كان أبو حنيفة جميلاً، حسن الوجه، حسن اللحية، حسن الثوب والنعل والبر والمواساة لكل أحد أطاف به. وقال عبد الله بن المبارك :... فكان حسن السمت، حسن الوجه، حسن الثوب، ولقد كنا في المسجد الجامع، فوقعت حية، فسقطت في حِجْر أبي حنيفة وهرب الناس غيره، ما رأيته زاد على أن نفض الحية وجلس مكانه. وقال حماد ولده: إن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان طويلاً، تعلوه سمرة، وكان لبّاساً، حسن الوجه، حسن الهيئة، كثير التعطر، يُعرف بريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من منزله قبل أن يُرى(٢). كان رحمه الله تعالى لبَّاساً يلبس الثياب الغالية الحسنة، يظهر نعمة الله عليه بذلك، ويكرم العلم الذي ينتسب إليه، ويترفع بذلك عن إظهار الحاجة والعوز إلى أحد. روى الأحوص عن أبيه رضي الله تعالى عنه، قال: أتيت رسول الله وَّ وعليّ ثوب دون، فقال لي: ((أما لك مال؟)) قلت. نعم، قال: ((من أيِّ المال؟)) قلت: من كل المال، قد أعطاني الله، من الإِبل والبقر والغنم والخيل والرقيق، قال: ((فإذا آتاك (١) هو الفضل بن دُكين أحد شيوخ البخاري. (٢) انظر قلائد عقود العقيان (ق ٢٧ - ٢٩). ٨٠