النص المفهرس
صفحات 21-40
٤ فقال سبحانه: ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾(١). ٢ - العلم كالماء به الحياة، ينتفع به من ينتفع ممن يعمل، ويهلك من يهلك ممن لا يعمل، قال رسول الله وآليته : ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة طيبة، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير. وكان منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاً. فذلك مثل مَن فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلَّم وعمل، ومَثل مَن لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)). متفق عليه. · من أراد الله به الخير فقَّهه في الدين وعلمه أحكام الحلال والحرام فيه. عن معاوية رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ( 8* قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). متفق عليه(٢). · من اتجه إلى العلم سهَّل الله له سبيل الجنة، وورّثه النبيَّ، ورزقه دعاء الملائكة وغيرهم له بالخير. عن أبي (١) الآية ١١ من سورة المجادلة. (٢) ورواه أبو يعلى وزاد فيه: (ومن لم يفقهه لم يبال له). ٢١ الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله المالية: ((من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهّل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً؛ وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)). رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. · العلم النافع دوام لأجر صاحبه عند الله تعالى بعد وفاته وانقطاع سعيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله اَلير: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)). رواه مسلم . · العالم الفقيه محفوظ من مكر الشيطان وكيده أكثر من سواه حتى العابد الجاهل، وذلك لمعرفته مكايد الشيطان ووساوسه ومداخله الظاهرة والخفية إلى النفس، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه وَ ل: ((فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)) رواه الترمذي، وعن أبي هريرة مثله وزاد: ((لكل شيء عماد؛ وعماد هذا الدين الفقه، وما ◌ُبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين)). رواه الدارقطني والبيهقي، وهو ضعيف. ٢٢ بل إن الاشتغال بالعلم مقدَّم على النوافل القاصرة على فاعلها مثل الصلاة والصيام. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (خرج رسول الله وَّر فإذا في المسجد مجلسان: مجلس يتفقهون؛ ومجلس يدعون الله ويسألونه. فقال: ((كلا المجلسين إلى خير: أما هؤلاء فيدعون الله تعالى، وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل، هؤلاء أفضل، وبالتعليم أرسلت)) ثم قعد معهم) رواه ابن ماجه بسند ضعيف. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله وَالته: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حَلَق الذكر، فإن لله سيّارات من الملائكة يطلبون حَلَق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفّوا بهم)). رواه الخطيب في (الفقيه والمتفقه) وهو عند أحمد إلى قوله: («حلق الذكر)) ورواه الترمذي. قال عطاء رحمه الله تعالى: (حلق الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع، وتصلي وتصوم، وتنكح وتطلّق، وأشباه هذا). وقال الشافعي رحمه الله تعالى : (طلب العلم أفضل من صلاة النافلة)، وقال أيضاً: (ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم .. إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله وليّ). ٣ - قال علي رضي الله تعالى عنه: (كفى بالعلم شرفاً أن يدَّعيه من لا يحسنه، ويفرح إذا نسب إليه. وكفى بالجهل ٢٣ ذماً أن يتبرأ منه من هو فيه). وقال معاذ رضي الله عنه: (تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذكراته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة). ● قال إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة: (أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم وأهل الجهاد: فالعلماء دلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأهل الجهاد جاهدوا على ما جاءت به الرسل). ● وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: (أرفع الناس عند الله منزلة من كان بَين الله وعباده، وهم الرسل والعلماء). • وقال أبو مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: (مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء، إذا بدت للناس اهتدوا بها، وإذا خفيت عليهم تحيّروا). • وقال سهل بن عبد الله الْتُسْتَري رحمه الله تعالى: (من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء، فاعرفوا لهم ذلك)(١). (١) انظر مقدمة (المجموع) للإمام النووي رحمه الله تعالى، فقد أورد نصوصاً وآثاراً وأقوالاً كثيرة في العلم وفضله، ومنه استخرجت جلَّ ما أثبتّه هنا. ٢٤ مقَدّمَة في الفقه وفضله وبيان حاجة الناس إليه معنى الفقه : الفقه في اللغة الفهم، والمراد به الفهم عن الله تعالى في كتابه، وعن الرسول ومَ ﴿ في سنته، جميعَ ما يتعلق بربوبية الله تعالى، وسائر أمور الغيب، وما يتعلق بعبودية العبد واستسلامه قلباً وقالباً لأمر الله تعالى ونهيه. لذا نجد الإِمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى يقسم الفقه إلى قسمين: الفقه الأكبر، وهو الفهم عن الإسلام جميع أمور العقائد: من الإِيمان بالله تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته، وأوامره ونواهيه، والإِيمان بالملائكة وسائر أمور الغيب، كالإِيمان بالكتب والرسل واليوم الآخر، وما يجري على الخلق - شاؤوا أم أبوا - من قضاء الله وقدره (معرفة النفس ما لها وما عليها). وإلى الفقه الاصطلاحي الذي هو: الأحكام الشرعية العملية المأخوذة من أدلتها التفصيلية: كالعبادات من الطهارة والصلاة، ٢٥ والأحكام، من الحدود والتعازير، وموارد الدولة المالية ومصارفها كالزكاة والدِّيات والكفارات، والمعاملات بين الناس كالبيوع والوكالات والشركات والمضاربات، وصلات المسلمين بغير المسلمين كالدعوة إلى الإِسلام والجهاد والغنائم والصلح والعهود، وصلات المسلمين الأحياء بمن يموت منهم كالجنائز والوصايا والمواريث. الحاجة إلى الفقه : من ذكر موضوعات الفقه الأكبر تبدو لنا شدة حاجة الناس إليه، لأن الإِيمان بالله تعالى على ما جاء من عند الله تعالى، من توحيده سبحانه، ومخالفته للمخلوقات، وملكه السموات والأرضين وما فيهن، وفعله ما يشاء ويختار، وكذا ما جاء من عنده سبحانه أو على لسان رسوله وقليل من الإِيمان بالملائكة، والكتب المنزلة، والأنبياء والرسل، واليوم الآخر وما يجري فيه من الحساب العادل، ثم ما يكون بعده من الجنة أو النار، وقضاء الله تعالى وقدره الجاري على الخلق جميعاً. وما لم يصح الإِيمان ويستمكن من القلب يقيناً لا ريب فيه؛ فلا يقبل عمل ولا طاعة، ويكون مَثل صاحب العبادة الذي لا إيمان مقبول منه؛ كمثل من يبني بيتاً من الرمل في البحر، أو كما قال سبحانه: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً﴾. أي من عمل صالح من بِر وصلة رحم، ولا غرابة في هذا فالإِيمان أساس، وما لم يكن أساس فكيف يقوم بناء؟ !. ٢٦ وَمِن ذكر موضوعات الفقه الاصطلاحي تبدو لنا شدة حاجة الناس إليه، فإن الفقه هو الفهم عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله 18 في الحياة العملية؛ عبادية كانت أو أسرية، مالية كانت أو معاملات، صلات بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم، أو أحكاماً على الأحياء للأموات. وقد سبق قول عطاء رحمه الله تعالى في حَلَق الذكر: أنها مجالس العلم التي يُعلَّم فيها الحلال والحرام والبيع والشراء، وقد كان من سيرة عمر رضي الله تعالى عنه أنه: كان إذا رأى رجلاً في السوق يبيع ويشتري، ولا يعرف أحكام البيوع، دفعه إلى المسجد ليتفقه. ومن لا يعرف الحلال والحرام فهو أجدر أن يقع في الحرام؛ لجهله حدودَ ما بين الحلال والحرام، فإن أحكامهما تؤخذ من الشرع لا من الهوى والعقل، بل إن قليل الفقه يحفظ صاحبه من التردي في الحرام الذي فيه الهلاك معاذ الله. قال وَالى: ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن(١) وبينهما كثير من المشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالحامي حول الحمى يوشك أن يقع فيه)) رواه البخاري. ومن لا يتفقه ولا يسأل عن وقائعه الفقهية أهل العلم (١) أي بنصوص الشرع من الكتاب والسنة والفهم عنهما. ٢٧ والفقه؛ ربما أكل الربا وهو لا يعلم، أو وقع في الزنى لنكاح إحدى المحارم وهو لا يعلم، ولربما أكل أموال الناس بالباطل في معاملات أو وصايا ومواريث وحقوق يتامى التي هي نار في الآخرة وهو لا يعلم. بناء الفقه : يقوم الفقه على أصول متفق عليها بين الأئمة، وهناك أصول يُختلف في الأخذ بها بين الأئمة. والأصول المتفق عليها هي: القرآن الكريم، وهو: كتاب الله تعالى، المنزل على رسول الله * بواسطة جبريل عليه الصلاة والسلام، والمجموع بين دفتي المصحف، والمنقول إلينا تواتراً، والمعجز بأسلوبه وأحكامه. السنة، وهي: ما صح عن رسول الله و لتر من قول أو فعل أو تقرير وموافقة، أو صفة خِلْقية أو خُلُقية. الإجماع، وهو: اتفاق الأئمة المجتهدين من أمة محمد عليه بعد وفاته رَ﴿ على أمر من أمور الدين. القياس، وهو: إلحاق المجتهد مسألة حادثة بأصل - أمر ورد فيه نص شرعي - في الحكم لعلة جامعة بينهما. وليس هنا مجال ذكر قواعد أصول الفقه ومسائله تعريفاً وتحقيقاً، وشروط الأخذ بالأدلة وطريقة ذلك، والعمل بها ومقابلتها بمثلها أو أقوى أو أضعف منها الخ ... فذلك موضوع علم أصول الفقه، وفي كتاب (أصول الفقه) للشيخ محمد الخضري غنية وكفاية. ٢٨ الفقهاء : كان رسول الله وَالقر مرجع الصحابة الكرام رضي الله عنهم في جميع ما يعرض لهم من القضايا، عقدية كانت أو عملية، يستوي في ذلك فقيههم وعاميَّهم، الملازم لحضور مجالسه وَ الر وقليل الحضور لها، السابق في إسلامه والمتأخر فيه. ومع أنه كان هناك عدد من فقهاء الصحابة يُفتون في عهده وَّ في غيبته وحضوره، إلّ أنهم جميعاً يرجعون إليه وَلّ بقضاياهم وفتاويهم ليستقينوا حكم الله تعالى فيما قضوا وأفتوا، وقد بلغ الإِمام شمس الدين بن شلبي بالمفتين من الصحابة اثني عشر صحابياً، فقال في عدهم: وفي زمن المختار أفتى بأمره أبو بكر، الفاروقُ، عثمانُ، حيدرُ حذيفةُ، عمار، وزيد بن ثابت معاذ، أبو الدرداء هو عويمر أبو موسى إلى أشعرَ انتمى وختمُ نظامي ابن عوف معطّر وبلغ بهم أربعة عشر صحابياً الشيخ محمد بن الحسن الحجوي حيث قال(١) مضيفاً إلى الأبيات السابقة. ومن جملة المفتين أيضاً عبادة كذاك ابن مسعود إمام منوَّر (١) الفكر السامي في تاريخ التشريع الإسلامي (١: ١٢٦ - ١٢٧) وفقه الصحابة والتابعين للدكتور محمد يوسف موسى. ٢٩ فكل هؤلاء السادة استنبطوا الأحكام من أصولها وأفتوا في العهد النبوي، وحفظت فتاويهم وهي منقولة في كتب الحديث والسِّير. قال الشيخ محمد بن الحسن الحجوي : بل كل من ولي أمراً للنبي وَله بعيداً منه صار مفتياً، مثل معاذ بن جبل والي اليمن، ومثل أبي عبيدة بن الجراح الذي كان أمير سرية الخَبَط وأفتاهم بأكل الحوت، ومثل أبي سعيد الخدري الذي أفتى لنفسه وأصحابه بأخذ الجعل على الرقية بالقرآن، ومثل أبي قتادة الذي اصطاد وهو حلال وأفتى من كان محرماً بالأ كل من صيده، وينبغي أن يعد منهم سعد بن معاذ الذي نفذ حكمه النبيُّ وَّ في بني قريظة، وأمثاله ممن توفي في الحياة النبوية، ونقلت عنه بعض فتاوى صادرة في العهد النبوي، كعثمان بن مظعون وجعفر بن أبي طالب. اهـ. وأما بعد وفاته وسلّ فقد زاد عدد المفتين من الصحابة رضوان الله عليهم، حتى بلغ مائة وعشرين صحابياً وصحابية؛ على ما ذكره ابن حزم وإن كان ابن حزم قد بالغ في العدد، فجعل من المفتين ماعزاً والغامدية رضي الله تعالى عنهما. وكان باقي أصحاب رسول الله وعليه يرجعون إلى أولئك المفتين المجتهدين فيما ينزل بهم من القضايا والنوازل، ٣٠ وكان أولئك يفتون بما عندهم من آية أو حديث أو اجتهاد ورأي . ثم تفقه بأولئك الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم تابعيون أجلاء، مثل الفقهاء السبعة، وهم: ١ - سعيد بن المسيِّب المخزومي القرشي المدني، رأس علماء التابعين وحامل رواية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعلمه، ومذهبه أصل مذهب مالك بن أنس، كما روى عن علي، وعثمان وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة - والد زوجته - رضي الله عنهم، كان رحمه الله تعالى يفتي والصحابة متوافرون. توفي سنة ثمان وتسعين. ٢ - عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود حفيد عتبة بن مسعود - أخي عبد الله الصحابي المشهور - رضي الله عنهما، قال فيه العِجلي: كان جامعاً للعلم. توفي سنة ثمان وتسعین . ٣ - عروة بن الزبير بن العوام، الذي تفقه على خالته عائشة أم المؤمنين المجتهدة رضي الله عنها. توفي سنة أربع وتسعین . ٤ - القاسم بن محمد بن أبي بكر، الذي تفقه على عمته الصدِّيقة المبرأة عائشة رضي الله عنها، وقال فيه عمر بن عبد العزيز: لو كان لي من الأمر شيء لاستخلفته. توفي سنة ست ومائة . ٣١ ٥ - أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال أبو الزناد: أحد الفقهاء السبعة، وقال ابن خراش: هو أحد أئمة المسلمين. توفي سنة أربع وتسعين. ٦ - سليمان بن يسار، قال فيه الحسن بن محمد: هو عندنا أفهم من سعيد بن المسيِّب، ولم يقل أفقه ولا أعلم. روى عن ابن عباس وأبي هريرة. توفي سنة مائة وعشرين. ٧ - خارجة بن زيد، أدرك زمان عثمان رضي الله عنه، أخذ عن والده زيد بن ثابت، كاتب الوحي، وجامع القرآن، وأعلم الناس بالفرائض رضي الله عنه. توفي خارجة سنة مائة . ومثل : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أخذ عن أبيه عبد الله وغيره. توفي رحمه الله سنة ست ومائة. وإبراهيم النخعي الكوفي، كان يدخل مع خاله الأسود بن يزيد على عائشة رضي الله عنها. توفي سنة ست وتسعين. وعكرمة المغربي البربري مولى ابن عباس، أخذ العلم والتفسير خاصة عن ابن عباس رضي الله عنهما، حتى قال له ابن عباس: انطلق فأفتِ الناس. تَوفي رحمه الله تعالى سنة خمس ومائة . ٣٢ وعطاء بن أبي رباح الجندي اليماني، أخذ عن ابن عباس وغيره، وقال ابن عباس: يا أهل مكة، تجتمعون عليَّ وفيكم عطاء؟ !. توفي رحمه الله تعالى سنة أربع عشرة ومائة. والحسن بن أبي الحسن بن يسار البصري مولى زيد بن ثابت رضي الله عنه، أدرك سبعين بدرياً أكثر لباسهم الصوف، وروى عن مائة وعشرين من الصحابة، قال فيه ابن القيم: جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة أسفار ضخمة، وكانوا يرون أن ما ظهر عليه من غزارة العلم كان ببركة رضاعه من تدي أم سلمة أم المؤمنين. توفي سنة عشر ومائة(١). منتهى علم الصحابة: وعلى كثرة المفتين من الصحابة كما سبق ذكر ذلك، فقد اجتمع علم الصحابة رضوان الله عليهم في ستة منهم، ثم انتهى إلى اثنين فقط. قال مسروق بن الأجدع التابعي الكبير رحمه الله تعالى: وجدت علم أصحاب محمد بَّلل ينتهي إلى ستة: إلى علي، وعبد الله، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبيٍّ، ثم وجدت علم هؤلاء الستة ينتهي إلى: علي وعبد الله. عبد الله بن مسعود هو سادس من أسلم، فهو سدس المسلمين، ضمه إليه (١) راجع الفكر السامي تجد ثمة هذه التراجم بأوسع مما أوردت هنا. ٣٣ النبي وَل9؛ فكان يلبس النبي نعليه ويمشي معه وأمامه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال عليه الصلاة والسلام: ((آذنك على أن ترفع الحجاب، وأن تسمع سوادي - أسراري ـ حتى أنهاك)). هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وقال فيه مَ: ((رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد)) رواه الحاكم وصححه والبزار، وقال السيوطي صحيح. وقال: (اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد) رواه الترمذي. وقال فيه حذيفة صاحب سر رسول الله وضعله: (لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ◌َله: أن عبد الله بن مسعود كان من أقربهم وسيلة إلى الله يوم القيامة وحلفت بالله: ما أعلم أحداً أشبه دَلاً(١) وهدياً برسول الله وَله؛ من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع من ابن مسعود) تذكرة الحفاظ في ترجمة / ١ - ١٤ /. وسئل عنه علي رضي الله تعالى عنه، فقال: (قد قرأ القرآن، وعلم السنة، وكفى بذلك !! ). وكتب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة حين أرسله إليهم: (إني قد بعثت إليكم بعمار بن ياسر أميراً وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً، (١) الدل: الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار، وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيئة. ٣٤ وهما من النجباء من أصحاب رسول الله صل18 من أهل بدر، فاقتدوا بهما، واسمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي) تذكرة الحفاظ في ترجمة (١٤/١). 6 لقد انتقل رضي الله عنه إذن إلى الكوفة يعلِّم الناس ويفقههم في دين الله تعالى؛ من سنة بناء عمر الكوفة عام ١٧ من الهجرة(١) إلى أواخر عهد عثمان رضي الله عنه، حتى تفقه عليه وعلى أصحابه نحو أربعة آلاف رجل، وكان معه هناك أمثال سعد بن أبي وقاص، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وأبي موسى رضي الله عنهم، بل إن علياً رضي الله عنه لما انتقل إلى الكوفة أيام خلافته سُرَّ من كثرة فقهائها(٢). من تفقه بابن مسعود رضي الله عنه : لقد انتشر العلم والدين من أربعة أعلام من الصحابة - أكثر من غيرهم -: ابن مسعود في أصحابه وهم أهل العراق، زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأصحابهما بالمدينة (١) وانتقل إليها ألف وخمسمائة صحابي، منهم سبعون بدرياً. (٢) انظر مقدمة نصب الراية لأحاديث الهداية للفقيه المحدث محمد زاهد الكوثري، وقد طبعها مستقلة مع زيادات الفقيه المحدث الأديب الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بعنوان: فقه أهل العراق وحديثهم. ٣٥ المنورة، وابن عباس وأصحابه وهم أهل مكة المكرمة. ولقد تفقه بابن مسعود رضي الله تعالى عنه أربعة آلاف رجل، ونذكر هنا بعض من اشتهر منهم : ١ - عَبيدة بن قيس السَّلْماني، كان شُريح إذا اشتبه عليه الأمر في قضية يرسل إلى السلماني يستشيره؛ كما في المحدِّث الفاصل للرامهرمزي، وشريح ذلك المعروف بكمال اليقظة في الفقه وأحكام القضاء. توفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبعين. ٢ - زِرّ بن حُبيش، مخضرم، كان يؤم الناس في التراويح وهو ابن مائة وعشرين سنة، وهو راوية قراءة ابن مسعود، ومنه أخذ عاصم، وقد رواها عنه أبو بكر بن عياش، وفيها الفاتحة والمعوذتان(١). توفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وثمانین. (١) هذا من أدلة المسلمين على أن قراءة ابن مسعود فيها المعوذتان والفاتحة، على خلاف من زعم أن هذه السور ليست في مصحفه، وأنه غضب من عثمان حين أمر بحرق مصحفه إلى آخر ما زعموه. انظر في هذا الأمر وبيان رضى عبد الله وعلي والصحابة على عمل عثمان في تدوين المصحف الإِمام، وجمع الناس عليه، وحرق ما سواه من المصاحف الناقصة كتاب (تحذير العبقري من محاضرات الخضري) للفقيه المؤرخ الشيخ محمد العربي التباني رحمه الله تعالى. ٣٦ ٣ - أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلَمي، عرض القرآن على علي رضي الله عنه، وهو عمدته في القراءة، وقد فرّغ نفسه لتعليم القرآن لأهل الكوفة بمسجدها أربعين سنة، كما خرّجه أبو نعيم بسنده، ومنه تلقى السبطان الشهيدان القراءة بأمر أبيهما، وعاصم تلقى قراءة علي عنه، وهي القراءة التي يرويها حفص عن عاصم، وقراءة عاصم بالطريقين في أقصى درجات التواتر في جميع الطبقات. توفي رحمه الله سنة أربع وسبعين. ٤ - علقمة بن قيس النخعي، قال عنه ابن مسعود: لا أعلم شيئاً إلّ وعلقمة يعلمه. وفي المحدِّث الفاصل للرامهرمزي، قال: حدثنا الحسن بن سهل العدوي من أهل رامهرمز، حدثنا علي بن الأزهر الرازي، حدثنا جرير، عن قابوس، قال: قلت لأبي: كيف تأتي علقمة وتدع أصحاب النبي وَله؟! فقال: يا بني لأن أصحاب رسول الله ◌ُ له يستفتونه، كان علقمة خال إمام أهل العراق بعد وهو إبراهيم بن يزيد النخعي. توفي رحمه الله تعالى سنة ثنتين وستين. ٥ - شريخ بن الحارث الكندي، معمَّر مخضرم، ولي قضاء الكوفة في عهد عمر، واستمر على القضاء اثنتين وستين سنة إلى أيام الحجاج حيث توفي رحمه الله تعالى، قال له علي يوماً: قم يا شريح فأنت أقضى العرب. توفي رحمه الله سنة ثمانين. ٣٧ قال الإِمام الكوثري - بعد سرد هذه الأسماء وأسماء آخرين -: وأكثر هؤلاء لقوا عمر وعائشة أيضاً، وأخذوا عنهما. وهؤلاء كانوا يفتون بالكوفة بمحضر الصحابة، فلو تلي حديث هؤلاء وفقههم على مجنون لأفاق، فلا يستطيع من يدري ما يقول أن يوجه أيَّ مؤاخذة نحو حديث هؤلاء وفقههم . وتليهم طبقة لم يدركوا علياً ولا ابن مسعود، ولكنهم تفقهوا على أصحابهما، وجمعوا علم الأمصار إلى علومهم. وأشهرهم : إبراهيم بن يزيد النَخْعي، الذي جمع شتات علوم هاتين الطبقتين بعد أن تفقه على علقمة، قال أبو نُعَيم: أدرك إبراهيم أبا سعيد الخدري وعائشة ومَنْ بعدهما من الصحابة رضي الله عنهم. وكان عامر بن شراحيل الشعبي - الذي قال فيه ابن عمر لما رآه يحدث بالمغازي: (لهو أحفظ لها مني وإن كنت شهدتها مع رسول الله (وَلـ) - يفضل أبا عمران - إبراهيم النخعي - هذا على علماء الأمصار كلها، حيث يقول لرجل حضر جنازته عندما توفي سنة خمس وتسعين: دفنتم أفقه أهل الأرض فقال الرجل: ومن الحسن؟ قال: أفقه من الحسن ومن أهل البصرة، ومن أهل الكوفة، ومن أهل الشام، وأهل الحجاز. كما أخرجه أبو نعيم بسنده إليه. وأهل النقد يعدون مراسيل النخعي صحاحاً، بل يفضلون مراسيله ٣٨ على مسانيد نفسه، كما نص على ذلك ابن عبد البر في التمهيد. وقال فيه الأعمش ما عرضت على إبراهيم حديثاً؛ ء إلّ وجدت عنده منه شيئاً، وقال: كان إبراهيم صيرفي الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث من بعض أصحابنا B عرضته عليه. وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان الشّعْبي وأبو الضحى، وإبراهيم، وأصحابنا يجتمعون في المسجد، فيذكرون الحديث، فإذا جاءتهم فتيا ليس عندهم منها شيء رموا بأبصارهم إلى النخعي. وقال الشعبي عن إبراهيم: إنه نشأ في بيت فقه، فأخذ فقههم - فإن خاله علقمة والأسود بن يزيد بن أبي علقمة - ثم جالسنا فأخذ صفوة حديثنا؛ إلى فقه أهل بيته، فإذا نعيته اليوم أنعى العلم، ما خلّف بعده مثله !!. وقال الخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه) بسنده إلى الحسن بن عبد الله النخعي قال: قلت لإِبراهيم: أكل ما سمعتك تفتي به سمعته؟ فقال: لا، قلت: تفتي بما لم تسمع؟! قال: سمعت الذي سمعت. وجاءني ما لم أسمع فقسته بالذي سمعته، وقال ابن العماد في ترجمته: فقيه العراق بالاتفاق(١). توفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين. بمثل هذا الإِمام الجليل تفقَّه حمّاد بن أبي سليمان، الذي (١) شذرات الذهب ١١/١. ٣٩ رشحه إبراهيم نفسه، فقد سئل: من نسأل بعدك؟ فقال: حماداً (١). حماد بن أبي سليمان هو حماد بن مسلم بن يزيد(٢)، تفقه بإبراهيم النخعي ولازمه، وقد استفاد منه فائدة عظيمة، لذا رشحه إبراهيم للفتيا بعده. أخرج أبو الشيخ ابن حيان في طبقات محدِّثي أصبهان أنه: وجَّه إبراهيم حماداً يوماً ليشتري له لحماً بدرهم في زنبيل(٣)، فلقيه أبوه راكباً دابة وبيد حماد زنبيل، فزجره ورمى به من يده - لأنه يراه يخدم الناس وما في خدمة العلماء الأخيار بأس بل هو شرف - فلما مات إبراهيم جاء أصحاب الحديث والخراسانية يدقون على باب أبي سليمان مسلم بن يزيد، فخرج إليهم في الليل بالشمع، فقالوا: لسنا نريدك، نريد حماداً، فدخل إليه فقال: قم إلى هؤلاء، فقد علمت أن الزنبيل أدى بك إلى هؤلاء !!. كان رحمه الله تعالى عفيف النفس، يحفظ وجهه ببذل ماله، لما قدم أبو الزِّناد الكوفة والياً على الصدقات؛ كلم رجل حماد بن أبي سليمان أن يكلم أبا الزناد في رجل (١) مقدمة نصب الراية للكوثري رحمه الله تعالى. (٢) ویکنی مسلم بن یزید أبا سليمان. (٣) الزنبيل: القفة أو الوعاء. ٤٠