النص المفهرس
صفحات 41-60
٤٠ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي العراقي، ولم نقف على ذلك، اهـ. وروى الولي العراقي عن الشرف محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله الحزامي السكندري أخي التاج بن عطاء الله الشهير(١)، وأبي عبد الله محمد بن عبد الكريم بن أبي عبد الله المخيلي كلاهما عن النووي إجازة عامة ولست تبعاً لشيخي، أحب العمل بها، وفيما تحملناه ولله الحمد غنية عن التوسع بها . وحكى لي العلامة الفقيه الشرف أبو زكريا المناوي رحمه الله عن الولي أبي زرعة العراقي أيضاً مذاكرة: أنه بلغه أن الجان كانت تقرأ عليه وأن بعض طلبته بينما هو عنده في خلوته إذ دخل عليه ثعبان، ففزع الطالب فأخذ الشيخ في تسكين روعه وعرفه بأنه من طلبة العلم من الجان وأنه قال له: أما نهيتك عن التزيي بهذا وأنه آخى بينهما، وعندما أراد الجني التوجه لمحله ببغداد أو العراق - الشك مني - سأل الطالب الشيخ الإذن له في التوجه معه للتفرج ببلاده، وأن الشيخ أذن له في ذلك ووصاه به وأنه تزيا في صورة بعير وأمر الإنسي أن يركبه، وقال له: إذا أحسست بالبرد الشديد فاغمزني، وأنه علا به في الجو حتى أحس بالبرد فغمزه فهبط لذلك المكان المقصود، وأنه أقام عندهم يسيراً ثم رجعا مستصحبين ما كان الشيخ أوصاهما به من فاكهة ذلك المكان، وهذه الحكاية منقطعة ولا استبعاد لصحتها . ففي ترجمة القاضي الخلعي: أن الجان كانت تقرأ عليه، كذا ذكر عن الفخر إمام الجامع الأزهر وغيره ممن الشيخ أعظم حالاً ومقاماً ومقالاً منهم رحمة الله عليهم أجمعين . قلت: وكذا اشتهر أن الخضر كان يجتمع به، انتهى. وذكر لي صاحبنا الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن سالم بن الحسن الشافعي غير مرة قال: ذكر لي الشيخ الصالح الصدوق المعمر أبو القاسم بن عمير المري، وكان من الأخيار، أنه رأى فيما يرى النائم رايات كثيرة، قال: وسمعت نؤبة بصوت فتعجبت من ذلك فقلت: ما هذا؟ فقيل لي: الليلة قطب يحيى النووي رحمه الله، فاستيقظت من منامي ولم أكن أعرف الشيخ ولا سمعت به قبل ذلك، واتفق أني دخلت المدينة، يعني في حاجة، فذكرت ذلك لشخص فقال: هو شيخ دار الحديث الأشرفية وهو الآن جالس فيها لميعادها. فاستدللت عليه ودخلتها فوجدته جالساً فيها وحوله جماعة فوقع بصره عليّ فنهض إلى جهتي وترك الجماعة ومشى إلى طرف أبوابها ولم يتركنى أكلمه وقال: اكتم ما معك (١) هو سيدي بن عطاء الله السكندري القطب الرباني، إمام الطريق وسيد القوم، صاحب التصانيف في الشرع الشريف، والتحقيق المنيف، قدس الله أسراره ونفعنا بعلومه وأنواره. ٤١ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي ولا تحدّث به أحداً، ثم رجع إلى موضعه ولم يزد على ذلك ولم أكن رأيته قبلها ولم أجتمع به بعدها. قلت: ونحوه قول العثماني قاضي صفد في طبقاته: وأهل الكشف يقولون إنه لم يمت حتى قطب اهـ. وقال لي شيخنا القاضي أبو المفاخر محمد بن عبد القادر الأنصاري: لو أدرك القشيري صاحب الرسالة شيخكم وشيخه، يعني أبا عثمان المغربي، لما قدم عليهما في ذكره لمشايخها، يعني الرسالة، أحداً لما جمع فيهما من العلم والعمل والزهد والورع والنطق بالحكمة وغير ذلك. وقال لي الشيخ العارف المحقق المكاشف أبو عبد الرحيم محمد الأخميمي قدس الله روحه: كان الشيخ سالكاً منهاج الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولا أعلم أحداً في عصره سالكاً على منهاجهم غيره. قلت: ونقل التاج السبكي في التوشيح عن والده أنه قال: ما اجتمع بعد التابعين المجموع الذي اجتمع في النووي ولا التيسير الذي يسر له اهـ. وقال لي بعض الصالحين الكبار: إنه حين ولد كتب من الصادقين. وذكر شيخنا العارف القدوة المسلك ولي الله أبو الحسن المقيم بجامع بنت لهيا خارج دمشق قال: كنت مريضاً بمرض يسمى النقرس في رجلي، فعادني الشيخ، فلما جلس عندي شرع يتكلم في الصبر قال: فكان كلما تكلم يذهب الألم قليلاً قليلاً حتى زال الألم جميعه، فعرفت أن زواله ببركته. وقال لي جماعة بنوى: إنهم سألوه يوماً أن لا ينساهم في عرصات القيامة، فقال لهم: إن كان لي ثم جاه والله لأدخلت الجنة وأحد ممن أعرفه ورائي. وقال لي المحدث أبو العباس بن فرح: كان الشيخ قد صارت إليه ثلاثة مراتب كل مرتبة منها لو كانت لشخص شدت إليه الرحال، المرتبة الأولى: العلم، والثانية : الزهد، والثالثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قلت: وقال الذهبي في سير النبلاء: كان يؤثر عنه كرامات وأحوال. وقال التقي محمد بن الحسن اللخمي: إنه ظهرت له الكرامات الكثيرة من سماع الهاتف(١) ومن انفتاح الباب المقفل بالأقفال ورده كما كان، وانشقاق الحائط في الليل وخروج شخص له منه حسن الصورة وكلامه معه في مصالح الدارين واجتماعه بالأولياء (١) يعني: الهاتف الملائكي، الرباني. ٤٢ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي والأصفياء ومكاشفته هو للواحد بأحوال لا يعلمها إلاَّ الله ثم صاحبها، وإعلامه بموته وهو بدمشق، ومن قوة نفسه ملازمته لحية عظيمة في بيته بالروحانية ويراها كل قليل تخرج إليه ويضع لها لباباً تأكله، حتى إن بعضهم رآه في غفلة وهو يطعمها اللباب فقال له: يا سيدي ما هذه؟ وخاف، فقال: هذه خلق من خلق الله لا يضر ولا ينفع أسألك بالله أن تكتم ما رأيت ولا تحدث به أحداً. وأحواله كثيرة لا يسعها هذا المحل. فرحمه الله لقد كان من الدين بمكان الرأس من الجسد، ظهر له العلم فشمر إليه ونظر إلى الخيرات فأفرغت عليه، إذا تكلم افتتح كلامه بالحمد لله والثناء عليه، وإذا ذكر النبي ◌ّ رفع صوته بالصلاة عليه اهـ. وكان إذا ذكر الصالحين ذكرهم بتعظيم وتوقير واحترام، وسودهم وذكر مناقبهم وكراماتهم. قلت: زاد اللخمي واكتسب من أحوالهم اهـ. وكنت أنا وإياه يوماً في الحلقة بين يدي أحد مشايخه أبي حفص الربعي، فقام وملأ إبريقاً وحمله بين يدي أبي حفص إلى الطهارة. قلت: ومن مكاشفاته ماحكى الزين عمر بن الوردي في ترجمة الشمس بن النقيب من تاريخه أنه قال: دخلت وأنا صبي على النووي رحمه الله، يعني في أيام اشتغاله عليه، فقال لي: أهلاً بقاضي القضاة، قال: فنظرت فلم أجد عنده أحداً غيري فقال لي: اجلس يا مدرس الشامية، وهذا من جملة كشف الشيخ رحمه الله فإنه وليهما معاً . وكانت حكاية ابن النقيب لذلك وهو بحلب قبل ولايته الشامية، وكان يظن أنه يلي قضاء الشام فما ولي إلاَّ حمص ثم طرابلس ثم حلب ثم رجع إلى دمشق فولي الشامية . ومن كراماته ما حكاه ابن الوردي أيضاً في ترجمة شيخه الشرف البارزي مما حكاه له في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، أنه رأى النووي في المنام قال: فقلت له: ما تختار في صوم الدهر؟ فقال: فيه اثنا عشر قولاً للعلماء، قال: فلما استيقظت وجدت الأمر كذلك، يعني بعد السعي فإنني لم أر الأقوال مجموعة في كتاب واحد. وعده ابن الوردي من كرامات شيخه أيضاً. ووجدت هذا المنام بخط شيخي في بعض أجزاء تذكرته وعبارته، قال الشرف البارزي: رأيت النووي في النوم فسألته عن صوم الدهر فقال: فيه اثنا عشر قولاً للعلماء، قال: فأقمت حولاً حتى اجتمعت لي، ولم أجدها مجموعة في كتاب وهي هذه: صوم الدهر في حق من لم ينذر ولم يتضرر به، فيه أربعة أقوال: الاستحباب ٤٣ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي وهو اختيار أكثر الشافعية، والكراهة وهو اختيار البغوي، والإباحة وهو نص الشافعي، والتحريم وهو قول جماعة من السلف. وفي حق من نذر ولم يتضرر به خمسة أقوال: الوجوب وهو اختيار أكثر الشافعية، والأربعة المتقدمة للقائلين. وفي حق من يتضرر به بأن تفوته السنن أو الاجتماع بالأهل ثلاثة أقوال: التحريم والكراهة والإباحة، انتهى ما قرأته بخط شيخنا . وكذا من كراماته ما كان يراه من المنامات التي تأتي كفلق الصبح: إنني كنت يوماً بين يديه لتصحيح درس عليه في مختصر علوم الحديث الأصغر له، فلما فرغت منه قال لي: رأيت الليلة في المنام كأني كنت سائحاً في بحر وكأني خرجت منه إلى شاطئه وإذا أنا بشخص قد غرق فيه وقد تعلق بخشبة على وجهه لحظة ثم غرق فقلت له: يا سيدي علمت الشخص من هو؟ قال: نعم، قلت: من هو؟ قال: ابن النجار، قلت: فما أولته، قال: يظهر قليلاً ثم يخفى خفاء لا ظهور بعده مع نفاق بقلبه. قلت : فكان كذلك، وابن النجار هذا هو الذي راسله بما سيأتي أهـ. وأما تقدمه في العلم وكثرة عبادته فسمعت شيخنا أبا عبد الله محمد بن الظهير الإربلي الحنفي شيخ الأدب في وقته وكان كتب كتاب العمدة في تصحيح التنبيه له(١) وسألني في مقابلته معه بنسختي ليرويه عني، يقول بعد فراغنا منه ما وصل التقي ابن الصلاح لما وصل إليه الشيخ من العلم والفقه والحديث واللغة وعذوبة اللفظ وحلاوته . قلت: وفي كلام الأدفوي في البدر السافر، أن الشيخ نوزع مرة في نقل عن الوسيط فقال: ينازعوني في الوسيط وقد طالعته أربعمائة مرة وكان من سعة علمه كما في سير النبلاء، عديم النظير لا يرى الجدال ولا تعجبه المبالغة في البحث ويتأذى ممن يجادل ویعرض عنه. وقال في موضع آخر: كان لا يتعانى لفظ الفقهاء وغياظهم في البحت بل يتكلم بتؤدة ووقار ولذلك كان قلمه أبسط من عبارته. قال في ((البدر السافر)): وكان كثير العبادة، حكى لي البدر بن جماعة أنه سأله عن نومه، فقال: إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وأنتبه - قال - أعني البدر، وكنت إذا أتيته أزوره يضع بعض الكتب على بعض ليوسع لي مكاناً أجلس فيه اهـ. وذكر لي صاحبنا الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي في (١) يعني للنووي رضي الله عنه، وهو مطبوع. ٤٤ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي حياة الشيخ قال: كنت ليلة في أواخر الليل بجامع دمشق والشيخ واقف يصلي إلى سارية في ظلمة وهو يردد قوله تعالى: ﴿وَقِفُوُرْ إِنَّهُم ◌َسْئُولُونَ (٤)﴾ [الصَّافات: الآية ٢٤] مراراً بخوف وخشوع حتى حصل عندي من ذلك أمر عظيم. قلت: وصرح اليافعي والتاج السبكي رحمهما الله أنه أشعري. وقال الذهبي في تاريخه: إن مذهبه في الصفات السمعية السكوت وإمرارها كما جاءت وربما تأول قليلاً في شرح مسلم كذا، قال: والتأويل كثير في كلامه اهـ. وأما ورعه وخشونة عيشه فأنه كان لا يأكل من فاكهة دمشق، وسألته عن ذلك فقال: إنها كثيرة الأوقاف والأسلاك لمن هو تحت الحجر شرعاً، ولا يجوز التصرف في ذلك إلاَّ على وجه الغبطة والمصلحة والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها اختلاف بين العلماء ومن جوزها قال بشرط المصلحة والغبطة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلاَّ على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك فكيف تطيب نفسي. قلت: وتبعه القطب التونيني على حكاية ذلك قال: وأيضاً فغالب من يطعم أشجاره إنما يأخذ الأقلام غصباً أو سرقة، لأن أحداً ما يهون عليه يبيع أقلام أشجاره وما جرت بذلك عادة، فتؤخذ تلك الأقلام سرقة وتطعم في أشجار الناس فتطلع الثمرة في نفس القلم المغصوب فتكون ملكاً لصاحب الأقلام لا لصاحب الشجرة فيبقى بيعه وشراؤه حراماً، انتهى كلام القطب. وصفته أنهم يشقون فرعاً من فروع الشجرة ويجعلون في جوفه قطعة من غيرها ثم يشدونه بحبل ونحوه ما يفعل في النخيل . وفي كلام الذهبي أنه ترك جميع الجهات الدنيوية فلم يكن يتناول من جهة من الجهات درهماً فرداً وأنه ما أخذ للأشرفية فيما بلغني جامكية بل اشترى بها كتباً و وقفها . وقال ابن دقماق: إنه كان يجمع جامكيته عند الناظر، وكلما صار له حق سنة اشترى له به ملكاً ويوقفه على دار الحديث أو كتباً فيوقفها على خزائنها . وقال قاضي صفد العثماني: إنه لم يأخذ معلوماً قط، قال: وباشر مشيخة دار الحديث لما تعين عليه فلم يتناول شيئاً من معلومها. وقال غيرهم: إنه لم يتناول منها شيئاً إلاَّ سنة أو سنتين اهـ. وكان لا يقبل من أحد شيئاً إلاَّ إن تحقق دينه ومعرفته ممن ليست له به علقة من إقراء أو انتفاع به قصداً للخروج من حديث ((إهداء القوس))، وربما أنه كان يرى نشر العلم متعيناً عليه مع قناعة نفسه وصبرها، والأمور المتعينة لا يجوز أخذ الجزاء عليها كالقرض الجار إلى منفعة فإنه حرام باتفاق العلماء. ٤٥ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي قلت: حديث القوس المشار إليه روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم أبي بن كعب فأخرجه البيهقي في سننه من طريق عطية بن قيس الكلابي: ((قال: علَّم أبي بن كعب رضي الله عنه رجلاً القرآن فأتى اليمن فأهدى له قوساً فذكر ذلك للنبي وَّر فقال: إن أخذتها فخذ بها قوساً من النار))(١) وقال: إنه منقطع. ومنهم عبادة بن الصامت، واختلف في سنده فأخرجه أبو داود من طريقة البيهقي في سننيهما من طريق عبادة بن نسي قال مرة عن الأسود بن ثعلبة ومرة عن جنادة بن أبي أمية كلاهما عن عبادة قال: علمت ناساً من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إليَّ رجل منهم قوساً فقلت: ليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله لآتين رسول الله وَال فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله أهدى رجل إليَّ قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله، قال: ((إن كنت تحب أن تطوق بطوق من نار فاقبلها))(٢) . لفظ الأسود ولفظ جنادة: ((فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله؟ فقال: جمرة بين كتفيك تقلدنها أو تعلقنها)). ومنهم أبو الدرداء، فأخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: ((من أخذ قوساً على تعليم القرآن قلده الله قوساً من نار)). ونقل عن بعض الأئمة أنه ليس له أصل(٣) اهـ. وكنت جالساً بين يديه قبل وفاته بنحو شهرين فدخل عليه فقير وقال: الشيخ فلان من بلاد صرخد يسلم عليك وقد أرسل لك معي هذا الإبريق، قال: فقبله الشيخ وأمرني بوضعه في بيت حوائجه فتعجبت من قبوله له واستشعر بذلك فقال: أرسل إلى بعض الفقراء نعلاً وهذا إبريق وكلاهما آلة السفر. قلت: وفيما أدرجه الذهبي في كلام ابن العطار مما لم أقف عليه في النسخة التي وقفت عليها قال: وعزم عليه الشيخ برهان الدين الإسكندراني أن يفطر عنده في رمضان فقال: أحضر الطعام إلى هنا ونفطر جملة، قال ابن العطار: فأفطرنا ثلاثين أو أكثر على لونين من الطعام، وكان الشيخ في بعض الأوقات يجمع إدامين اهـ. (١) رواه الضياء في الأحاديث المختارة (٢٢/٤)، والبيهقي في الكبرى (١٢٥/٦)، وانظر: تلخيص الحبير (٤ /٧). (٢) رواه أبو داود (٢٦٤/٣)، وابن ماجه (٢/ ٧٣٠)، وأحمد في المسند (٣١٥/٥)، والحاكم (٢/ ٤٨)، والضياء (٢٥٢/٨)، وابن ماجه (٧٣٠/٢). (٣) انظر: التحقيق في أحاديث الخلاف (٢١٨/٢)، وفيض القدير (٤١٨/٢). ٤٦ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي ورأيت رجلاً من أصحابه قشر خيارة ليطعمه إياها فامتنع من أكلها وقال: أخشى أن ترطب جسمي وتجلب النوم. قلت: ونحوه عدم تعاطيه البلح على عادة الدمشقيين، وكذا الماء المبرد كما حكاه غير واحد، بل قال الشمس بن الفخر: إنه كان قد ترك جميع ملاذ الدنيا من المأكل إلاَّ ما يأتيه به أبوه من كعك يابس وتين حوراني، والملبس إلاَّ الثياب الرثة المرقعة ولم يدخل الحمام وترك الفواكه جميعها . وقال اللخمي: كان أبوه وأمه يرسلان إليه بعض القوت فيأكله، وترسل أمه له القميص ونحوه ليلبسه ولا يقبل من أحد شيئاً غير أقاربه وبعض أهل الصلاح، ولم يتزوج قط فيما علمت لاشتغاله بالعلم والعمل وكذا جزم بكونه لم يتزوج غير واحد، منهم قاضي صفد. وقال ابن دقماق: إنه كان يأكل من خبز يبعثه له أبوه من نوى يخبزونه له ويشترون له ما يكفيه جمعة فيأكله ولا يأكل معه سوى لون واحد إما دبس وإما خل وإما زيت، وأما اللحم ففي كل شهر مرة ولا يكاد يجمع بين لونين من إدام أبداً. وقال الكمال الأدفوي في البدر السافر: إنه كان لا يجمع بين إدامين ولا يأكل اللحم إلاَّ عندما یتوجه لنوی اهـ. وكان لا يأكل في اليوم والليلة سوى أكلة واحدة بعد عشاء الآخرة ولا يشرب إلاَّ شربة واحدة عند السحر وإذا شرب فلا يشرب الماء المبرد. قلت: وسمعت أهل دمشق يذكرون أنه كان يشرب من عين الوراقة اهـ. وقلع ثوبه ففلاه بعض الطلبة وكان فيه قمل فنهاه وقال: دعه. وذكر لي العلامة رشيد الدين إسماعيل بن المعلم الحنفي قال: عذلته في عدم دخول الحمام وتضييق عيشه في أكله ولباسه وجميع أحواله، وقلت له: أخشى عليك مرضاً يعطلك عن أشياء أفضل مما تقصده، قال: فقال لي: إن فلاناً صام وعبد الله تعالى حتى اخضر عظمه، قال: فعرفت أنه ليس له غرض في المقام في دارنا ولا الالتفات لما نحن فيه. قلت: وقال الذهبي في (سير النبلاء)): كان عديم الميرة والرفاهية والتنعم مع التقوى والقناعة والورع الثخين والمراقبة الله في السر والعلانية، وترك رعونات النفس من ثياب حسنة ومأكل طيب وتجمل في هيئة، بل طعامه حلف الخبز بأيسر إدام ولباسه ثوب خام وسختانية لطيفة، ووصفه بأنه كان أسمر، كث اللحية، ربعة، مهيباً، قليل ٤٧ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي الضحك، عديم اللعب، بل هو جد صرف يقول الحق وإن كان مراً لا يخاف في الله لومة لائم . وقال في تاريخ الإسلام(١): وكان في ملبسه مثل آحاد الفقهاء من الحوارنة لا يؤبه له، عليه سنجنابية صغيرة. ووصفه بأن لحيته كانت سوداء فيها شعرات بيض وعليه هيئة وسكينة . وفي البدر السافر حكاية عن قاضي القضاة الجمال سليمان الزرعي أنه كان يتردد إليه وهو شاب قال: فجئت إليه في يوم العيد فوجدته يأكل خزيرة مدخنة فقال سليمان: كل، فلم تطب لي، فقام أخوه وتوجه إلى السوق وأحضر شواء(٢) وحلوى، وقال له: كل، فلم يأكل فقال له: يا أخي أهذا حرام؟ فقال: لا، ولكنه طعام الجبابرة هـ. وكان مواجهاً للملوك والجبابرة بالإنكار لا تأخذه في الله لومة لائم، بل كان إذا عجز عن المواجهة كتب الرسائل ويتوصل إلى إبلاغها. فمما كتبه وأرسلني بالسعي فيه، ورقة إلى الظاهر تتضمن العدل في الرعية وإزالة المكوس عنهم وكتب معه في ذلك غير واحد من الشيوخ وغيرهم ووضع ورقة الظاهر في ورقة لسليك الخازندار بدر الدين، نصها : بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله يحيى النووي، سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن ملك الأمراء بدر الدين أدام الله له الخيرات وتولاه بالحسنات وبلغه من خيرات الآخرة والأولى كل آماله، وبارك له في جميع أحواله، آمين. وننهي إلى العلوم الشريفة أن أهل الشام في هذه السنة في ضيق عيش وضعف حال بسبب قلّة الأمطار وغلاء الأسعار وقلة الغلات والنبات وهلاك المواشي وغير ذلك، وأنتم تعلمون أنه تجب الشفقة على الراعي والرعية ونصيحته في مصلحته ومصلحتهم، فإن الدين النصيحة، وقد كتب خدمة الشرع الناصحون للسلطان المحبون له كتاباً بتذكرة النظر في أحوال رعيته والرفق بهم، وليس فيه ضرر بل هو نصيحة محضة وشفقة تامة وذكرى لأولي الألباب، والمسؤول من الأمير أيده الله تعالى تقديمه إلى السلطان أدام الله له الخيرات ويتكلم عليه من الإشارة بالرفق بالرعية بما يجده مدخراً له عند الله تعالى ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ نُخُضَرًّا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءِ تَوَذُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأُ بَعِيدًاً وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُمْ﴾ [آل ◌ِمرَان: الآية ٣٠]. وهذا الكتاب الذي أرسلته (١) للذهبي - مطبوع ثلاث طبعات. (٢) يعني طيراً أو لحماً مشوياً على العموم. ٤٨ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي العلماء إلى الأمير أمانة ونصيحة للسلطان أعز الله أنصاره والمسلمين كلهم في الدنيا والآخرة، فيجب عليكم إيصاله للسلطان أعز الله أنصاره، وأنتم مسؤولون عن هذه الأمانة ولا عذر لكم في التأخر عنها ولا حجة لكم في التقصير فيها عند الله تعالى، وتُسئلون عنها ﴿يَوَ لَا يَنَفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿٣)﴾ [الشُّعَرَاء: الآية ٨٨] ﴿يَوْمَ يَفِرُ الْرَّهُ مِنْ أَخِهِ لِكُلِّ أَمْرٍِ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُضِهِ ﴾ [عَبْسَ: الآيات وَصَحِبَئِهِ، وَبِهِ ٣٥ وَأُمِّهِ وَأَبِهِ ( ٣٤ ٣٤-٣٧]. وأنتم بحمد الله تحبون الخير وتحرصون عليه وتسارعون إليه، وهذا من أهم الخيرات وأفضل الطاعات، وقد أهلتم له وساقه الله إليكم وهو فضل من الله ونحن خائفون أن يزداد الأمر شدة إن لم يحصل النظر في الرفق بهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْ إِذَا مَتَهُمْ طَبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُواْ فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ [الأعراف: الآية ٢٠١] وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: الآية ٢١٥] والجماعة الكاتبون منتظرون ثمرة هذا، فماذا فعلتموه وجدتموه عند [النحل: الآية ١٢٨] والسلام عليكم ١٢٨ الله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ ورحمة الله وبركاته . فلما وصلت الورقتان إليه أوقف عليهما السلطان، فلما وقف عليهما رد جوابهما رداً عنيفاً مؤلماً فتنكدت خواطر الجماعة الكاتبون وغيرهم، فكتب رحمه الله جواباً لجوابه صورته : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، من عبد الله يحيى النواوي ينهى أن خدمة الشرع كانوا كتبوا ما بلغ السلطان أعز الله أنصاره، فجاء الجواب بالإنكار والتوبيخ والتهديد وفهمنا منه أن الجهاد ذكر في الجواب على خلاف حكم الشرع، وقد أوجب الله إيضاح الأحكام عند الحاجة إليها، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عِمرَان: الآية ١٨٧] فوجب علينا حينئذ بيانه وحرّم علينا السكوت، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ حَرَجُّ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِةٍ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ [التّوبَة: الآية ٩١] وذكر في الجواب أن الجهاد ليس مختصاً بالأحياء وهذا أمر لم ندعه ولكن الجهاد فرض كفاية، فإذا قرر السلطان له أجناداً مخصوصين ولهم أخباز معلومة من بيت المال كما هو الواقع، تفرغ باقي الرعية لمصالحهم ومصالح السلطان والأجناد وغيرهم من الزراعة والصنائع وغيرها الذي يحتاج الناس كلهم إليها، فجهاد الأجناد مقابل بالأخبار المقررة لهم ولا يحل أن يؤخذ من الرعية شيء ما دام في بيت المال شيء من نقد أو متاع أو أرض أو ضياع تباع أو غير ذلك، وهؤلاء علماء المسلمين في بلاد السلطان أعز الله ٤٩ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي أنصاره متفقون على هذا، وبيت المال بحمد الله معمور زاده الله عمارة وسعة وخيراً وبركة في حياة السلطان المقرونة بكمال السعادة له والتوفيق والتسديد والظهور على أعداء الدين ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [آل عِمرَان: الآية ١٢٦] وإنما يستعان في الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى واتباع آثار النبي وَ لّر وملازمة أحكام الشرع، وجميع ما كتبناه أولاً وثانياً هو النصيحة التي نعتقدها وندين الله بها ونسأله الدوام عليها حتى نلقاه، والسلطان يعلم أنها نصيحة له وللرعية وليس فيه ما يلام عليه، ولم نكتب هذا للسلطان إلا لعلمنا بأنه يحب الشرع ومتابعة أخلاق رسول الله ◌ّهر في الرفق بالرعية والشفقة عليهم وإكرامه لآثار النبي ◌َّ وكل ناصح للسلطان موافق على هذا الذي كتبنا، وأما ما ذكر في الجواب من كوننا لم ننكر على الكفار كيف كانوا في البلاد، فكيف تقاس ملوك الإسلام وأهل الإيمان والقرآن بطغاة الكفار وبأي شيء كنا نذكر طغاة الكفار وهم لا يعتقدون شيئاً من ديننا، وأما تهديد الرعية بسبب نصيحتنا وتهديد طائفة فليس هو المرجو من عدل السلطان وحلمه، وأي حيلة لضعفاء المسلمين الناصحين نصيحة للسلطان ولهم ولا علم لهم به، وكيف يؤاخذون به لو كان فيه ما يلام عليه، وأما أنا في نفسي فلا يضرني التهديد ولا أكثر منه ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان، فإني أعتقد أن هذا واجب عليَّ وعلى غيري، وما ترتب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله تعالى ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوةُ الذُّنْيَا مَتَعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ اَلْقَرَارِ ﴿6﴾ [غافر: الآية ٣٩]، ﴿ وَأَفَوَّضُ أَمْرِىّ إِلَى اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: الآية ٤٤]، وقد أمرنا رسول الله و لو أن نقول الحق حيثما كنا وأن لا نخاف في الله لومة لائم، ونحن نحب للسلطان معالي الأمور وأكمل الأحوال وما ينفعه في آخرته ودنياه ويكون سبباً في دوام الخيرات له ويبقى ذكره له على ممر الأيام ويخلد في سننه الحسنة ويجد نفعه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخْضَرًا﴾ [آل عِمرَان: الآية ٣٠]. وأما ما ذكر في تمهيد السلطان البلاد وإدامته الجهاد وفتح الحصون وقهر الأعداء فهو بحمد الله من الأمور السائغة التي اشترك في العلم بها الخاصة والعامة، وسارت في أقطار الأرض ولله الحمد وثواب ذلك مدخر للسلطان إلى يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، ولا حجة لنا عند الله إذا تركنا النصيحة الواجبة علينا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ومما كتبه لما احتيط على أملاك دمشق حرسها الله تعالى بعد إنكاره مواجهة الظاهر وعدم إفادته رسوله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: ﴿وَذَّكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِينَ (®﴾ [الذاريات: الآية ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ ٥٠ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: الآية ١٨٧] وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدُوَنِ﴾ [المائدة: الآية ٢] وقد أوجب الله على المكلفين نصيحة السلطان أعز الله أنصاره ونصيحة عامة المسلمين، ففي الحديث الصحيح عن رسول الله 08 أنه قال: ((الدين النصيحة لله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم))(١) ومن نصيحة السلطان وفّقه الله لطاعته وأولاه بكرامته أن ينهى إليه الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام وأوجب الله تعالى الشفقة على الرعية والاهتمام بالضعفة وإزالة الضرر عنهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: الآية ٨٨] وفي الحديث الصحيح قال رسول الله وَلير: ((إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم))(٢)، وقال ◌َّه: ((من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))(٣)، وقال ◌َّ: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به ومن شق عليهم فأشقق عليه))(٤)، وقال إليه: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))(٥)، وقال ◌َله: ((إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا))(٦)، وقد أنعم الله تعالى علينا وعلى سائر المسلمين بالسلطان أعز الله أنصاره، فقد أقامه لنصرة الدين، والذب عن المسلمين، وأذل به الأعداء من جميع الطوائف، وفتح عليه الفتوحات المشهورة في المدة اليسيرة، وأوقع الرعب منه في قلوب أعداء الدين وسائر الماردين، ومهد له البلاد والعباد، وقمع بسببه أهل الزيغ والفساد وأمده بالإعانة واللطف والسعادة، فله الحمد على هذه النعم الظاهرة، والخيرات المتكاثرة، ونسأل الله الكريم دوامها له وللمسلمين وزيادتها في خير وعافية آمين، وقد أوجب الله شكر نعمه ووعد الزيادة للشاكرين، فقال تعالى: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: الآية ٧]. وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواع من الضرر لا يمكن التعبير عنها وطلب منهم إثبات لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحل عند أحد من علماء المسلمين، بل من في يده شيء فهو ملكه لا يحل الاعتراض عليه ولا يكلف بإثباته. وقد اشتهر من (١) رواه البخاري (٣٠/١)، ومسلم (٧٤/١). (٢) رواه البخاري (١٠٦١/٣)، والديلمي (٧٦/١). (٣) رواه البخاري (٢/ ٨٦٢)، ومسلم (١٩٩٦/٤). (٤) رواه أحمد في المسند (٦٢/٦، ٢٥٧، ٢٥٨)، وأبو عوانة في مسنده (٣٨١/٤)، والبيهقي في الكبرى (٤٣/٩). (٥) رواه البخاري (٣٠٤/١، ٤٣١)، ومسلم (١٤٥٩/٣). (٦) أورده النووي في شرح مسلم (٢١١/١٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢٣/١). ٥١ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي سيرة السلطان أنه يحب العمل بالشرع ويوصي نوابه به، فهو أولى من عمل به، والمسؤول إطلاق الناس من هذه الحوطة والإفراج عن جميعهم فأطلقهم أطلقك الله من كل مكروه، فهم ضعفة ومنهم الأيتام والأرامل والمساكين والضعفة والصالحون وبهم تنصر وتغاث وترزق، وهم سكان الشام المبارك جيران الأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم، وسكان ديارهم فلهم حرمات من جهات، ولو رأى السلطان ما يلحق الناس من الشدائد لاشتد حزنه عليهم وأطلقهم في الحال ولم يؤخرهم، ولكن لا تنهى إليه الأمور على وجهها فيالله أغث المسلمين يغثك الله، وارفق بهم يرفق الله بك، وعجل لهم الإفراج قبل وقوع الأمطار وتلف غلاتهم، فإن أكثرهم ورثوا هذه الأملاك من أسلافهم ولا يمكنهم تحصيل كتب شراء وقد نهبت كتبهم، وإذا رفق السلطان بهم حصل له دعاء رسول الله وَ ل لمن رفق بأمته، ويظهره على أعدائه، فقد قال الله تعالى: ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ﴾ [محَمَّد: الآية ٧] وتتوفر له من رعيته الدعوات وتظهر في مملكته البركات، ويبارك له في جميع ما يقصده من الخيرات، وفي الحديث عن رسول الله اله قال: ((من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))، فنسأل الله الكريم أن يوفّق السلطان للسنن الحسنة التي يذكر بها إلى يوم القيامة ويحميه من السنن السيئة. فهذه نصيحتنا الواجبة علينا للسلطان ونرجو من فضل الله تعالى أن يلهمه الله فيها القبول، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين وصلواته وسلامه على سیدنا محمد وآله وصحبه . قلت: وكان السبب في هذه الحوطة كما صرح به صاحب البدر السافر: أن السلطان الظاهر بيبرس لما ورد دمشق بعد قتال التتار ونزوحهم عن البلاد، ولّى وكالة بيت المال شخصاً من الحنفية فقال: إن هذه الأملاك التي بدمشق كان التتار قد استولوا عليها فتملكوها على مقتضى مذهب أبي حنيفة رحمه الله، فوضع السلطان يده عليها فقام جماعة من أهل العلم في ذلك وكان الشيخ فيهم، قلت: بل هو أعظمهم، قال: فكلم السلطان في ذلك كلاماً فيه غلظة فظن السلطان أن له مناصب يعزله عنها، فقيل له: ما له، انتهى كلام البدر. وقال القطب اليونيني: إنه واقف الظاهر غير مرة بدار العدل بسبب الحوطة على بساتين دمشق وغير ذلك. وحكي عن الظاهر أنه قال: أنا أفزع منه أو ما هذا معناه، ولقد شاهدته مرة طلع إلى زاوية الشيخ خضر بالجبل المشرف على المزة وحدثه في أمر وبالغ معه وأغلظ له، فسمع الشيخ خضر كلاماً مؤلماً فأمر بعض من عنده بإخراجه ودفعه فما تأثر لذلك في ذات الله عز وجل ولا رجع عن قصده لنفع يجلبه لبعض المسلمين، فقد كانت مقاصده جميلة وأفعاله لله تعالى. ٥٢ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي وقال العماد ابن كثير: إنه قام على الظاهر في دار العدل في قضية الغوطة لما أرادوا وضع الأملاك على بساتينها فرد عليهم ذلك ووقى الله شرها بعد أن غضب السلطان وأراد البطش به ثم بعد ذلك أحبه وعظمه حتى كان يقول: أنا أفزع منه. انتهى كلام ابن كثير . والظاهر المشار إليه هو ركن الدين أبو الفتوح بيبرس البندقداري الصالحي النجمي الأيوبي التركي صاحب مصر والشام الذي أفرد سيرته ابن عبد الظاهر وابن شداد، ومات بدمشق قبل الشيخ بيسير في العشر الأخير من المحرم من السنة التي مات الشيخ فيها، وأما بيلبك فهو الأمير بدر الدين الخازندار الظاهري نائب المملكة وأتابك الجيوش المنصورة وكان موصوفاً بكثرة المعروف ومحبة الصلحاء والعلماء وحسن السيرة مع الحظ الحسن وفهم وذكاء واعتناء بمطالعة التواريخ وسماع الحديث، ومات أيضاً قبيل الشيخ بيسير وبعيد الظاهر، وذلك في ربيع الآخر من السنة أيضاً اهـ. ومما كتبه رسالة تتعلق بالمكوس والحوادث الباطلة، وأبطل الله ذلك على يد من شاء من عباده في دولة السعيد بن الظاهر، قلت: والسعيد هذا هو ناصر الدين محمد بركة خان بن الظاهر ركن الدين المذكور، واستقر في المملكة بعد أبيه وخلع منها بعد سنتین وشهرين و ثمانية أيام، انتهى. ومما كتبه بسبب الفقهاء لما رسم بأن الفقيه لا يكون منزلاً في أكثر من مدرسة واحدة، وصورته: بسم الله الرحمن الرحيم، خدمة الشرع ينهون أن الله تعالى أمرنا بالتعاون على البر والتقوى ونصيحة ولاة الأمور وعامة المسلمين وأخذ على العلماء العهد بتبليغ أحكام الدين ومناصحة المسلمين وحث على تعظيم حرماته وإعظام شعائر الدين وإكرام العلماء واتباعهم، وقد بلغ الفقهاء بأنه رسم في حقهم بأن يغيروا عن وظائفهم ويقطعوا عن بعض مدارسهم، فتنكدت بذلك أحوالهم وتضرروا بهذا التضييق عليهم وهم محتاجون ولهم عيال، ومنهم الصالحون والمشتغلون بالعلوم وإن كان منهم أفراد لا يلتحقون بمراتب غيرهم فهم منتسبون إلى العلم ومشاركون فيه، ولا تخفى مراتب أهل العلم وفضلهم وثناء الله تعالى عليهم، وبيان مرتبتهم على غيرهم وأنهم ورثة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وأن الملائكة عليهم السلام تضع أجنحتها لهم، ويستغفر لهم كل شيء حتى الحيتان، واللائق بالجناب العالي إكرام هذه الطائفة والإحسان إليهم ومعاضدتهم، ودفع المكروهات عنهم، والنظر في أحوالهم بما فيه من الرفق بهم، فقد ثبت في ((صحيح مسلم)) عن رسول الله وّل أنه قال: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به))(١) . (١) رواه مسلم (١٤٥٨/٣)، والنسائي في الكبرى (٢٧٥/٥). ٥٣ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول لطلبة العلم: مرحباً بوصية رسول الله وَّله، إن رسول الله وَ له قال: ((إن رجالاً يأتونكم يتفقهون في الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً))(١) والمسؤول أنه لا يغير على هذه الطائفة شيء وتستجلب دعوتهم لهذه الدولة القاهرة، وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله وَّلإر قال: ((هل تنصرون وترزقون إلاَّ بضعفائكم))(٢) وقد أحيطت العلوم بما أجاب به الوزير نظام الملك حين أنكر عليه السلطان صرف الأموال الكثيرة في جهة طلبة العلم فقال: أقمت لك بها جنداً لا ترد سهامهم فاستصوب فعله وساعده عليه والله الكريم يوفق الجناب دائماً لمرضاته والمسارعة إلى طاعته، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. وله رحمه الله رسائل كليات تتعلق بالمسلمين وجزئيات، وفي إحياء سنن نيرات، وفي إماتة بدع مظلمات، وكلام طويل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات مواجهاً به أهل الرتب العاليات. قلت: منها رسالة إلى نائب السلطنة بدمشق يطلب جمع الناس للاستسقاء، كتبها يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى سنة ثمان وستين وستمائة وهو الخامس من كانون الأصم، ونصها: خدمة الشرع العلماء بدمشق المحروسة ينهون أن الله سبحانه وتعالى أخذ عليهم العهد بتبليغ الشرع إلى المكلفين ونصيحة الله تعالى وكتابه ورسوله ◌َل# وولاة الأمر وعامة المسلمين، ونصيحة الله ورسوله امتثال أوامرهما، ومن نصيحة ولاة الأمر تبليغهم شرائع الأحكام وإرشادهم إلى شعائر الإسلام والإشارة عليهم بفعلها وإشاعتها ونشرها ونصيحة التوكل، أو أنه اعتراض على الله تعالى فهذا المخذل مخطىء جاهل بل إن اعتقد هذا كان كافراً لأن ما فعله رسول الله بص له هو الحق والصواب الذي يجب على كل مكلف الانقياد له والمسارعة إلى قبوله وانشراح الصدر له، قال الله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا ®)﴾ [النساء: الآية ٦٥] وقال يَجِدُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُرَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً )﴾ [النور: الآية ٥١] وكل ما خالف سنّة رسول الله وَله فهو ٥١ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ البدعة والضلالة والغباوة والجهالة والسفاهة والرذيلة، بل هذه طريقة الكفار في مدافعة دين الإسلام ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ويجب على ولي الأمر وفّقه (١) رواه الترمذي (٣٠/٥)، وابن ماجه (١ /٩١). (٢) تقدم تخريجه . ٥٤ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي الله لطاعته إذا سمع كلام هذا الزاعم الجاهل الضال الغاشم المتجاهل، وغيره ممن يقول نحو هذا القول في مدافعة الحق والاعتراض على سنن رسول الله و لو أن يؤدب تأديباً بليغاً ينزجر به هو وأمثاله ويشهر أمره لينكف أهل الجهالة والضلالة عن مثل فعله وليعلم أن المراد بالاستسقاء امتثال أمر الله تعالى والاقتداء برسول الله و الله وهو مصلحة فاخرة، وسعادة معجلة، ومنّة من الله تعالى يشكر على التوفيق لها. وأما نزول المطر فهو إلى الله تعالى وليس المراد بالاستسقاء تيقن نزول المطر، فإن علم الغيث وإنزال الغيث وغيره من الكائنات إلى رب العالمين، وقد أمرنا الله تعالى بدعائه ووعدٍنا بالإجابة وهو لا يخلف الميعاد، وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. [غافر: الآية ٦٠]، وقال تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَتَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ [الأعراف: الآية ٥٥]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاءُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النَّمل: الآية ٦٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البَقَرَة: الآية ١٨٦]، ﴿فَلَسْتَجِيبُواْ لِ وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البَقْرَة: الآية ١٨٦] وليعلم أنه ليس للاستسقاء شروط تعتبر في صحته سوى اجتماع الناس والصلاة، وهذا متيسر لا مانع منه. لكن قال العلماء: يستحب لولي الأمر أن يأمر الناس قبل الخروج للاستسقاء بالتوبة من المعاصي ومصالحة الأعداء والصدقة وصيام ثلاثة أيام ويخرجون في اليوم الرابع صياماً، وهذا أدب مستحب ليس بواجب ولا شرط، لو ترك صح الاستسقاء ومع هذا فهو هيِّن بحمد الله تعالى لا كلفة فيه، فإن معناه أن ولي الأمر يأمر بعض نوابه أن ينادي في الناس بذلك وليس معناه أن يحكم على قلوبهم بفعله، فإن ذلك لا يقدر عليه إلاَّ ربّ العالمين، بل هو يأمرهم به فمن وفّق له فهو نعمة من الله تعالى عليه ومن حرمه فلا يضر إلاَّ نفسه، ويرجى للمسلمين الرحمة والخير بامتثال الموفقين وما يخلو هذا الأمر من مصالح كثيرة من صلاة وصيام وصدقة وذكر وتوبة وإقلاع عن معاص وإقبال على الطاعات، لا سيما وقد منَّ الله تعالى وله الحمد والنعمة على المسلمين بما وفّق له السلطان زاده الله فضلاً وخيراً وتمكيناً وعلوّاً ونصراً، وأدامه ظاهراً على أعداء الدين، وسائر المخالفين، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكرات، مبطلاً للحوادث، مظهراً للمحاسن والخيرات، بما فعله من إزالة هذا المنكر العظيم الفاحش الجسيم الذي لم يسبق إلى إزالته ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحَجْ: الآية ٤٠]. فهذه نصيحة الخدمة أنهوها إلى الأمير وهم راجون من فضل الله تعالى مسارعته إلى هذه المصلحة وقد ضاق الوقت عن تأخيرها، وهذه المصلحة لا تحصل بفعل آحاد الناس، بل باجتماع الناس كلهم ومنهم العلماء والصالحون والصغار والضعفاء والمساكين والمضطرون، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله وَ لّر قال: ((وهل تنصرون وترزقون إلاَّ ٥٥ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي بضعفائكم))(١) والله يوفق الأمير لكل مكرمة ويديمه آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، حاثاً على الاهتمام بشعائر الدين، ومصالح المسلمين، آمين، والحمد لله رب العالمين، وسلام على عباده الذين اصطفى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . ولما وصلت الرسالة لولي الأمر وفقه الله تعالى، أمر محتسب البلد فنادى ساعته في الناس بصيام ثلاثة أيام أولها يوم الاثنين الثاني عشر من جمادى الأولى المذكور، وبالصدقة والمعروف ومصالحة الأعداء وغير ذلك مما هو من آداب الاستسقاء، ثم خرج ولي الأمر والناس يوم الخميس الخامس عشر من الشهر المذكور واستسقوا، ثم سقوا بعد ذلك بسبعة أيام سقياً عامة وترادفت أمطار كثيرة بعد أن حصل لكثير من الناس قنوط، فلله الحمد على نعمه، والتوفيق لإظهار شعائر دينه ومتابعة رسوله وَل والاعتناء بسنته، ومسارعة المسلمين إليها . وكتب ولي الأمر إلى نوابه في البلدان يأمرهم بالاستسقاء في اليوم الذي يستسقي فيه أهل دمشق، فامتثلوا أمره في ذلك فسقوا كلهم في بلدانهم في الوقت المذكور، ثم وقعت في البلدان ثلوج كثيرة لم ير في تلك السنين مثلها وأبطل تضمين الخانات(٢) والخمور وأريقت على كل من وجدت عنده في دمشق وسائر بلاد الشام ورفعت المنكرات ولله الحمد رفعاً تاماً بعد أن كانت شائعة أفحش الشياع وذلك في ربيع الآخر من السنة، ثم جعل الله الكريم في الغلات أنواع البركات وأخصبت الغلات في جميع بلاد الشام إلى حد لم يعهد مثله من نحو ثلاثين سنة، ثم أعقب ذلك رخصاً لكثرة الغلات لم يعهد مثله من نحو خمس عشرة سنة حتى بيعت غراره بثلاثين درهماً وبأربعين وما بينهما والشعير بأربعة عشر درهماً، وقلّت رغبة الناس في الغلات لكثرتها ولله الحمد والمنّة . هذا كله لفظ الشيخ وأردفه بفصل في صفة الاستسقاء وآدابه وقرأ جميع ذلك عليه تلميذه ابن العطار في يوم السبت خامس عشر ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وستمائة بالرواحية بدمشق. ثم حدث به البرهان أبو إسحاق إبراهيم بن الضياء أحمد بن إبراهيم بن فلاح بن محمد السكندري عن العلاء بن العطار إجازة إن لم يكن سماعاً، (١) تقدم تخريجه . (٢) هي بيوت غير مسكونة، وأماكن تقديم الخمور واللهو المحرّم، ومنه حانوت الخمار، وجمعها حوانيت. ٥٦ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي وأنبأني به العز أبو محمد الحنفي عن أبي إسحق المذكور اهـ. وكان بدمشق شخص يقال له ابن النجار، سعى في إحداث أمور على المسلمين باطلة، فقام الشيخ ومعه جماعة من العلماء حتى أزالوها فغضب ابن النجار وراسل الشيخ يتهدده ويقول له: أنت الذي حرَّكت العلماء بهذا، فكتب له الشيخ ما نصه : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، من يحيى النواوي، اعلم أيها المقصر في التأهب لمعاده، التارك مصلحة نفسه في تهيئة جهاده له وزاده، إني كنت لا أعلم كراهتك لنصرة الدين ونصيحة السلطان والمسلمين حملاً مني لك على ما هو شأن المؤمنين من إحسان الظن بجميع الموحدين، وربما كنت أسمع في بعض الأحيان من يذكرك بغش المسلمين، فأنكر عليه بلساني وقلبي لأنها غيبة لا أعلم صحتها، ولم أزل على هذا الحال إلى هذه الأيام، فجرى ما جرى من قول قائل للسلطان وفقه الله الكريم للخيرات، إن هذه البساتين يحل انتزاعها من أهلها عند بعض العلماء، وهذا من الافتراء الصريح والكذب القبيح، فوجب عليّ وعلى جميع من علم هذا من العلماء أن نبين بطلان هذه المقالة، ودحض هذه الشناعة، وأنها خلاف إجماع المسلمين وأنه لا يقول بها أحد من أئمة الدين، وأن ينهوا ذلك إلى سلطان المسلمين، فإنه يجب على الناس نصيحته لقول النبي ◌ّ في الحديث الصحيح: ((الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم)) وإمام المسلمين في هذا العصر هو السلطان وفّقه الله تعالى لطاعته وتولاه بكرامته، وقد شاع بين الخواص والعوام أن السلطان كثير الاعتناء بالشرع ويحافظ على العمل به، وأنه بنى المدرسة لطوائف العلماء ورتب القضاة من المذاهب الأربعة وأمر بالجلوس في دار العدل لإقامة الشرع وغير ذلك مما هو معروف من اعتناء السلطان أعز الله أنصاره بالشرع، وأنه إذا طلب طالب منه العمل بالشرع أمر بذلك ولم يخالفه، فلما افترى هذا القائل في أمر البساتين ما افتراه ودلس على السلطان وأظهر أن انتزاعها جائز عند بعض العلماء وغش السلطان في ذلك وبلغ ذلك علماء البلد وجب عليهم نصيحة السلطان وتبيين الأمر له على وجهه، وإن هذا خلاف إجماع المسلمين فإنه يجب عليهم نصيحة الدين والسلطان وعامة المسلمين، فوفّقهم الله تعالى للاتفاق على كتب كتاب يتضمن ما ذكرته على جهة النصيحة للدين والسلطان والمسلمين ولم يذكروا فيه أحداً بعينه، بل قالوا: من زعم جواز انتزاعها فقد كذب، وكتب علماء المذاهب الأربعة خطوطهم بذلك لما يجب عليهم من النصيحة المذكورة، واتفقوا على تبليغها ولي الأمر أدام الله نعمه عليه لينصحوه ويتبينوا حكم الشرع، ثم بلغني جماعات متكاثرات في أوقات مختلفات، حصل لي العلم بقولهم ٥٧ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي إنك كرهت سعيهم في ذلك وشرعت في ذم فاعل ذلك، وأسندت معظم ذلك كله إليّ ويا حبذا ذلك من صنيع، وبلغني عنك هؤلاء الجماعات أنك قلت: قولوا ليحيى هذا الذي سعى في هذا فينكف عنه وإلاَّ أخذت منه دار الحديث. وبلغني عنك هؤلاء الجماعات أنك حلفت مرات بالطلاق الثلاث أنك ما تكلمت في انتزاع هذه البساتين وأنك تشتهي إطلاقها، فيا ظالم نفسه أما تستحي من هذا الكلام المتناقض، فكيف يصح الجمع بين شهوتك وإطلاقها وأنك لم تتكلم فيها، وبين كراهتك السعي في إطلاقها ونصيحة السلطان والمسلمين، ويا ظالم نفسه هل تعرض لك أحد بمكروه أو تكلم فيك بغيبتك، وإنما قال العلماء من قال هذا للسلطان فقد كذب ودلس عليه وغشه ولم ينصحه، فإن السلطان ما يفعل هذا إلاَّ لاعتقاده أنه حلال عند بعض العلماء، فبينوا أنه حرام عند جميعهم وأنت فقد قلت أنك لم تتكلم فيها، وحلفت على هذا بالطلاق الثلاث فأي ضرر عليك في إبطال قول كاذب على الشرع غاش مدلس على السلطان؟ قد قلت: إنه غيرك وكيف تكره السعي على شيء قد أجمع الناس على استحسانه، بل هو واجب على من قدر عليه، وأنا بحمد الله من القادرين عليه بالطريق الذي سلكت، وأما نجاحه فهو إلى الله تعالى مقلِّب القلوب والأبصار، ثم إني أتعجب غاية العجب من اتخاذك إياي خصماً ويا حبذا من اتخاذ، فإني بحمد الله تعالى أحب في الله تعالى وأبغض فيه فأحب من أطاعه وأبغض من خالفه، وإذا أخبرت عن نفسك بكراهتك السعي في مصلحة المسلمين ونصيحة السلطان فقد دخلت في جملة المخالفين وصرت ممن نبغضه لله رب العالمين، فإن ذلك من الإيمان، كما جاءت به الآثار الصحيحة المنقولة بأسانيد الأئمة الأخيار، أرض لمن غاب عنك غيبته فذاك ذنب عقابه منه. ويا ظالم نفسه أنا ما خاصمتك أو كالمتك أو ذكرتك أو بيني وبينك مخاصمة أو منازعة أو معاملة في شيء، فما بالك تكره فعل خير يسرّني الله الكريم له ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾﴾ [البُرُوج: الآية ٨] بل أنت لسوء نظرك لنفسك تنادي على نفسك وتشهد الشهود بكراهة هذه النصيحة التي هي مصرحة بأنك أنت الذي تكلمت في هذه البساتين وأن الطلاق واقع عليك، وما أبعد أن تكون شبيهاً بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ الْقَوْلِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمَّد: الآية ٣٠] ويا عدو نفسه أتراني أكره معاداة من سلك طريقتك هذه، بل والله أحبها وأثرها وأفعلها بحمد الله تعالى، فإن الحب في الله والبغض فيه واجب عليّ وعليك وعلى جميع المكلفين، ولست أدري أي غرض لك في حرصك على الإنكار على الساعين في إعظام حرمات الدين ونصيحة السلطان والمسلمين؟ فيا ظالم نفسه، إنته عن هذا وارجع عن طريقة المباهتين المعاندين، وأعجب من هذا تكرير الإرسال إليّ بزعمك الفاسد كالمتوعد إن لم ينكف أخذت منه دار الحديث، فيا ظالم نفسه وجاهل الخير وتاركه، أطلعت على ٥٨ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي قلبي أني متهافت عليها أو علمت أني منحصر فيها أو تحققت أني معتمد عليها مستند إليها، أو عرفت أني أعتقد انحصار رزقي فيها، أو ما علمت لو أنصفت كيف كان ابتداء أمرها أو ما كنت حاضراً مشاهداً أخذي لها؟ ولو فرض تهافتي عليها أكنت أؤثرها على مصلحة عامة للمسلمين مشتملة على نصيحة الله وكتابه ورسوله وَاله والسلطان وعامة المسلمين؟ هذا لم أفعله ولا أفعله إن شاء الله تعالى، وكيف تتوهم أني أترك نصيحة الله ورسوله وسلطان المسلمين وعامتهم مخافة من خيالاتك؟ إن هذه الغباوة منك عظيمة، ويا عجباً منك كيف تقول هذا أأنت رب العالمين بيدك خزائن السماوات والأرضين، وعليك رزقي ورزق الخلائق أجمعين! أم أنت سلطان الوقت تحكم في الرعية بما تريد، فلو كنت عاقلاً ما تهجمت على التفوه بهذا الذي لا ينبغي أن يقوله إلاَّ ربّ العالمين أو سلطان الوقت، مع أن سلطان الوقت منزَّه عن قولك الباطل، مرتفع المحل عن فعل ما ذكرت يا ظالم، فإن كنت تقول هذا استقلالاً منك فقد أفتت عليه واجترأت على أمر عظيم ونسبته إلى الظلم عدواناً، وإن كنت تقوله عنه فقد كذبت عليه فإنه بحمد الله حسن الاعتقاد في الشرع وذلك من نعم الله تعالى عليه، والسلطان بحمد الله وفضله أكثر اعتقاداً في الشرع من غيره ومعظم حرماته وليس هو ممن يقابل ناصحه بهذيانات الجاهلين، وترهات المخالفين، بل يقبل نصائحهم كما أمره الله تعالى، واعلم أيها الظالم نفسه أني والله الذي لا إله إلاَّ هو لا أترك شيئاً أقرر عليه من السعي في مناصحة الدين والسلطان، والمسلمين في هذه القضية وإن رغمت أنوف الكارهين، وإن كره ذلك أعداء المسلمين وفرق حزب المجادلين، وسترى ما أتكلم به إن شاء الله تعالى عند هذا السلطان وفقه الله تعالى لطاعته وتولاه الله ببركاته في هذه القضية غيرة على الشرع وإعظاماً لحرمات الله تعالى وإقامة للدين ونصيحة للسلطان وعامة المسلمين، ويا ظالم نفسه أجلب بخيلك ورجلك إن قدرت واستعن بأهل المشرقين وما بين الخافقين، فإني بحمد الله تعالى في كفاية تامة وأرجو من فضل الله تعالى أنك لا تقوى لمنابذة أقل الناس مرتبة، وأنا بحمد الله تعالى ممن يود القتل في طاعة الله تعالى، أتقوى يا ضعيف الحيل لمنابذتي، أبلغك يا هذا أني لا أؤمن بالقدر؟ أو بلغك أني أعتقد أن الآجال تنقص وأن الأرزاق تتغير؟ أما تفكر في نفسك في قبيح ما أتيته من الفعال وسوء ما نطقت به من المقال، يا ظالم نفسه، من طلب رضى الله تعالى ترده خيالاتك وتمويهاتك وأباطيلك وترهاتك! وبعد هذا كله، أنا أرجو من فضل الله أن يوفّق السلطان أدام الله نعمه عليه لإطلاق هذه البساتين وأن يفعل فيها ما تقر به أعين المؤمنين ويرغم به أنف المخالفين فإن الله تعالى قال: ﴿وَاُلْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: الآية ١٢٨]، والسلطان بحمد الله تعالى يفعل الخيرات فما يترك هذه القضية تفوته، واعلم أنك عندي بحمد الله تعالى أقل ممن أهتم بشأنك أو ألتفت ٥٩ المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي إلى خيالاتك وبطلانك، ولكني أردت أن أعرفك بعض أمري لتدخل نفسك في منابذة المسلمين بأسرهم ومنابذة سلطانهم وفقه الله تعالى على بصيرة منك، وترتفع عنك جهالة بعض الأمر ليكون دخولك بعد ذلك معاندة لا عذر لك فيها، ويا ظالم نفسه، أتتوهم أنه يخفى عليّ وعلى من سلك طريق نصائح المسلمين وولاة الأمر وحماة الدين أنّا لا نعتقد صدق قول الله تعالى: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُثَّقِينَ﴾ [الأعراف: الآية ١٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَِّّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فَاطِر: الآية ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَهَدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: الآية ٦٩]، وقوله تعالى: ﴿إِن تَنْصُرُواْ اللَّ يَنَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محَمَّد: الآية ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الرُّومِ: الآية ٤٧] وقول النبي ◌َّ في الحديث الصحيح: ((ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم خذلان من خذلهم))، والمراد بهذه الطائفة أهل العلم، كذا قاله أحمد بن حنبل رضي الله عنه وغيره من أهل العلم والفهم. وقوله وَّ: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) هذا فيمن كان في واحد من الناس، فكيف الظن بمن هو في عون المسلمين أجمعين!؟ مع إعظام حرمات الشرع ونصيحة السلطان وموالاته وبذل النفس في ذلك، واعلم أني والله لا أتعرض لك بمكروه سوى أن أبغضك الله تعالى، وما امتناعي عن التعرض لك بمكروه من عجز بل أخاف الله رب العالمين من إيذاء من هو من جملة الموحدين، وقد أخبرني من أثق بخبره وصلاحه وكراماته وفلاحه أنك إن لم تبادر بالتوبة حلّت بك عقوبة عاجلة تكون بها آية لمن بعدك، ولا يأثم بها أحد من الناس بل هو عدل من الله تعالى يوقعه بك عبرة لمن بعدك فإن كنت ناظراً لنفسك فبادر بالرجوع عن سوء أفعالك، وتدارك ما أسلفته من قبيح فعالك قبل أن يحل بك ما لا تقال به عثرتك ولا تغتر بسلامتك وبروتك ووصلتك، وفكر في قول القائل : لو كان في العالم من يسمع قد نادت الدنيا على نفسها كم واثق بالعمر واريته وجامع بددت ما يجمع والسلام على من اتبع الهدى والحمد لله رب العالمين . قلت: وقد أفرد ترجمته بالتصنيف خادمه العلامة علاء الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن داود الدمشقي عرف بابن العطار، الذي كان لشدة ملازمته له وتحققه به يقال له: مختصر النووي، استوفيت مقاصده هنا وهو عمدتي بل عمدة كل من أتى بعده . ووقع في كلام الذهبي في (سير النبلاء)) أنه في ست كراريس، والمتداول بالأيدي في كراس وشيء، فيحتمل أن يكون كتب فيه جميع المراثي ثم حذفها منه