النص المفهرس
صفحات 1181-1200
القِمَّصي والأردبيلي، وممن يحفظ ((شرح النخبة)): البدر حسن الدِّمياطي الضَّرير وكاتبُه، وممن يحفظ ((بلوغ المرام)) ممن قدَّمتُه في أسماء تصانيفه كما تقدم، وفيمن قرأ عليه في ((البخاري)) حفظاً: الشهاب الحلبيُّ الضَّرير، والبدر حسن الطنتدائي الضَّرير والحاج علي الغُلام. يسَّر الله ذلك بفضله. ١١٨١ الباب التاسع الباب التاسع في ذكر مرضه ووفاته وغسله وتكفينه، والصلاة عليه ومشهده الجليل، وما قيل عن أهل الصلاح فيمن حضره مِنَ الأولياء وغيرهم، ومكان دفنه، وما تُلي عندَ قبره مِنَ الختمات، وما رُؤيَ له مِنَ المنامات، وما أوصى بفعله بعدَ موته، ونبذة مِنْ أحوال بنيه وبناته وأبنائهم، وكذا أحوال زوجاته وسراريه ومَنْ علمته مِنْ خَدَمِهِ، وغير ذلك. [مرضه]: أما مرضه رحمه الله، فكان ابتداؤه في ذي القعدة مِنْ سنة اثنين وخمسين وثماني مائة بعد أن بلغني - مما لم أستحضره حين إثباته الآن - أنه قصَّ على جماعة مجلس الإملاء في ربيع الأول مِنَ السَّنةِ التي توفي فيها، أنه رأى في المنام بعض الرُّواة، وأظنه أبا مصعب، وأنَّه قدَّمَ إليه مائدة فيها عشرة أرغفة، العاشر منها مكسورٌ منه شيءٌ يسير، فأوَّلَهُ له بعضُ الحاضرين بعشرِ سنين تفاؤُلاً، فما كان إلا دون عشرة أشهر، ومات. ونحوه أنَّ الكمال المجذُّوب حضر إلى منزل شيخنا مرة في يوم جمعة باكِرَ النَّهار، مع أنه لم تَجْرِ عادتُه بمجيئه إلى منزله. نعم، رأيتُه جلس بين يديه مع الجماعة في مجلس الإملاء بالكاملية، وكتب كما تقدم، فلما حضرَ جلس في الدَّركاة بين البابين، وأغلق باب الزَّلاقة، وطرد مَنْ كان هناك مِنَ الخدم ونحوهم، واتَّفق ظهورُ شيخنا لمن ينتظره للقراءة ببابه، وكنّا ثلاثة: ابن حسَّان وابن قمر وأنا ثالثهما، فصادف الكمال بالباب، فجلس بجانب باب ١١٨٥ السِّتارة، والكمال قريبٌ منه، واتفق مجيءُ سبط شيخنا، فوقف قريباً مِنْ جدِّه، ثم طلب الكمال مِنْ شيخنا شيئاً، فأخرج له من جيبه ـ فيما أظنُّ - ديناراً، ثم قال له: وأيضاً، فأعطاه آخر، ثم طلب أيضاً، فأعطاه آخر، واستمر هكذا إلى أن استوفى، إما سبعة، فيما يغلب على الظنِّ، أو ستةً، وأهابُ أن أجزِمَ بأنَّها مجموعُ ما كان في جيبه، فلما صارت بيده، أدارها في كفِّه، ثم دفعها للسِّبط، فاستمرت معه يسيراً، ثم أخذها منه بعزم وهو يصيح ويقول له: هو لا يسهُلُ عليه أن يعطيها، وأعادها لشيخِنا قائلاً له: خذها وقم عنا، وصار يكرِّرُ ذُلك حتى تغيَّر لوِنُ شيخنا مِنْ صنيعه، وقام فدخل وانصرفنا. فلم يلبث رحمه الله تعالى إلاَّ يسيراً بعد ذُلك جداً، ثم عزل، وأقام يسيراً، ثم مات، فكانت حياتُه بعد هذه الواقعة عددَ القَدْرِ، إمَّا سبعة أو ستة كما تقدم. وبعد لهذا المجلس صار شيخُنا يذكُر الكمالَ بالجميل، ويقول: كنتُ أعرفه بمصر على خيرٍ يحفظ ((التَّنبيه)) و((الألفية))، وربما أرسل إليه الكمال بعضَ مَنْ يروم منه شيئاً مِنَ الدُّنيا لوفاء دَيْنِه ونحو ذلك، فيقول شيخنا للشهاب بن يعقوب: صالح عنَّا قاصِدَ الشَّيخ. رحمهم الله تعالى وإیانا. ولمّا مرض رحمه الله - كما أسلفنا - في ذي القعدة، حضر مجلس الإملاء في حادي عشره، ورجع إلى الحلبيَّة، فأقام عندها إلى أن تعشَّى، ثم رجع إلى منزله، فقدَّموا له العشاء، فما امتنع مِنَ الأكل مراعاةً لخاطر أهله، فتَقُل ذلك عليه (بحيث تقيأ)(١) وتغيَّر مزاجُه، وأصبح يومَ الأربعاء ضعيفَ الحركة، فحضر الجماعة للتوجه في خدمته على العادة بجامع طولُون، فما استطاع، واستمر مكتُوماً ولا يعلم به كثير أحدٍ، وهو يطلع إلى المدرسة للصَّلوات والإقراء على : العادة، بل حضر مجلسَ الإملاء في يوم الثلاثاء خامس عشري الشَّهر المذكور، فأملى مجلساً وهو متوعِّكٌ، ثم اشتدَّ به الوعك وتضرَّر بالكتمان كثيراً، وخشي الأطباءُ أن يناولوه مسهلاً لأجل سنِّه، فأشير بلبن الحليب، فتناوله فلانت الطَّبيعة قليلاً، وأدى ذلك إلى نشاط يسيرٍ ونوع خِفَّةٍ، وصار مسروراً بذلك، فيقول: خرج جُوَیْزاتٌ وبُنیدقاتُ ونحو ذلك. (١) ما بين قوسين ساقط من (أ). ١١٨٦ ثم عاد الكتمانُ، وتزايد الألمُ بالمعدة، وصار يحسُّ بشيء ثقيل على معدته، بحيث كان يقول: هذه بقايا الغبن مِنْ سنة تسع وأربعين وتوابعها، وينشد قولَ الفرزدق: قوارِضُ تأتيِني ويَحْتَقِرُونَها وَقَدْ يملأ القَطْرُ(١) الإنَاءَ فيفعمُ وقال سبطُه: إنه أنشده في مرضه لهذا: عمارة الجسم نَفَسْ وهدُمُه إذا احتَبَسْ ولم يترك رحمه الله جمعة، بل ولا جماعة. نعم، لم يستطع صلاة عيد الأضحى، وكان يوم الثلاثاء بعد أن سمعنا عليه ((فضل عشر ذي الحجة)) لابن أبي الدنيا (يوم عرفة)(٢)، وهو آخر شيءٍ سمعناه، بل سُمِعَ عليه مطلقاً. وصلى الجمعة التي تليه، توجه وهو راکب والناس في خدمته، حتى صلينا معه الجمعة في الصف الأول برواق البسملة مِنْ جامع الحاكم، وطلع بعد فراغه مِنْ باب النَّصْر، فركب وهو بالطيلسان كما مضِى، وسأله بعضُ العوامِّ وهو ظاهرٌ مِنَ الجامع الدَّعاءَ، فقال له بعزم: غفر اللَّهُ لَك. وتوجّه إلى الحلبية، فاستعطف خاطرها في انقطاعه عنها، وحالَلَها واسترضاها. وكان رحمه الله قد استشعر بالوفاة، بحيث كان إذا أخبر بالمنامات وشبهها مما يدلُّ على رجاء صحَّته وحصُول بُرئه، يقول: أمَّا أنا، فلا أرَاني إلاّ في تناقُصٍ، وما أظنُّ الأجلَ إلا قد قرُبَ، ثم ينشد: ثاءُ الثَّلاثِينَ قد أوهت قُوی بَدَني فكيف حاليَ في ثاء الثمانينا ويقول: اللَهُمَّ حرمتني عافِيَتك، فلا تحرمني عفوك. انتهى. وقد سأل الملكُ الكاملُ الشَّرفَ أبا المكارم محمد بن عبدالله بن (١) في (ب): ((القطن)). (٢) ما بين قوسين ساقط من (ب). ١١٨٧ الحسن بن عين الدَّولة الصَّفراوي (عن سِنِّه)(١)، فارتجل: يا سائلي عَنْ قُوى جِسْمي وما فَعَلَتْ فيه السُّنُون ألا فاعلمه تبيينا (٢) فكيفَ حاليَ مع ثاء الثّمانِينَا ثاءُ الثَّلاثين أحسَسْتُ الفُتُورَ(٣) بها بل سمعت شيخنا بعد وفاة مُستملي مجلسه الزَّين رضوان - وكانت في رجب سنة وفاته - يقول: لهذه أمارَةُ الرَّحيل، في محرَّم لهذه السَّنة توفِّيَّ مِن رؤوس المجلس البرهانُ بن خضر، والشِّهابُ الرِّيشي، وفي صفرها الزَّينُ السَّندَبيسي، وفي شوال السَّنة الماضية المحبُّ البكري. قلت: وكذا مات أمِنْ جماعته في شوال سنة وفاته الشِّهابُ الرَّدادي، وفي رمضانها](٤) تغري برُمش الفقيه، ومن غير جماعته مِنَ الأعيان العمادُ إسماعيل بن شرف المقدسي في ربيع الآخر مِنْ سنة وفاته، وأبو الفتح ابن أبي الوفاء في شعبانها، ومن خٍر المباشرين الصَّاحبُ كريمُ الدِّينِ ابن كاتب المناخاة، وجماعة ليس هذا محلّهم. ثم إنَّ نحو ما تمثَّلُ بهِ شيخُنا قول الفضيل بن عياض: فماذا أومّلُ أوْ أنْتَظِز بلغتُ الثَّمانِينَ أو جزتُها ودُونَ الثَّمانين لي مُعْتَبَرْ أَتْ لي ثمانون(٥) مِنْ مولدي فَرَقَّ العِظَامُ وكَلَّ البَصَرْ عَلَتْني السُّئُونَ فَأْبِلَيْتَنِي وقول القائل : إنَّ الثّمانين وبُلْغُها قَدْ أخْوَجَتْ سَمْعي إلى تُرجُمان (١) ما بين قوسين ساقط من (ب). (٢) في (ب): يقيناً، تحريف. (٣) في (ب): ((القبور)). (٤) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٥) في (أ): ((ثمانين))، خطأ . ١١٨٨ قلتُ: وقد أسندَ الخطيب في ترجمة أبي بكر محمد بن جعفر بن محمد بن فضالة الأدمي القارىء، صاحب الألحان، وأحسن النَّاس صوتاً بالقرآن، وأجهرهم به، مِنْ طريق عبدالله بن إسماعيل بن إبراهيم الإمام، قال: رأيتُ أبا بكر الأدمي في النَّومِ بعدَ موته بمُدَيْدَة، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقَفَني بين يديه، وقاسيت شدائد وأموراً صعبةً، فقلت له: فتلك الليالي والمواقف والقرآن؟ فقال: ما كان شيءٌ أَضَرَّ عليَّ منها، لأنَّها كانت للدنيا. فقلت له: فإلى أيِّ شيءٍ انتهى أمرُك؟ قال: قال لي تعالى: إني آليتُ على نفسي أن لا أعذِّبَ أبناءَ الثَّمانين. انتهى. وورد حديثٌ فيه بشارة لمن عُمِّرَ ثمانينَ، استوفى طرُقَه صاحبُ التَّرجمة في كتابه «الخصال المكفرة))، وساق عقبها للحُسين بن الضَّحَّاك قوله مِنْ أبيات: عذيرٌ وإِنْ أنا لَمْ أَعْتَذِزْ أُمَا في ثمانين وفيتُها عَنِ ابنِ ثمانِينَ دونَ البَشَرْ وَقَدْ رَفَعَ الله أقلامَهُ في الأرض نَصب صُرُوفِ القَدَز وإنّي لِمنْ أُسَرَا الإله أُثَابُ وإِنْ يَقضِ شراً غَفَرُ فإن يقضٍ لي عملاً صالحاً وقوله أيضاً: أصبحتُ في أُسَرَاء الله مُختَبَساً في الأرضِ تحتَ قضاءِ الله والقدر لم تُبْقِ باقيةً مِنِّي ولم تَذَر إنَّ الثَّمانينَ إذ وفيتُ عِدّتّها انتھی. وكان ابنُ عُيينة يُنشدُ: سئمتُ تكاليفَ الحياة ومَنْ يَعِشْ ثمانين عاماً لا أبَا لَكَ يَسْأمِ ولأبي الصَّلاح ابن عين الدَّولة الصَّفراوي(١): (١) في هامش (ط) - وأظنه بخط الزبيدي شارح القاموس - ما نصه: لعل هذه القطعة = ١١٨٩ ثمانُونَ(١) مِنْ عمري تَقَضَّت فما الَّذي أطايِبُ أيّامي مَضَيْنَ حميدةٌ كأنَّ شَبَابي والمشيبُ يرُوعُه ولبعضهم : أَقْلَتْ مِنْ سَبُعِ السَّبْعین مُنْهَزِماً وفي الثّمانين تنّينَ يُشاوِرُني وقَدْ أَتَتْ حَيَّةُ التِّسْعِينَ تَلْسَعُني فأَسْألُ الله تأمِيناً ومَغْفِرَةً ولأسامة بن مرشد (٢): مَعَ الثِّمانين عاثَ الضَّعْفُ في جَسَدِي إذا كتبتُ فخطّي خطٌ مضطربٍ فاعْجَبْ لضَعْفٍ يدي عَنْ حَمْلِهَا قَلَماً وإنْ مَشَيْتُ وفي كفّي العَصَا ثَقُلَتْ فَقُلْ لِمَنْ يَتَمَنَّى طُولَ مُذَّتِهِ أُؤْمِّلُ مِنْ بَعدِ الثّمانينَ مِنْ عُمْرِي سِرَاعاً ولم أشْعُرْ بِهِنَّ وَلَمْ أَدْرِ دخي ليلةٍ قد راعَها وضَحُ الفَجْرِ فَفُتُّهُ وتراخى الحَيْنُ بي حِينًا من ذا يقاوم تِنِينَ الثَّمانينا ولستُ أقدِرُ أرْقِي سُمَّ تِسْعِينِنّا ويرحَمُ الله عبداً قال آمِينًا وساءني ضعفُ رِجلي واضطراب يدي كخطُ مُرْتَعِشِ الكَفَّيْنِ مُرْتَعِدِ مِنْ بَعْدِ حَطْمِ القَنَا فِي لَبَّةِ الأشْدِ رِجْلي كأنّي أَخُوضُ الوَحْلَ فِي الجَلَدِ لهُذِي عَواقِبُ طُولِ العُمْرِ والمُدَدِ قلت: ولم يبلغ الحالُ - ولله الحمد - بصاحب التَّرجمة لهذا، وإنَّما أوردتُها مع ما قبلها استطراداً. : أنشدها الثعالبي في ((يتيمة الدهر» للمعز الفاطمي صاحب مصر، لكن أنشد: = ثلاثون من عمري مضين فما الذي أؤمل من بعد الثلاثين من عمري ومن تأمل في البيت الثالث، بل الثاني، عرف أن الصواب ((ثلاثون)). وأما أبو الصلاح فلا أعرفه، فإن كان ممن أخر عن صاحب ((اليتيمة)) - وهو الغالب على الظن - فقد ظهر أن الخطأ في نسبة القطعة إليه محقق. (١) في (ط): ((ثمانين))، خطأ . (٢) الأبيات في كتاب الاعتبار لأسامة ص ١٨٢، طبع دار الأصالة بالرياض. ١١٩٠ وتردَّد الأطباءُ لصاحب الترجمة، ولم يكن يرى استخدام أهل الذمة في ذلك، بل سمعتُه مراراً يقول - وأظنه لغيره -: أيَأَتَمِنُ المسلمونُ على أموالهم وأبدانهم أعداءهم؟ انتهى. وصار هو ينظرُ في ((القانون)) وشبهَهُ مِنْ كتب الفنِّ، ويتكلَّم مَع أهله إذا حضروا عنده بأمتن كلام، حتى إنَّ ابن صَغِير - وهو مِنْ أفاضلهم - بلغني عنه أنَّه قال: وددت لوَ كنتُ لازمته في ذلك سنةً. وكان مِنْ جملة مَنْ حضر إليه: أبو الفضل محمد بن محمد بن أبي القاسم بنٍ محمد البجائي المغربي، الذي كان عاتباً على الزَّمن وأهلِه، وانفرد بالطّبع الذي قَلَّ مَنْ يشارِكُه فيه، وانكشفَ حالُه قبل مماته، لا سيّما في أشرفِ بلادِ الله، التي ذَهبَ بعضُ الصَّحابة رضوان الله عليهم إلى مضاعفة السَّيئات فيها كالحسنات، كما أخبرني به ثقاتُ أهلها، حتى مَنْ أخذَ عنه، كما بيَّنْتُهُ في موضع غير هذا. وكان حضورُه عندَ صاحبِ التَّرجمة بعد أن تكرَّر على سمعه مِنَ الثَّناء عليه مِنْ بعض طلبته الذي تسلّط على كتاب الله بما قرَّره له على ما أخبر به أبو الفضل غير واحد ممَّن شافهني مِنْ قاعدة كُلِّيَّة - زعمَ - ينضبطُ بها المقصودُ، ممَّن عُرِفَ كلامه في السّخطِ والرِّضا، مبالغة زائدةً في وصفه، ممَّا كنتُ أستحيي مِنْ ذكره بين يديه، كقول القائل في حقِّه: لو اشتغلَ بحفظِ الرِّجال ونحوها مِنْ متعلَّقات الحديث ما كان بعد مُضِيٍّ سنةٍ يلحق(١) في ذلك، فما كان إلاَّ أن جلس ودار بينهما الكلام في شيءٍ مِنَ العلاج ونحوه، ظهر له أمرُه، وبيَّنَ ترجمتَه، لِمَنْ يثقُ به بعد مفارقته، ولا يقال: كيف عرف حاله مِنْ جلسة واحدة، لكون مثل ذلك لا يخفى على مثله. وقد حقق لي أمرَه العلاَّمةُ قاضي المذهب العز الحنبلي بما بسطتُه في مكان غيرٍ لهذا، وكذا العلامة جمال الدين بن السَّابق الحموي، بل قال لي: إنَّه كان غَلِطَ فيه في أول الأمر، ثم رجع إلى الصَّواب، وكشف حالَه حتى (١) في (ب): ((يلي)). ١١٩١ في ديانته بما لم تجرِ عادتي بإثبات مثله، وإنما الحاملُ للإشارة إلى ذلك دَفْعُ مَنْ یتکلِّم بالهوى. ثم عَظُمَ الكربُ واشتد الخطب، وهرعِ النَّاسُ كبارُهم وصغارُهم، مِنَ الأمراء والقُضاة والعلماء والمباشرين والطّلبة والصُّلحاءِ أفواجاً أفواجاً لعيادته، واستغاثوا مبتهلين إلى الله تعالى في طلب عافيته. [من عاد ابن حجر في مرضه]: وممَّن حضر إليه: الأمير دولات باي، والقاضي وليُّ الدِّين السَّفطي، وهما ممن ناوأه، وسأله الثَّاني - بعد أن جلس عند باب المجلس الذي فيه أمُّ أولاد صاحب الترجمة، وحسر عن رأسه حسبما أخبرني به الشَّيخ جلال الدين ابن الأمانة - براءة الذِّمَّة، فقال: ممَّاذا؟ ونحوه ما أجابَ به الشيخ مدين، حيث جاءه بعد موت القاياتي شافعاً في وليِّ الدين بن تقي الدين البلقيني ليحصل له الرضا عنه، فقال: أمَّا : الظاهر فقد حصل لمجيئكم، وأما الباطن فيحتاج إلى علاج، فسكت الشَّيخ. وكذا حضرَ إليه الشَّرف يحيى بن العطَّار، وكان منجمعاً عنه، وحصلت بينهما مذاكرةٌ لطيفة، وأظهر شيخُنا بشرى بالاجتماع به على جاري عادته في التودُّد مع مَنْ يفهم منه شيئاً، وأرسل إليه تُحفاً على يد الشَّيخ شمس الدين القِمَني خازن الكتب بالمؤَّديَّة. وكذا جاء إليه القاضي كمال الدين بن البارزي، وقاضي القضاة اليدر. العنتابي، وكنتُ حاضراً حين مجيئه، فتذاکرا، وسمعته يقول له: قد سمعتَ على العراقيِّ، وأحبُّ الوقُوفَ على مروياته، فقال له شيخنا؛ لا يُوجَدُ مجموعُهُ في موضع واحد، مِنْ أجل أنه لم يعتنِ بذلك فيما وقفنا عليه، وكذا لم يعتنِ بجمعها ولدُه، بل ولا غيره مِنْ طلبته، لكن أُخرج لكم ترجمته مِنْ ((معجم شيوخي))، وفيها الكتب والأجزاء التي قرأتُها، أو سمعتها عليه، وهي تأتي على كثيرٍ مِنْ مروياته، فإذا حصَّلْتُم هذا، يتبع الباقي. ١١٩٢ وممن جاء لعيادته الشيخ مِدين، وأحضر له كتاباً كان في عاريته، وعُدَّ لهذا مِنْ مكاشفاته. إلى أن كان يوم الثلاثاء رابع عشري ذي الحجة، حضر عنده قاضي المالكية البدر بن التِّنسي مع الجماعة على العادة للسَّلام عليه، فأطال الجلوس معه، واستأنس به، وبعد أن ظهروا، استدعى بالوضوء، وأخذ يتوضَّأ، فما تمكَّن، ومِنْ يومئذٍ اشتدَّ مرضُه جداً، بحيث صار يصلِّي الفرضَ جالساً، وترك قيامَ اللَّيلِ، وصُرعَ يوم الأربعاء، ثم تكرَّر ذلك منه، وسُمِعَ منه يوم الجمعة عند الأذَان لها إجابةُ المؤذِّنِ. وكانت وفاته ليلة السَّبت ثامن عشري ذي الحجة، بعد العشاء بنحو ساعة رمل، بعد أن جلس حولَه سبطُه ومِنْ جماعته الفخرُ بن جَوْشَن، والشيخُ شمسُ الدِّين السُّنباطي، والشهاب الدَّوادار، وقرؤوا عنده سورة يس مرةً، ثم أعيدت إلى قوله تعالى: ﴿سَلٌَ قَوْلاً مِّن رٍَّ تَحِيمٍ﴾، ثم مات. وتولى السُّنباطي المذكورُ تغميضَه، وأخذ ولدُه يومَ السبت في تجهيزه، فغُسل بحضرةِ الشَّيخ زين الدين البُوتيجي، ويقال: إنه لم يخرج منه كثير شيء. [جنازته]: وحصل ـ وهو على الدكة وكذا في حال المسير بجنازته - غيمٌ، وأرخت السَّماءُ مطراً خفيفاً جداً لا يُبلَّ الثياب شبه الغبوق. وقد أشار إلى ذلك ابن النقاش في مرئيَّته الآتي ذكرُها، وغيره، وعمل ذلك في بيتين الشِّهابُ المنصوري وغيره كما سيأتي(١). وكُفِّنَ في إزارٍ في وسطه ساترٌ للعورة شُدَّ بحفاظٍ ولفافتين لجميع بدنه وقميص وعمامة، فهذه خمسة. قال لي سبطه: وثوبٌ آخر، فالله أعلم. وجعلوا على تابوته مُرَقَّعَة الخانقاه الصلاحية. (١) انظر ص ١٢٣٧ من هذا الجزء. ١١٩٣ وكانت ساعة عظيمة، وأمراً مهولاً، ووقع النَّوْحُ(١) في سائرِ النَّواحي مِنْ أصناف الخلق، حتَّى مِنْ أهل الذِّمَّة. واجتمع في جنازته مِنَ الخلق مَنْ لا يحِصيهم إلا الله عز وجل، بحيث ما أظن كبير أحد مِنْ سائر النَّاسِ تخلَّفَ عَنْ شهودها. وققلت الأسواقُ والذَّكاكين، ويقال: إنَّه حُزِرَ من مشى في جنازته بنحو خمسين ألف إنسان، وعندي أنَّه لا يتهيأ حصرُهم، ولا يُدْرَكُ حدُّهم(٢). وقد احتجتُ للوضوء وأنا تُجاه الظّاهرية القديمة في أوائل الجنازة، فدخلتها وتوضأتُ بعد دخول الطّهارة، ثم ظهرتُ، فإذا الناس لم يتكامل اجتیازُهم. وقد روينا عن أبي عبدالرحمن السُّلمي، قال: حضرتُ جنازة أبي الفتح القوَّاس الزَّاهد مع الدارقطني، فلما نظر الدارقطنيُّ إلى ذلك الجَمْعِ الكثير، أقبل علينا، وقال: سمعتُ أبا سهل بن زياد القطان يقول: سمعتُ عبدالله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبینکم یوم الجنائز. انتهى .. وقد حُزرَ مَنْ شهد جنازة صاحب هذه المقالة الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل، فكان عدداً بالغاً، بل قال ابنُ الصَّلاح: إنَّه قرأ بخط البيهقي في رواية ذكرها أنه أسلم يوم مات عشرون ألفاً مِنَ اليهود والنَّصارى والمجوس. قال: وهي في كتاب أبي نعيم، يعني ((الحلية)»، فقال عشرة آلاف، فالله أعلم. قلت: وتحدَّث الناسُ كثيراً مِنَ الصُّلحاء وأرباب الأحوال بشهود الخَضِرَ (٣) وغيره جنازته، وسمعت ذلك مِنْ غير واحدٍ منهم. (١) ومعلوم أن هذا الفعل مما نهينا عنه، بدلالة كثير من الأحاديث الواردة في ذلك، وقد أخبر النبي وهو أنه من فعل الجاهلية. (٢) في (ب، ط): ((عدُّهم)). (٣) هذا مما لا يصح، وقد كان صاحب الترجمة الحافظ ابن حجر رحمه الله لا يرى حياة الخضر عليه السلام، ويرجح وفاته قبل بعثة النبي ◌َّل، وقد ألف في ذلك كتاب = ١١٩٤ وفي ظني أنَّه ما بعد جنازة التقي ابن تيمية أحفل منها، وما رأينا أحداً مِنَ الشُّيوخ يذكر أنَّه رأى مثلها، بل ولا ما يقاربُها، حتى بلغني عن الشيخ شمس الدين النَّشائي أنَّه حضَر جنازة البُلقيني ولم تكن كهذه. وتولى الأُمِراء مقدَّموا الألُوف حمل جنازته. وكان جهد الشخص الشّديد الذي يتمكَّنُ مِنَ الوصول إلى نعشه، أن يمسَّ النَّعشَ برأس إصبعه. وساروا وعلى مشهده مِنَ الخفر والسُّكونِ والتُّؤدة والمهابة والجلالة ما لا يعبّر عنه، إلى أن وصلوا إلى سبيل المُومني، وافترق النَّاسُ سماطين، واجتاز نعشُه مِنْ بينهما، فكانت هيئةً مهولة. وقال بعضُ طلبته حينئذٍ مواجهاً للسَّفطي: قتلُوه قاتلهم الله، وأمن على دعائه. وتلقَّى السُّلطانُ جنازته ليشهد الصَّلاة عليه، ورام قاضي القضاة علم الدين البُلقيني الصلاة عليه إماماً، فأخّره السلطان، وأشار إلى أمير المؤمنين الخليفة العباسي بالتقدُّم، ويقال: إنه قال: هو أمير المؤمنين وأنت أمير المؤمنين، فصلى بالناس عليه. وكذا لما حضر شيخُنا صاحبُ التَّرجمة الصلاة على القاياتي، قدَّم السُّلطانُ أمير المؤمنين. وتوجهوا بشيخنا إلى المحل الذي عُيِّنَ لدفنه، ومعه أيضاً مِنَ الخلقِ المشاةُ مَنْ لا يحصيهم إلا الله تعالى، حتى جاوزوا قُبَّة الإِمام الشافعي رضي الله عنه، وانتهوا إلى تُربة بني الخرُّوبي المقابلة لجامع الدَّيملي والسَّروتين، فدفنوه هناك بمقصورةٍ صذْرَ التُّربة المذكورة مِنْ جهة يسار القبلة في نُسقيَّة فيها غيرُه، وكرهنا له ذلك، وهو فما كان أشدَّ إنكاره - رحمه الله ورضي الله عنه - لمثل هذا، والله يعفو عمن أشار بذلك، وزعم أنَّه أوصى به، فإنَّ لهذا شيءٌ اختلقه التماساً لمرضاة ولده وعياله، والذي وُجِدَ في بعض وصاياه السَّابقة الوصيَّة بدفنه بحوش والده، وهو بتلك النواحي أيضاً، لكن اعتُذِرَ عَنْ ذلك بما لا يسوى سماعُه، ولو وُفِّقَ القائمُ بأعباء لهذا الأمر ((الزهر النضر في نبأ الخضر) استقصى أقوال العلماء في هذه المسألة وأدلتهم، ثم قال: والذي تميل إليه النفس من حيث الأدلة القوية خلاف ما يعتقده العوام من استمرار حياته . ١١٩٥ لرشده، لكان حِيث فوَّتَ على الرَّجُلِ مِقصده أشار بمقبرة الصَّلاحية سعيد السُّعداء، ليتمكّن أتباعُه مِنْ زيارة قبره كلَّ قليل مِنْ غير مزيدٍ كُلفةٍ ولا نصب، ولكن الأمر بيد الله تعالى يفعل ما يشاء. وما أحقُّه بقول القائل: أيدي الوَرَى وترامِيها على الكَفَنِ لم أنْسَ يَوْمَ تَهَادَتْ نعِشُه أسّفاً يُقيمُ في رَاحَةٍ إلاَّ على ظَعَنِ كِزَهْرَةٍ تَتَهَاداهَا الأَكُفُّ فَلا وقد شوهد كذلك؛ كان النَّاسُ يتعلَّقُون ليدركوا النَّعش بأيديهم أو بمناديلهم، ثم يمسحون بها وُجُوهَهم، ويقول القائل: عَجَباً لقبرٍ فيه بَحْرّ زاخِرٌ عَجَباً لبحرٍ لُفَّ فِي أُكِفَانٍ وما أحسنَ قول القائل: وانْظُر إلى القبر مَا يَحْوِي مِنَ الصَّلَفِ انْظُرْ إلى جَمَلِ یَمْشِي الرِّجالُ به وانْظُر إلى دُرَّةِ الإسلام في الصَّدَفِ وانْظُر إلى صارِمِ الإسْلاَمِ مُنْغَمِداً ولما انتهوا مِنْ دفنه، أخذوا في القراءة عنده بعد الذِّكر والابتهال في الدُّعاء له ساعة طويلة، وأقاموا على قبره أسبوعاً، تختم في كل يوم وليلة عنده ما شاء الله مِنَ الخَّتمات. فبطول النَّهار جماعةٍ مِنْ طلبته يختم كلِّ واحدٍ منهُم القرآن غالباً، ومِنَ العصر يأتي القُرَّاء ويكون ختمهم قُبيل الشمس، فلا يُحصى كم تُلِيَ على قبره مِنَ الختمات. وبلغني أن العلاَّمة: الجلال المحلي جمع جماعةَ بيتِه وقرؤوا ختماً، وأهدوا ثوابه في صحيفته. وقال الوَُّاظ عند محلِّ دفنه ما عَمِلَ الشُّعراء فيه من المراثي وغير ذلك، وكثر الإنشاد المرئيَّةٍ الشيخ شهاب الدين الحجازي بخصوصها من الوعاظ والعامة، بحيث لم يشتهر غيرها. وأطعم بتُربته مِنَ المآكل وشبهها شيءٌ كثير. وعند تمام الشَّهر فُرِّقَ على أكثر الطلبة مِنَ الذَّهب والفضة ما يفوقُ الوصف، ما بين عشرين ديناراً للشخص الواحد - وهم عددٌ يسير يأتي بيانهم - إلى نصفٍ دينار. ١١٩٦ وصلَّوْا عليه صلاة الغائب بغالب البلاد، وحصل الضَّجيج والبكاءُ والانتحابُ أسفاً على فقده، فمن الأماكن التي صُلِّي عليه بها كما علمتُه: مكة المشرفة، على ما كتبَ به إليَّ صاحبُنا ابنُ فهد الهاشمي محدِّثُها. وبيتُ المقدس، كما أخبرني به الشيخ شمس الدين ابن(١) الشيخ يوسف الصَّفِّي، وكان هُناك. قال: وتوجَّهْتُ إلى بلد الخليل عليه الصلاة والسلام، فصلوا عليه به في الجمعة القابلة، وكانت ساعةً عظيمة في الموضعين . وحلب، على ما أخبرني به غيرُ واحد، وما أشكُّ أَنَّه فُعِلَ كذلك بدمشق، بل وبغيرها مِنَ البلاد النائية، تقبَّل الله منهم. وأشيع بعد وفاته إشاعة امتلأت الأقطار والنَّواحي مِنْ ذكرها، أنه تُمثِّل بما أودعه الشّيخ شهاب الدين الحجازي كما سيأتي في مرئيته مما نُسِبَ للعلامة الزمخشري، وصار غالبُ النَّاس حتَّى العوام والنِّسَاء والصِّبيان يُنشدها، وينتحب، ولم يصحَّ ذلك عندي، فالله أعلم. [المنامات التي رؤيت له]: وأما المنامات التي رؤيت له في حياته وبعد موته، فشيءٌ كثير، لا أستطيع الإحاطة به، فمن ذلك: ما قرأتُه بخط برهان الدِّين البقاعي بظاهر مجلّد من ((تذكرة)) صاحب الترجمة، فقال، ومنه نقلت حرفاً بحرف: لمَّا كانت سنة أربعين وثماني مائة وقع بعضُ مَنْ يدَّعي العلمَ مِنَ الأروام في واقعٍ بَشِعٍ في مجلس الحديث عندَ السُّلطان الملك الأشرف بقلعة الجبل بالقاهرة في رمضان، فادَّعى عليه عندَ شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام، حافظ العصر، إمام أهل الدهر، المتفرّد منذ أزمان بالذّبِّ عن دين الإسلام، والمناضَةِ عن سُنَّةِ سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام، أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن (١) (بن)) ساقطة من (أ)، وهو محمد بن يوسف بن أحمد. مترجم في الضوء اللامع ٨٩/١٠ - ٩٠. ١١٩٧ علي بن حجر الشافعي، صاحب لهذه ((التذكرة))، أطال الله بقاءه، لرفع الدين: بقمع المعتدين، في قصة مطوَّلة، تعصب فيها مع الرُّومي أبناءُ جنسِه وبعضُ : الأتراك، بواسطة ميلهم إليه لأجل اللُّسان والمذهب، وغير ذلك على العادة، فشرع شخصٌ مِنَ الأتراك يذكر قاضي القضاة المشار إليه بما لا يليقُ بمقامه، فقال له آخرُ منهم: لا تفعل؛ فإِنِّي رأيتُ له مناماً عجباً، وحكى له المنامَ. فاجتمعت بذلك الرائي في يوم الثلاثاء سادس عشري الشهر مِنَ السَّنة، فحدثنا من لفظه، وهو طقتمر بن عبدالله النَّاصري، قال: لما توجَّه السُّلطان الملك الأشرف سنة ست وثلاثين وثماني مائة إلى آمد، فوصلنا إلى البيرة على شاطىء الفُرات، رأيت في المنام ليلة ست وعشرين مِنْ رمضان تلك السَّنة كأنّي دخلتُ مسجداً صغيراً، وفيه شيءٌ كأنَّه قبرٌ محجَّرٌ عليه بِخَشَبٍ، وفي ذلك الخشب طاقٌ، وإلى جانب ذلك. التَّحجيرِ نعش خشبٍ أبيض بأربع قوائم، وعلى النَّعش شخصٌ ممدود، عليه ثيابٌ بيضٌ شديدةُ الْبياض جداً، بحيث إنَّها لا تُشابِهُ ثيابَ أهل الدُّنيا، كأنها أكفانٌ، وليس مِنْ جسده شيءٌ يُرَى، وإلى جانبه أشخاصٌ ألوانُهمِ خُضْرٌ. وكان قاضي القُضاة الشَّافعي ابن حجر في محراب ذلك المسجد يصلِّي إِمَاماً ووراءه السُّلطانِ مِنْ جهة يمينه وقاضي القضاة البساطي المالكي مِنْ جهة يساره يصلِّيان مأمومَيْن، فأدركتُ معهم بعضَ الصَّلاة، ولم أعلم أيَّ صلاةٍ هي، فلمَّا سلمتُ قمت، فوضع بعض أولئك الأشخاص أيديهم على كتفي، وقالوا لي: أما تعرفُ هُذا؟ وأشاروا إلى ذلك الذي على النعش، فقلت: لا، فقالوا: لهذا رسولُ الله ◌َل واستدار القاضي الشافعي، فدعا ثم قام القاضي المالكي، فجاء إلى النبي ◌َ ◌ّ، فسلم عليه ومدَّ يدَه إلى صدر النبي وَّرُ ففرَّج بعضَ الأكفان يسيراً، وأخذ مِنْ هناك ياسميناً قدر ما وسعه كفّه، ثم تأخّر، وشرع يقرِّبه إلى أنفه ويشُمُّه، ثم يمدُّ يده، ثم يردُّها إلى أنفِه ويشم، وتناثر مِنْ يده خمسُ زهرات أو ستُّ، ثم قام الشَّافعيُّ، فجاء فَسَلَّم على النَّبِيِّ وَّهُ، وقَبَّل صدرَه، وشرعا يتكالمان بكلام لم أسمع أحسنَ منه ولا ألذّ، ولم أحفظ منه شيئاً، واستمر على ذلك زماناً طويلاً، لعلَّه بمقدار ما يطبخُ الإنسانُ لحماً ويُنْضِجُه، ثم أدخل يده الواحدة تحت كتف النبيِّ ◌ِيه ١١٩٨ والأخرى تحت وسطه، فأدخله إلى ذلك المكان المحجَّر مِنْ تلك الطاق مِنْ جهة رجلي النَّبِيِّ وَ ﴿ ﴿، والمكالمة مع ذلك بينهما مستمرَّة، حتى انتبهتُ وقت التّسبيح وهما على ذلك. انتهى. وقد أسلفتُ في الباب الرابع أَنَّ رُؤيَ النَّبِيُّ ◌َ في مجلس إملائه(١). وكذا رُؤيَ وَ﴿ في مجلس أسماعه؛ فمن ذلك: أنَّ أمَّ محمد فاطمة ابنة محمد بن محمد زوج الحاج محمد النجار، عرف بالعاقل، كانت جالسةً بالإيوان الجنُوبي مِنَ المدرسة المنكوتمرية للسّماع على صاحب الترجمة في (المعجم الأوسط)) للطبراني، فحصلت لها في حالة السَّماع إغفاءة، فرأت عن يمين الكرسيِّ الذي كان يجلس عليه القارىء حلقةً لطيفةً، فيها شخصٌ مرتدي بكساءٍ أو غيره أبيض لامع البياض، وقد سطع نور الرجل (٢) حتى غلب على نورُ الشمعة(٣). قالت: فتطاولتُ لأنظره، وقلت: ما هذا؟ فقيل: أما تعلمين؟! لهذا رسول اللهِ وَ﴾، جاء يحضرُ حديثَه. قالت: فأردتُ أن أضَجَّ بالصَّلاة عليه، وإذا صياحُ السَّامعين قد ارتفعِ بالصَّلاة عليه والسَّلام، فانتبهتُ على ضجَّتهم: ((صلى الله عليه وسلم))، وحدَّثَتْ بهذه الرؤية في ليلة الإثنين غُرَّة رجب سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، وكتبها عنها صاحبُنا النَّجم ابن فهد الهاشمي وغيره مِنْ أصحابنا، وممَّن سمعها الشمس السُّنباطي. وبلغني عن بعض المنسُوبين إلى الخير أنَّه في السَّنة التي ماتَ فيها صاحبُ التَّرجمة كان بالحجاز، وأنَّه بعد الزِّيارة - وكان ذلك قُبيل موت صاحب التَّرجمة بأيام - رأى في منامه كأنَّه في المدينة النبوية، وباب الحجرة الشَّريفة مغلوقٌ، والنَّاس قيام ينتظرون فتحَه، وقد ازدحموا، وطال وقوفهم (١) مسألة رؤية النبي ◌َ ﴿ بعد وفاته مما انتشر بين المتصوفة، ولا يصح ذلك، فما أُثِرَ عن الصحابة رضوان الله عليهم، وهم كانوا أشد شوقاً إلى رؤيته وَلغيره، أنهم رأوه أو أنه عليه السلام زارهم أو أتاهم في مجالسهم، والعجب من المصنف رحمه الله كيف يأتي بهذه الحكايات التي لا تصح ولا تتفق مع العقيدة الصحيحة. (٢) في (ب، ط): «سطع نوره)). (٣) في (أ): ((الشمس)). ١١٩٩ وهم كذلك، وأنَّه قيل لهم: لا يفتحُه إلا ابن حجر. قال فما لبثنا أن جاء المشار إلیه، ففتح لهم فدخلوا وزاروا. وأخبر شخص أنه رأى كأنَّ النبيَّ ◌َّ بالمدرسة المنكوتمرية وهو وصاحب الترجمة يتحدثان، وخلفهما الرأي وجامعُه، ويليهما جماعةٌ كثيرون، وكأنهم في انتظار صلاة العصر (يوم الجمعة) (١)، فقام صاحبُ التَّرجمة إليهما، وأمر جامعَه بالصَّلاة للقوم إماماً، ورجع إلى مكانه. وحكى الفاضل الأمير تغري برمش الفقيه أنَّه رأى في ليلة النِّصف مِنْ ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وثماني مائة كأنه في جامع كبير أو نحوه، وجماعة مُطَيْلَسُون أكثر مِنْ مائة هناك، وكأنهم حضروا لدرسِ أو إملاءٍ، وثَمَّ شيخٌ كبير متصدِّرٌ في القبلة وهو يُملي عليهم الحديث، وأنَّه جَلَسَ بينهم، وصار يُباحث الشَّيخَ في الحديث ومتعلقاته، وأنَّ الجماعةِ جعلوا يُشيرون إليه بالسُّكوت، وأَنَّه سأل ممَّن بجانبه عن هذا الشيخ المُملي، فقال: هو الشَّيخ الإمام أبو بكر الإسماعيلي الحافظ الفقيه صاحب ((المستخرج))، وأنَّه لمّا علم ذلك، استخيى منه، فقال لهم الشيخ: دعوه يتكلّم، فإنه تلميذ أو من تلاميذ ابن حجر. ... وبلغني عن بعض الصَّالحين أنَّه رأى كأنَّه بالموقف، ورام دخُول الجنَّة، فقيل له: حتى يدخُلَ الشَّيخُ شهابُ الدِّين ابن حجر. وأخبرني البدرُ حُسبين الأزهري أنه رآه في المنام وبين يديه جفْنَةٌ كبيرة ممتلئة لبناً، والنَّاسُ يجيئون فيشربون منها وهي على حالها لا تنقُص شيئاً. وبلغني عن الشَّمس الدَّميري - أحدِ الموقِّعين - أنَّه رأى ليلة وفاةٍ صاحب التَّرجمة أنَّ البحر قد نشف، ولم يبق منه إلا مقدارِ مجرأةٍ فيها ماء يسيرٌ، بحيث إنَّه توضأ منه، فصار يصعد معه الرمل لقلَّته. قال: فلمَّا أصبحتُ، سمعت بموت صاحبِ التَّرجمةِ. ويلغني عن البرهان التَّرقِّي - أحد الموقعين بالدَّست - أنَّ زوجته استيقظت صبيحةً اللَّيلة التي تُوفي فيها صاحبُ التَّرجمة، ولم تكن علمت (١) ما بين قوسين ساقط من (ب). ١٢٠٠